الفصل الثاني: بيان حكم التجسس عمومًا

كما ذكرت أعلاه فإن الجاسوس الذي نقصده في هذا البحث هو الذي يطلع على عورات المسلمين ويبلغها إلى أعدائهم، إلا أن الكلام في هذا الموطن ليس خاصًا بهذا النوع من الجواسيس، بل بيان الحكم مطلقًا.

فلقد جاء النهي الأكيد والوعيد الشديد لمن يتجسس على المسلمين ويتتبع عوراتهم، لما في ذلك من الأذية العظيمة لهم سواء في أمر دينهم أو دنياهم، ولما فيه من هتك أستارهم، والخلوص إلى أسرارهم، وفتح الباب لتطاول أشرارهم وفجارهم.

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحجرات: 12].

ص 759

فالآية تنهى نهيًا صريحًا عن تجسس المسلمين بعضهم على بعض، وسواء كان هذا التجسس بالتسمع لمعرفة الأخبار، أم بالنظر للاطلاع على ما وراء الأستار، فكل ذلك محرمٌ يجب اجتنابه والتنزه عنه، وهو من أعظم ما يوغر القلوب بالأحقاد، ويشحن الصدور بالبغضاء، ويفرق الجماعات، ويفسد المجتمعات، ويذهب الثقة والطمأنينة، ويبث الظنون الكاذبة، ويُشيع التهم الباطلة، ويُطلق الألسن بالقيل والقال، والطعن والثلب، والتنقيص والإفك، حتى لا تبقى لمسلم حرمة، ولا لبيت صيانة، ولا لمجتمع حمى، بل تتسلط الأعين الخائنة والألسن الحداد على الجميع وهي تبدد أواصرهم، وتمزق أوصالهم، وتفرق جماعتهم، وتفسد ذات بينهم، فيتقطع جسد المسلمين الواحد إربًا، إربًا، فلا تبقى لهم ألفة ولا أخوة ولا رابطة فيكونون بعدها لقمة سائغة لأعدائهم من شياطين الإنس والجن ولهذا كان من أكبر مهام الشيطان التحريش بين المسلمين كما قال النبي ﷺ: (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)١٬٣٦٥رواه مسلم [2812] عن جابر رضي الله عنه..

وعن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة قتات)١٬٣٦٦رواه البخاري [٦٠٥٦]، ومسلم [١٠٥]، وغيرهما.، قال الإمام ابن الأثير رحمه الله في معنى القتات: «هو النمام، يقال: قت الحديث يقته إذا زوره وهيأه وسواه، وقيل: النمام: الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات: الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم»١٬٣٦٧النهاية في غريب الأثر: (4 /18)..

ولتحتم وقوع المتجسس على المسلمين في الغيبة فقد جاء النهي عنها عقبه لأنه وسيلة إليها قطعًا، قال العلامة طاهر بن عاشور رحمه الله: «والتجسّس من المعاملة الخفية عن المتجسس عليه، ووجه النهي عنه أنه ضرب من الكيد والتطلع على العورات، وقد يرى المتجسس من المتجسس عليه ما يسوؤه فتنشأ عنه العداوة والحقد، ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش.

وذلك ثلم للأخوة الإسلامية لأنه يبعث على إظهار التنكر ثم إن اطلع المتجسس عليه على تجسس الآخر ساءه فنشأ في نفسه كره له وانثلمت الأخوة ثلمة أخرى كما وصفنا في حال المتجسِّس، ثم يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه»١٬٣٦٨التحرير والتنوير: (14/27)..

وكما نهى القرآن عن التجسس فكذلك جاء النهي على لسان النبي ﷺ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) متفق عليه١٬٣٦٩[البخاري: (٦٠٦٦)، ومسلم: (2563)]..

ص 760

وعن أبي برزة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)١٬٣٧٠أخرجه [بألفاظ قريبة] أحمد [(١٩٧٧٦)، وقال الأرنؤوط: «صحيح لغيره»]، وأبو داود [(٤٨٨٠)، وقال الألباني: «حسن صحيح»]، والبيهقي [٢١١٦٤]، وأبو يعلى [1675]..

ولعظم حرمة المسلم عند الله، فقد جوزت الشريعة فقأ عين من اطلع على بيت أحدهم من فتحة أو نافذة بغير إذنه ولا ضمان عليه في ذلك، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه)١٬٣٧١[رواه مسلم: (٢١٥٨)]..

وعن أنس رضي الله عنه: (أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه النبي ﷺ بمشقص أو بمشاقص فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه)١٬٣٧٢رواه البخاري [٦٢٤٢]، ومسلم [٢١٥٧]..

وهذه الآية والأحاديث عامة في جميع أنواع التجسس على المسلمين، ويدخل فيها دخولًا أوليًا أولئك الذي يكدون ليلًا ونهارًا، وينفقون ساعات أعمارهم وهم يحاولون تحصيل معلومة صغيرة أو كبيرة ليوصلوها إلى أعداء الله تعالى من اليهود أو النصارى أو المرتدين أو غيرهم من الكفرة ويقروا أعينهم بها ليُلقوا لهم مقابلها شيئًا من فتات الدنيا الحقير يستمتعون به حينًا ولا يعنيهم بعد ذلك ما يذوق المسلمون من الويل الوبيل، والتنكيل والتقتيل جراء معلوماتهم وتجسسهم، فعن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبًا فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة)١٬٣٧٣رواه أحمد [١٨٠١١]، وأبو داود [(4881) وصححه الألباني]، والحاكم [(٧١٦٦)، وصححه] وغيرهم..

ص 761

قال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في معنى الحديث: «(من أكل برجل مسلم)؛ أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه، أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه، (أكلة)؛ بالضم أي لقمة أو بالفتح أي مرة من الأكل، (من جهنم)؛ أي من نارها أو من عذابها، (ومن كُسِيَ)؛ بصيغة المجهول، (ثوبًا برجل مسلم)؛ أي بسبب إهانته.

قال في النهاية: معناه الرجل يكون صديقا ثم يذهب إلى عدوه فيتكلم فيه بغير الجميل ليجيزه عليه بجائزة فلا يبارك الله له فيها»١٬٣٧٤عون المعبود: (13/154)..

فليستبشر جواسيس الطغاة وعيونهم الذين يلهثون لهث الكلاب من أجل لقيمات يستمتعون بها، أو خرقٍ يكتسونها من وراء ما يقدمونه لأسيادهم من أخبارٍ ويتصيدونه من عورات وينقبون عنه من خفايا وخبايا فليستبشروا بغصص جهنم وأكلها وكسائها وأثوابها، فثَم ثَمَّ الحساب، وعند الله تجتمع الخصوم، قال ﷻ: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩ يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠ وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾ [الحج: 19-22]، وقال عز من قائل: ﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦ يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ﴾ [إبراهيم: 15-17].

وليعلموا أن وراءهم يوما طويلًا، وعذابا وبيلًا، وحسابًا عسيرًا، يسألون فيه عن كل دم يهراق بتجسسهم، وكل عرض انتهك بوشايتهم، وكل بيت هدِّم بأخبارهم، وكل طفل يُتِّم بجشعهم، وكل مسلم أُسر بملاحقاتهم، فليُعدوا لذلك كله جوابًا لن تقوم مقامه المخادعات والتمويهات، وما زال في العمر سعة لمن أراد أن يتوب ويؤوب ويقلع عن هذه المهنة الخسيسة القذرة التي يتنزه عنها كل شريف، فضلًا عن رجلٍ يدعي الانتماء للدين الحنيف، ويزعم الولاء للمؤمنين وإن أصروا واستكبروا وتمادوا فجهنم تسعهم وتسع الملايين من أمثالهم: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣ طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ ٤٤ كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ٤٥ كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٦ خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧ ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨ ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩ إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ﴾ [الدخان: 43-50].

ص 762

هذا وقد استثنى عدد من العلماء بعض الحالات فجوَّزوا فيها التجسس على المسلم درءًا لمفاسد كبيرة متحققة لا يمكن دفعها إلا بهذا الطريق، فهو مندرج في عموم القاعدة الفقهية: «إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا»١٬٣٧٥الأشباه والنظائر: (1/161)..

قال الإمام الماوردي رحمه الله: «وأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها ولا أن يهتك الأستار حذرا من الاستتار بها، قال النبي ﷺ: (من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى عليه)١٬٣٧٦[تقدم في: (ص 296)]..

فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات دلت، وآثار ظهرت فذلك ضربان:

أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا بامرأة ليزني بها أو برجل ليقتله؛ فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذارًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات، وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف، والبحث في ذلك والإنكار»١٬٣٧٧الأحكام السلطانية: (2/8)..

وكما هو جليٌّ فالأمر هنا منضبط بقواعد الشرع، وجارٍ على سننه، ومقيد بأصوله، وليس للأهواء فيه مدخل بحيث يفتح بعض من رق دينهم على أنفسهم أبواب التعلل ومنافذ التحيل فينتهكون حرمات مصونة، ويتصيدون عثرات مظنونة، ويتحينون فرص فضح العباد فيقتحمون عليهم قعر البيوت بغير حجة محققة ولا بينة جلية ولا شواهد قوية، ولا مفاسد قطعية تحت دعاوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالأصل الأصيل هو حرمة دم المسلم وعرضه وماله كما قال النبي ﷺ في خطبته الجامعة خطبة الوداع: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت)١٬٣٧٨رواه البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي بكرة رضي الله عنه [وقد تقدم في: (ص 247)]..

ص 763

فمن ضن بدينه وخشي ربه استمسك بهذا الأصل وعض عليه بالنواجذ، فعظم شأن المسلم وصان حرمته في دمه وماله وعرضه سواء بسواء، فما أكثر المسلمين الذين تجدهم يعظمون دم المسلم -وهو حقيق بذلك بلا شك- ويتورعون أشد الورع عنه حتى يشمل ورعهم أحيانًا المواطن التي يستحق فيها القتل بحكم الشرع، ومع ذلك فلا تجد في قلوبهم أدنى وازع ولا رادع ولا مانع ولا دافع من تقطيع أوصال أعراض المسلمين بألسنتهم، بالغيبة والنميمة والطعن واللعن والإفك والافتراء، وما دروا أن الذي حرم ذاك قد حرم هذا، وأن الجميع في ميزان الله ثقيل، فكما يصون المسلم سيفه عن التلطخ بدم أخيه المسلم الذي حرَّمه الشرع فيلزمه حفظ لسانه عن تقطيع أعراض المسلمين وتمزيقها، وحفظ سمعه وبصره عن تتبع عوراتهم وتصيد عثراتهم والتنقيب عن مستوراتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36].

وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه، صب في أذنه الآنك يوم القيامة)١٬٣٧٩رواه البخاري [7042] وغيره.، قال ابن الأثير: «هو الَّرصاص الأبيض، وقيل الأسود، وقيل الخالص منه»١٬٣٨٠النهاية: (1/185).، نسأل الله السلامة والعافية لنا ولسائر المسلمين، والله تعالى أعلم.

❖ ❖ ❖

ص 764