باب في نيل الشهادةِ بالصبرِ والاحتسابِ وما تكفِّره من الذنوب
الحديث التاسع والعشرون: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه: (أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلاَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام قَالَ لِي ذَلِكَ)١٬٨٩٧رواه مالك [٩٣٣]، وأحمد [٢٢٥٨٥]، ومسلم [١٨٨٥]، والنسائي [٣١٥٧]، وغيرهم..
❖ ❖ ❖
الحديث الثلاثون: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ)١٬٨٩٨رواه أحمد [٧٠٥1]، ومسلم [١٨٨٦]، وفي لفظ له: (الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ)..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: تحريض النبي ﷺ أصحابَه على الجهاد في سبيل الله قيامًا بأمر الله له بذلك.
الثانية: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة أحكام دينهم والتثبت فيها.
الثالثة: تكفير الشهادة لكل الذنوب والخطايا إلا الدَّين، قال العلماء: ومثله كل ما هو من حقوق العباد.
الرابعة: ضرورة التحلل من حقوق العباد والتخلص منها والحذر من التساهل فيها.
الخامسة: إذا كانت الشهادة لا تكفِّر الدين وقد أخذ برضا الدائنِ وعلمه فلأن لا تكفِّر غيره من حقوق العباد المادية والمعنوية من باب أولى والله أعلم، قال الصنعاني: «وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما أخذ غصبًا ونهبًا وسلبًا؟»١٬٨٩٩[سبل السلام: (3/٢٥٨)]..
السادسة: أن المقتول الذي تكفَّر خطاياه هو من كان قتاله في سبيل الله.
السابعة: فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله حيث كُفِّرت بها جميع الخطايا إلا حقوق بني آدم، قال النووي: «فيه هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد وهي تكفير خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين»١٬٩٠٠[شرح النووي على مسلم: (13/29)]..
الثامنة: أن السنة وحيٌ، لقوله: فإن جبريل قال لي ذلك، قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث أن جبريل كان ينزل على النبي ﷺ بما يتلى من القرآن وبغيره من الحكمة والعلم والسنة»١٬٩٠١[الاستذكار: (5/104)]..
التاسعة: فيه إشارةٌ إلى عِظَم شأن الدَّين، والتحذير منه، وكراهة الدخول فيه مهما أمكن.
متفرِّقات:
أولًا: الحديث في صحيح مسلم تحت: «باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدَّين»، وعند البيهقي تحت: «باب مَا جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ في الدَّيْنِ»، وابن حبان تحت: «ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجَنَّةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلشَّهِيدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِحُكْمِ الْأَمِينَيْنِ مُحَمَّدٍ وَجِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ».
قلتُ: وفي هذا الإطلاق الذي ترجم به الإمام ابن حبانٍ رحمه الله نظرٌ، كما نبهني على ذلك بعض الفضلاء.
ثانيًا: قال ابن عَلَّان رحمه الله: «(إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر)؛ أي: على ملاقاة القرن وجراحات السيوف وطعن الرماح وغير ذلك من أتعاب الحرب، (محتسب)؛ أي: مخلص لله تعالى، فإذا قاتل لمعصية أو لغنيمة أو لصيت فلا يحصل له ما ذكر في الخبر من الثواب ولا غيره، (مقبل غير مدبر)؛ أي: على وجه الفرار»١٬٩٠٢دليل الفالحين: (2 / 258)..
ثالثًا: قال النووي رحمه الله: «وأما قوله ﷺ إلا الدين ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين وإنما يكفر حقوق الله تعالى»١٬٩٠٣[شرح النووي على مسلم: (13/29)].، وقال الشوكاني: «ويلحق بالدين ما كان حقًا لآدمي من دم أو عرض بجامع أن كل واحد حق لآدمي يتوقف سقوطه على إسقاطه»١٬٩٠٤نيل الأوطار: (8 /26)..
رابعًا: هذه الأحاديث مما يستدل بها العلماء على وجوب استئذان المدين دائنه في الخروج للجهاد حينما يكون فرض كفاية، وكلامهم في ذلك معروفٌ، وللشوكاني كلامٌ في المسألة غير ما اشتُهِر حيث يقول رحمه الله: «ووجه الاستدلال بأحاديث الباب على عدم جواز خروج المديون إلى الجهاد بغير إذن غريمه أن الدين يمنع من فائدة الشهادة وهي المغفرة العامة، وذلك يبطل ثمرة الجهاد... ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدَّين، وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدا منها؟! فالقول: بأن ثمرة الشهادة مغفرة جميع الذنوب ممنوعٌ، كما أن القول بأن عدم غفران ذنب واحد يمنع من الشهادة ويبطل ثمرة الجهاد ممنوع أيضا، وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بأذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان... إلخ»١٬٩٠٥نيل الأوطار: (8 /26).، هذا ما قاله والسلامة لا يعدلها شيءٌ.
خامسًا: الحديث الأول سئل فيه النبي ﷺ عن تكفير الشهادة للذنوب والخطايا فاستثنى منها الدين، والحديث الثاني قال فيه (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين)، فالظاهر من سياق الكلام أن الدين الباقي في ذمة الشهيد هو ذنبٌ يحتاج إلى التكفير، فيكون المعنى: إلا ذنبَ الدين، أو إلا خطيئة الدين، ومعلوم أن الدين هو مالٌ يأخذه المدين من الدائن صاحب المال بعلمه ورضاه ليصرفه في حاجته ويسقط بالأداء أو الإبراء، وهو مأذونٌ به في الجملة في الشرع وفيه أطول آية في كتاب الله تعالى فصلت أحكامه، فكيف يكون ذنبًا؟
وللعلماء طرقٌ في الجواب على ذلك يطول المقام بذكرها ويُخرجنا عن مقصود الرسالة ويضطرنا للدخول في التقريرات الفقهية، وإنما ذكرت هذا السؤال تنشيطا للقارئ على البحث، ولكن أنقل هنا اختصارا ما قاله السندي رحمه الله: ««إلا الدين»؛ أي إلا تركَ وفاءِ الدين، إذ نفس الدين ليس من الذنوب، والظاهر أن ترك الوفاء ذنب إذا كان مع القدرة على الوفاء فلعله المراد... ويمكن أن يقال إن هذا محمول على الدين الذي هو خطيئة وهو الذي استدانه صاحبه على وجه لا يجوز بأنْ أَخَذَه بحيلة أو غصبه فثبت في ذمته البدل، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس فيكون الدين المأذون فيه مسكوتا عنه في هذا الاستثناء فلا يلزم المؤاخذة به لجواز أن يعوض الله صاحبه من فضله»١٬٩٠٦حاشية السندي على النسائي: (6 / 34)..
❖ ❖ ❖