باب ضحكُ الرب ﷻ إلى قتيلٍ وقاتله جمعتهما الجنة

الحديث الخامس والثلاثون: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَقَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ)١٬٩٣٣رواه مالك [١٦٧٣]، وأحمد [٩٩٧٦]، والبخاري [٢٨٢٦]، ومسلم [١٨٩٠] وغيرهم..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: إثبات صفة الضحك لله ﷻ على ما يليق بجلاله.

الثانية: أن الشهادة من أسباب دخول الجنة، فالحديث دال على فضلها أيضًا.

الثالثة: الإسلام مع التسديد يجُبُّ ما قبله.

الرابعة: أن الهداية والتوفيق إليها بيد الله ﷻ، هذا مع سعة رحمته وجميل عفوه.

الخامسة: هذا الفضل يحصل لمن كان قتاله في سبيل الله، ففيه التحضيض على الإخلاص والاستقامة.

السادسة: أن الولاء معقودٌ على رابطة الإيمان لا غير، فالقاتل لما كان كافرًا كان عدوًا لله وللمؤمنين، فلما آمن صار من جملة عباد الله المحبوبين.

السابعة: حسن عرض العلم بالتشويق والترغيب، وهذا ظاهرٌ في الحديث، ولذا بادر الصحابة رضي الله عنهم بسؤال النبي ﷺ عن الرجلين المذكورين.

متفرِّقات:

ص 1135

أولًا: بوب عليه البخاري بقوله: «بَاب الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ»، وجاء في صحيح مسلم تحت: «بَاب بَيَانِ الرَّجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ»، وعند مالك: «بَاب الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، والنسائي في المجتبي: «اجْتِمَاعُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ»، وأبو عوانة: «بيان صفة وجوب الجنة للمقتول ولقاتله»، وابن حبان: «ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ اللَّهَ ﷻ، قَدْ يَجْمَعُ فِي الْجَنَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَقَاتِلِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، إِذْ سَدَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَ»، وفي موطن آخر: «ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ اجْتِمَاعِ الْقَاتِلِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ فِي الْجَنَّةِ إِذَا سَدَّدَ»، وبوب عليه البيهقي بقوله: «باب الرَّجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيَدْخُلاَنِ الْجَنَّةَ».

ثانيًا: قال العلامة السعدي عن الحديث المذكور: «وهذا أيضًا من كمال وجمال إحسانه وسعة رحمته، فإن المسلم يقاتل في سبيل الله ويقتله الكافر، فيكرم الله المسلم بالشهادة، ثم يمن الله على ذلك الكافر والقاتل فيهديِه للإِسلام، فيدخلان الجنة جميعا، وهذا من تفريع جوده المتتابع على عباده من كل وجه، والضحك يكون من الأمور المعجبة التي تخرج عن نظائرها، وهذه الحالة المذكورة كذلك، فإن تسليط الكافر على قتل المسلم في بادئ الأمر أمر غير محبوب، ثم هذا المتجرئ على القتل يتبادر لأذهان كثير من الناس أنه يبقى على ضلاله ويعاقب في الدنيا والآخرة، ولكن رحمة الله وإحسانه فوق ذلك كله، وفوق ما يظن الظانون ويتوهم المتوهمون»١٬٩٣٤التنبيهات اللطيفة: (55)..

ثالثًا: قال ابن عبد البر عن الحديث: «وفيه دليل أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة -إن شاء الله- وكل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة»١٬٩٣٥[الاستذكار: (5/97)]..

ص 1136

رابعًا: قال ابن حجر: «قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرًا، قلت: «القائل ابن حجر»: وهو الذي استنبطه البخاري في ترجمته، ولكن لا مانع أن يكون مسلـمًا لعموم قوله: (ثم يتوب الله على القاتل)، كما لو قتل مسلم مسلـمًا عمدًا بلا شبهة ثم تاب القاتل واستشهد في سبيل الله، وإنما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم عمدا لا تقبل له توبة»١٬٩٣٦[فتح الباري: (6/40)].، ولكنه ذكر بعد ذلك روايات صريحة في أن القاتل التائب في الحديث كان كافرًا، والله أعلم.

خامسًا: قال السعدي: «وهذا الحديث من جملة الأحاديث المرغبة في الدخول في الإسلام وفتح أبواب التوبة بكل وسيلة؛ فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وما عمله الإنسان في حال كفره، وقد أسلم على ما أسلف، حتى الرقاب التي قتلها نصرًا لباطله، والأموال التي استولى عليها من أجل ذلك. كل ذلك معفو عنه بعد الإسلام»١٬٩٣٧[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار: (ص 173)]..

❖ ❖ ❖

ص 1137