نحبك يا سلمان.. قصيدةُ الشيخ يونس الصحراوي؛ تجاوبًا مع قصيدة الشيخ سلمان العودة

[كانت هذه القصيدة في ظل اعتقال الشيخ العودة الأول (1994 – 1999م) ويَغلب على الظن أن الشيخ أبا يحيى قال قصيدته هذه في 1417هـ / 1997م، والله أعلم]

[القصيدتان على البحر: الطويل]

كتبَ قصيدته٣٬٧٠١[قصيدة الشيخ سلمان العودة في رثاء ابنه الذي قضى نحبه، والشيخ في السجن بعد أن رفض الجلادون إخراجه لحضور الجنازة:
وَدَاعًا حَبِيبِي لَا لِقَاءَ إِلَى الْحَشْرِ
وَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِي عَلَيْكَ لَظَى الْجَمْرِ
صَبَرْتُ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ لِي مَخْلَصًا
إِلَيْكَ وَمَا مِنْ حِيلَةٍ لِي سِوَى الصَّبْرِ
تَرَاءَاكَ عَيْنِيْ فِي السَّرِيرِ مُوَشَّحًا
عَلَى وَجْهِكَ الْمَكْدُومِ أَوْسِمَةُ الطُّهْرِ
بَرَاءَةُ عَيْنَيْكَ اسْتَثَارَتْ مَشَاعِرِي
وَفَاضَتْ بِأَنْهَارٍ مِنَ الدَّمْعِ فِي شِعْرِي
وَكَفَّاكَ حِينًا تَعْبَثَانِ بِلِحْيَتِي
وَحِينًا عَلَى كَتْفِي وَحِينًا عَلَى صَدْرِي
أَرَى فَمَكَ الْحُلْوَ المُعَطَّرَ فِي فَمِي
كَمَا اعْتَدتَّ هَذَا الحُبَّ مِنْ أَوَّلِ الْبِرِّ
تُحَاصِرُنِي ذِكْرَاكَ يَا سَاكِنَ الْقَبْرِ
وَتَجْتَاحُ أَعْمَاقِي وَإِن كُنْتُ فِي الْأَسْرِ
أَرَاكَ جَمِيلًا رِافِلًا فِي جَزِيرَةٍ
بِمَعْشَبَةٍ فَيْحَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
وَتُفْرِحُنِي أَطْيَافُكَ الْخُضْرُ أَنْ بَدَتْ
مُضَخَّمَةً شُكْرًا لِأَطْيَافِكَ الْخُضْرِ
وَأَلْعَابُكَ اشْتَاقَتْ إِلَيْكَ وَهَالَهَا
غِيَابُكَ عَنْهَا مَيِّتًا وَهْيَ لَا تَدْرِي
يَتَامَى يُكَسِّرْنَ القُلُوبَ هَوَامِدًا
وَلَمَّا يَصِلْ أَسْمَاعَهُا فَاجِعُ السِّرِّ
حَبِيبِي فِي شَعْبَانَ أَلْفَيْتَ زَائِرًا
طُرُوبًا إِلَى لُقْيَايَ مُبْتَسِمَ الثَّغْرِ
قَعَدْتَ بِحَجْرِي وَالسُّرُورُ يَلُفُّنِي
وَشَنَّفْتَ سَمْعِي تَالِيًا سُورَةَ الْعَصْرِ
أَرَاكَ تُعَزِّينِي بِهَا وَتَلُومُنِي
عَلَى جَزَعٍ تَخْشَاهُ مِن جَانِبِ الدَّهْرِ
تَمَنَّيْتُ لَوْ تُغْنِي الْأَمَانِيُّ نَظْرَةٌ
إِلَى جَسَدٍ ذَاوٍ يُغَرْغَرُ بِالسِّدْرِ
تَمَنَّيْتُ حَتَّى وَقْفَةً عِندَ نَعْشِهِ
تَرُدُّ إِلَى نَفْسِي الَّذِي ضَاعَ مِنْ صَبْرِي
تَمَنَّيْتُ مَا نَالَتْ أُلُوفٌ تَوَجَّهَتْ
إِلَى رَبِّهَا صَلَّتْ عَلَيْكَ مَعَ العَصْرِ
تَمَنَّيْتُ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ أَحُثُّهَا
عَلَى قَبْرِكَ الْمَيْمِونِ قَدْ طَابَ مِنْ قَبْرِ
أَبَا طَارِقٍ جَلَّ المُصَابُ لِفَقْدِكُمْ
ثَمَانِيَةٌ زُهْرٌ كَمَا الْأُنجُمُ الزُّهْرُ
كَأَنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ زَمَانِ رَحِيلِكُمْ
بُعَيْدَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالصَّوْمِ وَالذِّكْرِ
غَسَلْتُمْ بِصَافِي الدَّمْعِ صَافِي قُلُوبِكُمْ
فَشَعْشَعَ فِيهَا النُّورُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّي
وقد عارضَ الشيخُ هذه القصيدة بالأبيات المذكورة أعلاه، فجزاه الله خيرًا، وفك أسر الشيخ العودة المأسور في سجون آل سعود].
والحزن يعصر قلبه، وصاغ حروفها بدم قلبه ودمع عينه..

ص 2964

كتبها والكآبة تلقي بظلالها على كل شيء من حوله، وجنود الطغيان يصفقون ويرقصون، وقلب الشيخ يتفطر، وعيناه تذرفان، لكن قصيدته اخترقت جدران السجن، واستعصت على أن تكون حبيسة زنزانة.

تمامًا ككلمة الحق التي أبى الشيخ أن تبقى حبيسة في صدره يهمس بها في آذان تلاميذه.

طارت القصيدة إلى قلوب المحبين من وراء البحار والحدود الزائفة التي عجزت عن منع تواصل القلوب، واندماج الكلمات، وتَعانُق الأبيات.

نُحِبُّكَ يَا سَلْمَانُ فِي العُسْرِ وَالْيُسْرِ

فَرُوحِي لَكُمْ تَسْرِي وَأَنْتُمْ لَدَى الْأَسْرِ

فَقُل لِلطُّغَاةِ الْوَاقِفِينَ بِبَابِكُمْ

بِأَنِّي مُزَارٌ كُلَّ يَوْمٍ بِلَا نُكْرِ

فَلَوْلَا مَنَعْتُمْ زَائِرِيَّ فَإِنَّهُمْ

أُلُوفٌ وَلَكِنْ لَا يُرَدُّون بِالْقَهْرِ

وَإِن كُنتَ فِي دَارٍ يَضِيقُ فَنَاؤُهَا

وَقَدْ حُرِمَتْ عَينَاكَ مِنْ بَسْمَةِ الْبَدْرِ

فَأَنتَ طَلِيقٌ إِذْ تَرَكْتَ مَشَاعِلًا

مِنَ الْعِلْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْقَوْلِ وَالْحَبْرِ

وَأَنتَ نَزِيلُ السِّجْنِ حُرٌّ وَمُطْلَقٌ

وَأَعْدَاؤُكُمْ فِي قَبْضَةِ الْأَسْرِ بِالْقَصْرِ

يَعِيشُونَ عُمْرًا فِي الْحَيَاةِ مُنَغَّصًا

وَهَذَا جَزَاءُ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الذِّكْرِ

فَوَاللهِ مَا ازْدَدْتُم وَلَوْ طَالَ سِجْنُكُمْ

سِوَى رِفْعَةٍ بَيْنَ الْخَلَائِقِ فِي القَدْرِ

وَهَذَا طَرِيقُ الصَّادِقِينَ فَإِنَّهُمْ

يَكِيدُ لَهُمْ أَهْلُ الضَّلَالَاتِ وَالْكُفْرِ

وَلَا سِيَّمَا فِي ذَا الزَّمَانِ الَّذِي أَتَى

بِهِ الْكُفْرَ أَلْوَانًا مِنَ الْخُبْثِ وَالْمَكْرِ

فَفِي وَجْهِ أَهْلِ الزَّيْغِ قَامَ ابْنُ حَنْبَلٍ

كَمَا قَامَ لِلْأَعْدَاءِ يَوْمًا أَبُو بَكْرِ

وَلَمْ يَثْنِهِ عَنْ قَوْلَةِ الْحَقِّ ضَرْبُهُمْ

وَقَدْ نَالَهُ مِنْ سَوْطِهِمْ أَيَّمَا شَرِّ

وَلَكِنَّه حَازَ الْإِمَامَةَ بَعْدَ ذَا

فَعَنَّا جَزَاهُ اللهُ بِالْخَيْرِ وَالْأَجْرِ

فَمَن رَامَهَا خَلْفَ المَنَاصِبِ قُل لَّه:

لَتِلْكَ وَرَبِّي لَهْيَ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ

فَلَا تَبْتَئِسْ يَوْمًا بِحَالِكَ إِنَّمَا

تَصَبَّرْ فَإنَّ النَّصْرَ يَأْتِي مَعَ الصَّبْرِ

وَقَد هُيَّجَتْ نَفْسِي بِمَا قَدْ كَتَبْتَهُ

«وَدَاعًا حَبِيبِي لَا لِقَاءَ إِلَى الْحَشْرِ»

وَأُهْدِي سَلَامِي فِي الخِتَامِ إِلَيْكُمُ

وَمَن وَقَعُوا فِي قَبْضَةِ الْكُفْرِ وَالْغَدْرِ

❖ ❖ ❖

ص 2965

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا