مِنَّة الرحمن.. في اغتنام شهر رمضان

[رمضان 1431هـ / 8 – 2010م]

۞

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين، وعلى من اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، ثم أما بعد...

فلحكمة يعلمها الله خلق سبحانه الخلق على صفات مختلفة، وأحوال للنفس متقلبة، وسجايا وطبائع متعددة، فجعل منهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، والرقيق الرفيق والفظ الغليظ، والمجتهد الحريص والكسول المتهاون.

ثم أرسل لهم رسله وشرع لهم شرائعه بما يسمو بهم عن دني الصفات، ويزكِّي قلوبهم من رين المعاصي ويطهرها من سخيف الشهوات، وينوِّرها من ظلمات الريب وحوالك الشبهات، ويُجلي البصائر الكليلة عند عشو الجهالات، فجاءت أحكامه المحكمة موافقة لمطالب الفطر التي فطرها، ومرشدة للعقول وحاكمة لها عن التفلت لئلا تتجاوز حدودها، وزاجرة للنفوس ومانعة لها من اتباع أهوائها، فهي الحق الذي ليس بعده إلا الباطل، والهدى الذي ليس دونه غير الضلال، والنور الذي ما وراءه إلا الظلمات، والسكون الذي لا يُفارَق إلا إلى اضطراب، والانشراح الذي لا يقابله إلا الضنك والضيق، قال ﷻ: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 124-126]، وقال الحكيم العليم: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال ﷻ: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].

ص 1967

فمن آمن بربه، واستسلم له بجوارحه وقلبه، وأذعن لشريعته ظاهرًا وباطنًا، طابت بذلك نفسُه فآتت أكلها، واستقامت أحوالها، وحصَّلت زكاءها، ونالت تقواها، وهو الفضل العظيم الذي ما بعده فضل، والنعمة البالغة التي لا تعدلها نعمة، والمنة السابغة التي لا تقابلها منة، كيف وما ذلك إلا لازدياد رسوخ قدم العبودية لله سبحانه، وسير في الصراط المستقيم والطريق القويم الذي لا ترى فيه عوجًا ولا أمتا، والذي نسأل الله كل يوم مرارًا أن يهدينا إليه وفيه ويثبتنا عليه، ﴿ٱهـۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7].

وهو منتهى الطلب، وغاية الأرب، قال الله سبحانه ممتنًا على عبده ورسوله وحبيبه ﷺ: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ [النساء: 113]، وقال ﷻ: ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231]، وقال عز من قائل: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [الحجرات: 7-8]؛ فالمسلم مستسلم، والمؤمن مطمئن بأن أحكام الله كلها حِكَم عُلِم منها ما علم وجهل ما جهل، وجميعها رحمة، وكلها خير وفضل.

ولما كانت النفوس كما ذكرنا، من شرودها إن لم تُلجم، وكللها ومللها إذا لم تُرَح، جعل الله ﷻ شرائعه وأوامره وأحكامه مقسمة على أوقات وهيئات تلائم صفات النفس المختلفة وتناسب طبائعها المتنوعة فأعطت كلَّ ذي حق منها حقه، وأوفته نصيبه...

بلى فإنها شريعة مَن خَلَق لمن خُلِق وهو أعلم بحاجياتها ومواطن ضعفها وقوتها، ومكمن قَبولها وشرودها: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

ص 1968

وها نحن اليوم نقف على أبواب موسم من مواسم الرحمات، ونستقبل نسيمًا من نسائم البركات، تعظُم فيه الطاعات، وتتضاعف الحسنات، وتُكفَّر السيئات، وتفتح أبواب السماوات، وتُكبَّل وتصفَّد فيه مردة الشياطين، وترطب وتُبلل أكباد الفقراء والمساكين، ويُلجم فيه كثيرٌ من أهل العصيان عن عصيانهم، ويرجع التائهون الشاردون إلى ربهم، لياليه خير الليالي، وأيامه من أفضل الأيام، فضائله لا تحصى، وهو منبع فيَّاض ومعين صاف يغترف منه لنيل التقوى، فيه ينادي المنادي: يا باغي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر، تُفتَّح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران؛ ألا وهو: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة: 185]، كتب الله صيامه فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾، وهوَّن عليهم طول أيامه، وواسى قلوبهم بالاقتداء بمن سبقهم، والاهتداء بهديهم رحمة بهم وحضًا وتحريضاَ لهم، وقطعًا لعلائق النفوس التي قد تكبلهم وتكسِّلهم فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ﴾ [البقرة: 183-184].

ولهذا كان النبي ﷺ معرِّفًا لأمته بمكانة هذا الشهر العظيم، ومبينًا لهم فضائله، ومرشدًا لاغتنامه، وحاثًا للحرص على لياليه وأيامه، جاعلًا لهم من نفسه في ذلك القدوة الحسنة قولًا وفعلًا، فهديه في ذلك كله خير الهدى، ونوره أفضل وأعظم ضياء: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، فمما أبانه النبي ﷺ من فضائل هذا الشهر الكريم ومنزلة صيامه وقيامه، والتي تجعل النفوس تحرص أشد الحرص عليه، وتجتهد في الإخلاص لله بالعمل فيه:

أولًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال أيضًا: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال أيضًا: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)٢٬٨٤٩متفق عليها كلها، [الأول والثالث حديث واحد، رواه البخاري: (٢٠١٤)، ومسلم: (٧٦٠)، والثاني رواه البخاري: (٢٠٠٩)، ومسلم: (٧٥٩)]..

ص 1969

ثانيًا: عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون)٢٬٨٥٠متفق عليه، [البخاري: (٣٢٥٧)، واللفظ له، ومسلم: (1152)]..

ثالثًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله ؛ إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته، وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك)٢٬٨٥١[متفق عليه، البخاري: (١٩٠٤)، ومسلم: (١١٥١)، واللفظ له]..

رابعًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال -لما حضر رمضان-: (قد جاءكم شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)٢٬٨٥٢رواه أحمد [(٧١٤٨)، وصححه الأرنؤوط] والنسائي [(٢١٠٣) مختصرًا] والبيهقي [في شعب الإيمان: (3600)]..

والأحاديث في ذكر فضائل هذا الشهر الكريم، والتي تبين تضاعف الحسنات فيه، وتحرض على اغتنام أوقاته لا تكاد تحصى، وليس المقصود تتبعها في هذه العجالة، وفيما أشرنا إليه كفاية لمبتغي الخير، فحريٌ بكل ناصح لنفسه، حريص على تزكيتها، راغب في الخيرات لها، صادق في طلب درجات الجنان العُلى، أن يُهيِّئَ نفسه لذلك بالتشمير عن ساق الجد وساعد الاجتهاد، فيصلح من حاله بكثرة القربات، ويُنير قلبه بتنويع الأعمال الصالحات، ويؤدِّب نفسه بمحاسن الأخلاق وآداب الربانيين، ويأطرها أطرًا لئلا تحيف به عن سبيل المؤمنين إلى رذائل العصاة المتهوكين، ولا ينبغي أن تقصر في ذلك همته، وتتوانى جوارحه، ويتبع هواه، ويتمنى على الله الأماني.

ص 1970

فما هي إلا أيام معدودات يوشك أن تنقضي يفوز فيها من يفوز ويخسر من يخسر، ولا يعلم أحدنا أيدرك قابلَه حيًا قويًا صحيحًا معافىً قادرًا طائقًا لما تيسر له اليوم أم يكون في بطن الأرض ورهين التراب، ولهذا كان النبي ﷺ في هذا الشهر الكريم أكثر اجتهادًا على طرْق أبواب الخيرات بأنواعها، معرفة منه بفضله، وتعريفًا لأمته بمكانته، وإرشادًا إلى سلوك سبل الهدايات فيه ظاهرًا وباطنًا، محذرًا من خيبة وخسران من ضيَّعه وفرط فيه، ناعيًا من قعد يمني النفس ويعدها ولا يحرك لها في ذلك ساكنًا أو يسكن متحركًا حتى إذا انفرط الوقت وانقضت الأيام وولى الشهر وقد رأى ما ناله أهل الطاعة والصبر عليها من الشرف والزكاء؛ قال: ﴿يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 73]، ولكن هيهات أن يرد الندم فائتًا، أو يعوِّض ضائعًا.

فعلى المسلم أن يجدِّ في تحصيل كل خير تيسرت له أسبابه وفتحت أمامه أبوابه، فالصغير يكبر، والكبير يعظم، والقليل يكثُر، ولا يحتقرنَّ من المعروف شيئًا، ولا يزهِّدنَّ نفسه في شيء القُرَب، وليقتدِ في ذلك بأسوته وقدوته ﷺ الذي كان الناصح الشفيق علينا بقوله وفعله الموصوف من عند ربه بقوله ﷻ عنه: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128].

فذي بعض أخلاقه وسننه وإرشاداته فلتعض عليها بالنواجذ ولتحذُ حذوه وتخطُ في ذلك خطوه:

منها: الإكثار من الصدقات وأنواع الصلات، وتلاوة القرآن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فَلَرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)٢٬٨٥٣متفق عليه، [البخاري: (٦)، ومسلم: (٢٣٠٨)]..

ومنها: الحرص على تفطير ما استطعت من الصائمين لتنال من الأجور مثلما نالوا فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: (من فطَّر صائمًا، كان له مثل أجره، غير أنه لا يُنقص من أجر الصائم شيء)٢٬٨٥٤رواه الترمذي [٨٠٧] وقال: «حديث حسن صحيح»..

ص 1971

ومنها: الإخلاص لله ﷻ في الصيام والقيام، وإبعاد القلب عن شوائب الرياء ومفاسد المقاصد لينال بذلك أعظم عطاء في رمضان على الإطلاق وهو مغفرة ما تقدم من ذنبه كما مر في الأحاديث السالفة.

ومنها: الاجتهاد في قيام لياليه لا سيما في العشر الأواخر منه والتي فيها ليلة هي خير من ألف شهر ألا وهي ليلة القدر، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر)٢٬٨٥٥متفق عليه، [البخاري: (٢٠٢٤)، ومسلم: (١١٧٤)]..

ومنها: الجهاد في سبيل الله بأنواعه قتالًا، وإعدادًا، وإمدادًا، وتحريضًا، وقيامًا على أسر المجاهدين، وإخلافًا لهم فيهم بخير، فإن أعظم وأشرف غزوتين في تاريخ الإسلام كانتا في شهر رمضان، غزوة بدر وهو يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، وفتح مكة الفتح المبين، والذي طُهِّرت به أشرف بقعة من نَجَس الشرك ورجس المشركين، وكما أن أجر المجاهد في شهر رمضان عظيم، عظيم، فكذلك الصوم في الجهاد -لمن لا يضعفه ويذهب قوته- كبير.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا)٢٬٨٥٦متفق عليه، [البخاري: (٢٨٤٠)، ومسلم: (١١٥٣)].، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله منه جهنم مسيرة مئة عام)٢٬٨٥٧رواه النسائي [٢٢٥٤]، وحسنه الألباني.، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من صام يوما في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض)٢٬٨٥٨رواه الترمذي [١٦٢٤]، وصححه الألباني..

ومنها: الاجتهاد في الدعاء، وتحصيل أسباب إجابته من الإخلاص، وحضور القلب أثناء الدعاء، وخفض الصوت به، والاعتراف بالذنب والاستغفار منه، وتكريره ثلاثًا، وكثرة الإلحاح، والجزم في الدعاء، والاستيقان بالإجابة، وعدم الاعتداء فيه وغير ذلك.

ص 1972

ولعل تعقيب آيات الصيام التي وردت في سورة البقرة: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]، لعله إشارة إلى اغتنام هذا الشهر الكريم وتخصيصه بكثرة الدعوات لانفتاح أبواب السماء.

وعن عبد اللّه بن عمرو قال: قال النبي ﷺ: (إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد)٢٬٨٥٩رواه ابن ماجه [(1753)، وضعفه الألباني] وأخرجه الطيالسي [٢٧٠٧] بنحوه..

وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم)٢٬٨٦٠رواه أحمد [(٨٠٤٣)، وصححه الأرنؤوط] والترمذي [٣٥٩٨] والنسائي [ولم أجده فيه] وابن ماجه [١٧٥٢]..

وما أحوجنا اليوم لكثرة الدعاء، والتضرع إلى الله فيه، واغتنام ساعات الإجابة، لكشف هذه المصائب التي ألمت بالمؤمنين عمومًا والمجاهدين خصوصًا، فلنرفع أيدينا إلى الله ﷻ في هذا الشهر الكريم، ونسأله سؤال مضطر قد مسه الضر، ونرجوه رجاء فقير ضعيف قد أوصدت أمامه الأبواب، ونتضرع إليه تضرع تائه انقطعت عنه أسباب الذهاب والإياب.

وليكن لنا في رسول الله ﷺ أسوة يوم بدر، فعن عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم بدر، نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك)٢٬٨٦١رواه مسلم [١٧٦٣]..

ولنحرص على حض الضعفة من النساء، والأطفال، والعجزة، على ذلك فدعاؤهم باب عظيم من أبواب الفتح والنصر والرزق، فقد قال النبي ﷺ: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)٢٬٨٦٢رواه البخاري [٢٨٩٦]..

ص 1973

ومنها: الابتعاد عن رذائل الأخلاق، وفاحش الكلام، وسفاسف الأمور، واقتحام المعاصي، وتعدي حدود الله، ومجالس اللغط، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابَّه أحد، أو قاتله، فليقل: إني صائم)٢٬٨٦٣متفق عليه، [البخاري: (١٩٠٤)، ومسلم: (١١٥١)].، وعنه أيضًا قال: قال النبي ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)٢٬٨٦٤رواه البخاري [١٩٠٣]..

وفي الختام: نذِّكر بهذا الحديث العظيم الذي تقشعر منه الجلود، وتوجل القلوب، وتشفق النفوس، ليكون لنا عظة وذكرى، وما أحوجنا إليها في كل حين.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت آمين، آمين، آمين، فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني فقال من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين)... الحديث٢٬٨٦٥رواه ابن خزيمة [1888] وابن حبان [٣٧٥٧] في صحيحه واللفظ له..

ونسأل الله أن يجعل هذا الشهر فتحًا للمجاهدين، وإيواءً للمشردين، وأمنًا للخائفين، وفكاكًا للمأسورين، وفرحة للبائسين، وآمالًا لليائسين، وقوة للمستضعفين، وتمكينًا للمخطَّفين، إنه سميع قريب مجيب معين.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده الأمين، وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وعلى كل مهتدٍ بهديهم إلى يوم الدين.

وكتبه راجي عفو ربه/

أبو يحيى، حسن قائد

❖ ❖ ❖

ص 1974

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا