وصايا للمجاهدين الدَّاخلين إلى أفغانستان

[ربيع الآخر 1431 هـ / 4 - 2010م]

۞

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

فهذه بعض التوصيات إلى الإخوة المجاهدين أفراد الكتائب وغيرهم ممن سيكونون ضِمن الداخلين إلى أفغانستان للمشاركة مع إخوانهم، وليعلم الإخوة الأحبة أن لكل قولٍ مما أذكره من المسائل الشرعية هنا أدلتَه وأقوالَ العلماء فيه ولكن لم ننقلها خشيةَ الإطالة، فخذها وقلبك مطمئنٌ، نسأل الله لنا ولكم السداد والتوفيق وإصلاح القول والعمل وقبولهما.

أولًا: ليعلـمَ كل أخٍ من الإخوة الفضلاء أن الأوضاع في الداخل تختلف عما كان عليه في المراكز الخلفية، سواء من جهة قلة الاستقرار، ونقص الطعام، وعدم وجود مراكز ثابتة أحيانًا، أو غير ذلك من الظروف التي سيواجهها، وعليه فإن الأمر يحتاج إلى مزيد صبرٍ، وتحمُّلٍ، وسعة صدرٍ، وتوطيد النفس على ذلك، مع الاستعانة بالله واستحضار النية وأن الأجر على قدر الجهد ولا يضيع عند الله شيء: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

ص 2069

ثانيًا: التزِمْ طاعة أميركَ كائنًا مَن كان ما لم يأمركَ بمعصيةٍ صريحةٍ واضحةٍ -وهذا لن يكون إن شاء الله- فَانْزِل عن رأيك لرأيه، وعن قولكَ لقوله، وعن اجتهادكَ لاجتهاده، واحرص أن تكون مع إخوانكَ ولا تشذَّ عنهم بأقوالك وأفعالك وطاوعهم بقدرِ ما تستطيع، وما اختاره الأمير من مسائل الاجتهاد سواء في المراكز أو أثناء المسير إلى العمليات أو غيرها فيجب «شرعًا» التقيّد به حتى ولو كان رأيكَ على خلافه، مثل أوقات أداء الصلاة، والجمع بين الصلاتين، وإتمام الصلاة أو قصرها، أو الصلاة جماعة أو منفردين، أو ترك الصيام لأجل العملية أو الأعمال، أو نحو ذلك قال العلامة ابن أبي العز شارح الطحاوية: «وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ والسنة وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّة أَنَّ وَلِي الْأَمْرِ، وَإِمَامَ الصلاة، وَالْحَاكِمَ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ، وَعَامِلَ الصَّدَقَة، يُطَاعُ في مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ عليه أَنْ يُطِيعَ أَتْبَاعَه في مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ عَلَيْهِمْ طَاعَتُه في ذَلِكَ، وَتَرْكُ رَأْيِهِمْ لِرَأْيِه، فَإِنَّ مَصْلَحَة الْجَمَاعَة وَالِائْتِلَافَ، وَمَفْسَدَة الْفُرْقَة وَالِاخْتِلَافِ، أَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ الْمَسَائِلِ الْجُزْئِيَّة»٢٬٩٨٠[شرح العقيدة الطحاوية: (٣٧٦)]..

ثالثًا: وهذا الأمر ينبغي مراعاته أيضًا مع المجاهدين الأفغان الذين يتقيّدون بالمذهب الحنفي -وهو أحد المذاهب الأربعة المعتمدة عند أهل السنة- وليقدِّم كلُ مجاهدٍ مصلحة الائتلاف والاجتماع على أمر المسائل الجزئية التي تؤدي إلى التنافر والاختلاف، حتى ولو تركَ بعض السنن والمستحبات خشيةَ أن تنفر قلوبهم عن المهاجرين وتختلف كلمتهم معهم، فليس هناك أي حرجٍ شرعيٍّ في ترك رفع اليدين قبل الركوع وبعده، أو ترك تحريك السبابة أثناء التشهد، أو ترك التأمين جهرًا، أو النزول على ركبتيه للسجود بدلًا من يديه أو نحو ذلك بل تاركُ ذلك مأجورٌ مثابٌ إن كانت نيته بتركه تأليف القلوب ودفع الاختلاف، وهو عينُ الفقه كما بوَّب البخاري على حديث ترك نقض الكعبة بقوله: «بَاب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ».

ص 2070

رابعًا: ينبغي مراعاة عادات القوم مما ليس فيه مخالفة صريحة لدين الإسلام كعدم النوم والرجلان تجاه القِبلة ونحو ذلك، هذا مع توقيرِ علمائهم فإنهم مفاتيح القلوب للناس، وتقديمِ قرَّائهم في الصلاة قدر الإمكان، وعدم التعرض للمذهب أو التعريض بالأئمة، وتجنب الاستخفاف بما جرت عليه الفتوى عندهم، فإن حصلت مباحثة مع أحد علمائهم أو طلبة العلم فينبغي أن تكون بعلمٍ صحيحٍ وتوقيرٍ وأدبٍ وبشاشةٍ من غير تسفيهٍ ولا اتهامٍ ولا طعنٍ ولا ازدراءٍ، ولا ترفُّعٍ.

ولْتستحضِر -أخي الكريم- أن هذا المذهب العظيم قد توارثه أئمةٌ أخيارٌ قرونًا طويلة، وقامت عليه دول، وحكَمَ به قضاةٌ، وتبنَّاه ولاةٌ، وصُنِّفت فيه آلاف المجلدات، بل لا يُعرَف مذهبٌ نال من الانتشار مثل ما حصل لمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فلن تنقضَه أنت بجلسةٍ عابرةٍ أو مسألةٍ جزئيةٍ قد يكون قولك فيها عند التحقيق هو المرجوح، وفوق كل ذي علمٍ عليم.

خامسًا: على الأمراء أن يرفقوا بِمَن معهم من غير تهاونٍ، فإن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه، وليسعدوا بدعوة النبي ﷺ لهم ويحذروا من دعائه عليهم حيث قال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم؛ فاشقُقْ عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم؛ فارفُقْ به)٢٬٩٨١رواه مسلم [١٨٢٨]..

وعليهم أن يحتاطوا لجنودهم ويحرصوا على حفظهم، ويتخيَّروا لهم أفضل الأماكن الممكنة، ويُحسنوا علاقتهم مع أمراء الطلبة ويكسبوا ودَّهم ويجتهدوا في مناصحتهم ويشاوروهم في أمور مناطقهم وأقوامهم، فهم أعرفُ بأرضهم وأهلهم وعدوِّهم.

والله تعالى أعلم

والحمد لله رب العالمين

❖ ❖ ❖

ص 2071

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: وصايا للمجاهدين الدَّاخلين إلى أفغانستان

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا