باب خطر الغلول وأنه موبقٌ لصاحبه ولو قُتِل في المعترك
الحديث الثامن والثلاثون: عَن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: (أَهْدَى رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ؛ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ)١٬٩٤٩رواه مالكٌ [(2/٤٥٩)، ح: (25)] -واللفظ له- والبخاري [٦٦٠٦]، ومسلم [١١٤]، وغيرهم..
❖ ❖ ❖
الحديث التاسع والثلاثون: عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ فَارَقَ الرُّوحُ الْجَسَدَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: الْكِبْرِ، وَالْغُلُولِ، وَالدَّيْنِ)١٬٩٥٠رواه أحمد [٢٢٣٦٩]، والترمذي [١٥٧٣]، والنسائي [٨٧١١]، وابن ماجه [٢٤١٢]، والحاكم [٢٢١٧] وصححه، والبيهقي [٨٧١١]، وغيرهم، وصححه الألباني [في صحيح الترغيب والترهيب: (١٣٥١)]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: خطر الغلول، ووجوب الحذر منه، وحرمة قليله وكثيره، وأن الشهادة لا تكفِّره.
الثانية: كون الشهادةِ طريقًا للجنةِ ولو لم تُنَل أثناء المقاتلة، لقول الصحابة: هنيئًا له الجنة -وقد أصابه سهمٌ غربٌ- وإنما عذِّب بما غلَّه.
الثالثة: نيل حقيقة الشهادة متوقف على توفر شروط وانتفاء موانع.
الرابعة: إثبات عذاب القبر، لقوله ﷺ: (لتشتعل عليه نارًا).
الخامسة: سرعة اتِّعاظ الصحابة بما يسمعون وعدم إصرارهم على المعصية كما فعل صاحب الشِّراكين.
السادسة: وجوبُ اجتناب الكِبْر وتنقية القلب منه.
السابعة: أن المؤاخذة في الآخرة تكون على المخالفة في أعمال القلوب والجوارح.
الثامنة: وجوبُ اجتهاد المرء في البراءة من الدَيْن ومن سائر حقوق الآدميين.
التاسعة: اجتهاد المسلم في أن يخرج من الدنيا على أحسن حالٍ وأتمها ظاهرًا وباطنًا.
متفرِّقات:
أولًا: ساق مالك الحديث الأول تحت: «باب ما جاء في الغلول»، وفي صحيح مسلم جاء تحت: «بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ»، وذكره أبو داود تحت: «بَاب فِي تَعْظِيمِ الْغُلُولِ»، وابن حبان تحت: «ذِكْرُ نَفْيِ دُخُولِ الْجِنَانِ عَنِ الشَّهِيدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا كَانَ قَدْ غَلَّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغُلُولُ شَيْئًا يَسِيرًا».
ثانيًا: قال ابن عبد البر: «فكل من غل شيئا في سبيل الله أو خان شيئا من مال الله جاء به يوم القيامة إن شاء الله، والغلول من حقوق الآدميين ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات»١٬٩٥١[التمهيد: (2/14)].، وقال الملا علي القاري: «وفيه تهديد عظيم ووعيد جسيم في حق من يأكل من المال الذي يتعلق به حق جمع من المسلمين كمال الأوقاف وكمال بيت المال، فإن التوبة مع الاستحلال أو رد حقوق العامة متعذر أو متعسر»١٬٩٥٢مرقاة المفاتيح: (12 / 194)..
ثالثًا: قال تقي الدين السبكي: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْغُلُولُ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لِلَّهِ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ عِنْدَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ﴾ [الأنفال: 41]، فَمَنْ غَلَّ فَقَدْ عَانَدَ اللَّهَ، وَإِنَّ الْمُجَاهِدِينَ تَقْوَى نُفُوسُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَالثَّبَاتِ فِي مَوَاقِفِهِمْ عِلْمًا مِنْهُمْ أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا غُلَّ مِنْهَا خَافُوا أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهَا نَصِيبُهُمْ فَيَفِرُّونَ إلَيْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْذِيلًا لِلْمُسْلِمِينَ وَسَبَبًا لِانْهِزَامِهِمْ كَمَا جَرَى لَمَّا ظَنُّوا يَوْمَ أُحُدٍ، فَلِذَلِكَ عَظُمَ قَدْرُ الْغُلُولِ، وَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ»١٬٩٥٣فتاوى السبكي: (4 /136).، وقوله: وليس كغيره... إلخ لعله يقصد في شدة الحرمة وقوة المؤاخذة لا أنه لا يؤاخذ بها أصلًا، فقد مر ما ذكره ابن عبد البر والملا القاري.
والله تعالى أعلم
❖ ❖ ❖