🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

[محرم 1427هـ / 1 - 2007م]

۞

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رسول الهُدى، البشير النذير، والسراج الْمُنير، وبعد...

ص 2180

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم صل وسلم على النبي الأمي سيد المرسلين وإمام المتقين صاحب الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، من أدَّبه ربه فأحسن تأديبَه، شرح صدره ورفع ذِكره وأعلى قدره، خير من وطِئ الثرى، وأفضل من سكن القُرى، مَن جعله الله رحمةً للعالمين، ونعمةً ومنةً وقدوةً للمؤمنين، قضى عمره داعيًا للحق ساعيًا لهداية الخلق، قال الله في حقه: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128]، غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أخشى البرية لله ﷻ، وأتقاهم لمولاه، وأعرفهم به، وأقربهم منه، وأحبهم إليه، فهو خليله وحبيبه وصفيه، اختاره الله واصطفاه، وأسرى به وأعلاه، أقسم الله ﷻ بحياته وما أقسم بحياة أحد سواه فقال: ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ﴾ [الحجر: 72].

كلامه وحيٌ ونورٌ وهدى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]، صاحب الشفاعة الكُبرى والمقام المحمود صلى الله عليه صلاةً دائمة باقية ما بقي الليل والنهار.

فلقد تناهى إلى أسماعنا وأسماع المسلمين جميعًا ذلك الحدث الجلل والداهية العظمى والنازلة الكبرى، والتي اهتزت لها الأرض وارتجَّت بأهلها شرقًا وغربًا في فاجعةٍ هي أم الفجائِع وطامة هي أم الطوام تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا.

تناهى إلى أسماعنا ما أقدمت عليه بعض الصحف الوضيعة القذرة في دويلتي الدنمارك والنرويج، وما ارتكبته الأقلام القزمة؛ في حق سيد الأنبياء والْمُرسلين الصادق الأمين، من الاستهزاء والسخرية والازدراء بنشر تلك الرُسوم البشعة الحقيرة؛ التي أرادوا بها -حسدًا من عند أنفسهم، وبغضًا وكراهية مُنتنة تفوح بها قلوبهم-.

أرادوا بها تصوير النبي الْمُختار سيد الأبرار وإمام الأخيار ﷺ، وذلك بأقبح المظاهر وأرذل التعابير وأخس التصاوير، أخزاهم الله وكبتهم وشلَّ أيديهم وقطَّع أناملهم وأوصالهم.

فبعد هذا كله ما كان لكل مؤمنٍ صادقٍ مُحِب موالٍ لله ولرسوله إلا أن يرتج قلبه ويلتهب صدره من هول ما سمع أو قرأ، وإنه لمن المؤسف حقًا وأمام هذا الحدث الجلل أن يكون ردنا عليه مجرد كلمة قصيرة نلقيها نُعبِّر فيها عن شِدة المرارة والأسف والأسى والحُزن والضيق؛ فالأمر أدهى وأمر وأعظم وأكبر من أن يكتفى فيه بمجرد الكلمات العابرات.

ص 2181

إنه إهانة بالغة لمن قال الله ﷻ في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4]، إنه استهزاء قذِر بمن قال الله ﷻ فيه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، إنه ازدراء بمن قال الله ﷻ فيه: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، إنه غمطٌ وسُخرية لمن قال الله ﷻ في حقه: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ١ وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ ٢ ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ ٣ وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ﴾ [الشرح: 1-4].

إنه سبٌّ وشتمٌ وطعنٌ ولعنٌ لمن قال الله ﷻ فيه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ولِمن قال عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)٣٬٠٥٦[رواه ابن ماجه: (٤٣٠٨)، وصححه الألباني]..

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

وَأَحْسَنُ مِنكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

وُلِدْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ

كَأَنَّكَ قَدْ وُلِدْتَ كَمَا تَشَاءُ٣٬٠٥٧[هو من مشهور شعر حسان، وقد عزاه إليه الأبشيهي في: المستطرف (ص 236)].

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ

إَذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ

أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا

بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ

إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِيْنَ الْمَضَاجِعُ٣٬٠٥٨[رواه البخاري: (١١٥٥)].

فهو حبيبنا وقرة أعيننا ورِيُّ قلوبنا، قال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)٣٬٠٥٩[رواه البخاري: (١٥)]..

ص 2182

فتلك هي منزلة نبينا ﷺ عند ربه، وبين أصحابه وأتباعه؛ فبهذه الحادثة الشنيعة والجرأة الوقِحة قد كشف الكفر عن وجهه الكالح الأسود، ورفع الحجاب عن حقيقة ما تُكِنه صدور أهله من الحِقد الدفين والحسد الكمين والغيظ الفائض، وأسفروا عن محادتهم جهارًا، وأعلنوا عداوتهم نهارًا، والتي أخبرنا الله ﷻ عنها في كتابه مرارًا وتِكرارًا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 101]، وكما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118]، وكما قال ﷻ: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2].

وهي الحقيقة التي لا يمكنهم الصبر على إخفائها مهما دلَّسوا ولبَّسوا وزوَّروا، ومهما تظاهروا وتصنعوا؛ فما كان منهم وقد رأوا نور الإسلام أضحى يشع شرقًا وغربًا، وروح الحياة بدأت تدب في أوصال أمَّة الإسلام، ونسائم العِز صارت تهب عليها في ميادين الجهاد والجِلاد ومواطن القِتال والنِزال.. ما كان منهم بعد هذا كله أن يصبروا على نفاقهم ومسايراتهم؛ فأفصحوا عمَّا تمتلئ به قلوبهم وتنضح منه صدورهم؛ فأقدموا على ما أقدموا، قال ﷻ: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ﴾ [القلم: 51].

نعم.. لقد ظهر للجميع حقيقة ادعاءات وشعارات التسامح والتعايش والحِوار والسلام والوِئام والتوافق والتصافي؛ التي طالما رفعوها وزينوها وخدعوا بها الكثير الكثير ممن لم يقرأ صفاتهم ويعرف حقيقتهم، كما بينها العليم بذات صدورهم وخبايا نفوسهم؛ فراح يركض وراء ذلك السراب وهو يحسب بذلك أنه يُحسن صُنعًا، فها هي الأُمور تظهر على واقعها الذي لا لبس فيه ولا غبش بعداوةٍ ظاهرة سافرة وبغضاء مُعلنةٍ مُجاهرة، بحيث لم يبقِ أصحابها الكفرة الفجرة حجة لمحتج ولا اعتذار لمعتذر ولا تمييعًا لِمُميع.

ص 2183

إنّ هذا الحدث الأليم العظيم قد أبان عن أهمية عقيدة الولاء والبراء ووجوب خلوصهما ونقائهما من كل شوب، وتصفيتهما من كل تلبيس، ليُعرف الكافر بكفره؛ فيُعادى، ويتميز المؤمن بإيمانه؛ فيُوالى، وهذا يستوجب من كل مسلم لا سيما الدعاة الصادقين بيان حقائق الكفر وإظهار دركاته، وتعرية ظلماته، وتجلية حقيقة الإيمان وتفصيل شُعَبه بمناهج محددة واضحة تفصل سبيل المجرمين عن سبيل المؤمنين، وتُعري أهل الضلال والخبال عن أصحاب الهداية والرشاد، فإن تقوية عامل العداء والبراء والبغضاء في قلوب المؤمنين تجاه الكفرة المارقين أمر من قواعد الدين وأُصوله ومُرتكزاته، قال الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾ [المجادلة: 22]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23].

إنَّ هذا الحدث الأليم العظيم الأثيم قد كشف عوار تلك الدعوات المهينة الاستسلامية الانهزامية، التي رفع لواءها بعض الإسلاميين ممن أُشرِبوا حُبَّها وشغفوا بشعاراتها، والتي تكاد تطوي سجل الجهاد طيًّا لا رجعة بعده ولا عود، وتستحيي من ذِكره فضلًا عن الدعوة إليه، مُستبدلة الذي هو أدنى بالذي هو خير، فراحت تركض وراء سراب الديمقراطية وشِعارات الحرية وخدائع المساواة.

فها نحن اليوم نجني ثِمار ما زرع أولئك؛ فالكفرة يُحاجونهم بقواعدهم التي تبنوها، ويُناظِرونهم ويُلزِمونهم بأُصولهم التي نافحوا عنها ودعوا إليها وركضوا وراءها، حتى ذابت في بحر التمييع والاستلطاف حقائق الدين ومصطلحاته الكبرى، فسُمي الكافر بـ «الآخر»، ونُعِت الكفرة بـ«غير المسلمين»، وثقُل على ألسن الكثيرين وصف المجرمين بهذه الصفة التي سمَّاهم الله العليم الخبير بها، وكبُر عليهم مناداتهم ومخاطبتهم بها، وراحوا وراء ذلك يتحسسون ويبحثون عن قواسم مشتركة يتم فيها التعايش ويُبتعد عن صراع الحضارات كما زعموا وتمنوا.. فبعد هذه الجناية الأثيمة؛ ألم يأنِ للذين يلهثون وراء سراب الديمقراطية عقودًا متتالية أن يفيقوا من غفلتهم ويستيقظوا من سُباتهم ويرجعوا ويتراجعوا عن متاهاتهم ويكفوا عن تضليل أمتهم؟ ويقفوا عند حدود الشرع مُذعنين مستسلمين عالمين بأن الخير كل الخير فيما اختاره الله ﷻ لهم.

أما دروا أنهم قد خدروا شعوبهم وخدعوها بذلك؟

ص 2184

ألم يشعروا أنهم أماتوا الغيرة والحمية في قلوب المؤمنين وقلبوا الحقائق في أذهانهم؟

فماذا لو قال لهم الكفرة المجرمون -وقد قالوها- بأن حرية التعبير -وهي من أُسس النظام الديمقراطي- لا تمنع من شيء، ولا تحد حدًا، ولا تقدس أحدًا؟

أما آن لنا أن نسد هذا الباب الذي لم يُدخل علينا إلا كل شرٍ وضلالٍ ووبال؟

فإلى متى نخادع أنفسنا بها ونُغمِض أعيننا عن فسادها وإفسادها، ونُميت قلوبنا بدعواتها؟

داهنَّاهم فما داهنونا، وتوددنا إليهم فما وادُّونا، وأَلنَّا إليهم فتصلبوا أمامنا، ومدحناهم فأكثروا من ذمنا، وقدَّسناهم فأهانونا، واستجديناهم فاستعلوا علينا، فلماذا نلبِّس الحق بالباطل؟ ونمزج النجس بالطاهر؟ ونخلط الدنِس بالخالص؟ ثم نقول للناس: هذا دين الله الذي جاءت به الرسل وجُرِّدت لأجله السيوف وتقارعت في سبيل تحقيقه الأبطال؟!

نعم... إنَّ ما فعله هؤلاء الكفرة وإن كان أمرًا مُستعظمًا ومُستبشعًا ومُستقبحًا لدى كل صاحب إيمانٍ وخُلُقٍ وهُدى؛ إلا أنه ليس بغريبٍ على من عرف مناهج الكفرة قديمًا وحديثًا، وخبِر طرائقهم في محاربة الدين سرًّا وجهرًا، واستوعب أساليبهم في التنفير منه ومن أصحابه وحملته قولًا وفِعلًا، فلطالما حدثنا القرآن الكريم بكل وضوح وجلاء وبيان عن صور الصراع الدائم المتواصل بين الرسل وأتباعهم من جهة، وبين أعدائهم الكفرة من جهة أخرى بالطعن واللعن والسخرية والاستهزاء والتعالي والتكبر والقتل والرجم والتهجير والتهديد.

ص 2185

فما حصل اليوم ما هو إلا حلقة متصلة بهذه السلسلة العدائية القذرة، الضاربة في أعماقِ أعماق الزمن والتاريخ؛ فهو غريب وعجيب على من لم يعرف سبيل المجرمين على حقيقتها، وهو غريب وعجيب على من لم يستقِ مفاهيمه وآراءه ومذاهبه من مشكاة الوحي الذي جلا بنوره كل تلك الترهات، وهو غريبٌ وعجيب على من أحسن الظن بالكفر والكافرين وحسب أنهم صادقون مخلصون في شعارات التسامح والتعايش ونبذ العداء والاحتكام إلى الحوارات.

أمَّا أهل الإيمان الصادق والمعرفة الحقة والعقيدة الراسخة والفهم القويم والاستمساك بالعروة الوثقى؛ فهؤلاء يقرؤون في كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [الأنعام: 10].

ويقرؤون فيه: ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34].

ويقرؤون فيه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112].

ويتلون فيه أيضًا: ﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4].

 فالشيطان هو الشيطان، وأولياؤه وأنصاره وأتباعه هم اليوم كما هم بالأمس، فلماذا العجب إذن مما فعل رعاة البقر وعبدة الشهوات وسقط الخلائق؟! الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، وقال الله فيهم: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].

ص 2186

إذن فنحن أمام إعادة بشعة لصورة طالما ذكَّرنا بها القرآن الكريم، وعرَفها وعرَّفها التاريخ من العداء والبغضاء والكراهية والحِقد الذي مارسه الكفرة ضد أنبيائهم ورُسُلِهم، وهذا الفعل القذِر هو بمثابة معول ضخم هُشِّمت به دعاوى الحضارة والتقدم والرُّقِي التي راجت على كثير من الْمُغفَّلين أو الغافلين، وأظهرت أن الكفر هو الكفر، والكافر هو الكافر، والعداوة هي العداوة، سواء مارسها رجل يقود جملًا أو حِمارًا أو بغلةً، أم مارسها رجل يركب سيارة أو طائرة أو باخرة، وسواء صدرت عن من سكن الخيام وأقام بين الرمال والجبال، أم صدرت عن من يسكن الفلل الفارهة والْمُدن الراقية والقصور العالية؛ فقد نُظِم الجميع في سلكٍ واحد: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28].

يا أهل الإسلام، ويا أمة التوحيد، ويا حُماة العقيدة، ويا ذوي الغيرة على الحق:

إنَّ من لم يستيقظ اليوم؛ فلن يستيقظ أبدًا، ومن لم ينهض اليوم؛ فلن ينهض أبدًا، ومن لم يتحرك اليوم؛ فليمت في ركوده وخموده وليعكف على سكونه وركونه؛ فماذا بقي من شريعتنا ومقدساتنا وشعائرنا لم تُعمل فيه معاول الهدم أو تصله أيدي العابثين وتحاربه أقلام المجرمين؟ فكتاب ربنا الذي جعله الله ﷻ حجة باقية محفوظة متحدية قد أهانوه بأقبح وأوقح الإهانات، ودنسوه بأخس وأرجس الطرق على مرأى ومسمع من المسلمين شرقًا وغربًا، ولسان حالهم يقول في تبجح وبطرٍ واستعلاء: هذا كتابكم رمز عِزتكم، وروح حياتكم، ووقود حركتكم، قد دنَّسناه ودُسناه وأهنَّاه؛ فماذا أنتم فاعلون؟

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

حَيْثُ المَسَاجِدُ قَدْ صَارَتْ كَنَائِسُ مَا

بِهِنَّ إِلَّا نَوَاقِيسٌ وَصُلْبَانُ

حَتَّى الْمَحَارِيبُ تَبْكِي وَهْيَ جَامِدَةٌ

حَتَّى الْمَنَابِرُ تَرْثِي وَهْيَ عِيدَانُ٣٬٠٦٠[قاله: أبو البقاء الرندي. انظر: نفح الطيب (4/487)].

وأعراض أخواتنا المسلمات الطاهرات العفيفات الحرائر قد ولغوا فيها بلا حساب ولا عِقاب ولا زاجرٍ ولا رادع، صرخن فلا مُجيب، وندبن فلا مُستمع، واستغثن فلا مُغيث، وهُنَّ في ظُلمات سجونهم الظالمة تأكل اللوعة قلوبهن وتفتت الحسرة أكبادهن، ولسان حالهن: «ما طعم عيش المرء إذ ذهب العِرضُ!».

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

فَإنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي

لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ فِداءُ٣٬٠٦١[قاله شاعر الحبيب ﷺ: حسان بن ثابت رضي الله عنه. انظر: بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد (ص 308)].

فيا أيها المسلمون: أشعلوها نارًا لا تخبو ولا تنطفئ، وحربًا لا توقف، أقِّلوا من الكلام وأكثِروا من الفِعال، اقتصدوا من التنديد والشجب والاستنكار وشدوا الحملة بالصارم البتار، إننا لا نريد منهم اعتذارًا، ولكن نريد منهم هوانًا وصغارًا وذلة وانكسارًا تُرغم بها أُنوفهم ويُذل كبرياؤهم وتُكف شرورهم، وليخسؤوا فلن يجاوزوا قدرهم، وهل لمثلهم قدر! ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنفال: 55].

ولتصغوا أيها المؤمنون جميعًا لنبيكم ولتستمعوا له: حينما مسه الأذى من ذلك الكافر المارق كعب بن الأشرف؛ فقال بأبي هو وأمي: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله)، فقال له الفارس المنتصر لله ولرسوله محمد بن مسلمة: «أتُحِبُ أن أقتله؟»، قال: (نعم)٣٬٠٦٢[متفق عليه، البخاري: (٣٠٣١)، ومسلم: (١٨٠١)]..

ص 2187

فرسول الله ﷺ لم يعقد الندوات المنددة بأفعال كعب بن الأشرف، ولم يأمر الصحابة بالظهور في مظاهرات حاشدة للشجب والاستنكار وطلب الاعتذار، ولم يُشغِل نفسه بسفاسف حريات التعبير والفِكر والرأي، وإنما جهَّز له من الأبطال الشجعان بِسِرِّية وكِتمان؛ مَن حزَّ رأسه وسفك دمه وقطع دابره؛ ليكون لمن وراءه عبرة ظاهرة وعِظة قاهرة.

ألا فلتكونوا جميعًا محمد بن مسلمة انتصارًا لنبيكم ودفعًا للأذى عنه بالقتل والقِتال، والغزو والنِزال، ولا شيء غير القتل يُشفى به الصدرُ، قال ﷻ: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤ وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 14-15].

فلتسلوا لذلك السيوف وتُهَيِّئُوا الزحوف، ولتسقوهم كؤوس الحتوف؛ لعلكم بذلك تنالون وسام الرفعة ونياشين الرضا وتيجان الفلاح التي تقلدها وتُوج بها محمد بن مسلمة ورِفقته رضي الله عنهم حينما قال لهم رسول الله ﷺ: (أفلحت الوجوه)٣٬٠٦٣[رواه الحاكم: (٥٨٤٠)، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»]..

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

فَقَدْ كَثُرَ الْأَكْعَابُ فِينَا وَجَاهَرُوا

بِسَبِّ الهُدَى لَمَّا تَغَيَّب مَسْلَمَةْ٣٬٠٦٤[لعله من شعر الشيخ؛ فلم أعثر له على قائل. والأكعاب: جمع كعب، والمراد كعب بن الأشرف اليهودي، ومَسلمة إشارة إلى محمد بن مسلمة رضي الله عنه الذي قتل كعبًا اليهودي، كما ذكره الشيخ قبل هُنيهَة].

وإننا والله لنود أن تُدك دكًّا، وتُصيَّر هشيمًا تذروها الرياح، وتنقلب حصيدًا خامدًا كأن لم تغن بالأمس، وتعود قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عِوجًا ولا أمتا، وقد قال ﷺ: (ما مِنِ امْرئٍ مُسلِمٍ يَخْذُلُ امرأً مُسلِمًا في موضِعٍ تُنتَهكُ فيه حُرمتُهُ، ويُنتقَصُ فيه مِن عِرضِهِ، إلَّا خذَلَهُ اللهُ في موطِنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَهُ، وما مِن امرئٍ مُسلِمٍ يَنصُرُ مُسلِمًا في موضِعٍ يُنتَقصُ فيه مِن عِرضِهِ، ويُنتهَكُ فيه مِن حُرمتِهِ، إلَّا نصَرَهُ اللهُ في موطِنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَهُ)٣٬٠٦٥[رواه أبو داود: (٤٨٨٤)، وضعفه الألباني، وحسنه عبد القادر الأرنؤوط في تحقيق جامع الأصول: (4805)].؛ فكيف إذا كان ذلك المنصور هو سيد المرسلين وأول المسلمين وحامل لواء الانتصار لشرائع وشعائر الدين ﷺ.

فيا سواعد الإيمان، ويا أهل القرآن، ويا ليوث التوحيد، ويا أحفاد محمد بن مسلمة:

ص 2188

إياكم وخُذلان نبيكم والتراخي في الذب عن جناب حبيبكم، وحذارِ حذارِ أن يكون موقفنا جميعًا هو مجرد ثورة عارمة ومظاهرات صاخبة وندوات متتالية؛ تُشعلها وسائل الإعلام، ثم تخبو شيئًا فشيئًا حتى تتلاشى وتتوارى مع امتداد الزمن وننسى هذه الإهانة المقيتة، ونتوانى عن مسح الجُرم واستئصال الورم وكأن شيئًا لم يكن، كما حصل من قبل مع العُتُلِّ الزنيم الأفاك الأثيم سلمان رشدي والذي لا يزال متنعمًا مصونًا محميًا من قِبل ذيل أمريكا وبريطانيا بعد كتابه الشيطاني «الآيات الشيطانية».

[البحر: الرمل]

[البحر: الرمل]

يَا شَبَابًا لَا يَرَى الْمَوْتَ سِوَى

جَنَّةٍ فِيهَا الجَنَى نِعْمَ الْجَنَى

طَابَ مَمْشَاكُمْ وَمَحْيَاكُمْ فَإِنْ

بَأْسُكُمْ فِي الْحَرْبِ إِلَّا فَخْرُنَا

مَزِّقُوا أَوْصَالَ مَنْ صَالُوا عَلَى

أَرْضِنَا بَلْ عِرْضِنَا بَلْ شَرْعِنَا

فَتِّتُوا أَكْبَادَهُمْ ذُعْرًا كَمَا

بِالرَّزَايَا فَتَّتُوا أَكْبَادَنَا

زَلْزِلُوا الْأَرْضَ بِهَوْلٍ لَا يَرَوْا

غَيْرَهُ حَتَّى يَذُوقُوا بَأْسَنَا

جَدِّدُوا حُكْمًا لِسَعْدٍ قَدْ جَرَى

قَبْلُ فِي أَجْدَادِهِمْ دُونَ انْحِنَا

أَحْطِمُوا حَطْمًا حُصُونًا لَمْ تَزَلْ

مَوْئِلًا بَلْ هَدِّمُوا كُلَّ بِنَا

وَاجْعَلُوا الْأَرْضَ بِحَارًا مِنْ دِمَا

مَنْ بَنَوْا لِلْكُفْرِ صَرْحًا بَيْنَنَا

هَكَذَا يُجْلَى العِدَا عَنْ أَرْضِنَا

وَبِهِ نُرْجِعُ مِنْهُمْ حَقَّنَا

فَانْبِذُوا نَهْجًا سَقَانَا ذِلَّةً

وَارْفَعُوا بِالحَقِّ دَوْمًا رَأْيَنَا٣٬٠٦٦[كأنَّ هذا من شعر الشيخ أبي يحيى؛ فلم أقف عليه في مكانٍ آخر].

ص 2189

يا أُمّة الإسلام ويا شباب الإسلام، يا أحفاد محمد بن مسلمة وسعد بن معاذ وخالد بن الوليد والمقداد بن عمرو: هذا بابٌ من أبواب الجنة قد فُتِح أمامكم على مِصراعيه، لا يلِجُه إلا الصادقون الْمُحِبون الباذلون نفوسهم بسخاءٍ ورضا؛ فهُبوا ولبوا وانفروا خفافًا وثِقالًا شيوخًا وشبابًا، جماعات ووحدانا، وشدوا حملتكم على الكفرة المستهزئين، وأروا الله العظيم ما يرضيه عنكم لتستحقوا إنزال نصره لكم: ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ [محمد: 7]، وإلا فاعلموا إن تخليتم وتأخرتم وتقهقرتم وتقاعستم أن لله ﷻ جنود السماوات والأرض، وقد وعد بكف كل شرٍ عن نبيه ﷺ: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ [المائدة: 67]، ﴿إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]، ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ﴾ [التوبة: 40].

أمَا إنكم إن تهاونتم إزاء هذا الجرم الأثيم وزهدتم في التضحية والانتصار لنبيكم الكريم، وتركتم سفهاء القوم وسفلتهم يتمادون في وقاحتهم ويسترسلون في سخريتهم واستهزائهم؛ فعندها فالأمر كما أخبرنا ربنا عز في عُلاه: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4].

أمّا أنتم يا طُغاة الحُكم وحماة الظلم، يا أيتها الخُشب المسنَّدة والشياطين الْمُجنَّدة، يا عبدة العروش والكروش: فما لكم ولرسول الله ﷺ، وما هذه الحمية الأسدية والغضبة العُمرية التي انتفضتم بها وتقمَّصتم ثوبها، ومنذ متى عرفتكم أُمّة الإسلام حملة راية عزها وحصن شريعتها وقادة جيوشها وأبطال حروبها!

يا أساتذة النفاق ورؤوس الخيانة وجلادي الأمم: استأصلتم شريعته وجئتم تتباكون عليه، وحاربتم سُنته وتظاهرتم بالانتماء إليه، ونكَّلتم بأوليائه تقتيلًا وتشريدًا وتعذيبًا، وزعمتم أنكم أنصاره، وألجمتم ورثته الصادقين الصادعين بالحق والقائمين بالقسط وادَّعيتم بأنكم أتباعه، ونفثتم بأفكاركم المسمومة في جسد أمَّتنا؛ حتى ماتت أو كادت ثم جئتم لتعالجوها.

ومكَّنتم لأعدى أعدائه وأبغض الخلق إليه وأشدهم عليه؛ فشرحتم لهم صدوركم وأسلمتم دياركم وأذللتم شعوبكم عمالةً لهم، وطلبًا لإرضائهم وحِرصًا على مناصرتهم؛ فكنتم لهم في كل محفل الجُند الْمُحضرين.

ص 2190

فمن ذا الذي يُصدق بعدها أنكم الذابون عن جناب سيد الأولين والآخرين، الحامون لعرضه من عبث العابثين والغاضبون له من سخرية الساخرين!! ألا فتبًّا لكم، ثم تبًّا لكم، ثم تبًّا لكم.

ولتعلمي أمَّة الإسلام أن ما ارتكبه هؤلاء السفلة؛ ما هو إلا بداية نكستهم وعلامة ذهاب قوتهم وريحهم، وهلاك دولتهم وانتكاس حضارتهم، وتردِّيهم إلى هُوةٍ سحيقة من المقت والغضب والانتقام، لا يقومون ولا يُفلِحون بعدها أبدًا.

فما كان الله ﷻ أن يُبقي من آذى نبيه ﷺ بمثل هذه الأذية القذِرة سارحًا مارِحًا، وقد قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ [الأحزاب: 57]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [التوبة: 61].

وإنَّ من سنن الله تعالى التي أخبرنا عنها في كتابه؛ أنه إن أراد إهلاك أمَّة واستئصالها وأخذها؛ استدرج أهلها بالفُسوق والفساد والطُغيان، حتى إذا اشتد عليهم غضبه أخذهم أخذة رابية شديدة أليمة، قال ﷻ: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا﴾ [الإسراء: 16].

فاللهم يا عزيز يا حكيم يا مُنتقم يا جبار يا قوي يا قهار.. اللهم عليك بمن آذى نبيك، اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بِددًا ولا تُغادر منهم أحدًا.. اللهم سلط عليهم جُندك وعِبادك المؤمنين واجعلهم عبرة للمعتبرين وعِظة للمتعظين وشفاء لصدور قومٍ مؤمنين.

وصلِّ اللهم وبارك على خير خلقك وخاتم رُسلك سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

❖ ❖ ❖

ص 2191

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا