باب جواز أن يقال فلانٌ شهيدٌ بظاهر الحال لا على سبيل الجزم بالمآل
الحديث السابع والثلاثون: عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، قَالَ فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ)١٬٩٤٤رواه أحمد [203]، ومسلم [١١٤]، وابن حبان [٦١٥٨]، وغيرهم..
بعض معاني الكلمات:
الغلول: قال ابن الأثير: «هو الخيانة في المغْنَم والسَّرقَة من الغَنِيمة قبل القِسْمة»١٬٩٤٥[النهاية في غريب الحديث والأثر: (3/380)]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: جواز تسمية القتيل في حرب الكفار شهيدًا وإطلاق هذا الوصف عليه ما لم يُعلَم بوجود مانعٍ من ذلك.
الثانية: خطر الغلول ووجوبُ الحذر من قليله وكثيره، وأن الشهادة لا تكفِّره.
الثالثة: أن العبرة بالحقائق لا بمجرد الأسماء.
الرابعة: نيل الشهادة متوقفٌ على تحقيقِ شروطٍ وانتفاء موانع، ومن موانعها الغلول.
الخامسة: لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال النووي: «ومنها أنه لا يدخل الجنة أحد ممن مات على الكفر وهذا بإجماع المسلمين»١٬٩٤٦[شرح النووي على مسلم: (2/130)]..
متفرِّقات:
أولًا: جاء الحديث في مسلم تحت: «بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ»، وعند الدارمي تحت: «باب مَا جَاءَ في الْغُلُولِ مِنَ الشِّدَّةِ»، وابن حبان في موضعين:
الأول تحت: «ذِكْرُ إِيجَابِ دُخُولِ النَّارِ لِلْغَالِّ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷻ».
والثاني: «ذِكْرُ نَفْيِ دُخُولِ الْجَنَّةِ عَنِ الْغَالِّ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷻ»، وساقه البيهقي تحت: «باب الْغُلُولُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ».
ثانيًا: قال ابن حجر الهيتمي: «قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَالْغَنِيمَةِ فِي ذَلِكَ الْغُلُولُ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالزَّكَاةِ انْتَهَى»١٬٩٤٧[الزواجر عن اقتراف الكبائر: (2/293)]..
ثالثًا: قال الإمام البخاري رحمه الله: «بَاب لَا يَقُولُ فُلَانٌ شَهِيدٌ»، والظاهر أن هذا محمولٌ على القطع بمآله في الآخرة ونيله فيها درجة الشهداء، ولهذا أردفه بقوله: «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»، قال السندي: «قوله: «باب لا يقول فلان شهيد»؛ أي: بالنظر إلى أحوال الآخرة، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فلا بأس، وإلا يشكل إجراء أحكام الدنيا، والله تعالى أعلم»١٬٩٤٨[حاشية السندي على صحيح البخاري: (2/67)]..
❖ ❖ ❖