بابٌ ما يُكرِمُ به ربُ العزَّةِ بعضَ الشهداءِ زيادةً في الفضل

الحديث الرابع عشر: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: (أفلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً قَالَ الرَّبُّ : إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ﴾)١٬٨٣٠رواه الترمذي [٣٠١٠] -واللفظ له- وقال: «حسن غريب»، وابن ماجه [١٩٠]، وابن حبان [٣٣٥٨]، وابن خزيمة [في التوحيد: (2/890)]، وغيرهم، ورواه أحمد [١٤٨٨١]، والحميدي [١٣٠٢]، وأبو يعلى [٢٣٣١] مختصرًا، وحسنه الألباني والأرناؤوط..

بعض معاني الكلمات:

كفاحًا: أي مُواجَهةً ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا رَسُولٌ.

بعض فوائد الحديث:

الأولى: فضلُ تبشير المؤمن بالخيرِ وتفريج الغمِّ عنه.

الثانية: إثبات صفة الكلام لله ﷻ، وأنه يتكلم بما شاء متى شاء وكيف شاء سبحانه.

الثالثة: سعة فضل الله ﷻ وأنه يخصُّ به من يشاء من عباده، قال العيني: «وفيه فضيلة عظيمة لم تسمع لغيره من الشهداء في دار الدنيا»١٬٨٣١[عمدة القاري: (8/18)]..

الرابعة: نَفَى النبيُّ ﷺ أن يكون الله قد كلَّم أحدًا مواجهةً قبل عبد الله بن حرامٍ رضي الله عنه، ولكن لم ينفِ إمكان وقوع ذلك لأحدٍ من الشهداء بعده، فتخصيصه بالذكر لا ينفي وقوع مثله لمن لم يتوجّه النفيُ إليه توجهًا بينًا، والله أعلم.

ص 1093

الخامسة: عظم منزلة من يقتل في سبيل الله تعالى حيث لم يتمنَّ، عبد الله بن حرامٍ شيئًا -مع أن من يكلِّمه رب العزة خالق كلِّ شيءٍ ومالكه- إلا أن يُعاد إلى الدنيا ليقتل مرةً أخرى، فلله كم في الشهادة من سرٍّ لا يُدْرك كنهه إلا بعد معاينته!

السادسة: أن حياةَ البرزخ تختلف عن الحياة الدنيا، فلا تقاس عليها في شيء، ولهذا قال عبد الله: «تحييني» أي تردّني حيًّا إلى الدنيا، وإلا فهو حيٌّ في البرزخ حياة الشهداء يكلِّم الله سبحانه ويسأله، قال السندي رحمه الله: «أي أحيني في الدنيا، وإلا فالشهداء أحياء، وهو حي يتكلم فكيف يطلب الإحياء وهو تحصيل الحاصل»١٬٨٣٢[حاشية السندي على سنن ابن ماجه: (1/82)]..

السابعة: منقبة عظيمة لعبد الله بن حرامٍ رضي الله عنه.

متفرِّقات

أولًا: بعض تبويبات الأئمة رحمهم الله: عند ابن حبان تحت: «ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ اللَّهَ ﷻ كَلَّمَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ بَعْدَ أَنْ أَحْيَاهُ كِفَاحًا»، وابن ماجه تحت: «بَاب فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

ثانيًا: خرج عبد الله بن حرام رضي الله عنه للقتال وحرص على نيل الشهادة ذلك اليوم بعلم النبي ﷺ، وكان عليه دينٌ كثيرٌ حتى اهتمَّ له ابنه بعده، ولم ينكر عليه ﷺ خروجَه مع علمه بذلك، ولم يمنعه من الغزو لأجل دينهِ، بل نال هذه المنقبة العظيمة التي لا يعدلها شيءٌ ولم تكن لأحدٍ قبله، فإما أن يكون ذلك قبل ورود حديث: (يغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدَّين)١٬٨٣٣رواه مسلم [١٨٨٦].، وإما أن يستثنى من ذلك من لا يجد وفاءً أو أقام على قضائه كفيلًا؛ لأن ابنه جابرًا بمنزلة الكفيل، أو يقال إن غزوة أحد كان القتال فيها فرضَ عينٍ للدفع عن المدينة -كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام- وعليه فلا يجب استئذان الدائن، وأن من قُتِل في مثل هذه الحالِ يغفر له كلُّ ذنبٍ حتى الدين ما لم يكن ترك القضاء عن تفريطٍ والله أعلم.

ص 1094

قال ابن قدامة رحمه الله: «وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً، أَوْ أَقَامَ كَفِيلًا، فَلَهُ الْغَزْوُ بِغَيْرِ إذْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَنْ تَرَكَ وَفَاءً، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ أَبَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَرَجَ إلَى أُحُدٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ، وَلَمْ يَذُمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُ، بَلْ مَدَحَهُ، وَقَالَ: (مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ)١٬٨٣٤[البخاري: (١٢٤٤)، ومسلم: (٢٤٧١)].، وَقَالَ لِابْنِهِ جَابِرٌ: (أَشَعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاك وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا)»١٬٨٣٥[المغني: (13/28)]..

ثالثًا: قد كان أشكل عليَّ قوله في الحديث: (أحيا أباك)، حيث إن الشهداء أحياءٌ بنص الآية لا سيما وأنها نزلت أول ما نزلت في شهداء أحد الذين منهم عبد الله بن حرام، فما وجه إحيائه وهو حيٌّ أصلًا؟ فوجدتُ كلامًا ذكره الملا علي القاري رحمه الله ساق فيه الإشكال نفسه وأجاب عليه بشيءٍ فقال: «فإن قلت كيف الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ [آل عمران: 169]؛ لأن التقدير هم أحياء فكيف يحيا الحي؟ فقال المظهر: قيل جعل الله تعالى تلك الروح في جوف طير خضر فأحيا ذلك الطير بتلك الروح فصح الإحياء، أو أراد بالإحياء زيادة قوة روحه فشاهد الحق بتلك القوة»١٬٨٣٦[مرقاة المفاتيح: (9/٤٠٢٣)].، وما ذكره هو من التخريجات المحتملات فالله تعالى أعلم.

قلتُ: ويحتمل أن قوله: (أحيا أباك) هو حياةُ الشهداء المذكورة في الآية نفسُها، أي أحياه بالشهادة كما أحيا غيره، ثم خصَّه بمزية تكليمه كفاحًا، ويشهد لذلك ذكر آية آل عمران آخر الحديث، فيكون مساق الحديث إخبارًا من النبي ﷺ بحياة الشهداء -ومنهم عبد الله بن حرام- عمومًا، وإنما ذُكرت حياة والد جابرٍ لما سيرتب عليها من الخصيصة التي ميّزته والله تعالى أعلم.

ص 1095

وكتب لي أحد العلماء في هذا: «ويحتمل أن يكون النبي ﷺ يريد بذلك تسلية جابر وتبديل همه بالفرح بإخباره بأن أباه في أولئك الشهداء المذكورين في الآية، ليس خارجًا منها، والعلم عند الله».

رابعًا: قال الحكيم الترمذي رحمه الله: «وتمنيه أن يحيا لأنه وجد لذة بذله لنفسه حين قتل وإنما بذل نفسًا خاطئة قد تدنست بالذنوب فأحب أن يبذلها ثانية طاهرة»١٬٨٣٧[نوادر الأصول في أحاديث الرسول: (1/٣٦٣)].، وهذا المعنى يُلحق أيضًا بتمني رجوع الشهيد إلى الدنيا ليقتل عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة.

❖ ❖ ❖

ص 1096