باب فضلُ كلِّ كلْمٍ في سبيل الله فكيف بالقتلِ

الحديث الثاني والثلاثون: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ)١٬٩٠٨رواه مالك [٩٣٠]، وأحمد [٧٣٠٢]، والبخاري [٢٨٠٣]، ومسلم [١٨٧٦]..

بعض معاني الكلمات:

يكلم: يجرح.

يثعب: يجري، وقال النووي: «بفتح الياء والعين وإسكان المثلثة بينهما ومعناه يجرى متفجرا أي كثيرا»١٬٩٠٩[شرح النووي على مسلم: (13/22)]..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: فضل الجرح في سبيل الله سواء كان صغيرًا أم كبيرًا.

الثانية: رُبَّ جريح أو قتيل في الصف الله أعلم بنيته، قال ابن عبد البر: «وفي قوله ﷺ: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) دليل على أن ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح نيته ويعلم الله من قلبه أنه خرج يريد وجهه ومرضاته لا رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخرًا»١٬٩١٠[التمهيد: (11/610)]..

الثالثة: مدارُ قبول الأعمال الصالحة وانتفاع العبد بها مبنيٌّ على صحة النية واستقامة القصد، كما ذكر السندي: «أن المدار على الإخلاص الباطني المعلوم عند الله لا على ما يظهر للناس»١٬٩١١[حاشية السندي على سنن النسائي: (6/29)].، وفي هذا تنبيه على خطر النية وضرورة معالجتها حتى لا يجتمع عليه كَلْمانِ كلم الدنيا بالجراح والآلام والآخرة بضياع الثواب ونزول العقاب.

ص 1127

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِن يَشَأْ

يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ١٬٩١٢[سيرة ابن هشام (2/176)، صحيح البخاري (2880)].

قال الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله: «وإذا كان هذا في فقد عضوٍ أو جرح أو نحو ذلك فأعظم من ذلك أن يفقد نفسه؛ يعني: أن يُستشهد في سبيل الله، فإنه والحال هذه أعظم أجرًا وأكثر ثوابًا»١٬٩١٣[شرح عمدة الأحكام لابن جبرين، الدرس: (79)، ص: (9)]..

الخامسة: محبة الله لرؤية آثار الطاعة على عبده؛ ولهذا فالشهيد لا يغسل دمه في الدنيا، ويأتي يوم القيامة بجراحه ودمه ينزف، تنويها بعلو منزلته وجلالة كرامته، قال ابن حجر رحمه الله: «قال العلماء الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى»١٬٩١٤[فتح الباري: (6/20)]..

السادسة: التحريض على الجهاد لنيل فضائله ومنها ما جاء في هذا الحديث، قال ابن عبد البر: «هذا من أحسن حديث في فضل الغزو في سبيل الله والحض على الثبوت عند لقاء العدو»١٬٩١٥[التمهيد: (11/609)]..

متفرِّقات:

أولًا: أدرجه مالك تحت: «باب الشهداء في سبيل الله»، وبوب عليه النسائي بقوله: «ثواب من كلم في سبيل الله»، وعند ابن حبان تحت: «ذِكْرُ مَجِيءِ مَنْ كُلِمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْثَعِبُ دَمُهُ لِيُعْرَفَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ»، والبيهقي تحت: «باب فَضْلِ مَنْ يُجْرَحُ في سَبِيلِ اللَّهِ».

ص 1128

ثانيًا: ذكر الزرقاني وجهًا في معنى الجملة المعترضة (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) وهو دلالتها على التفخيم والتعظيم إيذانًا بمقام المكلوم على هذه الصفة عند الله تعالى، وكأن المعنى حينها يكون والله وحده أعلم: بقدر ومنزلة من يكلم في سبيله، وهو وجهٌ حسنٌ ولكن لا ينفي ما تواطأت عليه كلمة العلماء من دلالة الجملة على تخصيص المخلص في نيته دون غيره بهذا الفضل، وهذا أمرٌ معلومٌ في سائر الأعمال الصالحة، إذ لا ثواب عليها بغير نيةٍ، قال الزرقاني رحمه الله: «(والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى مؤكدة مقررة لمعنى المعترض فيه وتفخيم شأن من يكلم في سبيل الله ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ﴾ [آل عمران: 36]؛ أي بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميمًا للصيانة عن الرياء والسمعة وتنبيها على الإخلاص في الغزو وأن الثواب المذكور إنما هو لمن أخلص لتكون كلمة الله هي العليا»١٬٩١٦شرح الزرقاني: (3 / 46)، ونظيره في «المرقاة»..

ثالثًا: ذكر بعض العلماء أن ظاهر الحديث يشمل أيضًا من جرح في سبيل الله ثم بَرِئَ، وهذا الظاهرُ ظاهرٌ؛ إذ ليس في الحديث تفريقٌ بين الحالات ولا تفصيلٌ لصفاتها، ولا اشتراط أن يُقتل بذلك الجرح، مع أن بعض العلماء خصه بمن قتل على تلك الصفة والله أعلم، قال الزرقاني: «وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يستشهد أو تبرأ جراحته، قال الحافظ: ويحتمل أن المراد ما مات صاحبه به قبل اندماله لا ما اندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول، ولا ينفي ذلك أن له فضلًا في الجملة لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا من فارق الدنيا كذلك»١٬٩١٧شرح الزرقاني: (3 / 47).، وقال ولي الدين العراقي أبو زرعة: «وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ أَوْ تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ لِقَوْلِهِ كُلُّ كَلْمٍ»١٬٩١٨[طرح التثريب في شرح التقريب: (7/200)]..

قلتُ تأمل قول الزرقاني: وظاهر الحديث... إلخ، وقول الحافظ: والظاهر أن الذي... إلخ كيف جعل كل واحد منهما ظاهر الحديث مؤيِّدًا لما قال وبمثل هذا تدرك تفاوت أفهام الناس، وتباين مدارك استنباطهم، سواءً كان في أصل الحكم المستنبط أو في تنزيله على الواقعة.

❖ ❖ ❖

ص 1129