الرِّبِيُّون ومسيرةُ النَّصر قوة... همة... صبر... توبة... دعاء... ففتح وجنة
﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾
تاريخ نشر الكتاب:
ربيع الآخر 1432 هـ 3 - 2011م
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...
فمما لا شك فيه أن الأحوال والأحداث التي يمر بها المجاهدون في هذه المرحلة تستوجب منا تفكرًا عميقًا في أمورنا، وتأملًا تامًا في أحداثنا، ونظرًا متجردًا في مستجداتنا، وتقليبًا لصفحات مجرياتنا، من غير تهويلٍ ولا غفلةٍ، حتى نستطيع أن نستوعب استيعابًا صحيحًا كل المجريات الطارئة التي لم تزل تتجدد وتتعدد، فعندها يمكن أن نقف على الداء، وندرك ما هو المطلوب منا عمليًا لنتجاوز كل عقبةٍ ونواصل مسيرتنا الجهادية المباركة من غير كلل ولا ملل ولا تردد ولا ضعفٍ أو تهاون، فالحوادث العظام لا يدعها العقلاء تمرُّ عليهم من غير تدبر واعتبارٍ، بل يستخلصون عبرها ويستنتجون دروسها فيتخذونها زادًا يَشدُّون به من أزرهم ويَسدُّونَ ثغراتهم فيقطعون فيافيَ الزمن ويتجاوزون عقبات الحادثات واحدةً، واحدةً؛ حتى يبلغوا المنتهى على أتم حالٍ وأنفعه لهم في الدنيا والآخرة.
ولذا أحببت أن ندخل هذه القضية من خلال آية عظيمةٍ في كتاب الله تعالى الذي أنزله الله سبحانه رحمةً وشفاءً للمؤمنين، وجعله تبيانًا لكل شيءٍ كما قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 57]، وقال ﷻ: ﴿قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ﴾ [فصلت: 44]، مُشفِّعًا ذلك بما يتيسر من قبسات مشكاة المصطفى ﷺ، ومستأنسًا بكلامٍ لأئمتنا الأعلام رحمهم الله تعالى.
وسأجعل ذلك على صورة نقاطٍ مختصرةٍ قدر الإمكانٍ ومبيَّنة ومركزةٍ، إذ المقصود هو الوقوف على ما أمكن من التوجيهات والإرشادات القرآنية لتكون لنا نبراسًا نسترشد به في طريقنا الذي نرجو أن يكون آخرَه جناتٌ ونهرٌ في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. وأسأل الله الكريم السداد والتوفيق.
لما أُشيع بين جيش المسلمين يومَ أحدٍ أن النبي ﷺ قد قتل، فتَّ ذلك في عضد كثيرٍ منهم، وتنوعت من هذا الحدث الجلل مواقفُهم، ونطقت بعضُ الألسنِ بما لا ينبغي، إذ كان وقعه أعظم مما يُتوقع لجسامته البالغة -وهو كذلك بلا شكٍ-، لا سيما وقد نزلت تلك المصيبة بعد الانتصار الساحق والفتح المظفر الذي حققه المسلمون في غزوة بدرٍ حيث كانوا أقل عددًا وعدةً: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]، وبقي أهل الرسوخ والإيمان -كما هو دأبهم- أمام إعصار هذا الحادث ثابتين على سبيل الحق قولًا وعملًا مثبِّتين لمن تزلزل واضطرب ومقوِّين عزيمة مَن خار وانهار، فكانت الأقوال تجاه هذا الحدث مقسّمةً بين أهل التربُص والنفاق، وأهل الريب مرضى القلوب، وأهل اليقين والثبات:
فقال بعضهم: «ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيٍّ، فيأخذ لنا أمَنَةً من أبي سفيان!! يا قوم، إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم».
وقال بعضهم: «والذي نفسي بيده، لئن كان النبي ﷺ قُتل، لنعطينَّهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا!».
وقال ناسٌ من أهل الارتياب والمرض والنفاق، يوم فرَّ الناس عن نبي الله ﷺ وشُجَّ فوق حاجبه وكُسرت رباعيته: «قُتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول!»١٬٧١٤[انظر النقولات الثلاثة في: تفسير الطبري: (7/258)]..
- وقال أناس من عِليْة أصحاب نبي الله ﷺ: «قاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ نبيكم حتى يفتح الله لكم أو تلحقوا به»١٬٧١٥[تفسير الطبري: (7/253)]..
- وقال بعضهم: «إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم»١٬٧١٦[تفسير مجاهد: (ص 260) وتفسير الطبري: (7/253)]..
فأنزل الله ﷻ إثر ذلك الاضطراب الذي حصل لجيش المسلمين بشيوع مقتل النبي ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «... ثم قال لأصحاب محمد، معاتبَهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأحُد: «إنّ محمدًا قتل»، ومُقبِّحًا إليهم انصرافَ من انصرفَ منهم عن عدوهم وانهزامه عنهم: أفئِن مات محمد أيها القوم، لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدو ﴿ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 144]؛ يعني ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدًا بالدعاء إليه ورجعتم عنه كفارًا بالله بعد الإيمان به، وبعد ما قد وَضَحت لكم صحةُ ما دعاكم محمد إليه، وحقيقةُ ما جاءكم به من عند ربه..»١٬٧١٧تفسير الطبري: (7 / 251)..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالةٍ لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيسٍ ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعِدةِ أُناسٍ من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم»١٬٧١٨تفسير السعدي: (150)..
وكان من الآيات التي أنزلت في هذا الصدد تعليمًا للصحابة رضي الله عنهم، وتصبيرًا لهم، وحثًا للائتساء بمن سبقهم قوله ﷻ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 146-148].
فالآية مرتبطة بما سبقها وإن تخللهما آيةٌ، والسياق واضح الدلالة على ذلك، والترابط بينهما واتحاد موضوعهما في غاية البيان، كما قال الإمام ابن جريرٍ رحمه الله: «لأن الله ﷻ إنما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها من قوله ﷻ: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ﴾، الذين انهزموا يوم أحُد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: «إن محمدًا قد قتل»؛ فعذلهم الله ﷻ على فرارهم وتَرْكِهم القتالَ فقال: أفائن مات محمد أو قتل، أيها المؤمنون، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم: هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم؛ من المضي على منهاج نبيهم، والقتال على دينه أعداءَ دين الله، على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم، ولم تهنوا ولم تضعفوا، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم»١٬٧١٩تفسير الطبري: (7 / 264)..
وقد ذكر العلماء في الآية معانيَ عدة بناءً على الاختلاف في قراءة قوله تعالى: (قاتلَ) أو (قُتِل)، إلا أن المعنى العام للآية كما قال العلامة رشيد رضا رحمه الله: «والمعنى: أن كثيرًا من النبيين الذين خلوا قد قاتل معهم كثير من المؤمنين بهم المنتسبين إلى الرب تعالى في وجهة قلوبهم وفي أعمالهم، المعتقدين أن النبيين والمرسلين هداة ومعلمون لا أرباب معبودون، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله أي ما ضعف مجموعهم بما أصاب بعضهم من الجرح وبعضهم من القتل وإن كان المقتول هو النبي نفسه؛ لأنهم يقاتلون في سبيل الله وهو ربهم لا في سبيل شخص نبيهم وإنما حظهم من نبيهم تبليغه عن ربه وبيانه لهدايته وأحكامه ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ﴾ [الكهف: 56]، وما ضعفوا عن جهادهم ولا استكانوا ولا ولوا بالانقلاب على أعقابهم بل ثبتوا بعد قتل نبيهم كما ثبتوا معه في حياته؛ لأن علة الثبات في الحالين واحدة وهي كون الجهاد في سبيل الله أي في الطريق التي يرضاها الله كحفظ الحق وحمايته، وتقرير العدل وإقامته، وما يتبع ذلك ويلزمه»١٬٧٢٠تفسير المنار: (4/171)..
ومن هنا فنحاول أن نقف وقفات عند هذه الآيات الكريمات، وربط معانيها بما نحن فيه بما يفتح الله تعالى:
فهرس القسم: الرِّبِيُّون ومسيرةُ النَّصر قوة... همة... صبر... توبة... دعاء... ففتح وجنة
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا