القضية الخامسة: في بيان حقيقة الضرر الذي جوَّز الفقهاء لأجله ضرب الترس المسلم أو رمي الحصن الذي يوجد فيه مسلمون
فإذا تأملنا في كلامهم حول السبب الذي أجازوا به رمي الكفار مع تترسهم بالمسلمين مما قد يؤدي إلى قتلهم؛ لرأينا أن مدار ذلك على دفع الضرر المتوقع حصوله إن لم يقم المجاهدون بذلك.
بل نص شيخ الإسلام -كما رأينا سابقًا- أن الرمي في مثل هذه الحالة هو موضع اتفاق بين الأئمة، وإن أدى ذلك إلى قتل المسلمين المتترَس بهم، فلا بد أن يكون للضرر المذكور والمعلل به الحكم؛ معنى واضح ومحدد قصده هؤلاء الأئمة وإن تعددت عباراتهم في التعبير عن ذلك -كما سنراه- وهو ما سنحاول أن نستخلصه من أقوالهم في هذه الفقرة.
فمن ذلك؛ استيلاء الكفار على المسلمين وسيطرتهم على ديارهم:
ولا شك أن هذه هي أم المفاسد ومصدر شرورها، فمنها يتفرع ما يذكره الفقهاء من المفاسد التفصيلية والطوام الفرعية الأخرى، والتي لا يتصور وقوعها بشمول واتساع إلا حيث كانت الأمور بيد الكفار والغلبة لهم ومقاليد البلاد في قبضتهم، فيُقيمون ما أرادوا ويقصون ما شاؤوا.
وذي هي بعض أقوال الفقهاء ونصوصهم في ذلك:
قال الإمام القرطبي رحمه الله: «قلت: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية؛ أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية؛ أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها قطعية؛ أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا، قال علماؤنا؛ وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو؛ فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين؛ فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون، ولا يتأتى لعاقل أن يقول؛ لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما حصل منها عدم أو كالعدم، والله أعلم»٢١٣تفسير القرطبي: (16/287)..
وواضح من كلام الإمام القرطبي رحمه الله تعالى تنصيصه على المفسدة العظيمة التي لأجلها جوَّز قتل الترس، وهي استيلاء الكفار وعلوهم على الأمة، وهي أصل المفاسد -كما أشرنا قبلًا- فينتج من ذلك؛ «ذهاب الترس والإسلام والمسلمين»، إذ بعلو الكفار وسيطرتهم على الأمة صارت الأمور كلها بأيديهم، ومعلوم لدى كل أحد شدة وحرهم ووغرهم على الإسلام والمسلمين، وهم يتربصون بهم الدوائر، حيث لن يرضوا من الأمة بأقل من ارتدادها ارتدادا كاملا عن دينها ونبذها لشريعة ربها، سالكين في سبيل تحصيل ذلك كل ممكن ترغيبًا وترهيبًا وكيدا ومكرًا وتلبيسا وتدليسًا.
قال الله تعالى: ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2]، وقال سبحانه: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 217]، ونظائر هذه الآيات كثيرة معلومة.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وإن دعت ضرورة إلى رميهم؛ بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم؛ فوجهان... والثاني؛ وهو الصحيح المنصوص وبه قطع العراقيون، جواز الرمي على قصد قتال المشركين ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان، لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ولا يبعد احتمال طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة للأمور الكليات»٢١٤روضة الطالبين: (10/246)..
وقال الغزالي رحمه الله: «أما الواقع في رتبة الضرورات؛ فلا يبعد في أن يؤدي إليه اجتهاد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله؛ إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلـمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين؛ فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضًا؛ فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم قطعًا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل»٢١٥المستصفى: (1/176)..
وله في هذا الموطن كلام مسهب قيم، ولولا خشية الإطالة لنقلناه بكامله، فليراجع فإنه مهم في تصوير المسألة.
كما وردت بعض العبارات التي أطلق فيها القول بالخوف على المسلمين ودفع الضرر عنهم وكف فساد الكفار للدين والدنيا من غير تفصيل لحقيقة هذا الخوف والضرر والفساد، ولكن لا شك أن أول ما يدخل فيها؛ هو غلبة الكفار للمسلمين وقهرهم إياهم، وتبديلهم لشرائع الإسلام، واستباحتهم لدمائهم، وانتهاكهم لأعراضهم، وسلبهم لأموالهم، فهذه أعظم المفاسد وأمهات المضار التي يُخاف على المسلمين من الابتلاء بها.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يُقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك؛ أولى»٢١٦مجموع الفتاوى: (28/540)..
وقال أيضًا -وقد نقلناه سابقًا-: «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا؛ فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم»٢١٧مجموع الفتاوى: (28/546)..
وقال أيضًا: «وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يُفضي إلى قتل أولئك الـمُتترس بهم جاز ذلك»٢١٨مجموع الفتاوى: (20/52)..
وقال ابن مفلح الحنبلي: «وإن تترسوا بمسلمين رميناهم بقصد الكفار إن خيف علينا فقط، نص عليه، وقيل؛ وحال الحرب، وإلا حرم»٢١٩الفروع: (6/197)..
بل قد ذكر بعض الفقهاء -وأكثرهم من الأحناف-؛ أن رمي حصون الكفار بالمنجنيق ونحوه مما يعم به الهلاك جائز، وإن كان بينهم مسلمون، حتى لا يؤدي الكف عنهم لأجل ذلك إلى تعطيل الجهاد المأمور به شرعًا، وحتى لا يتخذه الكافرون ذريعة يمتنعون بها عن غزو المسلمين لهم، وظاهر كلامهم هنا؛ أن هذه الصورة أكثر ما تكون مفترضة في جهاد الطلب.
قال الإمام الكاساني رحمه الله: «ولا بأس برميهم بالنبال وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار؛ لما فيه من الضرورة، إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير أو تاجر، فاعتباره يؤدي إلى انسداد باب الجهاد»٢٢٠بدائع الصنائع: (7/100)..
وقال الإمام السرخسي رحمه الله: «ولكنا نقول؛ القتال معهم فرض، وإذا تركنا ذلك لِما فعلوا أدى إلى سد باب القتال معهم، ولأنه يتضرر المسلمون بذلك، فإنهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا بأطفال المسلمين، فيجترؤون بذلك على المسلمين، وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين، والضرر مدفوع»٢٢١المبسوط: (10/65)..
وأقوال العلماء في هذا كثيرة، ومعظمها يدور حول ما نقلناه.
وعلى كل حال فيمكن تلخيص ما ذكروه إجمالًا من الضرر الذي بسبب خوف وقوعه جوَّزوا رمي الترس في النقاط التالية:
الأولى: خشية استيلاء الكفار على ديار المسلمين وتسطلهم عليهم.
الثانية: أن غلبتهم على ديار المسلمين تقود إلى إفساد الدين والدنيا، وتحت هذا من أنواع المفاسد وصورها ما لا يحصى.
الثالثة: في الكف عن رميهم لأجل من بينهم من المسلمين تعطيل لفريضة الجهاد.
الرابعة: أن الكفار إذا علموا بكف المسلمين عن رميهم لأجل من يُوجد بينهم من المسلمين؛ اتخذوا ذلك ذريعة لحفظ أنفسهم ومنع المسلمين من قتالهم.
وكما نرى فإن بعض هذه الصور يختص بجهاد الدفع، وهو آكد وأعظم، وبعضها يمكن أن يكون في الدفع والطلب معًا.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مفرقًا بين قسمي الجهاد، ومبيّنًا كون جهاد طلب أعظم أهمية وأكثر تأكدًا من جهاد الطلب: «وأما قتال الدفع؛ فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده»٢٢٢الفتاوى الكبرى: (4/608)..
وقول شيخ الإسلام رحمه الله في وصف العدو الصائل بإنه «يفسد الدين والدنيا»؛ إنما هي صفة كاشفة وليست مقيِّدة، بمعنى أن كل عدو صائل يعتبر مُفسدًا للدين والدنيا، ولا يمكن أن تنفك هذه الصفة عنه طرفة عين، فيترتب عليه ما ذكر من الحكم -وهو وجوب دفعه بالاتفاق- وهذا هي حقيقة كل الأعداء الذين صالوا على ديار المسلمين -قديمًا وحديثًا- مما يجعل إنكار هذا الأمر أو المجادلة فيه هو من قبيل التنكر للمحسوسات والقطعيات.
❖ ❖ ❖