الفصل الأول: تعريف الجاسوس لغةً واصطلاحًا
أولًا: تعريف الجاسوس لغةً:
قال العلامة ابن منظور رحمه الله في مادة «جسس»: «الجَسُّ اللَّمْسُ باليد والـمَجَسَّةُ مَمَسَّةُ ما تَمَسُّ... والجَسُّ جَسُّ الخَبَرِ ومنه التَجَسُّسُ وجَسَّ الخَبَرَ وتَجَسَّسه بحث عنه وفحَصَ، قال اللحياني: تَجَسَّسْتُ فلانًا ومن فلان بحثت عنه كتَحَسَّسْتُ، ومن الشاذ قراءة من قرأَ فَتَجَسَّسُوا من يوسف وأَخيه... وتَجَسَّسْتُ الخبر وتَحَسَّسْته بمعنى واحد، وفي الحديث: (لا تَجَسَّسُوا)١٬٣٤٩[البخاري: (٥١٤٣)، ومسلم: (٢٥٦٣)، وغيرهما]. التَّجَسُّسُ بالجيم التفتيش عن بواطن الأُمور، وأَكثر ما يقال في الشر، والجاسُوسُ: صاحب سِرِّ الشَّر، والناموسُ: صاحب سرِّ الخير، وقيل التَّجَسُّسُ بالجيم أَن يطلبه لغيره وبالحاء أَن يطلبه لنفسه، وقيل بالجيم البحث عن العورات وبالحاء الاستماع، وقيل معناهما واحد في تطلب معرفة...
والجاسُوسُ: العَيْنُ يَتَجَسَّسُ الأَخبار ثم يأْتي بها، وقيل الجاسُوسُ الذي يَتَجَسَّس الأَخبار»١٬٣٥٠لسان العرب: (6/38)..
فأصل الجس في اللغة معناه اللمس باليد، ولهذا فبعض العلماء عدَّ استخدام الجس في تفحص الأخبار والبحث عنها من قبيل المجاز، كما قال الزبيدي رحمه الله: «منَ الْمَجاز: الجَسُّ: تَفَحُّصُ الأخبارِ والبحثُ عنها كالتَّجَسُّس، قال اللِّحْيانيُّ: تجَسَّسْتُ فلانًا ومن فلانٍ: بَحَثْتُ عنه كَتَحَسَّسْتُ... وقيل: التَّجَسُّسُ بالجيم: أن يَطْلُبَه لغَيرِه وبالحاء: أن يَطْلُبَه لنَفسِه، وقيل بالجيم: البحثُ عن العَورات، وبالحاء: الاستِماع ومعناهما واحدٌ في تطَلُّبِ مَعْرِفةِ الأخبارِ، ومنه الجاسوسُ والجَسيسُ كأميرٍ: لصاحبِ سِرِّ الشَّرِّ وهو العَينُ الذي يَتَجَسَّسُ الأخبارَ ثمّ يأتي بها، والناموس: صاحبُ سِرِّ الخَير»١٬٣٥١تاج العروس: (1/3879)..
وقال أبو بكر الأنباري رحمه الله: «وقولهم رجلٌ جاسُوسٌ، قال أبو بكر: الجاسوس معناه في كلام العرب المتجسس الباحث عن أمور الناس، يقال: تجسَّس الرجل وتحسَّس بمعنى واحد هذا إجماع أهل اللغة»١٬٣٥٢الزاهر في معاني كلمات الناس: (1/319)..
إذن فالجاسوس: هو الذي يطلب معرفة الأخبار سرًّا ويتفحصها، ويبحث عنها لأجل نقلها.
ويسمى الجاسوس عينًا، وهو استعمال شائع عند الفقهاء وغيرهم، وذلك من باب إطلاق البعض على الكل، ويسمى بالمجاز المرسل، فالجاسوس حينما جعل عنايته كلها متوجهة إلى عينيه فيبحث بهما عن العورات، ويدقق بهما للتوصل إلى كشف المستورات سمي بالعين.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وسمي الجاسوس عينًا؛ لأن جل عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينًا»١٬٣٥٣فتح الباري: (6/168)..
وقال الأستاذ عبد الرحمن الميداني: «المجاز المرسل في اللّفظ المفرد.. وكاستعمال لفظ «العين» مرادًا بها الجاسوس الذي يُكَلَّف أن يطلَّع على أحوال الْعَدُوّ، ويأتي بالأخبار عنها، نظرًا إلى أنّ العين هي الأداة الكبرى التي تستخدم في هذا الأمر»١٬٣٥٤البلاغة العربية أسسها وعلومها: (666)..
ثانيًا: تعريف الجاسوس اصطلاحًا:
في الحقيقة لا تكاد تجد تعريفًا اصطلاحيًا محددًا للجاسوس خلال كلام الفقهاء، والظاهر أن ذلك لوضوح معناه، ومعرفة المراد منه على العموم، وعباراتهم التي يعرفون بها الجاسوس لا تكاد تختلف عن التعريف اللغوي في شيء، ومع ذلك فسأذكر بعض عبارات الفقهاء التي ظهر فيها تعريف للجاسوس، وأكثرها عبارات تفسيرية تبيّينة وليست جارية على طريقة التعريفات الفقهية ونسق الحدود المعروفة.
جاء في الشرح الكبير للدردير المالكي رحمه الله: ««و» جاز «قتل عين» أي: جاسوس يطلع على عورات المسلمين وينقل أخبارهم للعدو»١٬٣٥٥الشرح الكبير: (2/182)..
وقال الشيخ محمد بن أحمد بن محمد عليش المالكي رحمه الله: ««عين» بفتح العين المهملة؛ أي جاسوس على المسلمين يطلع الحربيين على عورات المسلمين، وينقل أخبارهم إليهم، وهو رسول الشر، والناموس رسول الخير»١٬٣٥٦منح الجليل: (6/35)..
وقال الخرشي المالكي رحمه الله: «الجاسوس وهو مراده بالعين هنا: وهو الذي يطلع على عورات المسلمين وينقل أخبارهم للعدو فالجاسوس رسول الشر ضد الناموس فإنه رسول الخير»١٬٣٥٧شرح مختصر خليل للخرشي: (9/493)..
وقال العلامة سليمان بن عمر الجمل الشافعي رحمه الله: «عين الكفار: شخص يتجسس على عورات المسلمين لينقل أخبارها لهم»١٬٣٥٨حاشية الجمل: (10 / 322)..
وفي حاشية البجيرمي الشافعي: «والجاسوس: هو الذي يتجسس الأماكن المخوفة»١٬٣٥٩حاشية البجيرمي على الخطيب: (13 / 48).، والظاهر أن مقصده بالأماكن المخوفة هي المواطن التي يخاف المسلمون نفوذ العدو من خلالها، وهي محال الاحتياط والتيقظ كالثغور ونحوها.
وقد درج بعض علماء الشافعية على إطلاق لفظ «الخائن» على الجاسوس، وهو وصفٌ لائقٌ به منطبقٌ عليه، لقلْبه للحال، إذ أمره الله بأن يكون عونًا للمسلمين حافظًا لسرهم، فخانهم وخان دينه وصار مطْلعًا لعدوهم على عوراتهم.
فمن ذلك قول العلامة الخطيب الشربيني رحمه الله في بيان من لا يستصحبهم الإمام معه في الغزو: «ويَردُّ أيضا الخائن: وهو من يتجسس لهم، ويطلعهم على العورات بالمكاتبة والمراسلة»١٬٣٦٠مغني المحتاج: (4 / 221)..
وقال الشيخ عبد الله عزام رحمه الله: «والجاسوس: هو الذي يطلع على أسرار الناس وعيوبهم وينقلها.
والمقصود بالجاسوس هنا: هو الذي ينقل أسرار المسلمين إلى أعدائهم»١٬٣٦١[في الجهاد آداب وأحكام: (ص 43)]..
وجاء في معجم لغة الفقهاء١٬٣٦٢(1/158).:لكلٍ من الدكتورين قلعه جي وحامد قنيبي: «الجاسوس: صاحب سر الشر، الذي يلتقط عورات الناس «حديثهم وأحوالهم» سرًا».
فتعريفات الفقهاء متقاربة ومعناها ظاهرٌ لا خفاء فيه، ومن خلالها يظهر أن المقصود بالجاسوس الذي يتناوله هذا البحث ليس هو الشخص الذي يطلع على عورات المسلمين فقط، وإنما الذي ينمي ويوصل تلك الأخبار التي يتحسسها ويبحث عنها إلى أعدائهم، فمقاصد الجواسيس متعددة، ودوافعهم مختلفة، فقد يكون محركه الحسد، أو الحقد، أو العداوة، أو التطفل، أو الفضول، أو الحرص على إيقاع الضرر، أو طلب الانتقام، أو حب المال، أو غير ذلك، إلا أن نتائج هذه الدوافع ومؤداها هو إيصال الأخبار إلى الأعداء وهذا عملٌ ظاهرٌ بغض النظر عن دوافعه، ومن هنا فإن التعريف -كما رأينا- يتعلق بهذا الأمر الظاهر وليس بما خفي من الأسباب والدوافع والمحركات والله تعالى أعلم.
وعليه فيمكن أن نضع تعريفًا للجاسوس المقصود في البحث فنقول: «هو الشخص الذي يطلع على عورات المسلمين وأخبارهم، ليوصلها إلى أعدائهم».
وكلمة جاسوس نفسها وبحسب أصل معناها اللغوي تشعر بالبحث والتفحص وتكلف معرفة الأخبار والأحوال على وجه الخفية، قال العلامة أبو السعود رحمه الله: «(وَلاَ تَجَسَّسُواْ)؛ أي ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تفعّل من الجسِّ لما فيهِ منْ مَعْنى الطلبِ كما أن التلمسَ بمَعنى التطلبِ لما في اللمسِ من الطلبِ»١٬٣٦٣تفسير أبي السعود: (6/187)..
فبحسب التعريف فإن الذي عَرَفَ الأخبار توافقًا وعَرَضًا لا تقصدًا وتعمدًا لا يدخل في أصل معنى الجاسوس؛ لأن فعل البحث والتفحص ومحاولة الكشف لم يقع منه، إلا أن انعدام التعمد في البحث لا ينزع عنه صفة الجاسوسية من حيث ما يترتب عليها من الأحكام، لأن المأخذ اللغوي للكلمة بني على اعتبارٍ ما، إما اعتبار الغالب أو الأنكى والأضرّ أو غير ذلك، فيقال: هذا أصل مأخذ اللفظة لغةً، ثم استعملت لما يعمّ كل نقل للأخبار إلى العدوّ سرًا، سواءٌ وقع من الفاعل تفحّصٌ وتقصّد لتحصيل الخبرِ «المعلومةِ» أو لم يقع وحصلت له المعلومة عرَضًا فنقلها للعدوّ، وهذا في اللغات كثيرٌ.
فجوهر المسألة يكمن في إيصال الخبر الذي يضر بالمسلمين إلى أعدائهم لا في كيفية تحمله وطريقة تحصيله، فرب شخص يلتقط بعض الكلمات ويسمع شيئًا من المعلومات في مجلس عابرٍ فتدفعه نفسه الأمارة بالسوء إلى نقل تلك الأخبار المهمة لأعداء الإسلام فيحصل بها من النكاية والإذاية أضعاف ما ينزل من وراء تجسس المتعمدين المتقصدين، وقصة حاطب رضي الله عنه -وستأتي مفصلة- تدل على ذلك حيث لم يتعمد حاطب البحث عما أخفاه النبي ﷺ، ولم يجتهد في التنقيب عن سره، وإنما استعمل ما علمه واجتهد في إيصال ما بلغه، سواء كان النبي ﷺ قد أسر له بعزمه على قصد مكة -كما ذكرت بعض الروايات- أو كان قد علمه من جهة أخرى، إلا أن الغالب من حال الجواسيس هو اجتهادهم في معرفة الأخبار وتنقيبهم عنها وسعيهم في الاطلاع عليها، فعزمهم على بلوغها لإيصالها إلى أوليائهم سابقٌ وليس بلاحق، وأما صورة المعرفة العرضية فهي قليلة والله تعالى أعلم.
فالجاسوس الذي نحاول البحث في حكمه هنا لا بد أن يكون مشتملًا على عدة أمور:
الأول: وجود الشخص أو الأشخاص الذين يمارسون هذا العمل الذي هو التجسس، وهو المحل الذي تقوم به هذه الصفة.
الثاني: قصد الفعل الذي يحصل به الاطلاع على الأخبار، بأن يتعمد ذلك ويتقصده ويسعى لبلوغ أسرارها وكشف أستارها، ولا عبرة بالطريقة التي يسلكها لذلك الغرض ولا بالوسيلة التي يستخدمها سواء كان بالتخفي والتنكر، أو المراقبة والتتبع، أو باستعمال معدات متطورة كالكاميرات وأجهزة التنصت ونحوها.
وهذا كما ذكرت أعلاه هو أغلبيٌّ، وإلا فمَن يقع على المعلومةِ «السرّ» وقوعًا اتفاقيًا ثم ينقلها للعدوّ، قد يأخذ الحكم نفسه.
الثالث: أن يكون هذا التجسس والبحث عن عورات المسلمين وأخبارهم لا عن غيرهم، كالبحث عن مواطن ضعفهم التي يمكن من خلالها إيقاع الضرر بهم، أو أماكن وجود قادتهم وأمرائهم، أو التعرف على الطرق التي يسلكونها لتسليحهم وإمداداتهم، وغير ذلك، فالأخبار التي ينقلها الجاسوس هي الأخبار المتعلقة بالإسلام والمسلمين ودولتهم وأحوالهم.
الرابع: أن يسعى لإيصال تلك الأخبار التي جمعها وتحصل عليها إلى أعدائهم الكفرة سواء كانوا مرتدين أم كفارًا أصليين، وبغض النظر عن الطريقة التي يسلكها لإيصال ما تحصل عليه من المعلومات سواء حصل بالهاتف، أو المكاتبة، أو التصوير أو غيرها من الوسائل المتعددة.
قال الأستاذ محمد راكان الدغمي في تعريفه للجاسوس: «هو الشخص الذي يطلع على عورات المسلمين بطريقة سرية، وينقل أخبارهم للعدو سواء أكان هذا الشخص مسلـمًا أم غير مسلم، وسواء أكانت هذه الأخبار عسكرية أم غير عسكرية، في وقت السلم أم في وقت الحرب»١٬٣٦٤التجسس وأحكامه في الشريعة الإسلامية: (31)..
❖ ❖ ❖