باب تمني الشهيد العود للدنيا ليقتل مرّاتٍ لما يعاين من الكرامة

الحديث الثالث والعشرون: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيد؛ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ)١٬٨٦٧رواه أحمد [١٢٢٧٣]، والبخاري [(٢٨١٧) واللفظ له]، ومسلم [١٨٧٧]، وعند مسلم: (لما يرى من فضل الشهادة)..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.

الثانية: أن تمني الرجوع للدنيا طلبًا للقتل مرّات هو من خصال الشهيد لا يشاركه فيها أحدٌ غيره.

الثالثة: كون الشهادة في سبيل الله طريقًا مضمونًا لبلوغ الجنّةِ.

الرابعة: التحريض على طلب الشهادة والحرص عليها والبحث عنها في مظانِّها، فما ذُكر هذا الفضل إلا لأهل الإيمان الباقين في الدنيا ليعرفوا قدرها ويتنافسوا في تحصيلها، قال ابن بطالٍ رحمه الله: «هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة والحض عليها والترغيب فيها»١٬٨٦٨[شرح صحيح البخاري: (5/30)].، وقال النووي رحمه الله: «هذا من صرائح الأدلة في عظيم فضل الشهادة»١٬٨٦٩[شرح النووي على مسلم: (13/24)]..

الخامسة: خِفَّة آلام القتل وسكرات الموت على القتيل في سبيل الله؛ إذ لو كانت بِكُرُبَاتِها وشدائدها لما تمنوا إعادة ذوقها ومعالجة أهوالها.

ص 1110

السادسة: أن للشهادة من الفضل والكرامة -مع كل ما ذُكر عنها في الكتاب والسنة- ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن شأنها فوق ما يتصوره عقلٌ، فلما عاينوا تلك الكرامة -التي لم تكن لهم على بالٍ- تمنّوا المزيد منها بتكرار القتل.

السابعة: أن تمني عودتهم للدنيا لا لزيارة حبيب، ولا لرؤية قريب، ولا لطلب ملك، ولا تحصيل جاه، ولا لجمعِ مالٍ، وإنما فقط لنيل القتل مرة بل مراتٍ، فما عاينوه من الكرامة أنساهم كلَّ ذلك وجعل همتهم في طلب القتل «الشهادة» والذي صار بعد ملابستهم له لا يعدله شيءٌ عندهم، قال الملا علي القاري: «وفيه إيماء إلى أنه لا يتمنى شيئًا من شهوات الدنيا إلا الشهادة، وهي ليست منها فيكون من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم»١٬٨٧٠[مرقاة المفاتيح: (6/٢٤٦٣)، والبيت بتمامه هو: ولا عيبَ فيهِمْ ‌غيرَ ‌أنَّ ‌سُيُوفهُمْ... بهنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكتائِبِ].

متفرِّقات:

ص 1111

أولًا: بوب عليه البخاري بقوله: «بَاب تَمَنِّي الْمُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا»، فالظاهر من تبويبه أن هذا الفضل ليس خاصًا بالشهيد وإنما يعمُّ كل مجاهد سواء مات أو قتل، مع أن لفظ الحديث مصرِّح بالشهيد يؤكد ذلك -زيادةً على ذكر لفظ الشهيد- التنصيصُ على صفة القتل عند تمني الرجوع إلى الدنيا، فيمكن حمل المعنى على ما ذكره العيني بقوله: «أي تمنى المجاهد الذي جاهد في سبيل الله ثم قتل رجوعه إلى الدنيا»، أو أن يكون له وجهٌ آخر قصده البخاري وهو أن المجاهد شهيدٌ سواء قتل أو مات بأي حتفٍ مات كما جاء في بعض الأحاديث، فيكون هذا الفضل العظيم ثابتًا له ما دام قد فارق الدنيا مجاهدًا، ويُحمَل قوله: (فيقتل) على الأغلب المشهور لأن لفظ الشهداء ينصرف غالبًا إلى المقتولين في سبيل الله وإن لم يقتصر عليهم. والله تعالى أعلم.

ورواه البخاري أيضًا بلفظ آخر تحت: «بَاب الْحُورِ الْعِينِ وَصِفَتِهِنَّ»، قال ابن حجرٍ رحمه الله: «قال المهلب: إنما أورد حديث أنس هذا ليبيّن المعنى الذي من أجله يتمنى الشهيد أن يرجع إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى في سبيل الله؛ لكونه يرى من الكرامة بالشهادة فوق ما في نفسه، إذ كل واحدة يعطاها من الحور العين لو أطلت على الدنيا لأضاءت كلها»١٬٨٧١فتح الباري: (6 /15)..

ص 1112

ثانيًا: وفي صحيح مسلم تحت «بَاب فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى»، ورواه أبو عوانة تحت باب: «بيان ثواب الشهيد الذي يقتل في سبيل الله ﷻ»، والبيهقي تحت: «باب فَضْلِ الشَّهَادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﷻ»، ورواه ابن حبان باللفظ المذكور أعلاه، وقبله بلفظ: «ما من أحد يدخل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يحب أن يرجع ليقتل مرة أخرى»، ورواية تمني القتل عشر مراتٍ جاءت تحت: «ذكر البيان بأن تمني الشهيد الرجوع إلى الدنيا بالعدد الذي ذكرت وقد يتمنى ما هو أكثر من ذلك العدد المذكور»، فالثابت هو تمني رجوع الشهيد إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله تعالى، أما عدد ما يتمنَّاه فقد يقال بأنه يقع بحسب مرتبة الشهيد في الجنة وما يلقاه من الكرامة، فكلما ارتفعت منزلته وعظمت كرامة الله له كان عدد ما يتمناه من القتل أكثر، فيكون فيه تحضيض على بذل المجهود لنيل أعلى درجات الشهادة، أو أن يكون ذكر المرات إنما هو للتكثير لا لخصوص الأعداد المذكورة كما قال الملا علي القاري: «الظاهر أن المراد به الكثرة»١٬٨٧٢[مرقاة المفاتيح: (6/٢٤٦٣)].، والله تعالى أعلم.

ثالثًا: قال ابن بطال رحمه الله: «وإنما يتمنى أن يقتل عشر مرات -والله أعلم- لعلمه بأن ذلك مما يرضي الله ويقرب منه؛ لأن من بذل نفسه ودمه في إعزاز دين الله ونصرة دينه ونبيه، فلم تبق غاية وراء ذلك وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم الثواب عليه، والله أعلم»١٬٨٧٣[شرح صحيح البخاري: (5/30)]..

رابعًا: قال تقي الدين السبكي رحمه الله: «فلما بذل الشهيدُ نفسَه التي هي أعز الأشياء إليه، وباعها لله تعالى طلبًا لإعلاء كلمته فاقتطع دونها -وبِعَينِه تعالى ما يتحمل المتحملون من أجله، ولا شيء أعظم مما يتحمله الشهيد- جازاه ﷻ وهو أكرم الأكرمين بما تقصر عقول البشر عنه، وأول ذلك أنه لم يخرجه من الدنيا حتى أشهده ما له من الكرامة جملة وإن لم يدرك العقل والطرف تفصيلها، فيرى بعينه من حيث الإجمال ما أعد الله له من الكرامة والخير ولذلك سمي شهيدا»١٬٨٧٤فتاوى السبكي: (2/341) [وقوله: «بِعَينه» هكذا وردت ي نسخ، وفي نسخ أخرى «يُعينُه» والأول أصوب؛ إذ المعنى: أن الله تعالى يجعل ما يفعله المجاهد بِعَينه إنزالا له منزلته في الحفظ والصون والإكرام؛ جعلنا الله من أهل هذه المنزلة]..

❖ ❖ ❖

ص 1113