باب مبادرة الحور العين ونزولهنَّ إلى الشهيد ولـمَّا يُرفع من مصرعه

الحديث الخامس عشر: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلا أَسْوَدَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْوَدُ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، قَبِيحُ الْوَجْهِ، لاَ مَالَ لِي، فَإِنْ أَنَا قَاتَلْتُ هَؤُلاءِ حَتَّى أُقْتَلَ، فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: (فِي الْجَنَّةِ)، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «قَدْ بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ، وَقَالَ لِهَذَا أَوْ لِغَيْرِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، نَازَعَتْهُ جُبَّةً لَهُ مِنْ صُوفٍ، تَدْخُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُبَّتِهِ)»١٬٨٣٨رواه الحاكم [٢٤٦٣] وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال الذهبي: «على شرط مسلم»، وصححه أيضًا في: تاريخ الإسلام: (2/419)، ورواه البيهقي في دلائل النبوة: (4/303)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [1381]..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: استيثاق الصحابة من أن طريق القتال الذي يسلكونه خاتمته الجنة، لقوله: «فَإِنْ أَنَا قَاتَلْتُ هَؤُلاءِ حَتَّى أُقْتَلَ، فَأَيْنَ أَنَا؟»، ففيه ضرورة أن يكون المجاهد على بينةٍ من أمر قتاله.

الثانية: ما ذكره الرجل من صفاته، ثم ما نال من الفوز والكرامة فيه معنى قول النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)١٬٨٣٩رواه مسلم [٢٥٦٤]..

الثالثة: فضل الشهادة في سبيل الله وأنها سبب دخول الجنة، والجهاد بابها.

الرابعة: قوله: «حتى أقتل» يحتمل أن تكون «حتى» هنا تعليلية يعني لأجل أن أقتلَ، ويحتمل أن تكون غائية، أي أثبتُ وأستمرُّ في قتالهم إلى أن أقتلَ، فعلى الأول تدل على جواز القتال طلبًا للشهادةِ وقصدًا لها، وعلى الثاني تدل على هذا وعلى فضل الثبات والمصابرة والاستمرار في الجهاد.

ص 1097

الخامسة: تغليب إحسان الظن بالمسلمين، وذلك أن النبي ﷺ لم يحمل ما ذكره الرجل من أوصافه -ومنها «لا مال لي» - على طلبه القتل تضجُّرًا من حاله ولا جزعًا من ضائقته، بل أجراه على السلامة في القصد والصدق في الطلب.

السادسة: مبادرة نزول الحور العين لزوجها الشهيد قبل حمله من مصرعه.

متفرِّقات:

أولًا: الحديث ذكره السيوطي في كتابه «شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور: (200)»، تحت: «باب فضل الشهيد»، وساقه المنذري في الترغيب والترهيب تحت باب: «الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء».

فائدة: الرجل المذكور في الحديث اسمه جِعَال، قال ابن الأثير: «جعَال آخر: أخرجه أبو موسى علي بن منده، وقال: لا أدري هو ذاك المتقدم أم لا؟ وروى بإسناده عن مجاهد عن ابن عمر قال: جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت بين يديك حتى أقتل، يدخلني ربي ﷻ الجنة ولا يحقرني؟ قال: (نعم)، قال: فكيف وأنا منتن الريح، أسود اللون، خسيس في العشيرة! ومضى، فقاتل، فاستشهد، فمر به رسول الله ﷺ فقال: (الآن طيب الله ريحك، يا جعال، وبيض وجهك).

قلت -القائل ابن الأثير-: هذا غير الأول؛ لأن الأول قد روي عنه، عن النبي ﷺ، وهذا قتل في عهد رسول الله ﷺ فهو غيره»١٬٨٤٠أسد الغابة: (1 /179)..

قال ابن حجر: «قال أبو موسى بعد أن ذكره غير منسوب: لا أدري هو ذا يعني ابن سراقة أو غيره، وقال بن الأثير: بل هو غيره، قلت: قد ذكره الصفار في كتاب الأنساب فقال: الحبشي فظهر أنه غيره والله أعلم»١٬٨٤١[الإصابة: (1/588)]..

ص 1098

طريفة: حينما كنَّا في السجن حدَّثني أحد إخواننا السجناء العُبَّاد حديثًا سمعته أُذناي ووعاه قلبي، وذلك أن الأمريكان قد أخذوه في يومٍ شاتٍ شديد البرد في كابل، فأدخلوه غرفة أسمنتية ضيقة، وفجأةً سكبوا عليه ماءً باردًا وبدأوا يركلونه بأرجلهم ثم خنقه أحد أشقيائهم خنقًا وجد معه ريح الموت، فأغمي عليه أو كاد، ففي تلك الحالة رأى امرأتين غايةً في الجمال تنزلان بسرعةٍ من السماء نحوه فضربه أحد الجنود ضربةً أفاقته وأيقظته فانقطع عنه ما رأى وإذا به لم يزل بين خانقيه من الحُمُر المستنفِرة! ونسأل الله أن يفرِّج عنه وعن سائر أسرى المسلمين.

روى البيهقي في شعب الإيمان١٬٨٤٢[٤٠١٧]. بسنده عن قَاسِم بْنِ عُثْمَان الْجَوْعِيِّ، قال: «رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ رَجُلًا فَتَقَربت مِنْهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: اللهُمَّ قَضَيْتَ حَاجَةَ الْمُحْتَاجِينَ وَحَاجَتِي لَمْ تُقْضَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ: كُنَّا سَبْعَةَ رُفَقَاء مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى، غَزَوْنَا أَرْضَ الْعَدُوِّ فَاسْتُؤسِرْنَا كُلُّنَا، فَاعْتُزِلَ بِنَا لَتُضْرَبَ أَعْنَاقُنَا، فَنَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مُفَتَّحَة عَلَيْهَا سَبْعُ جَوَارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ عَلَى كُلِّ بَابٍ جَارِيَةٌ، فَقُدِّمَ رَجُلٌ مِنَّا فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَرَأَيْتُ جَارِيَةً فِي يَدِهَا مِنْدِيلٌ، قَدْ هَبَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى ضُرِبَتْ أَعْنَاقُ سِتَّةٍ، وَبَقِيَتُ أَنَا، وَبَقِيَ بَابٌ وَجَارِيَةٌ، فَلَمَّا قَدِمْتُ لِتُضْرَبَ عُنُقِي، اسْتَوْهَبَنِي بَعْضُ رِجَالِهِ فَوَهَبَنِي لَهُ، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ فَاتَكَ يَا مَحْرُومُ! وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ، وَأَنَا يَا أَخِي مُتَحَسِّرٌ عَلَى مَا فَاتَنِي»، قَالَ قَاسِمُ بْنُ عُثْمَانَ: «أُرَاهُ أَفْضَلَهُمْ، لِأَنَّهُ رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا وَتُرِكَ يَعْمَلُ عَلَى الشَّوْقِ».

❖ ❖ ❖

ص 1099