باب الصدق في طلب الشهادة يبلِّغ منازلهَا ولو لم ينلها بالقتلِ
الحديث السادس والثلاثون: عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)١٬٩٣٨رواه أحمد [٢٢١١0]، ومسلم [١٩٠٩]، وأبو داود [١٥٢٠]، والترمذي [١٦٥٣]، والنسائي [٣١٦٢]، وابن ماجه [٢٧٩٧]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: علـمُ الله تعالى بسرائر عباده وأنه لا تخفى عليه منهم خافية.
الثانية: عظم منزلة الصدق، وأن المعوَّل عليه أولًا هو صدقُ القلوب، قال المناوي: «قيد السؤال بالصدق لأنه معيار الأعمال ومفتاح بركاتها وبه ترجى ثمراتها»١٬٩٣٩[فيض القدير: (6/144)]..
الثالثة: سعة فضل الله ﷻ وعظيم منته وكرمه وجوده.
الرابعة: الحرص على نيل الشهادة والصدق في طلبها، قال المناوي: «وفيه ندب سؤال الشهادة بنية صادقة»١٬٩٤٠[نفس الموضع السابق]..
الخامسة: فضل الشهادة وعلوُّ مراتب الشهداء.
السادسة: تفاوت منازل الشهداء.
السابعة: العزمُ على الأعمال الصالحة ونيةُ أدائها، وأنَّ النية تبلِّغ صاحبها من المراتب ما لم يبلغه بعمله، قال النووي: «وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير»١٬٩٤١[شرح النووي على مسلم: (13/55)]..
الثامنة: أن من عزم على العمل الصالح واجتهد في القيام به ثم عجز عنه لمانعٍ تفضَّل الله عليه بثوابه، قال تقي الدين السبكي: «والذي نعتقده أن الله يعطيه مرتبة الشهداء لقصده وسؤاله وعدم تمكنه من الوصول إليها»١٬٩٤٢[فتاوى السبكي: (2/٣٥٢)]..
متفرِّقات:
أولًا: بعض تبويبات الأئمة رحمهم الله: في صحيح مسلم تحت: «بَاب اسْتِحْبَابِ طَلَبِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى»، وعند الترمذي تحت: «بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ»، والدارمي: «باب فِيمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ»، وأبي عوانة: «بيان وجوب الشهادة لمن يسألها بصدق نية، وتطلَّبَها، وإبلاغُه اللهُ منازلَ الشهداء وإن لم يستشهد ومات على فراشه»، وابن حبان: «ذِكْرُ تَبْلِيغِ اللهِ ﷻ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ وَإِنْ جَاءَتْهُ مَنِيَّتُهُ عَلَى فِرَاشِهِ»، وساقه البيهقي تحت: «باب تَمَنِّى الشَّهَادَةِ وَمَسْأَلَتِهَا».
ثانيًا: تحصيل هذا الفضل قد عُلِّق على وجود أمرين:
الأول: سؤال الله الشهادة، أي أن يدعوَ الإنسان ربَّه بأن يرزقه الشهادة في سبيله.
الثاني: الصدق في طلبها، وهذا وإن كان في الأصل محلُّه القلب إلا أن له علاماتٍ تدل عليه، وهي في الجملة السعي الحقيقي لتحصيل أسباب الشهادة والبحث عنها في مظانها عند الإمكان، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ﴾ [التوبة: 46]، والله أعلم.
ثالثًا: قال ابن القيم رحمه الله: «ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل الله من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد، فها هنا أجران: أجر وقرب، فإن استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًا وهو فضل الله يؤتيه من يشاء»١٬٩٤٣عدة الصابرين: (218)..
❖ ❖ ❖