وأخيرًا:

وبما ذكرناه في هذا البحث، يتبيّن أن الشيخ عبد القادر قد أفرط في قوله: «أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعًا قطعيًا ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفه، فمن خالف في هذا الحكم فقد كفر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم»، وأوضحنا ما على كلامه من الاعتراضات، وما فيه من التناقضات، وأن المسألة بعيدة كل البعد عن هذه الدعوى، وأن جُلَّ ما ذكره يحوم حول إثبات تكفير الصحابة لأتباع المتنبئين على التعيين، وهذا أمر مسلًّم به عند جميع الناس، ولا يحتاج إلى مثل هذه الأدلة الفرعية.

وإذ ذلك كذلك، فإن مسألة حكم أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، وهل هم كفار على التعيين أم لا؟ تبقى في دائرة الاجتهاد الذي تختلف فيه الأنظار؛ شريطة أن تكون مبنية على أدلة صحيحة واستدلال قويم.

فالقدر المتفق عليه في حقهم، أو الذي ينبغي أن يتفق عليه ولا يختلف فيه ابتداءً، هو أن هؤلاء المناصرين للحكام المرتدين قد تلبسوا بمكفرات متعددة، وامتنعوا عليها، كمظاهرة الكفار على المسلمين، واستحلال دماء وأموال المعصومين، وحمايتهم لقوانين ودساتير الكافرين، وغير ذلك مما هو معلوم من حالهم؛ فبعد هذا القدر المتفق عليه في حقهم، مَن تبيّن له أن طائفة من هذه الطوائف الممتنعة في مكان من الأمكنة، أو زمان من الأزمنة، قد شاع بين أفرادها شيء من موانع التكفير المعتبرة، فلا يجوز له والحالة هذه الإقدام على تكفير أعيانهم وذلك لوجود المانع في حقهم، بل يبقى مستمسكًا بأصل إسلامهم إلا من عُلِمَ حاله منهم، كما أن من علم أن بعض هذه الطوائف لم يعد عندها شيء من الموانع المعتبرة لا يحل له أن يتوقف عن تكفير أعيانها، والشهادة على القتلى بالنار، ليكون حكمه عليهم شاملًا لأحكام الدنيا والآخرة.

ص 170

وكما أن إخراج المسلم من دائرة الإسلام بمجرد الظنون والأوهام ليس أمرًا هينًا، فكذلك لا تجوز الشهادة بالإسلام لمن علم خروجه منه بيقين، فمدار أمر تكفير أعيان هذه الطوائف من عدمه متوقف على العلم بوجود موانع التكفير في حقهم، وهذا المجال هو الذي تختلف فيه الأنظار وتتعدد الاجتهادات، ولا يخفى أن هذا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالبحث والتنقيب عن اعتقاد أفراد الطائفة، أو التفتيش عما انطوت عليه قلوبهم، بحيث ينظر هل يرتكبون تلك الأفعال المكفرة استحلالًا أم لا؟

وبهذا يظهر أن هذه القضية الاجتهادية أدنى من أن تعقد عليها ألوية الاختلاف، ويشمر فيها عن ساعد التنازع والشقاق، كيف والطوائف الممتنعة على أمور مكفرة لا زالت تظهر بين الحين والآخر منذ زمن بعيد، ولا زال العلماء أيضًا يختلفون في تكفيرها، ولم يَدَّعِ أحد منهم أن في المسألة إجماعًا قطعيًا، يُقْطع معه البحث والنظر، ويُلقي بمخالفه في دائرة الكفر، ولم يطرأ جديد حتى يكون إجماع الصحابة رضي الله عنهم المدعى خاصًا بأنصار الحكام المرتدين، ومقصورًا عليهم، بحيث يُستَثْنَون من هذا الاختلاف... والله من وراء القصد، وهو سبحانه أعلم وأحكم.

وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

❖ ❖ ❖

ص 171

ص 172

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: نظرات في الإجماع القطعي

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.