نورٌ ونار.. في رثاء الشيخ «أبي مصعب الزرقاوي»
[رجب 1427هـ / 8 - 2006م]
۞
الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولًا بعدله، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه.
وبعد؛ أمة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فاليوم قُتِل أسد من أسود الإسلام، واستُشهد بطل من أبطال التوحيد، فمضى بذلك أحد مُسعري الحروب، فالق هامات الروم، الصارم المسلول على أعداء الدين، القائد المجاهد «أبو مصعب الزرقاويِّ» رحمه الله تعالى؛ فَطُويت بذلك صفحة مشرقة من صفحات التاريخ المعاصر، والتي سُجِّلت أسطرها بمداد الدم، وخطت كلماتها بنور العزم، ودبجت أحرفها بلآلئ الإيمان.
نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله.. قُتِل كما يقتل الرجال في ساحات الوغى، ومضى كما يمضي البواسل بين قراع الصوارم؛ فودع الدنيا مهاجرًا مجاهدًا ثابتًا مستيقنًا، لم تُمِله عواصف المحن أو تكسره صوارف الزمن.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
يُلْقِي عَلَى السَّاحَاتِ مِنْ دَمِهِ دَمَا | لِيَقُولَ يَا دُنْيَا أَطِلِّي وَاشْهَدِي | |
فَهُنَا مَيَادِينُ الْجِهَادِ نَمُدُّهَا | دَفْقًا بِأَمْوَاجِ الدَّمِ المُتَجَدِّدِ | |
وَهُنَا رِبَاطُ الْمُؤْمِنِينَ وَسَاحَةٌ | لِجِهَادِهِمْ أَوْ آيَةٌ لِلْمُهْتَدِي٣٬٠٣٤[قاله: د. علي رضا النحوي. قصيدته «الفجر الدامي» المنشورة على الشبكة]. |
وإنه لخليق -وحق له أن يكون كذلك- لقول النبي ﷺ: (من خير معاش الناس لهم رجل آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه)٣٬٠٣٥[صحيح مسلم: (١٨٨٩)]..
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
سَأَحْمِلُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي | وَأُلْقِي بِهَا فِي مَهَاوِي الرَّدَى | |
فَإِمَّا حَيَاةٌ تَسُرُّ الصَّدِيقَ | وَإِمَّا مَمَاتٌ يُغِيظُ العِدَا٣٬٠٣٦[قاله الشهيد: عبد الرحيم محمود -الذي استشهد في فلسطين بمعركة الشجرة عام 1948م-. وهي ضمن قصيدته «الشهيد» المنشورة على الشبكة، وفي ديوانه، وقد كتبها هذا الشاعر الشهيد عام 1939م، فجزاه الله خيرًا لجهاده وصبره وصدقِ أقواله وأفعاله]. |
نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله ليثبت بالبرهان القاطع أن الكلمات النيرات التي كان يبعثها لأمته ويقتطعها صدقًا وإخلاصًا من صميم قلبه؛ لم تكن مجرد دعاوى فارغة أو عبارات مزخرفة أو خطب رنانة، وإنما كانت منهجًا وعقيدة ومبدأ تسفك من أجله الدماء وتتطاير لإحيائه الأشلاء وتوهب لإعلائه الحياة؛ فلم يكتف بأن يكون دليل صدقه جهده وعرقه وسهره، حتى جعل مسك ختامه روحه ودمه، ليقول للعالم كله: إن عقيدتي وديني ومنهجي أغلى وأعلى من كل شيء؛ حتى ولو كانت نفسي التي بين جنبيَّ، والبينة ما رأيتم وعاينتم لا ما سمعتم وخَبُرتم.
نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، ولكن هل يفقه أعداؤه الذين صفقوا لموته أنهم قد قدموا له أعظم أمنية وأشرف هدية وأسمى غاية كان يطلبها؟!
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضَ الْحَيَاةِ مَذَلَّةً | عَلَيْهِمْ وَعِزُّ الْمَوْتُ غَيْرَ مُحَرَّمِ | |
أَبْوْا أَنْ يَذُوقُوا الْعَيْشَ وَالذَّمُّ وَاقِعٌ | عَلَيْهِ وَمَاتُوا مِيتَةً لَمْ تُذْمَمِ | |
وَلَا عَجَبٌ لِلْأُسْدِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهَا | كِلَابُ الْأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجُمِ | |
فَحَرْبَةُ وَحْشِيٍّ سَقَتْ حَمْزَةَ الرَّدَى | وَحَتْفُ عَلِيٍّ فِي حُسَامِ ابْنِ مُلْجِمِ٣٬٠٣٧[قاله: البحتري. انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (12/396)]. |
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
سَأَثْأَرُ لَكِنْ لِرَبٍّ وَدِينْ | وَأَمْضِي عَلَى سُنَّتِي فِي يَقِينْ | |
فَإِمَّا إِلَى النَّصْرِ فَوْقَ الْأَنَامْ | وَإِمَّا إِلَى اللهِ فِي الْخَالِدِينْ٣٬٠٣٨[قاله: سيد قطب. قصيدته: «أخي أنت حر» وهي ضمن كتاب: أناشيد أبي مازن (1/7)]. |
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
لَئِنْ غَابَ عَنَّا أَبُو مُصْعَبٍ | فَإنَّ جُيُوشَ الْهُدَى لَمْ تَغِبْ | |
سَتَمْضِي بِعَزْمٍ عَلَى نَهْجِهِ | تَشُقُّ ظَلَامَ العِدَا كَالشُّهُبْ٣٬٠٣٩[لعله من شعر الشيخ أبي يحيى؛ فلم أقف له على قائل]. |
فليعلم عبدة الصليب، وسلائل الخيانة، ورُضَّع النذالة، وعملاء اليهود الذين تبجحوا بمشاركتهم في مقتل الشيخ؛ أن انتفاشتهم لن تطول، وأن نقمات المجاهدين ستتوالى عليهم صواعقًا يتبع بعضها بعضًا، وأن الثأر لكل قطرة زكية من دم القائد المجاهد سيكون باهظًا وثقيلًا وعاجلًا، وأن هذه المفاخرة التي قّرت بها أعين أسيادكم الكفرة؛ ستكون لعنات مُرة تعضون عليها أصابع الندم فانتظروا إنا منتظرون.
فيا أمة الإسلام:
ها هو أحد أبنائك البررة الأوفياء، الذين صدقوا في الانتماء إليك والغيرة عليك والحرص على عزتك وعلو شأنك، قد قدم حياته ثمنًا لرفعة دينك وتمكين شريعتك وتخليصك من ذل العبودية والتبعية للعبيد، فلتكوني وفية له بالمضي على طريقه، والاستمرار في دعم أصحابه وأنصاره بالنفس والمال والدعاء.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
مَا زَالَ يَسْعَى إِلَى أَنْ قَالَ حَاسِدُهُ | لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْعَلْيَاءِ مُخْتَصَرُ٣٬٠٤٠[قاله: البحتري. انظر: الزهرة (ص 174)]. |
أما أنتم أيها المجاهدون الصادقون الصابرون؛ فأحسن الله عزاءكم.
ولتعلموا -إخوتي الأحبة- أن هذا الدين؛ دين الله ﷻ، وقد تكفل بحفظه وتولى أمر بقائه، وما استشهاد الشيخ المجاهد إلا حلقة من حلقات الابتلاء التي يختبر الله ﷻ بها عباده المؤمنين، ليظهر توكلهم عليه، وثقتهم به، وثباتهم على دينه: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ﴾ [آل عمران: 166-167].
فالله الله في جهادكم، والله الله في ثباتكم، والله الله في دماء إخوانكم.
ولتعلموا إخوتي الأحبة أن أعظم وفاء لهم -بل لا وفاء إلا به- هو الثبات على طريقهم والاستمساك بمنهجهم الذي قتلوا فيه وضحوا من أجله.
وإياكم وبنيات الطريق، فلقد تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].
وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا