بَابٌ: الوِلَايَاتُ
وهذه التقسميات وعناوين الأبواب ليست من صنع شيخ الإسلام ابن تيمية.
فَصْلٌ: تَوْلِيَةُ الأَصْلَحِ
ثم ذكر سبب نزول الآية: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾؛ فقال: «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ وَتَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ طَلَبَهَا مِنْهُ الْعَبَّاسُ، لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَسَدَانَةِ الْبَيْتِ١٬٩٨٨سِدَانَةُ الكعْبَةِ: «خِدْمَتُها وتَوَلِّي أَمْرِها وفَتْح بابِها وإِغْلاقُه»، تاج العروس: (35 /180)، لسان العرب: (13/207).، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، بِدَفْعِ مَفَاتِيحِ الْكَعْبَةِ إلَى بَنِي شَيْبَةَ١٬٩٨٩ جامع البيان للطبري: (8 / 491)، تفسير ابن كثير: (2 / 340)، تفسير البغوي: (2 / 238).»، فسبب نزول الآية أن الرسول ﷺ بعدما فتح مكة كانت مفاتيح الكعبة عند بني شيبة، وبالخصوص عند عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فطلب النبي ﷺ المفاتيح منه ثم استلمها، وفتح الكعبة، فبعد ذلك أنزل الله تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ﴾، فأمره أن يرد ﷺ المفاتيح إلى بني شيبة، وهي عندهم إلى يومنا هذا.
«فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا، وُهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنيِنَ)١٬٩٩٠ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، البيهقي في الكبرى: (20364) ضعيف، فيه ابن لهيعة، الطبراني في الكبير: (11/ 114 ح 11216) ضعيف، فيه حمزة النصيبي، قال عنه ابن معين: «لا يساوي فلسا»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال النسائي والدارقطني: «متروك الحديث» [العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: (1/84)].، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: (مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَمَلًا عَلَى عِصَابَةٍ، وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ أَرْضَى مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللهَ وَخَانَ رَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ)١٬٩٩١ من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الحاكم: (7023) وبدايته: (من استعمل...) «ضعفه الألباني.».
والحديث كما قال رواه الحاكم، ولكن رفعه إلى النَّبيِّ ﷺ ضعيف، وإنما هو من قول عمر١٬٩٩٢قال العقيلي عنه: «إنما يُعرف من كلام عمر»، الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر: (2 / 165).، كما سيذكر شيخ الإسلام، ومعنى الحديث صحيح، ومعناه: أنه ما من رجل من المسلمين يتولى أمرًا من أمورهم -سواء كان أمرًا صغيرًا أو كبيرًا-، فيولي رجلًا على عمل -لأن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بجميع الأعمال بنفسه وإنما لا بدَّ أن يولِّي عليها الولاة-، وهو يجد في المسلمين من هو أصلح منه -ولا نقول أفضل أو أمثل بل أصلح-؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمني، وقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، والمقصود بالأصلح هو صلاحية كل متولٍ للولاية التي وُلِّيت إليه.
مثلًا: عندنا ولاية تتعلق بجمع الصدقات، فعلى الوالي أن يختار أصلح المسلمين لجمع الصدقات، وإن كان هذا الرجل في غيرها من الأعمال هو دون غيره؛ فالمعنى أن ننظر إلى كل ولايةٍ من هو الذي يقوم بها ويتقنها ويؤدِّيها على وجهها، فننظر إلى عين الولاية لا إلى الصلاح العام للشخص؛ فالإنسان قد تجده صالحًا في نفسه تقيًّا خبيرًا في باب من الأبواب، ولكنه لا يصلح في باب آخر، فلا تأتِ بسبب خبرته في تلك الأعمال وتوليه على العمل الذي لا يتقنه، وإنما عليك أن تنظر إلى الولاية وتبحث مَن هو أصلح من يقوم بهذا العمل المتقن لهذه الولاية، والذي يعرف مداخلها ومخارجها، ومن يمكن أن يقوم عليها أحسن قيام، ولو كان في غيرها ناقصًا، فهذا هو الذي عليك أن توليه، وإن لم تفعل فكما قال ﷺ: (فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).
«وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ لِابْنِ عُمَرَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ»١٬٩٩٣ مسند الفاروق لابن كثير: (2/537).».
يعني أن المعيار والمقياس الذي يُولَّى بسببه النَّاس على الولايات هو الصلاحية للقيام بهذه المهمة وأداؤها على وجهها الأفضل الذي يُرضي الله ﷻ، أما القرابة والمحبة والمودة والصداقة وأي معيار آخر فليس له قيمة؛ لأن هذه الولايةَ أمانة في عنق الوالي، وهي من المصالح العامة التي يُقصد بها نفع النَّاس عمومًا، فعندما تولي قريبًا لك فما فائدة ذلك بالنسبة للناس؟ هذا هو وجه الخيانة، فأنت هنا ضيَّعت وفرَّطت شيئًا من الأمور التي كان ينبغي أن ينتفع فيها النَّاس إذا ولَّيْت الأصلح، فإذا أتيت لمن هو صالح وتركت الأصلح؛ فقد ضاع شيء من حقوق النَّاس، ووقع عليهم شيء من الظلم.
«وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ» أي ليس أمرًا اختياريًا ولذلك ينبغي على الأمراء قبل أن يولُّوا شخصًا على عمل ما أن يستشيروا ويبحثوا عن أصلح الموجودين؛ حتى تؤدَّى المهمة على وجهها، وليكون النفع متعدِّيًا وعامًّا.
«فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوِلَايَاتِ، مِنْ نُوَّابِهِ عَلَى الْأَمْصَارِ، مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ هُمْ نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ، وَالْقُضَاةِ، وَمِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَمُقَدَّمِي الْعَسَاكِرِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَوُلَاةِ الْأَمْوَالِ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالشَّادِّينَ١٬٩٩٤شدَّ الدواوين أي: فتشها وضبط حساباتها، وشاد هو المفتش، تضاف الكلمة لاسم الوظيفة مثل شاد الزكاة، وشاد الأوقاف أي ناظر الأوقاف أو مديرها، وشاد الشون وهو قائد الأسطول والمسئول عنه، والوظيفة «شادِّية». معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي: (1/95)، وانظر: معجم المصطلحات والألفاظ التاريخية: (1 / 265). وَالسُّعَاةِ عَلَى الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَنْ يَسْتَنِيبَ وَيَسْتَعْمِلَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ، وَيَنْتَهِي ذَلِكَ» أي يتسلسل «إلَى أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ، وَالْمُقْرِئِينَ، وَالْمُعَلِّمِينَ، وَأَمِيرِ الْحَاجِّ، وَالْبُرُدِ، وَالْعُيُونِ الَّذِينَ هُمُ الْقُصَّادُ، وَخُزَّانِ الْأَمْوَالِ، وَحُرَّاسِ الْحُصُونِ، وَالْحَدَّادِينَ الَّذِينَ هُمْ الْبَوَّابُونَ عَلَى الْحُصُونِ وَالْمَدَائِنِ، وَنُقَبَاءِ الْعَسَاكِرِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَعُرَفَاءِ الْقَبَائِلِ وَالْأَسْوَاقِ، وَرُؤَسَاءِ الْقُرَى الَّذِينَ هُمْ الدَّهَّاقِينَ» كل هؤلاء لا بد أن يبحث عن أصلح الموجودين، وأصلح من يقوم بهذه المهمة، فعليه أن يوليه، حتى في المؤذنين وإمامة الصلاة.. وإذا سارت الأمور على هذا النسق فهل ستجد اضطرابًا في دولة الإسلام؟
«فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا» -صغيرًا كان أو كبيرًا- «مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ، أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ: أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَدِّمُ الرَّجُلَ لِكَوْنِهِ طَلَبَ الْوِلَايَةَ، أَوْ سَبَقَ فِي الطَّلَبِ. بَلْ ذَلِكَ سَبَبُ الْمَنْعِ»، فليس المعيار في أنه طلبها، ولا أنه سبق في طلبها، فهذا لا يُعفي الأمير من البحث عن أصلح الموجود؛ بل هذا يكون سببًا في المنع، كما قال ﷺ: (إِنَّا وَاللَّهِ لاَ نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ)١٬٩٩٥ من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: البخاري: (6730)، ومسلم: (1733)، وابن حبان: (4481).، وذلك لأنه ما طلبها إلا لحظٍّ في نفسه، ووقوع الحظ في قلبه مما يؤدي إلى التفريط في شيء من حقوق النَّاس لأنه سيراعي نفسه، والوالي إذا بدأ ينظر إلى نفسه ويراعيها، فإنَّ هذا سيؤدي إلى ضياع حقوق النَّاس ووقوع الظلم عليهم، وهذا ما يبيبن لنا حقيقة مسألة الانتخابات والذين يُسَمَّوْن بالمرشحين، فهذا المرشَّح هو من يطلب الولاية -وهذا غير الأبواب الأخرى التي يُمنع بها شرعًا-، ويبذل الأموال الطائلة، ويعلِّق صوره في كل شارع، وعلى كل جدار، من أجل أن يقول للناس: انتخبوني، أي اجعلوني واليًا عليكم، فهذا مما يمنع أيضًا من توليته.
وهناك بعض الحالات التي يذكرها الفقهاء يجوز للإنسان، بل يجب عليه أن يطلب الولاية، إذا علم يقينًا أنها ستُسند إلى من يضيعها أو إلى من هو فاسد، وهو يعلم من نفسه التقوى والصلاح، ويعلم أنه سيبذل جهده في أداء الأمانات على وجهها، والحكم بين النَّاس بالعدل وغير ذلك، ففي هذه الحالة بعض العلماء يذكر أنه يتعين عليه أن يطلبها؛ لأن هذا من باب دفع المفسدة عن النَّاس، ولأن ذاك الذي سيتولى من المفسدين والظلمة سيقع ضرره على عموم النَّاس وهذه مفسدة عامة، فالإنسان يسعى لدفعها، حتى وإن كان هذا الإنسان عنده شيء من حظوظ نفسه؛ فإن هذا الحظ وإن كان مفسدة، ولكنها دون المفسدة الكبرى بتولي ذلك الظالم المفسد.
«فَإِنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ قَوْمًا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَسَأَلُوهُ وِلَايَةً فَقَالَ: (إَنَّا لَا نُوَلِي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ)، وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا)١٬٩٩٦قال ابن حجر: «فإن من لم يكن له من الله عون على عمله، لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، فلا ينبغي أن يجاب سؤاله، ومن المعلوم أن الولاية لا تخلو من المشقة، فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا، بل إذا كان كافيا وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، ولا يخفي ما في ذلك من الفضل» فتح الباري: (13 / 124).، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ١٬٩٩٧ من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: البخاري: (6248)، ومسلم: (1652)، وابن حبان: (4348)، والترمذي: (1529)، وأبو داود: (2929)، والنسائي: (5384)، وأحمد: (20637).» المسألة قد تكون صريحة، وقد تكون بالتلويح؛ فالإنسان قد لا يُصرِّح لك بأنه يريد الإمارة، وهذا في الغالب النَّاس يستحيون منه، ولكن تجد الإنسان أحيانًا يذكر بعض المزايا، ويذكر قِدَمه في الساحة وخبرته، ويذكر لك أن النَّاس لا تحترم القدماء؛ فيلمح لك تلميحًا تفهم منه أن الرجل يطلب منك الإمارة.
«وَقَالَ ﷺ: (مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ» يعني توسَّط حتى بلغ منصب القضاء «وُكِلَ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ، أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ)١٬٩٩٨ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: الحاكم: (7021)، وأبو داود: (3578)، وابن ماجه: (2309)، وأحمد: (13326)، وعند الترمذي: (1324) بلفظ: (من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وُكل إلى نفسه، ومن أُكره عليه، أنزل الله عليه ملكًا يسدده)، وضعفه الألباني.، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ١٬٩٩٩حكم طلب الولاية والقضاء، والحالات التي يتعين فيها الطلب أو قبوله: (الاختيار لتعليل المختار: (2/88-89-90)، الحاوي الكبير: (16 / 12)، الذخيرة: (10 / 8-12)، مواهب الجليل شرح مختصر الخليل: (8 / 84-85)، المجموع: (20 / 125-126)، روضة الطالبين: (8 / 80-82)، المغني: (11 / 376)، حاشية الروض المربع: (7 / 510)، الفروع (11 / 989)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (33 / 287)، فتح الباري لابن حجر: (13 / 124-126)، شرح صحيح البخاري لابن بطال: (8 / 217-218)، عون المعبود: (8 / 149).».
إذن؛ شيخ الإسلام رحمه الله قرَّر القاعدة الأصلية التي علينا أن نستمسك بها خلال حياتنا، وهي أن نبحث دائمًا عن الأصلح لكل ولاية فنوليه إياها، وهذا الأمر -كما قلنا- واجب شرعًا يجب على كل من ولَّاه الله أمرًا أن يبحث، وأن يجتهد، وأن يشاور، حتى يعلم من هو أصلح النَّاس لهذه الولاية، ومن يقوم بها على وجهها؛ فليس هناك أي اعتبار آخر إلا للأصلحية، طبعًا المقصود به مع التقوى والصلاح، ولكن فيما يتعلق بعين الولاية، فلا ننظر إلى قرابة، ولا أسبقية، ولا غير ذلك، وإنما ننظر إلى صلاحية هذا الإنسان لهذه الولاية، وإذا وقع خلاف ذلك فهذا ما ذكره فقال:
«فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْأَحَقِّ الْأَصْلَحِ إلَى غَيْرِهِ، لِأَجْلِ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ وَلَاءِ عَتَاقَةٍ»؛ يعني إنسان أعتق إنسانًا فلما صار مولى له ولَّاه ولاية «أَوْ صَدَاقَةٍ، أَوْ مُوَافَقَةٍ فِي بَلَدٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ جِنْسٍ، كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ»، وللأسف هذا حصل حتى في بعض الإخوة هنا فصار بعضهم يستنكر تولية الأعاجم والعرب موجودون؛ فقلت له: عدم تولية الأعجمي هل فيه نصٌّ من كتاب الله أو من السنة أو قياس أو إجماع الأمة؟! فمن أين جئت بأن الأعجمي لا يُولى ولا يكون أميرًا، وللأسف صارت تُتداول على الألسنة كأنها مسلمات بين الشباب، ولو سلمنا بهذا فدعنا ننقض بيعتنا لأمير المؤمنين «الملا عمر» فهو رجل أعجمي!
فالمقصود أنه ليس هناك أي اعتبار لكونه على مذهبك، ولا لكونه من تنظيمك، ولا من جماعتك، فهذه كلها أشياء ليس لها اعتبار، الاعتبار في الأصلحية.. فكم من الناس المنتسبين للتنظيم ويقول إنه مبايع وتحت الجماعة، ولكنه يكون وبالًا عليك، ومهمتك فقط حل المشاكل معه، بينما آخرون من خارج الجماعة يشتغل معنا ويقوم بالعمل المكلف به أحسن قيام.
«أَوْ لِرِشْوَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ» لأن الرشوة قد لا تكون مالًا نقديًا وإنما منفعة، فقد يكون الإنسان فقط عنده جاه فيسهِّل عليه كثيرًا من الأمور، فهذا في حكم الرشوة، «أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، أَوْ لِضِغْنٍ فِي قَلْبِهِ عَلَى الْأَحَقِّ» فلأنه لا يحبه وغير متفاهم معه وبينهما مشكلة فيولِّي الآخر، ويعزله مع أنه أنفع وأصلح للمسلمين.
«أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا؛ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَدَخَلَ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فِي قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [الأنفال: 27-28]، فَإِنَّ الرَّجُلَ لِحُبِّهِ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِعَتِيقِهِ، قَدْ يُؤْثِرُهُ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ، أَوْ يُعْطِيهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَيَكُونُ قَدْ خَانَ أَمَانَتَهُ، كَذَلِكَ قَدْ يُؤْثِرُهُ زِيَادَةً فِي مَالِهِ أَوْ حِفْظِهِ، بِأَخْذِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، أَوْ مُحَابَاةَ مَنْ يُدَاهِنُهُ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ، فَيَكُونُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَانَ أَمَانَتَهُ»؛ فالأمر خطير يحتاج إلى تقوى وإلى مراعاة مصلحة المسلمين العامة.
«ثُمَّ إنَّ الْمُؤَدِّيَ لِلْأَمَانَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ، يُثَبِّتُهُ اللَّهُ فَيَحْفَظُهُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بَعْدَهُ» هذه معاني تربوية لا يتنبه لها إلا أهل الإيمان؛ فكثير من النَّاس يقيسون الأمور قياسًا ماديًا محضًا فيقول: أنا الآن الوالي فيأخذ المرتب ويًصدر الأوامر.. ولكن هناك معاني خفية لا يدركها إلا أهل الصلاح والإيمان متعلقة بإعانة الله ﷻ وتسديده لهذا العبد، وهو الذي يشير إليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهذا الكتاب ُكتاب سياسة عملية -كيف تدير الأمور-، وكتاب تربوي أيضًا يربطك بالله ﷻ.
«وَالْمُطِيعُ لِهَوَاهُ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ فَيُذِلُّ أَهْلَهُ، وَيُذْهِبُ مَالَهُ. وَفِي ذَلِكَ الْحِكَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، أَنَّ بَعْضَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، سَأَلَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُحَدِّثَهُ عَمَّا أَدْرَكَ فَقَالَ: أَدْرَكْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْفَرْت أَفْوَاهَ بَنِيك مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَتَرَكْتَهُمْ فُقَرَاءَ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَكَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَقَالَ: أَدْخِلُوهُمْ عَلَيَّ، فَأَدْخَلُوهُمْ، بِضْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، لَيْسَ فِيهِمْ بَالِغٌ، فَلَمَّا رَآهُمْ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِيَّ، وَاَللَّهِ مَا مَنَعْتُكُمْ حَقًّا هُوَ لَكُمْ، وَلَمْ أَكُنْ بِاَلَّذِي آخُذُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَأَدْفَعُهَا إلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا صَالِحٌ، فَاَللَّهُ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَإِمَّا غَيْرُ صَالِحٍ، فَلَا أَتْرُكُ لَهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قُومُوا عَنِّي، قَالَ» هذا العالم الذي يُحدث الخليفة العباسي: «فَلَقَدْ رَأَيْت وَلَدَهُ، حَمَلَ عَلَى مئة فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي أَعْطَاهَا لِمَنْ يَغْزُو عَلَيْهَا٢٬٠٠٠البداية والنهاية: (9 / 235).».
يعني أن الله ﷻ تولاهم بعد وفاة أبيهم وأغناهم بعد فقرهم، لأن من ترك شيئًا لله أبدله الله ﷻ خيرًا منه، قال سبحانه تعالى: ﴿وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]، فهذه المعاني الإيمانية لا بدَّ أن نراعيها في أثناء تعاملاتنا، فلا يكون تعاملنا ماديًا بحتًا حالنا كحال العَلمانيين؛ فنحن عندنا علاقة مع الله تعالى، وهذه الولاية التي يتولاها الإنسان هي عبادة يتقرب بها إلى الله ﷻ، فلا بد أن يكون مراقبًا لله في كل صغيرة وكبيرة مما يتعلق بها، وسيجد من تسديد الله ومعونته وهدايته له ما لا يخطر له على بال.
وكذلك في المقابل إذا كان هذا الإنسان مفرطًا مضيعًا يبحث فقط عن حظِّ نفسه وكيف يُغني نفسه وأهله وأولاده، فسيرى من سخط الله ومن خذلان الله له.
«قُلْتُ» أي شيخ الإسلام «هَذَا وَقَدْ كَانَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ، بِلَادِ التُّرْكِ، إلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْ جَزَائِرِ قُبْرُصَ وَثُغُورِ الشَّامِ وَالْعَوَاصِمِ كَطَرَسُوسَ وَنَحْوِهَا، إلَى أَقْصَى الْيَمَنِ. وَإِنَّمَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، مِنْ تَرِكَتِهِ شَيْئًا يَسِيرًا، يُقَالُ: أَقَلُّ مِنْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، قَالَ: وَحَضَرْتُ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ، وَقَدْ اقْتَسَمَ تَرِكَتَهُ بَنُوهُ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ستَّ مئة أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَقَدْ رَأَيْت بَعْضَهُمْ، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ -أَيْ يَسْأَلُهُمْ بِكَفِّهِ-٢٬٠٠١«فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز، يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك -مع كثرة ما ترك لهم من الاموال- يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لأن عمر وكل ولده إلى الله ﷻ، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم»، البداية والنهاية: (9 / 235).، وَفِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْحِكَايَاتِ وَالْوَقَائِعِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَسْمُوعَةِ عَمَّا قَبْلَهُ، مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ»؛ فعلى المرء أن يتقي الله وأن يراقبه في سره وعلانيته؛ فإذا كان هذا الوالي إنما يقضي محاباة للناس فالله سيخذله ويكون مصيره كمصير هؤلاء الذين ذكرهم شيخ الإسلام.
«وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ أَمَانَةٌ يَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي مَوَاضِعَ، مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِأَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه فِي الإِمَارَةِ: (إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)٢٬٠٠٢ من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: مسلم: (1825)، والحاكم: (7020)، وأحمد: (21552)..»؛ يعني ستكون الولاية خزيًا على أصحابها، إلا في حق من أخذها بحقها -يعني قام فيها بما وجب عليه- وأدى الذي عليه فيها -يعني لم يستأثر بشيء دون النَّاس، فكان ناصحًا للناس فيها- فهؤلاء الذين استثناهم النبي ﷺ، وقليل ما هم.
«وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: وَمَا إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)٢٬٠٠٣ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (59)، وابن حبان: (104)، وأحمد: (8714).»، إذن هذا من علامات الساعة؛ أن يسند الأمر ويوسد إلى غير أهله -يعني إلى غير المؤهل له وإلى غير من يستحقه- كما هو حالنا في هذا الزمان، في كل الأمور قد وُسِّدت الأمور الجليلة والعظيمة الكبيرة إلى غير أهلها، وإلى أناس لا يكادون يُبِينُون؛ فعلينا أن ننتظر الساعة.
«وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَعْنَى هَذَا»؛ يعني على معنى كونها أمانة، وعلى معنى أن الإنسان عليه أن يجتهد في البحث عن الأصلح؛ «فَإِنَّ وَصِيَّ الْيَتِيمِ، وَنَاظِرَ الْوَقْفِ، وَوَكِيلَ الرَّجُلِ فِي مَالِهِ، عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ لَهُ بِالْأَصْلَحِ فَالْأَصْلَحِ» فوالي اليتيم الذي يتولى اليتيم والتصرف في ماله؛ عليه أن يجتهد في الأصلح الأنفع لهذا اليتيم، وكذلك الوكيل فلو أنَّ إنسانًا وكَّل إنسانًا في شراء شيء أو في بيع شيء أو في أمر من الأمور؛ فعليه أن يبحث عن الأصلح والأنفع تمامًا كما يتصرف لنفسه، وناظر الوقف الذي وُكِّل إليه متابعة الوقف؛ عليه أن يبحث عن الأصلح والأنفع.
«كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، وَلَمْ يَقُلْ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ حَسَنَةٌ» فهناك فرق بين أحسن وحسنة؛ فعليه أن يقرب مال اليتيم بالتي هي أحسن أي بأكمل الأمور، فقد يكون هناك شيء حسن ولكن المطلوب ما هو أحسن منه.
«وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَالِيَ رَاعٍ» فبعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ثم بدأ التعليل والنظر والاعتبار: «وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَالِيَ رَاعٍ عَلَى النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ رَاعِي الْغَنَمِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالـمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، والوَلَدُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)٢٬٠٠٤ من حديث ابن عمر رضي الله عنه: البخاري: (853)، ومسلم: (1829)، وابن حبان: (4490)، والترمذي: (1705)، وأبو داود: (2928)، وأحمد: (5167).، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وقال ﷺ: (مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ رَائِحَةَ الْجَنَّةَ)٢٬٠٠٥ من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه: البخاري: (6731)، ومسلم: (142)، وابن حبان: (4495).»، فأمر الولايات عظيم، والحساب فيه أيضًا حساب عسير، وكلمة (مسؤول) عندنا اليوم تُرادف كلمة أمير، وليس هذا المقصود، مسؤول يعني سيُسأل عن رعيته.
«وَدَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ، فَقَالُوا: قُلْ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُهَا الأَمِيرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ، فَقَالُوا: قُلْ أَيُهَا الأَمِيرُ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ، فَقَالُوا: قُلْ أَيُهَا الأَمِيرُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: دَعُوا أَبَا مُسْلِمٍ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ، فَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ أَجِيرٌ اسْتَأْجَرَكَ رَبُّ هَذِهِ الْغَنَمِ لِرِعَايَتِهَا فَإِنْ أَنْتَ هَنَأْتَ جَرْبَاهَا وَدَاوَيْتَ مَرْضَاهَا وَحَبَسْتَ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا؛ وَفَّاكَ سَيِّدُهَا أَجْرَكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَهْنَأ جَرْبَاهَا وَلَمْ تُدَاوِ مَرْضَاهَا وَلَمْ تَحْبِسْ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا عَاقَبَكَ سَيِّدُهَا٢٬٠٠٦حلية الأولياء: (2 / 125).».
فالمقصود من هذا أنَّ النَّاس كالغنم والأمير كالراعي، وراعي الغنم كالراعي لسيده، ثم أمر الراعي أن يسعى إلى رعاية الغنم؛ فهذا الراعي إذا حاطها بحفظه، واختار لها أفضل المراعي، وداوى المرضى منها، وجمعها وحفظها من الذئب، فسيكافئه سيده بعد ذلك، وأما إذا ضيَّعها، ولم يرعها حق رعايتها، فإن سيده سيعاقبه ويسأله: لماذا تركت الذئب يأكل هذه الشاة؟ لماذا لم تختر لها أفضل المراعي؟ لماذا تركتها جائعة؟ لماذا ولماذا..؟! فهكذا سيسأل الله ﷻ الأمراء عمن هم تحتهم، كما يسأل السيد راعيه على غنمه، ولله المثل الأعلى.. فكذلك سيسأل الله تعالى هؤلاء الذين قال الرسول ﷺ في حقهم: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)٢٬٠٠٧ من حديث ابن عمر رضي الله عنه: البخاري: (853)، ومسلم: (1829)..
وقوله (هنأت جرباها) أي طليته بالهناء وهو القَطِران؛ لأن الجرب يُدهن بالقطران أو شبهة فيزول، وقوله (تحبس أولاها على أخراها) أي تجمعها على بعضها، وذكر الشيخ ابن عثيمين أن معناها: تمنع علية القوم أن يتقدموا على غيرهم وتجعل الجميع كلهم صف واحد؛ أي أن تحكم بين الناس والعدل، فلا يتقدم أحد على أحد، ولا تفضل أحدا على غيره بل يوضع كل في موضعه.
«وَهَذَا ظَاهِرُ الِاعْتِبَارِ، فَإِنَّ الْخَلْقَ عِبَادُ اللَّهِ، وَالْوُلَاةُ نُوَّابُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ وُكَلَاءُ الْعِبَادِ عَلَى نُفُوسِهِم، بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَعَ الْآخَرِ، فَفِيهِمْ مَعْنَى الْوِلَايَةِ وَالْوَكَالَةِ، ثُمَّ الْوَلِيُّ وَالْوَكِيلُ مَتَى اسْتَنَابَ فِي أُمُورِهِ رَجُلًا، وَتَرَكَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلتِّجَارَةِ أَوْ العَقَارِ مِنْهُ، أَوْ بَاعَ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ، وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، فَقَدْ خَانَ صَاحِبَهُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ حَابَاهُ مَوَدَّةٌ أَوْ قُرْبَةٌ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُبْغِضُهُ وَيَذُمُّهُ، وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ خَانَ وَدَاهَنَ قَرِيبَهُ أَوْ صِدِيقَهُ».
فشيخ الإسلام قال هذا من جهة الاعتبار ومَدرك المعنى؛ لأنَّ النَّاس جميعًا عباد الله خلقهم لعبادته، وأمرهم بذلك، والولاية إنما هي سبب لتحصيل هذه العبادة، وسبب لإعانة العباد على أداء هذه العبادة، فهذا الوالي كأنه نائب عن الله ﷻ لإعانة العباد على هذه العبادة، فهذه من جهة الولاية، ومن جهة الوكالة فكأنَّ هناك عقدًا بين النَّاس وبين هذا الوالي، وكأن النَّاس قالوا لهذا الوالي: تولَّ أمرنا وما يتعلق بشئوننا لتنظر الأصلح لنا، وهذه هي الوكالة، أي كأنني أعطيتك شيئًا من المال وقلت لك: أدِّه إلى هذه الجهة، فأنت الآن وكيل عن مالي، والوالي كذلك هو وكيل عن نفوس النَّاس وبينه وبينهم عقد وكالة؛ فهنا عليه أن يؤدي حق الولاية التي أسندها الله إليه، وأن يعين النَّاس ويسهل لهم أسباب تحصيل ما خلقوا لأجله، وهو العبادة، وعليه أن ينظر للناس الذين وكلوه للنظر بما ينفعهم عليه أن ينظر إلى الأصلح والأنفع إليهم، فإذا فرَّط من جهة النَّاس فقد ضيَّع الوكالة، وإن فرَّط من جهة الله تعالى فقد ضيع الولاية.
فالخلاصة أنه يجب على الأمراء والولاة تولية الأصلح والأحق في كل منصب، وان يجتهدوا في البحث عن ذلك، وهذا واجب شرعي أخذ من كتاب الله، ومن السنة، ومن إجماع العلماء، ثم هذا الذي يدل عليه الاعتبار؛ فإن لم يقم به فقد خان الله والرسول والمؤمنين.
وهذا الأمر لا يتعلق بالولايات الكبرى فقط؛ بل كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين صغيرًا أو كبيرًا واحتاج أن يكون تحته من يقوم عنه ببعض مهام تلك الولاية؛ فيجب عليه أن يبحث عن الأصلح والأحق حتى يكون مؤديا للأمانات لأهلها، وإلا كان مفرطًا.
❖ ❖ ❖
فَصْلٌ: اخْتِيَارُ الأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ
«إذَا عَرَفَ هَذَا، فَلَيْسَ عَلَيهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إلَّا أَصْلَحَ الْمَوْجُودَ»، قد لا يكون في الأصل صالحًا لهذه الولاية الصلاح الكامل، لكن بالنظر إلى الواقع يكون هو أصلح الموجودين، إذن شيخ الإسلام قرر الحكم الشرعي العام -الأمثل في الأحكام الشرعية- ثم نزل إلى الواقع.
«وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ، مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ، فَيَخْتَارُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ بِحَسَبِهِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ، وَأَخْذِهِ لِلْوِلَايَةِ بِحَقِّهَا، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِي هَذَا، وَصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ»، فالحكم الشرعي المتقرر والصورة الْمُثلى في الحكم: أن يُولَّى على كل أمر أصلح النَّاس لهذه الولاية، لكن أحيانًا عندما ننزل إلى واقعنا، ونريد أن نولِّي شخصًا على هذا المكان؛ فمن أصلح النَّاس له؟ نجد أنَّ النَّاس كلهم بسطاء، لكن لا بد أن نولِّي، ففي هذه الحالة إذا نظرنا إلى الولاية وما تحتاجه من القيام بها والأعمال فليس هناك شخص صالح لها، ولكن إذا نظرنا إلى مُجمل النَّاس؛ نجد أنَّ هذا أفضل النَّاس وأقربهم إلى أن يقوم بأحسن حال فيها، مع أنه في الحقيقة بميزان الشرع الدقيق ليس صالحًا لها، فقال: في هذه الحالة إن لم يكن هناك صالحًا لها عليه أن يبحث عن الأمثل فالأمثل -الأفضل فالأفضل- ويجتهد في ذلك ويشاور، ثم بعد ذلك إذا ولَّى أمثل الموجودين، وإن لم يكن في أصله صالحًا، فقد أدَّى الأمانة التي عليه، وهو من أئمة العدل المقسطين أي العادلين، وهذه نقطة مهمة ونحتاجها كثيرًا في أعمالنا.
وأحيانًا يكون هناك منصب شاغر لا تجد من تولِّي فيه، فتُقَلِّب الساحة وتغربلها غربلة لتجد شخصًا صالحًا لهذه الولاية الصلاحية الكاملة أو قريبًا منها ولكنك لا تجد؛ فعليك في هذه الحالة أن تجتهد، وأن تبذل ما في وسعك، وأن تشاور أهل الخبرة وأهل العلم حتى تجد أمثل الموجودين، فتوليه هذه الولاية، ثم سيذكر شيخ الإسلام أنه لا يُكتفى بمجرد التولية، وإنما يولَّى ويبذل الجهد لرفعه حتى يكون الأصلح وصالحًا لهذه الولاية.
وانظر إلى عبارة شيخ الإسلام، فهي دقيقة جدًا، فلم يقل: وصار من أئمة العدل المقسطين، لأنه قد يكون ظالـمًا ومضيعًا للأمانات في جوانب أخرى، لكن في هذه الجزئية -وهي تولية الأمثل على هذه الولاية، بعد أن استفرغ وسعه، وأدَّى الأمانة على وجهها وشاور- قال: «صار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين» وهذا مما يدلك على أن الإنسان تتبعض فيه الأعمال؛ فقد يكون الإنسان في طرف من العادلين المقسطين، وقد يكون في موضع آخر من الظلمة الجائرين.
هل المشاورة شرط في اختيار الأمثل؟
كلا، لكن إذا علم أن كمال اجتهاده يكون بمشاورة أهل الخبرة وأهل العلم والمعرفة؛ فهذا يكون واجبًا عليه، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن إذا كان وحده وهو من أهل الاجتهاد والمعرفة التامة بأفراده، فهذا لا يجب عليه المشاورة في مثل هذه الحالة.
والكلام هنا عن حالة الاختيار والسعة؛ فأحيانا ليس هناك مجال للاختيار بين الأمثل فالأمثل، وليس أمامك سوى أن تؤمر من تجده، أو يكون الوقت ضيقًا لا يسعك البحث عن الأمثل، كما حصل للصحابة في يوم غزوة مؤتة فولوا خالدًا رضي الله عنه، فالكلام عن وقت السعة أن المرء عليه أن يجتهد وأن يبذل وسعه.
وإذا اتقى الله ما استطاع واستشار أهل العلم والخبرة ثم أخطأ في الاختيار؟
هذا له أجر، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)٢٬٠٠٨. من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: البخاري: (6919)، ومسلم: (1716)، وابن حبان: (5061)، وأبو داود: (3574)، وابن ماجه: (2314)، وأحمد: (17809)، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: الترمذي: (1326)، والنسائي: (5381).، لكن إذا تبين له بعد ذلك أنه أخطأ في الاختيار، ووجد الأمثل، وعنده القدرة على العزل، أو كان هذا العزل لا يؤدي إلى مفسدة أعظم؛ فهنا يجب عليه أن يعزله وأن يولي الأمثل فالأمثل، ولكن إذا بذل جهده واستشار من يستطيع من أهل العلم، فهذا لا شيء عليه، وقد أدَّى الأمانة على وجهها؛ فهو بين الأجرين وبين الأجر.
«وَإِنْ اخْتَلَّ بَعْضُ الْأُمُورِ بِسَبَبٍ مِنْ غَيْرِهِ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، وَيَقُولُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وَقَالَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء: 84]»
يعني: كان هذا من أئمة المقسطين العادلين، وإن كانت توليته لهذا الرجل قد تؤدي إلى وقوع خلل في هذه الولاية، ولكن ليس بسببه هو؛ فهو قد بذل جهده، ولكن هذا بسبب قصور من ولَّاه، فلا نقول له: أنت تتحمل أعباء الأخطاء التي يرتكبها هذا الرجل الذي ليس بصالح للولاية؛ لأن الواجب عليه هو في أثناء التولية أن يتقي الله ﷻ ما استطاع، وأن يضع أمثل الموجود عنده، وقد وضعه، وهذا الأمثل هو ليس صالحًا في الأصل للولاية، فلا شكَّ أنه عند توليته سيقع اضطراب واختلال في الأمور التي تحت هذا الذي تولَّى الأمر، فهنا لا نحمِّل المسؤولية من هو فوقه، لأنه بذل جهده، إذا لم يقصِّر في المتابعة والمراقبة والمناصحة، والكلام هنا عن إنسان ولَّاه في جهة معينة وهو غائب عنه، ولا شك أن الوالي ما دام فيه قصور، فلا بدَّ أن يقع اضطراب واختلال في ولايته، فهذا الاضطراب والاختلال لا يتحمل تبعته شرعًا -من جهة العقاب- من ولَّاه، لأنه أمر بأن يتقي الله ما استطاع، وطاقته واستطاعته منحصرة في أن يولي الأمثل، وهذا الذي فعله.
«وَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهـۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 105]، فَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَقَدْ اهْتَدَى»، والواجب المقدور على هذا الوالي المولِّي أن يبحث عن الأمثل، «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)٢٬٠٠٩ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (6858)، ومسلم: (1337)، وابن خزيمة: (2508)، وابن حبان: (19)، والنسائي: (2619)، وابن ماجه: (2)، وأحمد: (7492).، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ٢٬٠١٠يقول العز بن عبد السلام: «لو تعذرت العدالة في جميع النَّاس، لما جاز تعطيل المصالح المذكورة، بل قدمنا أمثل الفسقة فأمثلهم، وأصلحهم للقيام بذلك فأصلحهم، بناء على أنَّا إذا أُمرنا أتينا منه بما قدرنا عليه، ويسقط عنا ما عجزنا عنه، ولا شكَّ أن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، وقد قال شعيب عليه السلام: ﴿إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ﴾، وقال الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾، فعلَّق تحصيل مصالح التقوى على الاستطاعة، فكذلك المصالح كلها»، قواعد الأحكام: (2 / 37).، لَكِنْ إذَا كَانَ مِنْهُ عَجْزٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، أَوْ خِيَانَةٌ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ»، يعني: إن كان من هذا الـمُولَّى عجز عن القيام بالولاية، ولا حاجة إليه، وليس هو الأمثل، ولم نضطر إلى توليته، أو كانت منه خيانة، وهذا الوالي ولَّاه مع ذلك، قال شيخ الإسلام: عوقب على ذلك؛ لأنه لم يؤد الواجب على الصورة الكاملة، لم يتق الله ما استطاع.
«وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْلَحَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ، فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وَقَالَ صَاحِبُ مِصْرَ لِيُوسُفَ عليه السلام: ﴿إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ﴾ [يوسف: 54]، وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ﴾ [التكوير: 19-21]».
الولاية لها ركنان:
1- الركن الأول: هو القوة.
2- والركن الثاني: هو الأمانة.
وقوة كل ولاية بحسبها، فالقاضي لا نحتاج أن يكون صاحب عضلات وكمال أجسام، ولكن يحتاج إلى القوة في الحق، لكن المجاهد يحتاج إلى أن يكون القائد قويًّا؛ قوة القلب وقوة الجسد، فقوة كل منصب بحسبه، بأن يكون جامعًا للعلم والمعرفة بمستحقات هذه الولاية حتى يؤديها على وجهها.
فإذا أردت أن تولي شخصًا على منصب ما، فحينما تبحث عن الأصلح فانظر في هذين الأمرين: انظر أولًا في قوته لتلك الولاية، وابحث ما نوع القوة التي تحتاجه هذه الولاية؟، ثم انظر هل هذه القوة التي تحتاجها هذه الولاية متوفرة في هذا الشخص أم لا؟ ثم عليك بعد ذلك أن تبحث عن الأمانة، هل هذا الشخص أمين في أدائه وقيامه بواجبات هذه الأمانة؟ أم خائن ومفرِّط ومضيِّع؟ والأمانة أيضًا لا بد أن ننظر في كل ولاية بحسبها -وإن كان هناك معنى عام يجمع الأمانة وهي عدم الخيانة-، إذن الأصلح ليس في كل شيء، وإنما الأصلح في الولاية التي نريد أن نسندها له.
«وَالْقُوَّةُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ بِحَسَبِهَا؛ فَالْقُوَّةُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ تَرْجِعُ إلَى شَجَاعَةِ الْقَلْبِ، وَإِلَى الْخِبْرَةِ بِالْحُرُوبِ، وَالْمُخَادَعَةِ فِيهَا -فَإِنَّ الْحَرْبَ خُـَدْعَةٌ-، وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِتَالِ: مِنْ رَمْيٍ وَطَعْنٍ وَضَرْبٍ، وَرُكُوبٍ وَكَرٍّ وَفَرٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» وشيخ الإسلام كان رجلًا مجاهدًا، «كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَّ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا)٢٬٠١١ من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: عند مسلم: (1919) رواية (فليس منا)، أما عند الحاكم: (2467) (ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها)، وعند أبي داود: (2513) (ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها -أو قال- كفرها)، ومثلها عند النسائي: (3578)، وكذلك عند أحمد: (17359)، وقد ورد الحديث من غير الزيادة الأخيرة عند الترمذي: (1637)، وابن ماجه: (2811).، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ٢٬٠١٢ لم أجدها في صحيح مسلم، وقد جاءت عند الطبراني في الصغير: (543)، وعند الخطيب في تاريخ بغداد: (7/452) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، صححه الألباني لغيره.».
فهذا مما يدل على أنَّ القوة أنواع، وقوة كل ولاية بحسب هذه الولاية، وذكر مثالًا على ولاية الحرب، وذكر بعض أفراد القوة التي إن اجتمعت كان هذا الإنسان قويًّا في إمارة الحرب، وينقص من قوته بحسب ما نقص من الأمور التي ذكر بعضها شيخ الإسلام رحمه الله.
«وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، تَرْجِعُ إلَى الْعَدْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ»؛ يعني المعرفة بكيفية فصل الخصومات بين النَّاس بحسب حكم الكتاب والسنَّة، ثم لا يُكتفى بهذا؛ فالإنسان قد يكون عارفًا بأحكام الشرع قادرًا على الفصل بين الخصومات، ولكن ليست له القوة الملزمة للناس، فإذن علينا أن ننظر إلى هذا الجانب أيضًا: «وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ» أي وجود السلطان والشوكة٢٬٠١٣قال ابن قدامة في المغني: (11 / 386): «وينبغي أن يكون الحاكم قويًّا من غير عنف، ليّنًا من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ويكون حليمًا متأنيًا ذا فطنة، وتيقظ لا يؤتى من غفلة، ولا يخدع لغرِّة، صحيح السمع والبصر، عالِمًا بلغات أهل ولايته، عفيفًا ورعًا نزهًا بعيدًا من الطمع، صدوق اللهجة ذا رأي ومشورة، لكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، ولا يكون جبارًا ولا عسوفًا فيقطع ذا الحجة عن حجته، قال علي رضي الله عنه: «لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم». وعن عمر بن عبد العزيز قال: «ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال، إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة: العقل والفقه والورع والنزاهة والصرامة والعلم بالسنن والحكم». ورواه سعيد فيه: «يكون فهمًا حليمًا عفيفًا صلبًا سألًا عما لا يعلم». وفي رواية: «محتملًا للأئمة ولا يكون ضعيفًا مهينًا، لأن ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر والتشاتم بين يديه». قال عمر رضي الله عنه: «لأعزلن فلانًا عن القضاء، ولأستعملن رجلًا إذا رآه الفاجر فرَّقه»»..
وضرب شيخ الإسلام مثالا على أن القوة تتنوع بحسب كل ولاية، ثم قال: «وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، وَأَلَّا يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَتَرْكِ خَشْيَةِ النَّاسِ»، مدار الأمانة على هذه الأمور:
أولًا: خشية الله ﷻ؛ يعني مراقبة الله ﷻ وأن يعلم هذا الإنسان أنه مسؤول عن كل صغير وكبير مما يتعلق بولايته.
الأمر الثاني: ألا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ يعني ألَّا يجامل في أحكام الله مقابل شيء من متاع الدنيا، وقد يكون هذا المتاع حسيًّا، وقد يكون معنويًّا، حسيًّا: أي أموال تُدفع إلى هذه الإنسان، فيفرط في أحكام الله، وقد يكون جاهًا أو مجاملة أو نسبًا أو صداقة، وهذه كلها مما تُشترى به آيات الله تعالى.
وثالثًا: أن يترك خشية النَّاس؛ يعني أن يقول الحق وأن يحكم به ويمضي عليه، لا يخاف في الله لومة لائم.. فالأمانة ترجع لهذه الأمور الثلاثة.
«وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى كُلِّ حكمٍ عَلَى النَّاسِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ: (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ، فَهُوَ فِي النَّارِ)؛ هذا إمَّا أنه فَقَدَ خشية الله، أو خاف النَّاس؛ قعدم حكمه بالحق لعدم خشيته لله أو لخشيته من الناس، (وَرَجُلٌ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ)؛ وهذا قد يؤدِّيه إلى أن يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، (وَرَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ وَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الجَنَّةِ)٢٬٠١٤ من حديث بريدة: الحاكم: (7012)، والترمذي: (1322)، أبو داود: (3573)، وابن ماجه: (2315)، وصححه الألباني. رَوَاهُ أَهْلُ السُنَنِ»، وأشدُّ القاضيين عذابًا في النار هو: الأول الذي علم الحق وحكم بخلافه.
«وَالْقَاضِي اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا»، فليس الكلام هنا عن القاضي حسب المعروف والمعهود في الشرع؛ أي الذي يتولَّى من قبل الإمام الأعظم فضَّ الخصومات بين النَّاس -وهذا يدخل فيه طبعًا-، ولكن كل من حكم بين اثنين في مسألة فهو قاضٍ، فعليه أن يخشى الله، ولا يخشى النَّاس، وألَّا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، «سَوَاءٌ كَانَ خَلِيفَةً أَوْ سُلْطَانًا، أَوْ نَائِبًا، أَوْ وَالِيًا، أَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لِيَقْضِيَ بِالشَّرْعِ، أَوْ نَائِبًا لَهُ»؛ أي نائبًا لمن يقضي بالشرع.
«حَتَّى مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخُطُوطِ، إذَا تَخَايَرُوا، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُ النبي ﷺ وَهُوَ ظَاهِرٌ»، فقد كانوا من قبل يمتحنون الأطفال أيهم أحسن خطًّا؛ فيكتب كل واحد منهم عبارة أو كلمة ثم يحكِّموا شخصًا ليبين أيُّهم أحسن خطًّا، فحتى هذا عليه أن يخشى الله، ولا يخشى النَّاس، وألَّا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، وان يعدل بينهم في أيهم أحسن خطا فيحكم له.. هذا في الأمور الصغيرة فكيف بالأمور الأخرى؟
فالخلاصة في هذا الفصل: أن الوالي قد لا يجد في ولايته الصالح لهذا الأمر، لكن هذا لا يعفيه من البحث عن الأمثل، فعليه أن يجتهد ليجد أمثل الموجودين في ولايته؛ ممن يقوم بهذه الولاية على أفضل وجه أقرب للكمال وأبعد عن الفساد، فإذا بذل وسعه في ذلك فإنه يُعد في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين؛ فإنه فرط فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
ثم ذكر أن القوة في أمرين: القوة والأمانة، وفصل في القوة والأمانة ومسائلهما٢٬٠١٥ [انتهت المحاضرة الأولى هنا، من أصل سبعة عشر محاضرة هي مادة شرح الكتاب كاملًا]..
❖ ❖ ❖
فَصْلٌ: اجْتِمَاعُ القُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ
قال شيخ الإسلام: «اجْتِمَاعُ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ، وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَشْكُو إلَيْكَ جَلَدَ الْفَاجِرِ، وَعَجْزَ الثِّقَة»٢٬٠١٦محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (2 / 522).»، جَلَدَ الفاجر أي أن يكون قويًّا ولكنَّه فاجر، وعجز الثقة: أي أن يكون أمينًا ولكنه عاجز ليس قويًّا، «فَالْوَاجِبُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ، الْأَصْلَحُ بِحَسَبِهَا. فَإِذَا تَعَيَّنَ رَجُلَانِ»، يعني: كل منهما صالح لهذه الولاية وهما في درجة متساوية «أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ أَمَانَةً، وَالْآخَرُ أَعْظَمُ قُوَّةً، قُدِّمَ أَنْفَعُهُمَا لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ: وَأَقَلُّهُمَا ضَرَرًا فِيهَا، فَيُقَدَّمُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ الشُّجَاعُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فُجُورٌ فِيهَا، عَلَى الرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْعَاجِزِ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا، كَمَا سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَكُونَانِ أَمِيرَيْنِ فِي الْغَزْوِ، وَأَحَدُهُمَا قَوِيٌّ فَاجِرٌ، وَالْآخَرُ صَالِحٌ ضَعِيفٌ، مَعَ أَيِّهِمَا يُغْزَى؟ فَقَالَ: أَمَّا الْفَاجِرُ الْقَوِيُّ، فَقُوَّتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الصَّالِحُ الضَّعِيفُ فَصَلَاحُهُ لِنَفْسِهِ، وَضَعْفُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيُغْزَى مَعَ الْقَوِيِّ الْفَاجِرِ٢٬٠١٧ نقل ابن قدامة في المغني: (10 / 366) كلامًا للإمام أحمد قريبًا من هذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام: «قال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول، يغزى معه، إنما ذلك في نفسه».. وقد قال النَّبيُّ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ)٢٬٠١٨ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2897)، ومسلم: (111)، وابن حبان: (4519)، وأحمد: (8076).، وَرُوِيَ (بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ)٢٬٠١٩ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ابن حبان: (4517)، ومن حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أحمد (20472) وصححه الألباني.، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَاجِرًا، كَانَ أَوْلَى بِإِمَارَةِ الْحَرْبِ مِمَّن هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ فِي الدِّينِ، إذَا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ».
فهنا ينظر إلى من هو الأنفع في هذه الولاية، ومن يقوم بها على وجهها وإن فقد شطرًا من ركني الولاية، وضرب مثالًا على إمارة الحرب، فقال: إذا وجدنا رجلًا قويًّا، صاحب خبرة، وشجاع القلب، وعنده قدرة على مخادعة العدو، وإتقان لخطط الحرب، ولكنَّه رجل فاسق فاجر شرَّاب للخمر وغير ذلك، ووجدنا رجلًا أمينًا، لا يأخذ من أموال النَّاس ولا يظلمهم شيئًا، ولكنَّه رجل ضعيفٌ جبانٌ خوارٌ، وليس عنده شيء من خبرة الحروب؛ فهنا إذا نظرنا إلى الحاجة في ولاية الحرب؛ إن قدَّمنا الأمين، فالأمانة هنا تأثيرها ليس كبيرًا، لأنه سيُضيِّع النَّاسَ بضعفه، وإذا قدَّمنا القوي ففجوره على نفسه وضرره راجع لنفسه، وأما قوَّته وخبرته فهذا نفعه شامل لمن معه من المسلمين؛ إذن هذا هو الميزان الذي نقيس به٢٬٠٢٠قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: (28 / 506-507): «لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم، فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررًا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه»..
ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة الغزو مع كل إمام برًا كان أو فاجرًا، ولكن بعض العلماء فصَّلوا في الفجور، فليس كل فجور يتساهل فيه، فقالوا: ينظر في فجور هذا الشخص، إذا كان فجوره راجعًا إلى نفسه، كرجل يشرب الخمر، أو يظلم النَّاس في أكل الأموال حتى وإن كان متعديًّا، ولكن ليس متعلقًا بإمارة الحرب، فهذا يُغزى معه وهو داخل في الذي ذكرناه، وأما إذا كان فجوره متعديًّا، يعني يغزى مع شخص يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام، ويظلم النَّاس أثناء جهاده؛ فما دمت تحت ولايته فستشاركه حتمًا فيما يرتكبه، وذكر العلماء أيضًا من عُلِم منه الخيانة والغدر في الحرب؛ كإنسان يعطي العهد والوعد للكفرة ثم يغدر بهم، فهذه هي عادته وطريقته، قالوا: هذا لا يُغزى معه، لأنك لا تستطيع أن تنفك عن الإثم ما دمت تحت ولايته، إذن فرق بين الفجور اللازم والفجور المتعدي.
«وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعْمِلُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْحَرْبِ، مُنْذُ أَسْلَمَ، وَقَالَ: (إِنَّ خَالِدًا سَيْفٌ سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ)٢٬٠٢١ من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: الحاكم: (5297)، وابن حبان: (7091) ولفظه: (لا تؤذوا خالدا، فإنه سيف من سيوف الله صبه على الكفار)، ومن حديث أبي بكر رضي الله عنه: أحمد: (43) ولفظه: (نعم عبد الله، وأخو العشيرة، خالد بن الوليد، وسيف من سيوف الله، سله الله ﷻ على الكفار والمنافقين) صححه الأرناؤوط بشواهده، وقد ورد وصف خالد بن الوليد بسيف من سيوف الله في البخاري: (3547)، والترمذي: (3846)، وأحمد: (1750) وغيرهم.، مَعَ أَنَّهُ أَحْيَانًا كَانَ قَدْ يَعْمَلُ مَا يُنْكِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ، حَتَى إِنَّهُ مَرَّةً قَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا فَعَلَ خَالِدٌ)٢٬٠٢٢ من حديث ابن عمر رضي الله عنه: البخاري: (4084)، وابن حبان: (4749)، والنسائي: (5405)، وأحمد: (6382).، لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ٢٬٠٢٣بعثُ النَّبيِّ ﷺ خالد بني الوليد رضي الله عنه إلى بني جذيمة: البداية والنهاية: (4 / 358)، تاريخ الإسلام للذهبي: (2 / 567-570)، تاريخ دمشق: (16 / 233)، الكامل في التاريخ: (2 / 128).»، وخلاصة هذه القصة أن النبي ﷺ أرسل خالدًا رضي الله عنه في غزوة إلى بني جَذِيمة -وهذا صوابها بفتح الجيم- فقالوا: صبأنا، صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فهم أرادوا الدخول في الإسلام، فكان المتعارف عندهم أن كفار قريش كانوا يقولون لمن دخل في الإسلام صبأ، فهؤلاء لم يعرفوا كيف يدخلون في الإسلام، فأعمل فيهم خالد السيف، فقتلهم وأخذ منهم أسرى، وفي الطريق قال: «ليقتل كل واحد منكم أسيره»، فكان معهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو من علماء الصحابة، ولا شك أنه أعلم من خالد رضي الله عنه، فقال: «والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل واحد من أصحابي أسيره حتى نأتي رسول الله ﷺ»، فعندما جاءوا إلى النَّبيِّ ﷺ أخبروه بذلك فرفع يديه وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)، ولم يقل: اللهم إني أبرأ إليك من خالد، وإنما قال: (مما فعل خالد)؛ يعني من فِعْله الذي خالف فيه الحق، وهو كان بنوع شبهة، مع أنه ورد في بعض الروايات أنَّ خالدًا اتهمه بعض الصحابة أنه قتلهم لثأرٍ بينه وبينهم في الجاهلية٢٬٠٢٤الإشارة هنا إلى ما حصل بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد رضي الله عنهما بعد حادثة بني جذيمة: البداية والنهاية: (4 / 359)، سير أعلام النبلاء: (1/370).، وهذا موجود في روايات صحيحة، ونحن ننزه خالدًا رضي الله عنه عن هذا، وإنما فعل هذا لنوع شبهة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
«وَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، حَتَّى وَدَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ»، دفع ديَّات القتلى لأن ذلك غير جائز لخالد، «وَضَمِنَ أَمْوَالَهُمْ»؛ أي دفع قيمة الأموال التي أخذوها، «وَمَعَ هَذَا فَمَا زَالَ يُقَدِّمُهُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَصْلَحَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ، وَفَعَلَ مَا فَعَلَ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ»، فهنا ضرب شيخ الإسلام مثالًا لمن اجتمعت فيه القوة وإن ارتكب بعض المخالفات بنوع من التأويل وهو خالد رضي الله عنه.
وهناك من الصحابة من هو أكثر منه أمانة، إلا أنَّه أضعف في باب الحرب، وفي باب الولايات، وهو أبو ذر رضي الله عنه فلم يكن النبي ﷺ يولِّيه؛ فقال: «وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ رضي الله عنه أَصْلَحَ مِنْهُ فِي الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ؛ وَمَعَ هَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا)»؛ ليس المقصود هو ضعف البنية والجسم٢٬٠٢٥فقد ذكر الذهبي أنه قد قيل إنّ أبا ذر رضي الله عنه كان «ضَخْمًا، جَسِيْمًا، كَثَّ اللِّحْيَةِ»، سير أعلام النبلاء: (2 / 47).، «(وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ)٢٬٠٢٦ من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: مسلم: (1826)، وابن حبان: (5564)، والحاكم: (7017)، وأبو داود: (2868)، والنسائي: (3667)..رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ نَهَى أَبَا ذَرٍّ عَنْ الْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ ضَعِيفًا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: (مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ -يعني السماء- وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ -يعني الأرض- أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبَي ذَرٍّ)٢٬٠٢٧من حديث عبد الله بن عمرو العاص رضي الله عنه: الحاكم: (5461)، والترمذي: (3801)، وابن ماجه: (156)، وأحمد: (6519) وصححه الألباني، ومن حديث علي رضي الله عنه: الحاكم: (8478)، ومن حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: ابن حبان: (7132)، والترمذي: (3802) وحسنه الألباني، ومن حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: الحاكم: (5462)، وأحمد: (27533)، وحسنه الأرناؤوط بطرقه وشواهده.»، فانظر إلى حال أبي ذر رضي الله عنه في باب الأمانة، وفي باب الصدق فهو يفوق خالدًا رضي الله عنهم أجمعين، وأمَّا في باب الولايات فهو ضعيف، كما وصفه ﷺ ولذلك قال له: لا تتولَّ على اثنين، ولا تتولَّ مال يتيم، لأن ضعفك قد يؤدي بك إلى شيء لا يريده الله ﷻ٢٬٠٢٨قال الذهبي بعد إيراده الحديث (يا أبا ذر إني أراك ضعيفا...): «فهذا محمول على ضعف الرأي؛ فإنه لو ولي مال يتيم لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرا، فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيز ادخار النقدين، والذي يتأمر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر رضي الله عنه كانت فيه حدة -كما ذكرناه- فنصحه النبي ﷺ»، سير أعلام النبلاء: (2 / 75).، وخالد رضي الله عنه مع أنه أقلَّ من أبي ذر في هذا الباب٢٬٠٢٩[يقصد باب الصدق والأمانة، والله أعلم].، ولكنه في باب القوة والحرب والشجاعة والخبرة فهو يفوق أبا ذر، فكان يؤمِّره ولا يؤمِّر أبا ذر، بل كان يؤمِّره على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين.
«وَأَمَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ؛ اسْتِعْطَافًا لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ، عَلَى مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَأَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، لِأَجْلِ ثَأْرِ أَبِيهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ لِمَصْلَحَةٍ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَكُونُ مَعَ الْأَمِيرِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فِي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ٢٬٠٣٠حكم تولية المفضول مع وجود الأفضل: الحاوي الكبير (16 / 161)، الذخيرة (10 / 26)، روضة الطالبين (8 / 80)، الفروع (11 / 99)، الموسوعة الفقهية الكويتية (6 / 225-226)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (8 / 464.)، وقال الإمام الجويني في غياث الأمم (1 / 123): «فأقول: لا خلاف أنه إذا عسر عقد الإمامة للفاضل، واقتضت مصلحة المسلمين تقديم المفضول، وذلك لصغو النَّاس، وميل أولي البأس والنجدة إليه، ولو فرض تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن، وثارت المحن، ولم نجد عددا، وتفرقت الأجناد بددا، فإذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة، تقتضي تقديم المفضول قدم لا محالة، إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة، فإذا كان في تقديم الفاضل اختباطها وفسادها، وفي تقديم المفضول ارتباطها وسدادها، تعيَّن إيثار ما فيه صلاح الخليقة باتفاق أهل الحقيقة».»؛ يعني هناك التولية المستمرة، وأحيانًا تكون التولية الطارئة؛ فأحيانًا في معركة من المعارك، أو في أمر من الأمور، تُوَلِّي هذا الشخص مع وجود من هو أفضل منه، لأن هذا الشخص معه مصلحة راجحة تجعله يُقَدَّم في هذا الموطن كحال عمرو بن العاص رضي الله عنه، فالنبي ﷺ كان يحب للناس أن يهتدوا ويدخلوا في دين الله ﷻ قبل القتال، فولَّى عَمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنه، حتى اشتد الكلام مرة بين عمر وبين عمرو بن العاص عندما منع عمرٌو إيقاد النار مع شدة البرد، حتى استشفعوا عند أبي بكر رضي الله عنه فنهاهم، وقال: «لا يوقد أحد النار»٢٬٠٣١ولفظه: «بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما انتهوا إلى مكان الحرب، أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارا، فغضب عمر، وهمَّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله ﷺ عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه عمر»، الحاكم: (4357).، فالنبيّ ﷺ أمَّر عمرَو بن العاص لأن القوم الذي أرسله إليهم كانوا أقاربه، فلعلهم يميلون إلى الإسلام برؤية أن أحد أقاربهم أمير على المسلمين، وأمّر أسامة بن زيد رضي الله عنه لأن والده زيد قتل في مؤتة، فأمَّره النبيُّ ﷺ عندما أرسل الجيش إلى الروم طلبًا لثأر أبيه.
فهكذا قد يكون هناك بعض المرجحات والمصالح الراجحة الواضحة التي تجعلك تؤمِّر شخصًا في هذا الموطن على غيره؛ فالمقصود هنا أنه عند التعارض ينظر في كل ولاية من هو الأنفع لها، فإذا كانت الولاية تحتاج إلى الأمانة قُدِّم الأمين على القوي، وإذا كانت الولاية تحتاج إلى القوة قُدِّم القوي على الأمين.
«وَهَكَذَا أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا زَالَ يَسْتَعْمِلُ خَالِدًا فِي حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَفِي فُتُوحَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَبَدَتْ مِنْهُ هَفَوَاتٌ»؛ أي وقع في بعض الزلات، منها قتله لمالك بن نُوَيْرَةَ، حتى أن عمر رضي الله عنه طلب من أبي بكر أن يقتصَّ من خالد، ويقتله قِصاصًا مقابل قتله لمالك بن نويرة، وقد قتله متأولًا رضي الله عنه٢٬٠٣٢قصة قتل مالك بن نويرة: البداية والنهاية: (4 / 360)، (6 / 354)، تاريخ الإسلام للذهبي: (3 / 32-37)، الكامل في التاريخ: (2 / 216-218).، «كَانَ لَهُ فِيهَا تَأْوِيلٌ، وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهَا هَوًى»؛ يعني ذُكر لأبي بكر أنَّ خالدًا فعل هذه الأمور، ووقع في هذه الهفوات لهوى في نفسه «فَلَمْ يَعْزِلْهُ مِنْ أَجْلِهَا، بَلْ عَاتَبَهُ عَلَيْهَا لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فِي بَقَائِهِ»؛ يعني حتى ولو كان قد فعلها لهوى، وهذا بعيد عن خالد رضي الله عنه، وذكروا أن أبا بكر رضي الله عنه طلب خالدًا عندما قتل مالك بن نويرة، فجاء خالد وعلى رأسه الخوذة والعمامة والسهام مكسَّرة عليها، وكان عمر رضي الله عنه عند باب المسجد -وهو الذي كان يُحرض على عزله- وأبو بكر رضي الله عنه في الداخل، فلما دخل خالد رضي الله عنه قال له عمر: رياءً! وقد قتلت مسلـمًا ونزوت على امرأته؟ -لأنه تزوج زوجة مالك بن نويرة-، فلم يتكلم مع عمر، ودخل إلى أبي بكر فعاتبه أبو بكر، واعتذر إليه خالد رضي الله عنه، ثم ردَّه مرة أخرى إلى الجبهة وإلى القيادة٢٬٠٣٣البداية والنهاية: (6 / 355)، تاريخ الإسلام: (3 / 36).؛ فالمقصود من هذا كله أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان لا يترجح عنده أحد في هذا الموطن، ولا يمكن أن يملأ الكِفَّة رجل مثل خالد رضي الله عنه، ولذلك أبقاه في قتاله لأهل الردة.
«وَلِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ الْكَبِيرَ» مثل أبي بكر «إذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ، وَإِذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ، لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ»؛ وهذه قاعدة مهمة ذكرها شيخ الإسلام؛ يعني إذا كان الوالي أو الأمير الأعلى في طبيعته شدة وغلظة وقسوة فما ينبغي أن يكون وزيره هكذا، لأن الشدة إذا اجتمعت مع الشدة فسيقع الظلم والإجحاف للناس، ولكن إذا كان شديدًا فينبغي أن يبحث له عن نائب ليِّنٍ، إذا أغلظ هذا لان هذا، وإذا لان هذا أغلظ هذا، فيكتمل الأمر، والعكس أيضًا؛ فإذا كان الوالي ليِّنًا؛ فينبغي أن يكون وزيره شديدًا يميل إلى القوة، فإذا لان هذا قَوِيَ هذا، وإذا قَوِيَ هذا لان هذا، فهكذا يعتدل الأمر.
«وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، يُؤْثِرُ اسْتِنَابَةَ خَالِدٍ» أي تقديمه، «وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يُؤْثِرُ عَزْلَ خَالِدٍ، وَاسْتِنَابَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه؛ لِأَنَّ خَالِدًا كَانَ شَدِيدًا، كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ لَيِّنًا كَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ الْأَصْلَحُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ وَلَّاهُ، لِيَكُونَ أَمْرُهُ مُعْتَدِلًا» ولذلك فإنَّ عمر رضي الله عنه أول ما تولَّى الإمارة عزل خالدًا وعيَّن أبا عبيدة رضي الله عنه٢٬٠٣٤البداية والنهاية: (7/23)، (7/92-93)، (7/130-133)، تاريخ الإسلام: (3/124)..
«وَيَكُونَ بِذَلِكَ مِنْ خُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الَّذِي هُوَ مُعْتَدِلٌ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، أَنَا نَبِيُّ الَمْلحَمَةِ)٢٬٠٣٥من حديث أبي موسى رضي الله عنه: ابن حبان: (6314)، وأحمد: (19543)، «وصحح إسناده الأرناؤوط»، ولفظ مسلم: (2355): (...ونبي التوبة، ونبي الرحمة) فلم يذكر الملحمة.، وَقَالَ: (أَنَا الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ)٢٬٠٣٦أشار ابن القيم إلى أن هذه الصفة مذكورة في الكتب المتقدمة فقال: «وأما صفته ﷺ في بعض الكتب المتقدمة بأنه الضحوك القتال فالمراد به أنه لا يمنعه ضحكه وحسن خلقه إذا كان حدًّا لله وحقًا له، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه» هداية الحيارى: (1 / 160)، وأورد ابن فارس أثرًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اسمه في التوراة: أحمد الضحوك القتال، يركب البعير، ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسرة سيفه على عاتقه» [درج الدرر في تفسير الآي والسور: (2/636)].، وَأُمَّتُهُ وَسَطٌ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ﴾ [الفتح: 29]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، وَلِهَذَا لَمَّا تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما صَارَا كَامِلَيْنِ فِي الْوِلَايَةِ، وَاعْتَدَلَ مِنْهُمَا مَا كَانَا يُنْسَبَانِ فِيهِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ لِينِ أَحَدِهِمَا وَشِدَّةِ الْآخَرِ»؛ يعني عمر رضي الله عنه كان يُنسب إلى الشدة في زمن النبي ﷺ، وأبو بكر كان ينسب إلى اللين في زمن النبي ﷺ، كما ظهر منهما هذا في أسرى بدر، فعمر رأى أن تُضرب أعناقهم جميعًا، وأبو بكر رضي الله عنه قال: «إنما هم بنو العمومة» ثم طلب أن يفادوا بالمال لعل الله أن يهديهم٢٬٠٣٧من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الحاكم: (4304)، والترمذي: (3084)، وأحمد: (3632)، «ضعفه الألباني»، ومن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه: مسلم: (1763)، ابن حبان: (4793)، وأحمد: (208)، ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: الحاكم: (3270).، فهذا جرى عليه ما يغلب عليه طبعه من اللين، وذاك جرى عليه ما يغلب عليه طبعه من الشدة، ومع وجود هذه الصفة في زمن النبي ﷺ واشتهارهما بها، إلا أنه بعد وفاة النبي ﷺ جرت أمورهما باعتدال، فما ظهر لين أبي بكر فغلب، وما ظهرت شدة عمر فغلبت، وإنما جرت أمورهما باعتدال، وهذا هو العدل في حق الرعية؛ فالاعتدال هو: أن تجري أمور الولاية على وجهها الأكمل الذي ينتفع به الناس؛ فلا يقع ظلم من الناس بسبب شدة هذا، ولا تضييع لحقوقهم بسبب لين ذاك.
«حَتَّى قَالَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اقْتَدُوا بِاللَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ)٢٬٠٣٨من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ابن حبان: (6902)، والحاكم: (4451)، والترمذي: (3662)، وابن ماجه: (97)، وأحمد: (23324)، وصححه الألباني.، وَظَهَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ شَجَاعَةِ الْقَلْبِ، فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مَا بَرَزَ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ»، فالله عصم بأبي بكر أمة الإسلام في هذا الموقف مع اشتهاره باللين والرأفة والرحمة؛ إلا أنه بعد وفاة النبي ﷺ وقف أبو بكر موقفًا تصاغر عمر أمامه، فهذا من مواقف أبي بكر العظيمة حيثُ وقف عمر وقال: «والله لا يقول أحد إن رسول الله مات إلا ضربت عنقه» فجاء أبو بكر وقال: من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات.. فالله عصم أمة الإسلام بهذا الموقف.
وكذلك له موقف ثانٍ في حرب الردَّة حين ارتدت معظم العرب إلا ثلاثة مساجد؛ فقال له الصحابة: تألَّف النَّاس فليس لدينا قوة، فوقف أبو بكر رضي الله عنه ذلك الموقف فقال: «والله لو منعوني عناقًا -وفي رواية عقالًا- كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها»، حتى قال له الصحابة: بمن تقاتلهم؟ فقال لهم: «أقاتلهم وحدي، والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» أي رأسي ونفسي، فبعد ذلك عمر رضي الله عنه قال: «فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق»٢٬٠٣٩من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (6855)، ومسلم: (20)، وابن حبان: (217)، والترمذي: (2607)، وأبو داود: (1556)، والنسائي: (2443).، حتى أن الصحابة قالوا: «لولا أبو بكر لكفرنا»٢٬٠٤٠قال أبو هريرة رضي الله عنه: «والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبد الله»، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: «مهٍ يا أبا هريرة؟» فقال: «إن رسول الله ﷺ وجَّه أسامة بن زيد في سبع مئة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ﷺ، وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله» فقالوا: «يا أبا بكر ردَّ هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟» فقال: «والذي لا إله غيره لو جرت الكلابُ بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشًا وجَّهه رسول الله، ولا حللت لواءً عقده رسول الله»، فوجَّه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: «لولا أنَّ لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم»، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام، البداية والنهاية: (6 / 336)، ويقول وكيع بن الجراح: «لولا أبو بكر الصديق لذهب الإسلام»، أحمد في فضائل الصحابة: (111).؛ يعني لولا أنَّ الله سخَّر لنا أبا بكر، فوقف هذا الموقف لكفرنا، فظهرت هنا قوة قلب أبي بكر وإيمانه، ةحقيقة طول صحبته للنبي ﷺ في السفر والحضر؛ فقام مقام النبي ﷺ وعصم الله به الأمة من الضَّلال ومن الردِّة، فما مر إلا حول واحد فقط فردَّ الذين كفروا إلى دين الإسلام، وعادت شوكة الإسلام كما كانت.
«وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ فِي الْوِلَايَةِ إلَى الْأَمَانَةِ أَشَدَّ، قُدِّمَ الْأَمِينُ مِثْلُ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا اسْتِخْرَاجُهَا وَحِفْظُهَا، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ وَأَمَانَةٍ، فَيُوَلَّى عَلَيْهَا شَادٌّ»؛ يعني جامع، «قَوِيٌّ يَسْتَخْرِجُهَا بِقُوَّتِهِ، وَكَاتِبٌ أَمِينٌ يَحْفَظُهَا بِخِبْرَتِهِ وَأَمَانَتِهِ»
يعني: بعض الولايات تحتاج إلى الأمانة أكثر من القوة مثل حفظ الأموال -وليس المقصود وضعها في بيت المال والوقوف عليها بالحراسة-، ولكن تسجيل الصادر والوارد منها، والدقة في هذا، حتى لا تضيع، وحتى لا تُنفق في غير وجهها؛ فهذا يحتاج إلى أمانة، فربما هناك رجل ضعيف، ولكنَّه أمين دقيق لا يترك فلسًا إلا وسجَّل مصدره، وأين يُصرف.
وأما «اسْتِخْرَاجُهَا وَحِفْظُهَا، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ وَأَمَانَةٍ» كحال مانعي الزكاة، امتنعوا عن دفعها لأبي بكر، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى استخرج منهم هذه الأموال، وكذلك حفظ الأموال من اللصوص وقطاع الطرق يحتاج إلى القوة، والحفاظ عليها بمعنى عدم إنفاقها في غير وجهها الشرعي فهذا يحتاج إلى الأمانة.
«وَكَذَلِكَ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ، إذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ بِمَشُورَةِ أُولِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْوِلَايَاتِ إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَصْلَحَةُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، جَمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَصْلَحِ، أَوْ تَعَدُّدِ الْمُوَلَّى، إذَا لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ تَامٍّ».
على من يُولِّي أولًا أن يبحث عن الأصلح لهذه الولاية، فإذا وجد شخصًا كُفؤًا يقوم بها على وجهها، تعيَّن عليه أن يؤمِّره في هذا الموطن، وإذا نقصت صفات هذا المولَّى إما من جهة القوة، أو من جهة الأمانة، فيُنظر في كل ولاية وما تحتاجه، فإذا كانت تحتاج إلى القوة قُدِّم القوي، وإن كانت تحتاج إلى الأمانة قُدِّم الأمين، وإذا لم يمكن ضبط الولاية إلا بتعيين شخصين عليها؛ أحدهما قوي، والآخر أمين، فيتشاوران فيكونان أميرين في موطن واحد: أحدهما لتكميل الأمانة، والآخر لتكميل القوة؛ فهنا نعدد الأمراء ليتحصل المقصود بها.
فهذا يدلُّنا على أن المقصود من الولاية هو كيف نوصل المصلحة للناس على الوجه الشرعي المطلوب، أو على ما هو قريب من الوجه الشرعي المطلوب.
فالولاية ليست من أمور التعبدات بل من هي أمور السياسة الشرعية التي ينظر فيها إلى المصلحة والمفسدة، ولا نعني أن المرء لا يُؤجر عليها، ولكن نعني أن معناها واضح معلل، بخلاف العبادات فبعضها قد لا يُدرك علتها كعلة جعل الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاثًا؛ فبعض الأمور يكون معناها مدركًا، وعلتها ظاهرة؛ فهنا الولاية شرعها الله لإقامة مصالح العباد.
- في حالة تعيين شخصين على ولاية، فهل نعين أحدهما أميرًا على الآخر؟
ظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يمكن أن يُجمع في الولاية شخصان، هذا في غير حال السعة بل في حال الاضطرار؛ فيكمل بعضهما الآخر، والكيفية ليس فيها نص شرعي، فالكيفية أن تقول مثلًا: أنتما الاثنان لا يفصل أحدكما الأمر إلا بمشاورة الآخر، أو تقول: أنت الأمير لكن ليس لك الحق أن تفصل إلا بأن يوافقك هذا، فهو أمير من جهة أن الأمور في الجملة راجعة إليه، لكن اتخاذ القرار النهائي يكتمل بوجود الشخص الآخر.
- وهذا يدلنا على مسألة أخرى كثيرًا ما تطرح وهي: هل الشورى معلمة أم ملزمة؟
فإذا استشار الأمير أفراده ومن معه في مجلس الشورى، فهل يستشيرهم لمجرد استخلاص الآراء؟ أي ليعلم منهم وجه الرأي الصحيح، ثم هو يتخذ القرار. أم هي ملزمة له أي إذا اتفق المجلس، أو كان الأغلبية فيكون هذا ملزمًا له؟
هذه المسألة تُكلم فيها الكثير، وبعض النَّاس شطَّ فيها وغلا وقال: «إن القول بأن الشورى ملزمة هي بدعة من البدع!»، ولكن الذي نراه -والله تعالى أعلم- في هذه المسألة أنه: ينظر في حال الـمُولَّى «الأمير»، فنحن الآن في أمورنا وولاياتنا نسير على قاعدة الأمثل فالأمثل ولا يوجد الذي اكتملت فيه شروط الإمارة كاملة؛ فهذا النقص إذا وُسِّدت إليه الأمور كاملة بغير إلزام، فلا شك أنَّ نوعًا من الاضطراب سيقع في الولاية التي تولَّاها؛ فكيف نتمم هذا النقص؟ هل كون الشورى ملزمة أو معلمة أمر تعبدي؟ لا، ليس تعبديًا، وإنما المقصود به أن الأمير يستشير من أجل أن يصل إلى الرأي الصحيح الذي يسير إليه، ونحن نعلم أن الأمراء فيهم نقص أحيانًا، وليست لديهم القدرة في ترجيح الرأي الصحيح، فهذا النقص نحن نكمله بالإلزام، لأن رأي الأكثرية في الجملة هو أقرب إلى الحق، وإذا أخطأوا مرة أو مرتين فالخطأ أقل من الصواب.
فلذلك الذي نراه ونرجحه نحن -بالنسبة للجماعات الجهادية- أن تكون الشورى ملزمة تكميلًا للنقص الموجود في الأمراء، حتى لا يقع هناك اضطراب في هذه الولاية؛ فالولاية ومسائلها من المسائل الاجتهادية ومن مسائل السياسة الشرعية، وليست هي من المسائل التعبدية يعني التي يكون فيها بدعة وسنة، وإنما هي من مسائل السياسة الشرعية التي يُفهم معناها، يعني نحن ندرك لماذا أُمرنا بالمشورة؟ من أجل أن نصل إلى الرأي الصحيح، والرأي الصحيح عندما يكون هذا إمامًا مجتهدًا عالـمًا خبيرًا يستطيع أن يستخلصه من خلال ما يسمعه، لكن عندما يكون ناقصًا فهذا النقص لا بدَّ أن نسده، وإلا سيقع خلل واضطراب على القرارات والأوامر التي سيتخذها، فنسدده بأن نلزمه برأي الأغلبية الذين يكونون معه في مجلس الشورى، وهذا بالتجربة وجدناه أفضل الطرق في ضبط مسيرة الجماعات، والله أعلم.
ويظهر النقص في الأمراء خاصة في العلم الشرعي وهو مهم جدا في باب اتخاذ القرارات، وأخذنا هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأصل في الولاية أن يكون عليها رجل واحد، ولكن بسبب النقص وحتى تسير أمور الولاية على الوجه الشرعي الصحيح الأقرب إلى الصواب جوَّز شيخ الإسلام أن يُعدَّد الولاة في الولاية الواحدة تكميلًا لهذا النقص.
لذلك قال شيخ الإسلام: «وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْوِلَايَاتِ إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَصْلَحَةُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، جَمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَصْلَحِ، أَوْ تَعَدُّدِ الْمُوَلَّى، إذَا لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ تَامٍّ»٢٬٠٤١قال الشيخ عطية الله الليبي [قال الزبير: كذا عزاه للشيخ عطية، وبالعودة لمجلة طلائع خراسان (عدد 14، ص 52) فقد عُزي هذا المقال للشيخ عبد الله سعيد -المسؤول العسكري للتنظيم في أفغانستان- وليس للشيخ عطية، ولم أجد هذه الكلمة في المقال الم1كور بل جزء يسير منها، والله أعلم!]: «والأصل عندي في الشورى أن تكون مُعلمة غير ملزمة، والأدلة على هذا كثيرة وواضحة، ولكن ههنا مسألة أخرى، وهي أن يُقال إن الأمراء في عصرنا هذا في الغالب بل في كل الأحوال التي رأيناها ورآها النَّاس لا تتوفر لديهم كثير من الصفات والشرائط والفضائل التي كان يتصف بها الأمراء في الأجيال الأولى، وهذا أمر واضح وجلي، والتجارب دلّت عليه، فجعل الشورى مجرد معلمة فقط لا ملزمة، بحيث يفعل الأمير ما يراه ولو خالفه الكل أو الجُل، أقول إن التجارب دلت على أن هذا من المَقاتل، ومواطن الخلل في الطوائف المجاهدة، بل هو من المهالك لا محالة!!
من أجل ذلك فنرى أن يوضع ميثاق أو اتفاق، يقال فيه للأمير إن من صلاحياتك كذا، وليس من صلاحياتك كذا، ولا تستطيع أن تتخذ في هذه الأمور قرارًا بمفردك حتى يوافقك أهلُ الحل والعقد والشورى جميعهم أو ثلثاهم أو أكثر من نصفهم مثلًا، وهذا جائز ولله الحمد، وليس هناك ما يمنع منه شرعًا، بل هو ما نراه أنسب لمثل حالنا، وتكمن فيه مصلحتنا، فحالنا اليوم بالنسبة لهذا الأمر هو من قبيل الضرورات، أو الحاجة الشديدة الملحّة على الأقل، فينبغي التوسط في مسألة الشورى، بأن تُجعل الشورى ملزمة للأمير في مسائل تم تحديدها أو حددت أنواعها من قبل الطائفة المجاهدة، وتُجعل أي الشورى غير ملزمة -بل مُعلمة فقط- في سائر المسائل الأخرى، ويمكن تحديد صلاحيات الأمير في بعض المسائل بحيث يقال له ليس من صلاحياتك أن تتخذ بنفسك قرارًا في المسائل التالية «وتذكر بأفرادها أو أنواعها»، وإنما القرار فيها يتخذ بالأغلبية في مجلس الشورى مثلا.
فالشورى في الأصل نعم معلمة وليست ملزمة، هذا الأظهر والواضح من الأدلة، لكن للحاجة الشديدة أو الضرورة فنحن ننتقل إلى مسألة تحديد الصلاحيات للأمير، بحيث يشاركه أهل الحل والعقد والشورى في اتخاذ القرار في المسائل الكبيرة، وبناء عليه تكون الشورى معلمة من وجه «في بعض المسائل»، وملزمة من وجه آخر «في قسم آخر من المسائل والقضايا التي يمكن تحديد أنواعها أو أجناسها»، وبالتالي اجتمع عندنا إعلام في المسائل غير المصيرية، وإلزام في المسائل المصيرية، والله أعلم وأحكم». مبادئ قتالية لدى الطائفة المنصورة القتالية - مجلة طلائع خراسان العدد: (14)..
«وَيُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ: الْأَعْلَمُ الْأَوْرَعُ الْأَكْفَأُ؛ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ، وَالْآخَرُ أَوْرَعَ، قُدِّمَ فِيمَا قَدْ يَظْهَرُ حُكْمُهُ، وَيُخَافُ فِيهِ الْهَوَى: الْأَوْرَعُ، وَفِيمَا يَدُقُّ حُكْمُهُ، وَيُخَافُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ: الْأَعْلَمُ»، هذا أمثلة يضربها الشيخ عند اختلال أحد ركني الولاية؛ فضرب مثلا بالقضاء، والشيخ ابن عثيمين أورد استشكالًا قال- فيما معناه-: «هذا من حيث العموم صحيح، لكن قال هذا يمكن تطبيقه إذا وُلِّيَ القاضي في مسألة معينة، لكن عندما يولي الأميرُ القاضيَ على جهة معينة، فهذا القاضي سيأتي عليه أمور مشتبهات وسيأتي عليه أمور واضحة، فكيف سيتابعه؟ فقال: هذا لا يستقيم في التولية العامة للقضاة»٢٬٠٤٢شرح كتاب السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 54)..
ولكن يمكن للأمير كذلك أن يُجزِّئَ أمور القضاء؛ فهناك أمور واضحة متعلقة بالحدود فيقدم فيها الأورع مثلًا، لأنها متعلقة بالدماء والأموال، بينما الأمور المتعلقة بأموال اليتامى والحقوق والنزاعات ونحوها؛ فهذه تحتاج إلى استنباطات ونظر وبحث، فيقدم فيها الأعلم، ويجعل ولايته خاصة بهذه الأمور؛ فالله أعلم بهذه الطريقة يزول الإشكال، والمقصود أن يُنظر في كل منصب وفي كل ولاية لما تحتاجه، بحيث تُؤدَّى على وجهها الأقرب إلى الكمال.
أما كيفية التطبيق، فهذا قابل للاجتهاد والنظر بحسب الواقع الذي يعيشه المسلمون، وبحسب قوة وجود هذه الصفات أو هذه الأركان فيمن أردنا أن نوليه.
«فَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ البَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُبُهَاتِ، وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ)٢٬٠٤٣من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: (البيهقي في الزهد الكبير: (954)، القضاعي في مسند الشهاب: (1080) «ضعيف».»، هذا حديث ضعيفٌ، وإن كان معناه صحيحًا، وقالوا: إنَّ كلَّ الأحاديث التي وردت في مدح العقل فهي أحاديث ضعيفة٢٬٠٤٤قال ابن القيم: «أحاديث العقل كلها كذب... وقال أبو الفتح الأزدي: «لا يصح في العقل حديث» قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم بن حبان والله أعلم»، المنار المنيف: (1 / 66-67)..
«وَيُقَدَّمَانِ عَلَى الْأَكْفَأِ، إنْ كَانَ الْقَاضِي مُؤَيَّدًا تَأْيِيدًا تَامًّا، مِنْ جِهَةِ وَالِي الْحَرْبِ، أَوْ الْعَامَّةِ»؛ يعني إذا كان عندنا قاضي أكفأ من حيث الصفات في الورع والعلم والقوة النفسية والشخصية، وعندنا أعلم وأورع، لكن هذا الأعلم والأورع وراءه قوة تستطيع أن تطبِّق وأن تلزم النَّاس بما يصدرونه من أحكام؛ فهذا الأكفأ ليس عنده شوكة ولا قوة، يفصل في النَّاس ولكن ليس هناك أحد يستمع لأحكامه، وهذا الأعلم والأورع وراءه شوكة وقوة وقبيلة، وكل حكم يصدره ممكن أن يلزم النَّاس بتطبيقه، لأنَّ المقصود هو تطبيق الأحكام، وإلزام النَّاس بها لا إصدارها، وليس مجرد معرفتها من فم القاضي، وإلا يصبح القاضي كالمفتي.
والقوة أحيانا تكون من جهة والي الحرب صاحب الشوكة والقوة، وأحيانا من جهة العامة كما قال؛ فيكون عنده تأييد من الناس ويطيعونه.
«وَيُقَدَّمُ الْأَكْفَأُ، إنْ كَانَ الْقَضَاءُ يَحْتَاجُ إلَى قُوَّةٍ وَإِعَانَةٍ للْقَاضِي أَكْثَرُ مِنْ حَاجَته إلَى مَزِيدِ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ؛ فَإِنَّ الْقَاضِيَ الْمُطْلَقَ، يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا عَادِلًا قَادِرًا بَلْ وَكَذَلِكَ كُلُّ وَالٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَيُّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَقَصَتْ، ظَهَرَ الْخَلَلُ بِسَبَبِهِ، وَالْكَفَاءَةُ: إمَّا بِقَهْرٍ وَرَهْبَةٍ وَإِمَّا بِإِحْسَانٍ وَرَغْبَةٍ، وَفِي الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا»، بقهر ورهبة: يعني إما أن تكون الكفاءة بسبب قوته وشوكته، وإما بحبِّ النَّاس ورغبتهم فيه، والكفاءة يعني القدرة على تنفيذ الأحكام، ولا بد للأمرين معا.
«وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ: إلَّا عَالِمٌ فَاسِقٌ، أَوْ جَاهِلٌ دَيِّنٌ؛ فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟»، ليس المقصود بالجاهل هنا الذي لا يعرف من أحكام الله ودينه شيئًا، وإنما الذي عنده نوع علم، ولكنه لم يبلغ درجة العلماء والاجتهاد وهو بعيد عنها، فالجاهل بالكلية لا يُولى على أي حال من الأحوال، وقوله: «جَاهِلٌ دَيِّنٌ»؛ يعني جاهل لا يعرف أحكام الله ﷻ المعرفة الحق التي تؤهله لأن يكون قاضيًا، ولكنه فيه تقوى وفيه خوف وخشية لله ﷻ.
«فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الدِّينِ أَكْثَرَ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ» يعني بين النَّاس، «قُدِّمَ الدَّيِّنُ وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى العِلمِ أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْحُكُومَاتِ»؛ يعني القضايا، «قُدِّمَ الْعَالِمُ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُقَدِّمُونَ ذَا الدِّينِ» وإن كان جاهلًا، وهذا يدلُّنا على شيء، وهو أنَّ الشريعة -كما سيذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- قائمة على تحصيل المصالح وتكميلها؛ أي تسعى لأن تحصل المصلحة كاملة، وإذا لم يمكن تحاول أن تكملها ولو جزءًا منها، وكذلك تعطيل المفاسد أو تقليلها؛ فقد لا تعطل المفسدة كاملة، فهذا القاضي الجاهل لا شك أنه سيقع في أخطاء، ولكن ترك النَّاس بغير قضاء مفسدته أعظم من هذا بكثير.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَالْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرْ | وَيَتَّقِي فِي الْغَالِبِ الصَّغَائِرْ | |
وَمَا أُبِيحَ وَهْوَ فِي العِيَانِ | يَقْدَحُ فِي مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ٢٬٠٤٥[تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام، لابن عاصم الغرناطي (ص 22)، الأبيات (102 – 103)]. |
فهو مجتنب للكبائر، ويتقي في أغلب أحواله الصغائر وإن وقع فيها لكنه لا يصر عليها، ويتقي المباحات التي تخرم المروءات فهي مع إباحتها لا تليق بالشخص، ومثال ذلك قديمًا: المشي حاسر الرأس في الأسواق، أو الأكل ماشيا في الطريق؛ فهذه مباحات ولكنها خارمة للمروءة.
«وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ» فشرط العدالة وأهلية الشهادة اتفقوا عليهما، وذكره لاشتراك العالم يبين لنا المقصود بـ«الجاهل الدين» لأنه ذكر المجتهد والمقلد، فاشتراط المجتهد قد اختلفوا فيه، ولذلك فعندما ذكر فَقد العلم هناك فهذا لأنه مختلف فيه قُدِّم الجاهل أي المقلد، وأما العالم الفاسق؛ فإن الصفة التي فقدها صفة متَّفق على اشتراطها -وهي العدالة- فلذلك أُخِّرَ.
«هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا» فالمقلِّد لا يَعُدونه من العلماء «أَوْ الْوَاجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ؟» ولو كان دون المقلد، أو حتى لو كان هذا الوالي ليس عدلًا وفاقدًا لشروط الشهادة، «عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ» هل الواجب أن يُولى المجتهد مع الاتفاق على العدالة والشهادة؟ هذا قول، والقول الثاني: يجوز أن يُولى المقلد، والثالث: أو يُختار الأمثل فالأمثل في الولاية، «وَبُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ»، ولا شك أن الراجح هو تولية الأمثل فالأمثل على حسب القواعد التي ذكرناها في السابق.
«وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ، إذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ، فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إصْلَاحِ الْأَحْوَالِ»، فلا يكتفي بتولية أصلح الموجود عنده ثم يُلقي الحبل على الغارب ويترك الأمور هكذا، وإنما عليه أن يسعى في إصلاح الأحوال، ومن إصلاحها: تكميل حال هذا الوالي من الجهة التي وقع فيها النقص، «حَتَّى يَكْمُلَ فِي النَّاسِ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، مِنْ أُمُورِ الْوِلَايَاتِ وَالْإِمَارَاتِ وَنَحْوِهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ السَّعْيُ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ»، فالإثم ساقط عن المعسر في هذه الحالة لفقره؛ لأنه لا يملك ما يقضي به دينه، ولكن هذا لا يعني بأنه غير مطالب بأن يسعى ويجتهد في تحصيل المال الذي يقضي به دينه فيرد الحقوق إلى أهلها، وكذلك الوالي عندما يولي الأصلح في الموجودين فإن الإثم ساقط عنه، ولكن يجب عليه أن يسعى في تكميل النقص وتحصيله حتى يرد الحقوق إلى أهلها، فإذا بذل جهده واجتهد في ذلك ووصل إلى حد معين، وهذا هو قدر طاقته، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإن قصَّر تقصيرًا حقيقيًا مع قدرته على الاجتهاد والتكميل، فلا شكَّ أنه مؤاخذ بعد ذلك.
«وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَمَا يَجِبُ الِاسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ، بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ فِي وَقْتِ سُقُوطِهِ لِلْعَجْزِ»، فإذا كان الجهاد قد سقط للعجز، فهذا لا يعني أن المسلمين غير مؤاخذين بذلك، بل هم بذلك انتقلوا من واجب إلى واجب آخر، وهو الإعداد، لأن الأمة مخاطبة بالجهاد فهو واجب، وقد سقط بسبب العجز: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، لكن هذا الواجب وهو الجهاد لا يكون ولا يحسن ولا يمكن أداؤه إلا بإعداد القوة؛ فهي سبب لأداء الواجب: «فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا، لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا».
هناك قاعدتان: القاعدة الأولى تقول: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». والقاعدة الثانية: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب»؛ فالإنسان لا يجب عليه الحج عند فقده للاستطاعة، ولكن هل يجب عليه أن يحصل المال ليكون مستطيعًا؟ لا يجب عليه ذلك. وكذلك لا تجب عليه الزكاة ما لم يبلغ ماله النصاب، وهل يجب عليه أن يسعى لتحصيل المال ليبلغ النصاب ثم يزكِّي؟ كلا.
فالوجوب هنا لم يقع عليه أصلا؛ لفقدان الاستطاعة، فأصل الخطاب الشرعي بالحج والزكاة لم يتوجه إليه أصلا، فإن قلنا له: عليك أن تحصل المال؛ فهذا يعني أن الخطاب موجود في حقه، وهذا غير صحيح، بعكس الجهاد؛ فالمسلمون مخاطبون بأداء عبادة الجهاد، ولكن إن وقع مانع اضطراري، وعَجِز المسلم عن هذه العبادة، فينتقلُ إلى ما يحصل به الواجب٢٬٠٤٦[انتى هنا الشريط الثاني، وشرع الشيخ بعده في الشريط الثالث، ورجع الشيخ في مطلعه لإعادة شرح آخر المحاضرة السابقة]..
❖ ❖ ❖
فَصْلٌ: مَعْرِفَةُ الْأَصْلَحِ
«وَالْمُهِمُّ فِي هَذَا الْبَابِ: مَعْرِفَةُ الْأَصْلَحِ، وَذَلِكَ» أي معرفة الأصلح كيف تتم وتحصل «إنَّمَا يَتِمُّ بِمَعْرِفَةِ مَقْصُودِ الْوِلَايَةِ»؛ أي ما هي المقاصد التي نريد أن نحصِّلها من وراء هذه الولاية؟ وما هي المفاسد التي أردنا أن ندرأها من وراء هذه الولاية؟ فإذا عرفنا ذلك نستطيع أن نختار لهذه الولاية الأصلح من بين المسلمين، الذي بإمكانه تحصيل هذه المقاصد؛ فعلى ضوء معرفة المقصد يمكن معرفة الأصلح؛ فإذا اخترت شخصًا للإغارة على مركز عسكري فمقصدك من هذه الولاية إزالة هذا المركز أو إضعافه أو اغتنام ما فيه؛ فهنا على ضوء معرفة المقصد تعرف الأصلح لهذا العمل فتختاره لتحصيل هذا المقصد، وقل مثل ذلك في القاضي الذي مهمته الفصل بين الناس عند الخصومات؛ فتنظر للأصلح القادر على تنفيذ هذا المقصد كاملًا أو أغلب ذلك فتوليه.
«وَمَعْرِفَةِ طَرِيقِ الْمَقْصُودِ»؛ أي كيفية تحصيل هذا المقصود، فلا يكفي معرفة مقاصد الولاية، بل يجب معرفة الطريقة التي نسلكها لتحصيل هذه المقاصد؛ فالإنسان قد يعرف الشيء ويعجز عن تحصيله، ولكن إذا عرف الشيء، وعرف كيفية تحصيله، فهنا يوفَّق في الوصول إليه، فالإنسان قد يعرف الشيء ولكنه يعجز عن تحصيله ويعجز عن طرق الوصول إليه؛ فهذا لا يوفق في الوصول إليه ولا نستفيد منه في هذه الولاية، كما ذكر شيخ الإسلام: واليَ الحرب؛ فمقصود ولاية الحرب في الجملة: هو إعزاز المسلمين، وكسر شوكة الكفار، وطريقة تحصيلها هو: أن يكون عارفًا بالحروب وبمكائدها وبتدبيرها وبمخادعة العدو.. فلا بد من هذين الأمرين: المقاصد والوسائل.
«فَإِذَا عَرَفْتَ الْمَقَاصِدَ وَالْوَسَائِلَ تَمَّ الْأَمْرُ، فَلِهَذَا لَمَّا غَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ الْمُلُوكِ قَصْدُ الدُّنْيَا، دُونَ الدِّينِ»؛ يعني في العصور المتأخرة صار مقصد الملوك هو الاستمتاع بهذا الملك، وتحصيل الدنيا التي ينتفعون بها، ولم يكن مقصودهم الأول هو إقامة الدين إقامةً حقيقية؛ فحصل بهذا تغيير في مقاصد الولاية، فالإمام العام مهمته: سياسة الدنيا بالدين، وحفظ أمور النَّاس بإقامة الشرع، فلما ضعف هذا المقصد -وضعفه إما في فهمهم أو في سعيهم لتحصيله أو لتغييره- فكان المقصد للدين فصار للدين: «قَدَّمُوا فِي وِلَايَتِهِمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَاصِدِ» فحصل اضطراب أيضا في كيفية تحصيلها؛ فبدل أن يقرِّبوا منهم أهلَ العلم والدين والتقوى والنصح مَن يعينهم على تحصيل المقصد الأصلي -وهو أمر الدين-، قدَّموا من يعينهم على تحصيل المقصد الذي لم يكن من مقاصد الولاية، فحصل الاضطراب في المقاصد وفي الوسائل أيضًا.
«وَكَانَ مَنْ يَطْلُبُ رِئَاسَةَ نَفْسِهِ، يُؤْثِرُ تَقْدِيمَ مَنْ يُقِيمُ رِئَاسَتَهُ. وَقَدْ كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيَخْطُبُ بِهِمْ هُمْ: أُمَرَاءُ الْحَرْبِ، الَّذِينَ هُمْ نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ عَلَى الْجُنْدِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، قَدَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى حَرْبٍ، كَانَ هُوَ الَّذِي يُؤَمِّرُهُ لِلصَّلَاةِ بِأَصْحَابِهِ»، المقصود بهذا أن الأمراء كانوا هم الذين يقيمون أمور الدين، حتى أنهم كانوا يُقدَّمون في الإمامة، ولكن حصل اضطراب عند الملوك المتأخرين، فقدَّموا أمور الدنيا على أمور الدين، بعكس سنة النبي ﷺ الذي كان يؤمِّر ومع التأمير يجعل من مهامه إقامة الدين، ومنها الصلاة التي هي عماده وركن من أركانه.
«وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا نَائِبًا عَلَى مَدِينَةٍ، كَمَا اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ، وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى الطَّائِف، وَعَلِيًّا وَمُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ، وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ؛ كَانَ نَائِبُهُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ، وَيُقِيمُ فِيهِمْ الْحُدُودَ وَغَيْرَهَا، مِمَّا يَفْعَلُهُ أَمِيرُ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُلُوكِ الْأُمَوِيِّينَ وَبَعْضِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَهَمَّ أَمْرِ الدِّينِ الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ، وَكَانَ إذَا عَادَ مَرِيضًا، يَقُولُ: (اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، يَشْهَدُ لَكَ صَلَاةً، ويَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا)٢٬٠٤٧من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: ابن حبان: (2974)، والحاكم: (1273)، وأبو داود: (3107)، وأحمد: (6600)، وحسنه الألباني.، وَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، قَالَ: (يَا مُعَاذُ إنَّ أَهَمَّ أَمْرِك عِنْدِي الصَّلَاةُ)٢٬٠٤٨لم أجده، [وذكر أنه لم يجد تخريجه كذلك: الشيخ علي العمران، في تحقيقه لمتن «السياسة الشرعية»، وقد روى هذه العبارةَ موقوفةً عن عمر: مالكٌ في الموطأ: (6) والبيهقي في الكبرى: (٢٠٩٦) في كتابٍ كتبه رضي الله عنه إلى عُمّاله].»؛ المقصود أنَّ النبي ﷺ من سنته إذا أمَّر أميرًا على سريِّة، أو على جيش، أو على جهة من الجهات، أو أرسله في مهمة، ومعه بعض الصحابة، كان يأمر الأمير أن يكون هو الإمام في الصلاة، فشيخ الإسلام يذكر هذا ليبيِّن أنَّه ﷺ كانت عنايته بأمر الدين، كما في الأحاديث التي أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية.
وحقيقةً هكذا ينبغي أن يكون الأمراء؛ فالأمير الأعلى -في أي ولاية من الولايات- إذا كان تحته بعض الأمراء، فلا بدَّ أن يراقبهم ليس فقط في الأعمال والمهام التي تُوكل إليهم، مما يتعلق بإمارتهم وولايتهم: هل أدَّيتَ هذا العمل أم لا؟ بل عليه أن يراقبهم ويتابعهم حتى في أمور دينهم ومنها الصلاة، ولا بدَّ أن يلاحظ كيفية صلاتهم: هل يُتِمُّونها أم لا؟ يقيمونها في أوقاتها أم لا؟ يصلونها جماعة أم لا؟ يكثرون من الجمع والتأخير عن الوقت أم لا؟ لأن (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولا يكتفي فقط بثقته بهذا الأمير، ولذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما اشتكى أهل الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو من العشرة المبشرين بالجنَّة، وقالوا: إنَّ سعدًا لا يحسن يصلي! -سبحان الله! هذا حال أهل الكوفة!!- فبعد ذلك أرسل عمر رضي الله عنه من يراقبُ صلاة سعد، ثم سأله عن صلاته، وعندما شرح له قال له: هذا الظن بك يا أبا إسحاق٢٬٠٤٩من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: البخاري: (722)، ومسلم: (453)، وابن خزيمة: (508)، وابن حبان: (1859)، وأحمد: (1518).، ولكنَّ ظنَّ عمر رضي الله عنه بسعد لم يجعله يتوقف عن سؤاله، وعن التثبت في حاله.
وهذا يدخل حتى في بعض الأمور الدقيقة؛ فعندما أمَّر النبي ﷺ عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل، وأصابته جنابة ثم صلَّى بالصحابة وهو جنب، فجاء الصحابة رضي الله عنهم إلى النَّبيِّ ﷺ وقال لهم: (كيف وجدتم عَمْرًا؟)، فعندما ذكروا له ذلك استدعاه النبي ﷺ، فقال له: (يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جُنب؟)٢٬٠٥٠من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: الحاكم: (629)، وأبو داود: (334)، وأحمد: (17845)، وعند ابن حبان: (1315): عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص نحوه. وصححه الألباني.؛ يعني حتى في أمور الطهارة، كان النَّبيُّ ﷺ يراقب أمراءه ويتابعهم، وبهذا يقوم الدين ونوفَّق في أعمالنا، أما أن نتَّكلَ على ثقتنا بهذا الشخص، ولأنه مقرَّب منَّا، ونظن أنَّه صاحب دين أو قديم أو غير ذلك؛ فهذا خلاف ما كان عليه النبي ﷺ، ولا نقول لك: عليك أن تضع عليه مراقبًا أو جاسوسًا يتابعه في كل صغيرة وكبيرة، ولكن لا بدَّ على الأمير أن يتابع من هم تحته؛ لأنه سيُسأل عنهم، فأنت إذا سألتهم الآن خير لك من أن تُسأل أنت غدًا، وذلك لان المقصود الأساس من هذه الإمارات والولايات: إقامة الدين.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن أكثر الأحاديث جاءت في الصلاة والجهاد، وذلك أن الصلاة هي ثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتاركها -على الصحيح- هو كافر، ولأن الجهاد هو الذي يُحاط به الدين وتُحفظ به الشعائر.
«وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ: «إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلاةُ؛ فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا وَحَفِظَهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا مِنْ عَمَلِهِ أَشَدَّ إِضَاعَةً»٢٬٠٥١مالك: (6)، وفيه انقطاع.، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبَيَّ ﷺ قَالَ: (الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ)٢٬٠٥٢من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: البيهقي في شعب الإيمان: (2807)، وضعفه الألباني.، فَإِذَا أَقَامَ الْمُتَوَلِّي عِمَادَ الدِّينِ، فَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ، وَهِيَ الَّتِي تُعِينُ النَّاسَ عَلَى مَا سِوَاهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، وَقَالَ ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]»، وهذه أمور مهمة علينا العناية بها؛ فعمر رضي الله عنه ربط بين الصلاة وبين التوفيق في الولاية فقال: «فمن حافظ عليها كان لما سواها أحفظ»، والحفاظ عليها يكون بالحفاظ على الطهارة وعلى أركانها وواجباتها ومستحباتها وخشوعها وقراءتها وسكينتها.. وبحسب تضييعه في الصلاة يكون تضييعه لما وُكِل إليه من أمر الولايات.
فتجد الإنسان أحيانًا يكون حديثًا في ساحة الجهاد ولكنه صاحب طاعة وخاصة في أمر الصلاة، فتجده يوفَّق في ما يوكل إليه من الأعمال، وتجد الإنسان قد قرأ العشرات من كتب التجارب والخبرة وغير ذلك، ولكنه لا يقيم الصلاة على وجهها، ولا يؤدِّيها على وجهها الأكمل؛ فتجده كل ما وُكِّل إليه عمل شتَّت هذا العمل، وتخاصم مع من تحته، ولا يستطيع أن يبقى معه اثنان من النَّاس؛ إذن فلا ننظر دائمًا إلى خبرة الرجل، وإلى قِدَمه، ومدى معرفته وتعامله مع النَّاس، فهناك شيء اسمه التوفيق من الله تعالى، ومدار التوفيق من الله هو المحافظة على الصلاة، فندخل للولاية من الباب الصحيح؛ كما قال تعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، والمحافظة على الصلاة هي جزء من المحافظة على الدين، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك)٢٬٠٥٣من حديث ابن عباس: الحاكم: (6304)، والترمذي: (2516)، وأحمد: (2669)، وصححه الألباني. أي أمامك، فهذا هو توفيق الله ﷻ، وحفظ العبد لله: أداء أوامره والانتهاء عن نواهيه؛ فبقدر اجتهاد الإنسان في أداء أوامر الله ﷻ، وانتهائه عن ما نهى الله ﷻ عنه ورسوله ﷺ: بقدر ما يُحفظ مِن عند الله ﷻ، وبقدر ما يأتيه المدد والتوفيق والإعانة والتسديد من الله ﷻ.
والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: 45]، فالإنسان بقدر إقامته للصلاة، بقدر ما تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فإذا أتقنها وأدَّاها على وجهها، كان أبعد النَّاس عن الفحشاء والمنكر، والله ﷻ قال: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، ولهذا كان النبي ﷺ إذا حَزَبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، فكان إذا جاءه أمر ثقيل، وضاق منه صدره ﷺ يقطع نفسه من علائق الدنيا، ويتوجه إلى الله ﷻ، وكان يقول: (أرحنا بها يا بلال)٢٬٠٥٤عن رجل من الأنصار رضي الله عنه: أبو داود: (4985)، وأحمد: (23202)، وصححه الألباني.؛ يعني بإقامتها وأدائها.
«وَقَالَ ﷻ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [طه: 132]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]»، فمن ابتلي بشيء من الولايات، فليستعن عليها بإقامة الصلاة ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]؛ فيستعين المرء بالصلاة على ما وُكل به؛ ليجد التوفيق والإعانة والحفظ من الله ﷻ.
مسألة: لا بُد على الرجل أن يكفي نفسه لأداء الصلاة في وقتها، ولا يَجمع بين الصلوات إلا للضرورة وإن كانت جائزة للمسافر؛ فالإدامة من الجمع لأدنى سبب، كأن يكون نعسانًا ويُريد أن ينام فيجمع بين الصلاتين، فالإكثار يُورث التكاسل في أداء الصلاة، فالمرء يجمع لأمر عارض كأن يكون في سفر انتقال، وأما من بقي في المركز مستقرًّا باقيا فهذا حاله كحال المقيم، وليس له الجمع بين الصلوات، ولكن له أن يجمع لو اضطر لذلك، ومن قصر في الفرائض فأكثر من الجمع فهذا سيضيع الصلاة على وجهها، ويندر أن يُقيم الليل ويتهجد، فلننتبه لهذا.
«فَالْمَقْصُودُ الْواجِبُ بِالْوِلَايَاتِ: إصْلَاحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ؛ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ»، هذا كلامٌ دُرَرٌ؛ ويعني أن المتحتم بالولايات ليس هو تحسين الأوضاع الاقتصادية، ولا رفع مستوى المعيشة، ولا غير ذلك من أمور الدنيا التي يتهافت عليها المترشحون! وإنما المقصود الأول والواجب المقدم في أمر الولايات: إصلاح دين النَّاس، حتى يكون الناس عبيدًا لله؛ فهذه الولاية إنما شُرعت وجُعلت ليستعين بها الخلق على أداء المهمة التي خلقوا لأجلها، فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ليوحدوه وليعبدوه ﷻ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]، فالمقصود من وجود هؤلاء الخلق هو أن يتوجهوا إلى الله ﷻ بالعبادة، وهذه الولايات والإمارات إنما جُعلت حتى يصلح حال النَّاس في أداء ما خُلقوا لأجله، وحتى يعانوا بهذه الولايات على أداء ما خُلقوا لأجله، فالوالي والأمير والمسؤول تَوَجُّهه يجب أن يكون لإصلاح دين النَّاس في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، وفي أيِّ أمر من أمور دينهم، ثم بعد ذلك إصلاح ما يقوم به الدين من أمر الدنيا؛ فلا تكون الدنيا مقصودة لذاتها، والآن -للأسف- كثيرٌ من الجماعات الإسلامية تجد أن أكثر مهمتَها إصلاح دنيا النَّاس، وكيفية إصلاح معيشتهم: كيف يوفر له البيت الجيد الواسع، كيف يرفع المستوى المعيشي والحياة الطيبة.. وهذا جيد، ولكن هذا ينبغي أن يكون وسيلة لإصلاح الدين، ولا يكون مقصودًا لذاته، وإنما علينا أن نعرِّف النَّاس ما هو الواجب عليهم من أمور دينهم.
ولذلك كما قال شيخ الإسلام: «الذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا»؛ فإذا فاتهم إصلاح دينهم؛ فماذا استفادوا بعد ذلك؟ فالدول الغربية الكافرة مستوى المعيشة فيها مرتفع، والنَّاس فيها برغد من الحياة، ومع ذلك فهم كالأنعام، فالإنسان عندما يريد أن يرتفع في أمر دنياه، وينخفض في أمر دينه، فهذا يقترب من مرتبة الأنعام.
فهذه هي المقاصد التي علينا أن نفهمها، وحتى الذي يرشِّح نفسه الآن: هل تسمع شخصًا منهم يتكلم لك عن التوحيد، أو يتكلم عن إقامة الصلاة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عن إصلاح أخلاق النَّاس طاعة لله ﷻ؟ كلا.. وإنما يتكلم لك كما يتكلم الرجل العلماني، ويقدم بعض ما ينتفع به النَّاس حتى يرشِّحوه، ومثل هذا لا يصلح به دين النَّاس، فهذه الفقرة التي ذكرها شيخ الإسلام لا بد أن نحفظها ونفهمها جيدًا، ثم قال: «وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ»؛ إذن الدين مقصود لذاته، والدنيا إنما هي وسيلة لإصلاح الدين، كالمعاش والزراعات والمهن وغير ذلك، فهي وسائل لإصلاح الدين وبقائه وإن كانت من أمور الدين.
ونحن عندما نتكلم على ظلم الطغاة، وأخذهم لأموال النَّاس، ونهبهم لخيرات المسلمين، فهذه وإن كانت محرِّضات، وقتالُ الإنسان من أجلها مقصود شرعًا (من قتل دون ماله فهو شهيد)٢٬٠٥٥من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: البخاري: (2348)، ومسلم: (141)، والترمذي: (1419)، والنسائي: (4087)، وأحمد: (6522)؛ ومن حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه: ابن حبان: (3194)، والترمذي: (1418)، وأبو داود: (4772)، والنسائي: (4090)، وابن ماجه: (2580)، وأحمد: (1628).، ولكن ينبغي أن يفهم النَّاس ما هو المقصود من قتالنا أساسًا، وهو أن يكون الدين كله لله، ونحن نقول: لن يكون الدين كله لله ما دام هؤلاء الطغاة فوق رؤوسكم، ولن تنعموا بأمر دينكم حيث حُرمتم تحكيم شرع الله تعالى، الذي هو الرحمة والنعمة والسعة التي أرسل بها النبي ﷺ، كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]؛ فالنَّاس يعيشون في شقاء ما داموا بعيدين عن شرع الله تعالى، وكذلك لن تنعموا بأمر دنياكم ولن تستطيعوا تسخيرها تسخيرًا حقيقيًا في أمر دينكم، ما دام هؤلاء الطغاة فوق رؤوسكم، ولكن لا نجعل هذه الأمور هي الأصل، وإنما هي مكمِّلات ومحفِّزات تقوِّي الأصل الذي ندعو إليه، وهو أن يكون الدين كله لله، وأن يكون الحكم لله تعالى، وهذه ورد بها القرآن كما قال الله ﷻ: ﴿أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ﴾ فهذه من المحرضات، ﴿وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 13]؛ فهذا داخل في التحريض، ولكن ينبغي أن يكون من المكملات والمتممات والمحفزات التي تقوي الأصل الذي ندعو إليه وهو: أن يكون الدين كله لله، وأن يكون الحكم لله.
«وَهُوَ نَوْعَانِ» أي أمور الدنيا التي لا يصلح الدين إلا بها: «قَسْمُ الْمَالِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ»؛ يعني إعطاء كلِّ ذي حق حقه من بيت المال، وسيأتي فصل كامل في أنواع الأموال وأقسامها، ومن هم المستحقون لها «وَعُقُوبَاتُ الْمُعْتَدِينَ»؛ يعني كفُّ الاعتداء، لأنَّ النَّاس إذا تهارجوا، وتسلَّط بعضهم على بعض، واعتدى بعضهم على بعض فسدت حياة النَّاس.
فإذا أُعطي المال إلى مستحقيه وكفَّ السلطانُ أو الوالي اعتداءَ المعتدين عن النَّاس صَلُحت الدنيا التي بها يُقام الدين، «فَمَنْ لَمْ يَعْتَدِ أَصْلَحَ لَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ»؛ أي من لم يعتدِ على غيره أصلح له الوالي دينه -بكونه تحت ولايته- ودنياه -بكونه يأخذ المال إن كان مستحقًا له- «وَلِهَذا كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَقُولُ: «إِنَّمَا بَعَثْتُ عُمَّالِي إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ كِتَابَ رَبِّكُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ»؛ وهذا الكلام يُرسله إلى الرعية؛ فالمقصد الأول من إرسال الولاة: إقامة الدين «وَيَقْسِمُوا بَيْنَكُمْ فَيْئَكُمْ»٢٬٠٥٦الحاكم: (8356)، وأحمد: (286).»؛ أي يَقسموا المال الذي تستحقونه كلٌّ بحاجته، هكذا كان عمر رضي الله عنه ينظر إلى العلاقة بين عمَّاله وبين من تحتهم من الرعية، فإنما هم مُعَلـمِّون لكتاب الله تعالى ولسنة النبي ﷺ، وقائمون على حاجات النَّاس ومنها قسم الفيء.
«فَلَمَّا تَغَيَّرَتِ الرَّعِيَّةُ مِنْ وَجْهٍ» أي نَقُصَ دينُها، وكَثُرَ فيها الاعتداء والتجاوز لحدود الله تعالى «وَالرُّعَاةُ مِنْ وَجْهٍ»؛ يعني كان مقصود الولاية هو تحصيل الدنيا التي ينتفعون بها، «تَنَاقَضَتِ الْأُمُورُ»؛ يعني اضطربت ولم تَسْرِ على الوجه الصحيح القويم، والخلل هنا في الجهتين، «فَإِذَا اجْتَهَدَ الرَّاعِي» في مثل هذه الحالات التي تناقصت فيها الأمور واضطربت وتغيرت فيها الرعية، «فِي إصْلَاحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، كَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ» لأن منفعة إصلاحه عامة، وأهم المنافع هي إصلاح دين النَّاس والسعي إلى ذلك، «وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَدْ رُوِيَ: (يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً)٢٬٠٥٧من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه: البيهقي في الكبرى: (16649)، والطبراني في الكبير: (11 / 337 ح 11932)، وفي الأوسط: (4765)، «ضعفه الألباني.» وهذا الحديث ضعيف.
«وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضُهُمْ إِلَيْهِ إِمَامٌ جَائِرٌ)٢٬٠٥٨من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: الترمذي: (1329)، وأحمد: (11190)؛ ولفظه: (إنَّ أحبَّ النَّاس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلسًا إمام عادل، وأبغض النَّاس إلى الله، وأبعدهم منه مجلسًا إمام جائر). «ضعفه الألباني.»، وهذا ضعيف أيضًا، «وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إَمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجٌلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتَ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَى لَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)٢٬٠٥٩من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (629)، ومسلم: (1031)، وابن خزيمة: (358) وابن حبان: (4486)، والترمذي: (2391)، والنسائي: (5380)، وأحمد: (9663)، ومالك: (1709).، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ غَنِيٌّ٢٬٠٦٠عند ابن حبان وأحمد (فقير). عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ)٢٬٠٦١من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه: مسلم: (2865)، وابن حبان: (7453)، وأحمد: (17519).، وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (السَّاعِي عَلَى الصَّدَقَةِ بِالحَقِّ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ)٢٬٠٦٢من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: ابن خزيمة: (2334)، الحاكم: (1474)، والترمذي: (645)، وأبو داود: (2936)، وابن ماجه: (1809) ولفظه: (العامل على الصدقة بالحق، كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)، وصححه الألباني.، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، لَمَّا أَمَرَ بِالْجِهَادِ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ﴾ [البقرة: 193]» فالوالي العادل الذي يسعى لإصلاح دين الرعية، إنَّما يسعى لأن يكون الدين كلُّه لله، وينبغي أن تكون نيَّته في هذه الأعمال لوجه الله ﷻ، ولذلك جاء النبي ﷺ بحديث أبي موسى رضي الله عنه «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)٢٬٠٦٣من حديث أبي موسى رضي الله عنه: البخاري: (7020)، ومسلم: (1904)، وابن حبان: (4636)، والترمذي: (1646)، وأبو داود: (2517)، والنسائي: (3136)، وابن ماجه: (2783)، وأحمد: (19648).»؛ أي حتى يكون دين الله شاملًا لكل جزء من أجزاء الحياة، فلا يبقى شيءٌ يساويه ولا يضاهيه ولا ينافسه، وإنما الطاعة تكون كلها لله ﷻ.
ولذلك قال: «فَالْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» والرعية عندما يُدعون ويُؤمرون بطاعة الله، وبطاعة رسوله، وبالابتعاد عن المعصية؛ فإنَّ هذا إعانة لهم، لأن يكون الدين بينهم كله لله ﷻ، وأن تكون كلمة الله بينهم هي العليا، وبين معنى ذلك فقال: «وَكَلِمَةُ اللَّهِ اسْمٌ جَامِعٌ لِكَلِمَاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُهُ» فيدخل فيها جميع أحكامه ﷻ.
«وَهَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ [الحديد: 25]؛ فَالْمَقْصُودُ مِنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، أَنْ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، فِي حُقُوقِ اللَّهِ، وَحُقُوقِ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ﴾ [الحديد: 25]، فَمَنْ عَدَلَ عَنِ الْكِتَابِ قُوِّمَ بِالْحَدِيدِ، وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ الدِّينِ بِالْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قال: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَنْ نَضْرِبَ بِهَذَا -يَعْنِي السَّيْفَ- مَنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا -يَعْنِي الْمُصْحَفَ)٢٬٠٦٤الحاكم: (5842)، ولفظه: «بعثني عثمان رضي الله عنه في خمسين فارسًا إلى ذي خشب، وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف، وفي يده سيف، وعيناه تذرفان، فقال: «إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا، على ما في هذا»، فقال له محمد بن مسلمة: «اجلس، فقد ضربنا بهذا، على ما في هذا، قبل أن تولد»، فلم يزل يكلمه حتى رجع»، وعند ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (52/279)، عن عمرو بن دينار، قال: «رأيت جابر بن عبد الله، وبيده السيف، والمصحف، وهو يقول: (أمرنا رسول الله ﷺ، أن نضرب بهذا، من خالف ما في هذا)».»، السيف والقرآن لا يفترقان، وإنما ينبغي أن يُضبط السيف بالقرآن، وأن يُحفظ ويُحمى القرآن بالسيف، كما تدل عليها آية الحديد.
وقوله: «مَنْ عَدَلَ عَنْ الْكِتَابِ»؛ يعني الذي مال عن الكتاب، وحاد عنه، ولحد فيه «قُوِّمَ بِالْحَدِيدِ» رُدَّ إلى الحقِّ بالقوة، وهذا كل حال بحسبها، فمن ذلك مثلًا: الحاكم إذا كفر، كما قال ﷺ: (إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا)٢٬٠٦٥من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: البخاري: (6647)، ومسلم: (1709)، وأحمد: (22731).، فهؤلاء عدلوا عن الكتاب إلى غيره، ومالوا عن الشرع إلى ما سواه، فهؤلاء يقوَّمون بالحديد: المقصود به السَّيف والمقصود به الجهاد في سبيل الله.
ومقصود شيخ الإسلام إجمالًا هنا: أنَّ الدِّين لا بدَّ له من المصحف والقوَّة؛ يعني لا بُدَّ له السلطن والعلم، من سلطان القوَّة، وسلطان الحجَّة، كما ذكر ذلك في أوَّل الكتاب.
«فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَإِنَّهُ يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَيَنْظُرُ إلَى الرَّجُلَيْنِ؛ أَيُّهُمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْمَقْصُودِ وُلِّيَ، فَإِذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ مَثَلًا، إمَامَةَ صَلَاةٍ فَقَطْ، قُدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وًلًا يَؤُمَّنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)٢٬٠٦٦من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: مسلم: (673)، وابن خزيمة: (1507)، وابن حبان: (2127)، والحاكم: (887)، والترمذي: (235)، وأبو داود: (582)، والنسائي: (780)، وابن ماجه: (980)، وأحمد: (17133). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَإِذَا تَكَافَأَ رَجُلَانِ، أَوْ خَفِيَ أَصْلَحُهُمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا أَقْرَعَ سَعْدُ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، لَمَّا تَشَاجَرُوا عَلَى الْأَذَانِ، مُتَابَعَةً لِقَوْلِهِ ﷺ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا)٢٬٠٦٧من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (590)، ومسلم: (437)، وابن خزيمة: (391)، وابن حبان: (2153)، والترمذي: (225)، والنسائي: (540)، وأحمد: (7225)، ومالك: (293).، فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ بِأَمْرِ اللَّهِ إذَا ظَهَرَ، وَبِفِعْلِهِ -وَهُوَ مَا يُرَجِّحُهُ بِالْقُرْعَةِ إذَا خَفِيَ الْأَمْرُ- كَانَ الْمُتَوَلِّي قَدْ أَدَّى الْأَمَانَاتِ فِي الْوِلَايَاتِ إلَى أَهْلِهَا».
وبهذا انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن الولايات، وسيبدأ الكلام في مسألة الأموال، لأنه كما قلنا في قول الله ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58] قال: الأمانات إما أن تكون متعلقة بالولايات، أو متعلقة بالأموال.. ومن المهم أن ننقل ما قرأناه ليكون واقعا عمليا في حياتنا.
❖ ❖ ❖