باب إكرامُ الله للشهيد بإذهاب ألم القتل عنه

الحديث التاسع: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسَّ الْقَرْصَةِ)١٬٨١٦رواه أحمد [٧٩٥٣]، والترمذي [١٦٦٨]، والنسائي [٣١٦١]، وابن ماجه [٢٨٠٢]، والدرامي [٢٤٥٢]، والبيهقي [١٨٥٢٥]، وابن حبان [٣٧٠]، وبعضهم يرويه بلفظ: (ألم القتل... ألم القرصة) [كما في رواية الدارمي والبيهقي]..

بعض معاني الكلمات:

مسِّ القتل: ألمه.

القرصة: هو عض النملة، أو هو أخذ لحم الإنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، أو لسع البراغيث.

بعض فوائد الحديث:

الأولى: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى.

الثانية: التحريض على طلب القتل في سبيل الله خوفًا من سكرات الموت.

الثالثة: لو لم يكن في فضل الشهادة إلا هذا لكفى.

متفرِّقات:

ص 1086

أولًا: بعض تبويبات الأئمة رحمهم الله: ساق الترمذي الحديثَ تحت باب: «ما جَاءَ في فَضْلِ الـمُرابطِ» وكأنه -والله أعلم- يشير إلى أن هذه المزية ينالها المرابط سواءً قُتلَ أو ماتَ، وعليه فيكون قوله ﷺ: (مس القتل) من باب التغليب لا التخصيص؛ لأن أكثر ما يُرهب الناسَ ويُخيفهم من الإقدام في الجهاد هو القتلُ؛ لأنه معاينةٌ للموتِ في صورةٍ تستثقلها النفوس كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]، وبسببه يقع الفرار وتُولَّى الأدبار كما قال ﷻ: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ﴾ [الأحزاب: 16]، فذكره النبي ﷺ إعلامًا للفارقِ بين ما يعاينه الناس من الجراح القاتلة الموجبة للآلام وبين ما يجده القتيل من خِفَّتها ويُسرها.

قال المناوي رحمه الله: «وهذه تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم، والخطب الجسيم، وتهييج للصبر على وقع السيوف واقتحام الحتوف»١٬٨١٧[فيض القدير: (4/١٨٢)]..

وساقه النسائي تحت باب: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ الْأَلَمِ»، وابن ماجه تحت: «باب فَضْلِ الشَّهَادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ»، وعند ابن حبان تحت: «ذِكْرُ وَصْفِ مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ أَلَمِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷻ»، والدرامي تحت: «باب في فضلِ الشَّهيِد».

ثانيًا: قال الطِّيِبي رحمه الله: «القرص الأخذُ بأطراف الأصابع، وأتى بأداة الحصرِ دفعًا لتوهم من يتصور أن ألمه يفضل على ألمها، وذلك في شهيدٍ دون شهيدٍ، شهيد يتلذذ ببذل مهجته في سبيل الله طيبةً به نفسه كعمير بن الحمام وإلقاء ثمراته ولقائه الموت»١٬٨١٨[مرقاة المفاتيح: (6/٢٤٨٣)]..

ثالثًا: قال ابن القيم رحمه الله: «ومن المعلوم: أن الخلق كلهم يموتون، وغاية هذا المؤمن أن يستشهد في الله، وتلك أشرف الموتات وأسهلها؛ فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة، فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عد مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل، بل موت الشهيد من أيسر الميتات وأفضلها وأعلاها»١٬٨١٩إغاثة اللهفان: (2 / 194)..

❖ ❖ ❖

ص 1087

الحديث العاشر: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: «لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ -وَكَانَ خَالَهُ- يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا؛ فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»١٬٨٢٠رواه البخاري [٤٠٩٢]..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: للحديث قصةٌ طويلةٌ فيها فقه كبيرٌ ومعانٍ جمّةٌ، وما ذكر هنا هو بعضها.

الثانية: حصول الشهادة للمسلم وإن قُتِلَ غدرًا بغير مواجهةٍ.

الثالثة: أن نيل الشهادة في سبيل الله أعظمُ فوزٍ للمسلم، فليحرص عليها الصّادقون.

الرابعة: تحقير الجراح في سبيل الله وآلامِها بالنظر للفرح بتحصيل الشهادة وفوزها.

الخامسة: تهيؤ الصحابة واستعدادهم لوداع الدنيا في كلِّ لحظةٍ فما أن طُعِنَ حتى نطق بقوله: «فزتُ وربِّ الكعبة»؛ فكن مثلهم.

❖ ❖ ❖

ص 1088