القضية الثانية [في الحالات التي يُباح فيها قتل المسلم]

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)١٧٢رواه البخاري [6878]، ومسلم [1676]، وأبو داود [4352]، والترمذي [1402]، والنسائي [4019]..

وما جاء في هذا الحديث من ذكر الحالات التي يباح فيها دم المسلم؛ هو بعض ما جاء مستثنى في آيات متعددة متكررة ناهية عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [الأنعام: 151]، وغيرها من الآيات.

إلا أن القتل الجائز شرعًا ليس محصورًا في الصور الثلاث التي وردت في الحديث المذكور، ولهذا فإن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا وتنوعت وجهاتهم في الجمع بين دلالة هذا الحديث الصريحة في أن دم المسلم لا يباح إلا بواحدة من الحالات الثلاث وبين الأحاديث والآيات الأخرى التي نصت أو أشارت إلى إباحة دم المسلم في غيرها.

- كإباحة قتال طائفة البغاة المنصوص عليها في قول الله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].

- وكقتال وقتل قطاع الطريق المسلمين المذكور حكمهم في قوله ﷻ: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

ص 179

- وكقول النبي ﷺ: (إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما)١٧٣أخرجه مسلم عن أبي سعيد [1853]..

- وله من رواية عرفجة: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)١٧٤أخرجه مسلم [1852]..

ونظير هذا عدة أحاديث تُبيح دم المسلم في غير الحالات الثلاث التي وردت في حديث ابن مسعود المذكور، وإن كان الأخذ بمقتضاها ليس متفقًا عليه بين العلماء.

وليس المطلب الآن هو تتبع أقوال الأئمة واستقصاء طرائقهم في الجمع بين هذه الأحاديث، فالموطن موطن اختصار، وإنما المقصود فقط الإشارة إلى أن مواضع الإباحة الواردة في حديث ابن مسعود ليست حصرًا لصورها إذا ما انضم إليها غيرها من الآيات والأحاديث كالتي ذكرت بعضها.

❖ ❖ ❖