باب تمني أكرم الخلق ﷺ تَكرُّرَ القتل في سبيل الله لشرفه
الحديث الحادي والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)١٬٨٥٦متفق عليه، [البخاري: (٢٧٩٧) واللفظ له، ومسلم: (١٨٧٦)]..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: فضل الشهادة في سبيل الله حيث تمنى أكرم الخلق ﷺ أن ينالها مرارًا، قال أبو الوليد الباجي رحمه الله: «وقد تمنى ﷺ إعلاما بدرجة الشهادة وتحريضا لأمته عليها وإعلاما لهم بما فيها»١٬٨٥٧[المنتقى شرح الموطأ: (3/٢١٤)]..
الثانية: تأكيد هذا التمني بقسمه ﷺ على ذلك إيذانًا بشرف الشهادة وترغيبًا في طلبها والحرص عليها.
الثالثة: جواز أن يتمنى المرء ما يعلم عدم وقوعه، قال ابن عبد البر: «وفيه إباحة تمني الخير والفضل من رحمة الله بما يمكن وما لا يمكن»١٬٨٥٨[الاستذكار: (5/96)]..
الرابعة: أهمية حرص المسلم على الخير وعقد النية عليه وإن كان متعذِّرًا، فما لم يبلغه عمله بلغته نيته فيثاب على ذلك، قال الزرقاني: «قوله: وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل؛ لأن فيه إظهارَ محبةِ الخير، والرغبة فيه، والأجر يقع على قدر النية»١٬٨٥٩[شرح الزرقاني على الموطأ: (3/51)]..
متفرِّقات:
أولًا: بوَّب البخاري على الحديث بقوله: «باب تمني الشهادة»، وفي: «بَاب مَا جَاءَ فِي التَّمَنِّي وَمَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ»، وذكره النسائي تحت: «بَاب تَمَنِّي الْقَتْل فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى»، والبيهقي تحت: «باب تَمَنِّى الشَّهَادَةِ وَمَسْأَلَتِهَا».
ثانيًا: قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: «وهذا الحديث إنما معناه الذي من أجله خرج فضلُ الجهادِ وفضلُ القتلِ في سبيل الله وفضلُ الشهادةِ، وقد علمنا أن ذلك لا يحيط به كتاب؛ فكيف أن يجمع في باب، والله الموفق للصواب»١٬٨٦٠التمهيد: (18/340)..
ثالثًا: قال ابن بطال رحمه الله: «فيه من الفقه: أن رسول الله كان يتمنى من أعمال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه حرصًا منه ﷺ على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين، وبذلًا لنفسه في مرضات ربه وإعلاء كلمة دينه، ورغبة في الازدياد من ثواب ربه، ولتتأسى به أمته في ذلك، وقد يثاب المرء على نيته»١٬٨٦١[شرح صحيح البخاري: (5/16)]..
رابعًا: وقال أيضًا: «وفيه: فضل الشهادة على سائر أعمال البر؛ لأنه ﷺ تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع درجتها، وكرامة أهلها؛ لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وذلك -والله أعلم- لسماحة أنفسهم ببذل مهجتهم في مرضاة الله وإعزاز دينه، ومحاربة من حاده وعاداه، فجازاهم بأن عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة في الدار الباقية»١٬٨٦٢[شرح صحيح البخاري: (10/286)]..
خامسًا: جاء في بعض ألفاظ الحديث في الصحيح وغيره: (لوددت أني أقاتل... إلخ) بإثبات الألف من المقاتلة، فقال أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم وليُّ الدين العراقي في ذلك: «لم يتمن ﷺ القتل في سبيل الله إلا بعد المقاتلة؛ ليكون منه عمل وإقامة للدين، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ﴾ [التوبة: 111]»١٬٨٦٣طرح التثريب: (7/479)..
قلتُ: وهذا تنبيه لطيف ونكتةٌ بديعة يلزم التفطُّن لها، إذ ينبغي على المجاهد مع حرصه على الشهادة، واجتهاده في طلبها، والبحث عنها في مظانِّها، وترقُّبِ نيلها والفوز بها، أن يكون مجتهدًا في الأعمال الصالحة مستكثرًا منها مواظبًا عليها، لا سيما القتال ومستلزماته ومكملاته من تدريبٍ وإعدادٍ ونحو ذلك؛ ليجمع بين الازدياد من الطاعة والخير بأعماله والترقِّي في دَرَجِ الرُّتَب العليِّة بنيته وقصده، وليكمُل بما يحصله من خبرةٍ وتجربةٍ وممارسةٍ، فلا يكون حرصه على الشهادة، وشدة اشتياقه لها، واستعجاله في طلبها سببًا في قصور همته وفتورها، فكلّما دعي لعملٍ ينتفع وينفع به استثقله بدعوى أنه قريبٌ من الشهادة فما الفائدة مما يتعلمه أو يكتسبه أو يتفرّغ إليه؟! وهذا بلا شك ناتج عن قصورٍ في الفهم، وركودٍ في التصور، إذ ما من عملٍ صالحٍ يقوم به -ولو كان قبل الشهادة بلحظةٍ- إلا وجده، وما يدريه فلعله يكون سببًا في دخوله الفردوس الأعلى.
فلا تعارض إذن بين الاجتهاد في طلب الشهادة واستعجال الظفر بها وبين الاستمرار في اكتساب الأعمال الصالحة أيًا كانت، فلا يَجْعل استعجاله لنيل الشهادة سببًا للزهد فيها «أي في الأعمال»، ولا يجعل اجتهاده في الأعمال الصالحة مانعًا من الجد في طلبها «أي طلب الشهادة»، بل يجمع بين هذا وذاك حتى يمنَّ الله بها عليه وهو على أكمل حالٍ وأرضاه عملًا ونيةً، وما أجمل ما قاله الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: «وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبَ الشَّهَادَةَ بِأَنْ يَسْتَقْتِلَ مَعَ الْأَعْدَاءِ، وَلَا بِأَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْحُتُوفِ، وَلَكِنَّهُ يُقَاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَيَأْخُذُ حِذْرَهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، وَيُعْطِيه اللَّهُ بَعْدُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ»١٬٨٦٤أحكام القرآن: (3 / 220)..
❖ ❖ ❖
الحديث الثاني والعشرون: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ: (أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِي نُحْص الْجَبَلِ يَعْنِي سَفْحَ الْجَبَلِ)١٬٨٦٥رواه أحمد [١٥٠٢5]، والحاكم [٢٤٠٧] وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في دلائل النبوة [3/304]، قال: «وكان عاصم -أحد الرواة- يقول: «لكني والله ما يسرني أنه كان غودر معهم»»، والحديث حسَّن إسناده الأرناؤوط..
بعض فوائد الحديث:
الأولى: فضل شهداء أحد رضي الله عنهم.
الثانية: شدة محبة النبي ﷺ لهم.
الثالثة: الظاهر من قول الراوي: «إذا ذكر... إلخ» أن قول النبي ﷺ كان متكرِّرًا منه.
الرابعة: جواز تمني حصول ما فات وانقضى إيذانًا بسموِّ مقامه وجليل منزلته، قال أبو عبيد: «وقوله: غودرت يعني ليتني تركت معهم شهيدًا مثلهم»١٬٨٦٦[غريب الحديث: (2/198)]..
❖ ❖ ❖