أما موجبات قتالهم فهي كثيرة أيضًا، وملخص أصولها:

الأول: اتفاق العلماء على أن بلاد المسلمين متى دهمها العدو فإنه يجب على أهل تلك الناحية القيام لقتالهم، فإن عجزوا اتسع الوجوب ليشمل الأقرب فالأقرب، حتى يعم الأرض كلها، وكل من أعان أولئك الكفرة وسهل لهم التمكين في بلاد المسلمين فحكمه حكمهم.

الثاني: إجماع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وأنه لو طرأ عليه كفر تعين خلعه وتنصيب إمام للمسلمين، وإن لم يتم ذلك إلا بالقتال لوجب.

الثالث: إجماع العلماء على أن الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، يجب قتالها حتى تذعن لحكم لله وتنقاد لشريعته، كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وكما قاتل عليٌّ رضي الله عنه الخوارج، وكما قاتل المسلمون التتار والباطنية الزنادقة.

الرابع: إجماع العلماء على وجوب فكاك أسرى المسلمين بالفداء أو بالقتال.

ص 2821

ومن هنا فنزيد الأمر إيضاحًا وتأكيدا، فإن كل من مات أو قتل من هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام والذين ثبتت ردتهم بالأدلة الشرعية السالفة؛ فإنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته، سواء سمى الله عليها أم لم يسم، ولا تجوز مناكحته، ولا يصح أن يكون وليًا لامرأة مسلمة، ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبقى تحت واحد من هؤلاء المرتدين ولا ساعة واحدة بعد أن تعرف حاله، لأن الله قال: ﴿فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ﴾ [الممتحنة: 10]، ولا وزن في هذه الأمور كلها لقبلية ولا قرابة ولا عصبية، بل كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36].

فإن كان هؤلاء المرتدون صادقين في ادعائهم الإسلام ومحقين في انتسابهم لملته؛ فما الذي يحول بينهم وبين التخلي عما هم فيه من إعانة الكفار على حرب المسلمين، ومن الذي يمنعهم من الإقلاع عن التنكيل بأولياء الله الصادقين؟! فها هم يعرضون أنفسهم لأشد المخاطر ويقفون لحماية الكفرة عباد الصليب بصدورهم، ويقضون الليالي والأيام في حراستهم والمرابطة للدفاع عنهم، فإذا كان الواحد منهم مهيئًا لأن يقدم روحه ويبذل نفسه لحمايتهم ويخاطر بحياته لبقائهم -وهي أغلى ما يملكه- فما قيمة حفنة من الدولارات يحتج المحتجون بها لارتكاب كل هذه المخازي؟! وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].

ومع ذلك، فأبواب التوبة إلى الله مُفتَّحة مُشْرَعة، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، والإسلام يجب ما قبله، وقد قال ﷻ: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: 38]، وقال ﷻ: ﴿۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

ص 2822

فعلى هؤلاء؛ أن يرجعوا إلى الله تعالى، وأن يتخلوا عما هم فيه من الكفر والطغيان، وأن يتعظوا بمن سلفهم من الطغاة وأعوانهم الذين يقفون اليوم على أرض كانت تحت حكمهم، وإلا فإن الأمر كما قال ﷻ: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾ [الأنفال: 50]، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦ فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ [محمد: 25-27].

هذا، والأدلة على هذه المسألة كثيرة، وما ذكرناه فيها هو ملخص وأصول لها، لتكون برهانًا للمجاهدين وحجة على أعداء الدين: ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ [الأنفال: 42]، ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ﴾ [المائدة: 41].

وصلى الله على خير خلقه وخاتم رسله وعلى أصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا

والحمد لله رب العالمين

وكتبه: أبو يحيى الليبي

«19/ربيع الأول/1427 هـ»

❖ ❖ ❖

ص 2823