جواب لمشاورة مجاهدي الجزائر في مسائلِ الشورى، والهدنة مع المرتدين، والإعلام الجهادي
[شوال 1431 هـ / 10 - 2010م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...
فإلى الإخوة الأحباب حفظهم الله وسدد خطاهم على الحق وسبيل الرشاد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والله الكريم نسأل أن تصلكم رسالتنا هذه وأنتم جميعًا في أحسن أحوالكم من خير إلى خير، ومن سعة إلى سعة، تتوالى عليكم نعم الله في دينكم ودنياكم وأنتم لها ذاكرون شاكرون، وبقدرها عارفون، نسأل الله أن يزيدكم من فضله العظيم.
فهذه بعض التعليقات المختصرة حول ما جاء في رسالتكم الأخيرة نسأل الله أن يلهمنا الصواب.
فأولًا: بالنسبة لمسألة المشاورة المطروحة عندكم والمتعلقة برفعها للقضاء عند اختلاف وجهة نظر الأمير مع بعض الأعيان، فهذا أمرٌ لا وجه له، وقد حسمه العلماء من قبلُ وقالوا فيه قولتهم، وليست المسألة بالنازلة التي تحتاج إلى جديد نظر وبحث واجتهاد، وعليه فإن أمر الأمير وما ذهب إليه نظره واجتهاده -بعد مشورة مَن معه من أهل الحل والعقد- هو المعتبر الذي يجري عليه القرار ولا عبرة بمخالفة من خالفَ بعد ذلك، وليس من شرط القرارات التي يتخذها الأمراء أن يكون جميع الأفراد -حتى من مجلس الشورى- مقتنعين بها قناعةً تامةً، ولكن فقط على الأمير أن يسلك المسلك الصحيح الواضح في اتخاذ ذلك القرار، وأن يعطي الموضوع حقه من المشاورة وتقليب الآراء وعمق البحث، وأن يبتعد عن المحاباة لمن يميل إليه بطبعه والمجافاة لمن لا يتآلف معه، مع الأناة والشفافية التامة، فإذا عزام فليتوكل على الله وليمضِ في أمراه وقراراه.
فإذا كانت المسألة التي يراد طرحها للمشاورة قد اختلف فيها العلماء ولم يترجح للأمير قولٌ من الأقوال؛ فمرد ذلك إلى أهل العلم «اللجنة الشرعية» مثلًا لتقوم ببحث المسألة بحثًا تامًا، وترجيح ما ترجح منها، وتقديم الراجح إلى الأمير، أما القضاء فلا دخل له في مثل هذه الأمور؛ لأن قضاياه متعلقة بالدعاوى «وجود مدعٍ ومدعى عليه والدعوى»، ولهذا قال الإمام البخاري رحمه الله: «قول الله تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ [الشورى: 38]، ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ وأن المشاورة قبل العزم والتبيِّن، لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 159]، فإذا عزم الرسول ﷺ لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله.
وشاور النبي ﷺ أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمَتَهُ وعزم، قالوا: أقم، فلم يملِ إليهم بعد العزم، وقال: (لا ينبغي لنبي يلبس لأمَتَهُ فيضعها، حتى يحكم الله)، وشاور عليًا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فسمع منهما حتى نزل القرآن، فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله ﷻ.
وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداءً بالنبي ﷺ..»٣٬٧٣٣[صحيح البخاري، في بداية باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾]..
قال الإمام ابن حجر رحمه الله: ««قوله وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها»؛ أي إذا لم يكن فيها نص بحكم معين وكانت على أصل الإباحة، فمراده ما احتمل الفعل والترك احتمالًا واحدًا، وأما ما عرف وجه الحكم فيه فلا، وأما تقييده بالأمناء فهي صفة موضحة لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت لقوله، وأما قوله بأسهلها فلعموم الأمر بالأخذ بالتيسير والتسهيل والنهي عن التشديد الذي يدخل المشقة على المسلم، قال الشافعي: إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه ويدله على ما لا يستحضره من الدليل، لا ليقلد المشير فيما يقوله، فإن الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ»٣٬٧٣٤[فتح الباري: (13/342)].، وليراجع ما كتبه كاملًا فإن فيه نفائس من العلم.
وأنقل هنا كلامًا جيدًا للشيخ رشيد رضا رحمه الله في تفسيراه المنار حول آية الشورى في سورة آل عمران -وعنده فيها كلامٌ طويل يوافق في بعضه ويخالف في بعضه- قال: «الآية صريحة في وجوب إمضاء العزيمة المستكملة لشروطها -وأهمها في الأمور العامة حربية كانت أو سياسية أو إدارية المشاورة- وذلك أن نقض العزيمة ضعف في النفس وزلزال في الأخلاق لا يوثق بمن اعتاده في قول ولا عمل، فإذا كان ناقض العزيمة رئيس حكومة أو قائد جيش كان ظهور نقض العزيمة منه ناقضًا للثقة بحكومته وبجيشه، ولا سيما إذا كان بعد الشروع في العمل، ولذلك لم يصغ النبي ﷺ إلى قول الذين أشاروا عليه بالخروج إلى أحد حين أرادوا الرجوع عن رأيهم خشية أن يكونوا قد استكرهوه على الخروج وكان قد لبس لأمته وخرج، وذلك شروع في العمل بعد أن أخذت الشورى حقها كما تقدم تفصيله، فعلمهم بذلك أن لكل عمل وقتًا، وأن وقت المشاورة متى انتهى جاء دور العمل، وأن الرئيس إذا شرع في العمل تنفيذًا للشورى لا يجوز له أن ينقض عزيمته ويبطل عمله، وإن كان يرى أن أهل الشورى أخطأوا الرأي -كما كان يرى ﷺ في مسألة الخروج إلى أحد كما تقدم- ويمكن إرجاع ذلك إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين، وأي ضرر أشد من فسخ العزيمة وما فيها من الضعف والفشل وإبطال الثقة؟»٣٬٧٣٥[تفسير المنار: (4/169)]..
فتأمل آخر كلامه، فكذلك يقال: فأي ضررٍ أشد من أن يُشغل المرء بالمنازعات القضائية في كل مسألة خالفه فيها أحد المشيرين، وقد يكون الأمر متعلقًا بجمعٍ من المسائل وليست مسألة واحدة، فيذهب الوقت كله في الذهاب والإياب على القضاء، ومآل هذا القول: أنَّ القضاء هو المرجّح المختار في مسائل الاجتهاد، وليس الأمير، إذ صار الأمير حاله كحال أيّ واحدٍ من أعضاء مجلس الشورى ليس له ما يخُصه في كيفية اتخاذ القرار.
ومآل هذا القول أيضًا أن القرارات التي تخرج من مجلس الشورى إما أن تكون متفقًا عليها بإجماع الأعضاء -وهذا قلّما يتيسر- فتُمضى، وإما أن ينتظر بتّ القضاء في كل ما وقع الخلاف فيه، فتكون كل المسائل المتشاوَر عليها راجعةً إلى قول القاضي.
وقال الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله في كلام طويلٍ له تعليقًا على عبارة ابن أبي العز المشهورة في طاعة ولاة الأمر في مواطن الاجتهاد٣٬٧٣٦[وهو قوله: «وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ والسنة وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّة أَنَّ وَلِي الْأَمْرِ، وَإِمَامَ الصلاة، وَالْحَاكِمَ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ، وَعَامِلَ الصَّدَقَة، يُطَاعُ في مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ عليه أَنْ يُطِيعَ أَتْبَاعَه في مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ عَلَيْهِمْ طَاعَتُه في ذَلِكَ، وَتَرْكُ رَأْيِهِمْ لِرَأْيِه، فَإِنَّ مَصْلَحَة الْجَمَاعَة وَالِائْتِلَافَ، وَمَفْسَدَة الْفُرْقَة وَالِاخْتِلَافِ، أَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ الْمَسَائِلِ الْجُزْئِيَّة». شرح العقيدة الطحاوية: (ص ٣٧٦)].: «... فعلى كل حال نقول: لا شك أن الولاة ليسوا بمعصومين، وأن أتباعهم مأمورون بأن يرشدوهم ويدلوهم على المصالح، وعلى ما فيه الخير لهم وللمجتمع، ولكن إذا اختير للإدارة أو للولاية المتأهل والفاضل الذي تجتمع فيه الصفات التي تؤهله لهذا المنصب؛ فليس لأحد الاعتراض عليه، إلا على وجه النظر، أو على وجه الإشارة»٣٬٧٣٧شرح العقيدة الطحاوية لابن جبرين: (3/35).، ويراجع ما كتبه كاملًا فهو طويلٌ لا يسمح المقام بنقله.
إذن فالمقصود بالمشورة في الأمور ليس هو «إقناع» جميع المتشاورين بالرأي الذي يراد إنفاذه؛ فإن هذا أمر قلما يمكن تحقيقه وتحصيله، وإنما المقصود هو تقليب الآراء ومناقشتها والتباحث فيها لأجل الوصول إلى أعدلها واستخلاص أقربها للصواب، ثم الانتقال من القول إلى العمل، ومن المشاورة إلى الإمضاء، ومن التردد إلى العزم، ولا بد أن تكون هناك جهة هي التي تعزم وتحزم وتُمضي لتخرج القضية من دائرة الحيرة والاضطراب والتردد والمنازعات، وليس ذلك إلا للأمراء سواء قلنا بأن رأي الأكثر ملزم لهم، أم أنهم يتوخون أقربها للصواب ويأخذون ما ترجح عندهم.
فهناك فرقٌ بين تساوي جميع المشاورين في إبداء آرائهم حول الأمر المطروح، فيقول كل واحدٍ منهم ما يراه ويظهر له وبين أن يتساووا في العزام على الأخذ بالرأي بعد ترجحه بوجهٍ من وجوه الترجيح، إما بالكثرة أو الاجتهاد، وهذا بينٌ في حادثة غزوة أحد؛ حيث شاور النبي ﷺ أصحابه وقال كلٌّ منهم رأيه الذي يراه، بل حتى عبد الله بن أبي رأس النفاق لم يحُجّر عليه في قولِ رأيه وإبداء مشورته، فلما انقضت مرحلة المشاورة وجاءت مرحلة العزيمة والإمضاء؛ صار الأمر كامل بيد رسول الله ﷺ ولم يصُغِ بعدها لقول قائلٍ ولا لرأي مشيرٍ ولا لتردد مترددٍ، وقد يفهم أن في الآية ما يشير إلى ذلك حيث يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 159]، ولم يقل فإذا عزمتم فتوكلوا على الله، والله تعالى أعلم.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: «والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولًا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه؛ عزام عليه وأنفذه متوكلًا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب؛ وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية»٣٬٧٣٨تفسير القرطبي: (4/252)..
فالخلاصة في هذا الأمر إذن: أن الخروج بالقرار النهائي الملزم يمر بمراحل:
- المرحلة الأولى: ويمكن تسميتها «مجال الشورى» وهي اختيار المواضيع التي يراد مناقشتها، إما بوضع جدول أعمالٍ دوري، أو بسبب حدوث أمرٍ طارئٍ يراد البت فيه، وغني عن القول: إن الأمور التي تقدَّم للمشاورة هي مما ليس فيه نصٌ من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ؛ فإن كانت المسألة اجتهادية قد اختلف فيها العلماء اختلافًا معتبرًا؛ فتقدَّم لأهل العلم الموثوق بهم عندكم ليبحثوها من جهة معرفة الحكم الشرعي الراجح فيها، فما ترجح بعد ذلك هو الذي يتعين الأخذ به؛ لأن مجال الشورى أيضًا يعتمد على التخصصات فمنها ما يتعلق بالأحكام ما يجوز منها وما لا يجوز، ومنها ما يتعلق بالتدبير الحربي، ومنها ما يتعلق بالسياسات العامة للجماعة، ونحو ذلك، ولكل واحدٍ من هذه المجالات أهلها العارفون بها المتخصصون بشؤونها المطلعون على خباياها، كما قال الإمام ابن خويز منداد رحمه الله: «واجب على الولاة مشاورة العلماءِ فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوهِ الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوهِ الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوهِ الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلد وعمارتها»٣٬٧٣٩تفسير القرطبي: (4/250)..
وقال ابن حزم رحمه الله: «وإذا نزلت بالسلطان معضلة ليس عنده فيها يقين، شاور من أصحابه وولاة جنوده من يرجو عنده فرجًا من ذل، ويشاور في الحروب أهل الحرب وسياستها، ويسأل عن كل علمٍ أربابه، ولا يتكل على رأي أحد، ولا يطلعهم على ما يختار من رأيهم، فإذا انقضى ما عندهم، أنفذ مما سمع منهم»٣٬٧٤٠بدائع السلك في طبائع الملك: (1/64)..
فإذا اختلف الأمير مع كل واحدٍ من أهل هذه التخصصات المتنوعة، ووجد نفسه عند كل اختلاف جالسًا أمام القاضي ليفصل بينه وبين مخالفه؛ فكيف ستمضي الأمور؟! وأنى للقرارات أن تنفذ؟! فَتصوّرُ هذه المسألة وإطلاقها على عواهنها يظهرك على فداحة عواقبها مما يبعد أن تأتي الشريعة بمثله، والله تعالى أعلم.
المرحلة الثانية: ويمكن تسميتها «مرحلة الشورى»؛ حيث يتم فيها تقديم جدول الأعمال إلى مجلس الشورى ليناقش بين أعضائه وتبحث بحثًا وافيًا، وتقلب فيه الآراء تقليبًا تامًا بكل وضوحٍ وصراحةٍ وأمانةٍ، وليس من مقصد أحدٍ من أفراد الشورى الانتصار لرأيه أو التعصب لقوله والاستماتة في فرضه، وإنما المقصود هو الوصول إلى أنسب الآراء وأنفعها وأصلحها.
المرحلة الثالثة: ويمكن تسميتها مرحلة «اتخاذ القرار» فحيث أخذت الأمور حقها من البحث والنظر والتقليب والمشاورة وأبدى كل واحدٍ من أهل المشورة رأيه وأظهر حجته، واستمع الأمير لكل تلك الآراء وأصغى لها إصغاءً تامًا فلم يبق إلا أخذ أرجحها، فإن كانت آراء أهل المشورة متفقة على شيءٍ واحدٍ؛ فلا إشكال عندها فالرأي ما رأوه.
وإن كانت آراؤهم مختلفة متباينة؛ فلا بد من طريقة لاختيار بعضها ليكون قرارًا ساريًا على الجميع، وبسبب نقص العلم وتتابع القتل لأهل الخبرة والتجربة وقطعًا لداعي الهوى والاستبداد؛ فالذي نراه في مثل حالنا هو الأخذ برأي الأكثرية من أهل الشورى، فمهما يكن من أمرٍ فرأي الأكثر -في الأعم الأغلب- أقرب إلى الأصلح لا سيما مع التقوى والورع والتجرد عن الهوى والحرص على الوصول إلى الصواب كائنًا ما كان وعند مَن كان.
وعن الحسن رحمه الله قال: «ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم، -وفي لفظ- إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع»٣٬٧٤١[الهداية إلى بلوغ النهاية: (2/1161)، وتفسير ابن أبي حاتم: (4414)]..
فإن تساوت الأصوات فيرُجَّح الجانب الذي يكون فيه الأمير؛ لأن أخذ القرار في الأصل له، فإذا تم التصويت على الآراء واختيار قول الأكثر؛ انقضت بذلك مرحلة المشاورة ويتم اتخاذ القرار ليكون ملزمًا للجميع صادرًا من «أولي الأمر» الذين تجب طاعتهم فيه، وتقتصر المخالفة بعد ذلك على مجرد «اقتناع» الشخص بما تبناه من رأيٍ.
أما فيما يتعلق بالعمل والتنفيذ فعليه السمع والطاعة تمامًا كغيره من الجنود ويلزمه «شرعًا» التنازل عن التشبث برأيه، ولا دخل للقضاء في مثل هذه الأمور، وليسوا هم من أسباب الترجيح، فليست المسألة مسألة دعوى وخصومة، وإنما هي آراء وتباحث ونظر.
وهنا نحث إخواننا الفضلاء على المياسرة والمطاوعة والملاينة والحرص التام على الاتفاق قدر الإمكان، ولنعلم أن التمادي في التلاحي والتخاصم والتشبث بالآراء هو سبب لرفع الخير أو المنع منه كما جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: أخبرني عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس)٣٬٧٤٢[رواه البخاري: (49)]..
قال البدر العيني في فوائد هذا الحديث: «أن الملاحاة والمخاصمة سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة فإن الأمة حُرمت إعلام هذه الليلة بسبب التلاحي بحضرته الشريفة».
وفي هذا القدر كفاية لهذه المسألة نسأل الله أن يلهمنا وإياكم الرشد ويعيذنا من شرور أنفسنا.
ثانيًا: بالنسبة لعقد الهدنة مع المرتدين فقد كتبتُ لكم من قبل مفاتيح المسألة كما أراها، وهي فيما أحسب «مسألة اجتهادية»، وقول من قال بجوازها له حظٌ من النظر وحججهم التي اعتمدوا عليها لا تأباه قواعد الشرع، لا سيما في الظروف والأحوال التي نعيشها حيث رمانا الكفر برماته «مرتدوه وأصليوه» عن قوسٍ واحدة، وصارت الأرض مطبقةً على حربنا ومطاردتنا حتى في الصحراء الجرداء القاحلة التي ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس!
ونحن قطعًا ليست لنا طاقةٌ ولا قدرة على أن نواجه دول الكفر كلها مرةً واحدةً؛ فما الضير في أن نحيد بعضها -مما يحتاج إلى تحييد- تشتيتًا لسهام الأعداء وإضعافًا لقوتهم، وتركيزًا منا على أشدهم عتوًا وأعظمهم ضررًا، وليس مقصود الهدنة -فيما لو عقدت- إقرارهم على كفرهم ولا تعطيل دائمًا لقتالهم، وإنما تأخيرهم إلى حين الفراغ من غيرهم ووجود القدرة الكافية لقتالهم جميعهم، والمهم أن يعلم الإخوة جميعًا أن هذه المسألة مسألة فقهية اجتهادية خالصة لا إجماع فيها ولا تعلق لها بمسائل الاعتقاد ولا تمس قضية الولاء والبراء لا من قريبٍ أو بعيدٍ.
ولو كان عقد الهدَن مع الكفار يخدش البراءة منهم؛ لما جازت حتى مع الكفار الصلبيين لأن البراءة منهم حكمٌ يشملهم جميعًا وبه يُعلَم خطأ «إطلاق» القول بأنه: «لا هدنة ولا حوار مع المرتدين» وجعْلِها من شعارات المجاهدين وأصولهم! خاصةً وأن استعمال كلمة «حوار» -فيما أظن- ليست مما عهد عن الفقهاء والمتقدمين بمعناها الشائع اليوم.
فمن ترجح عنده جواز الهدنة مع المرتدين في الحرب فلا إنكار ولا تثريب عليه ولا يخرجه ذلك من «سلفيته الجهادية» فهو قولٌ لأئمة معتبرين ممن يقتدى بهم من أئمة الدين، ولا شك أن هذه الهدنة تحتاج إلى مفاوضات ومراجعات ومراسلات، واشتراط شروط، وإلغاء أخرى، وهذا يقتضي الجلوس معهم أو مع وسطائهم والاستماع إليهم، أو مراسلتهم ومكاتبتهم، فسواء سمي ذلك حوارًا، أو تفاوضًا، أو غير ذلك فإن الهُدَن لا تتم بدونه.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء ابن النواحة وابن أثال رسول مسيلمة إلى النبي ﷺ، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله، قال: نشهد أن مسيلمة رسول اللّه، فقال رسول اللّه ﷺ: آمنت باللّه ورسوله لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما، قال عبد اللّه: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل)٣٬٧٤٣رواه أحمد [(٣٧٠٨)، وصححه الأرنؤوط]..
وعن نعيم بن مسعود الأشجعي قال: (سمعت حين قُرئ كتاب مسيلمة الكذاب، قال للرسولين: فما تقولان أنتما، قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله ﷺ: واللّه لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)٣٬٧٤٤رواه أحمد [١٥٩٨٩] وأبو داود [٢٧٦١]، [وصححه الألباني والأرنؤوط]..
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في تعداد فوائد مجيء وفد بني حنيفة: «فيها جواز مكاتبة الإمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة، ويكتب لهم ولإخوانهم من الكفار سلام على من اتبع الهدى، ومنها أن الرسول لا يُقتل ولو كان مرتدًا هذه السنة»٣٬٧٤٥من زاد المعاد [3/772]..
وما ذكره ابن القيم رحمه الله في حكم رسول المرتدين يخالف في ظاهره ما قال السرخسي الحنفي رحمه الله: «والمقصود أن المرتد راجع عن الإسلام بعد ما أقر به فكان قتله مُستحقًا حدًا، «ألا ترى» أنه لو دخل إلينا بأمان أو رسولًا، أو غير رسول لم ندعه يرجع إلى دار الحرب، ولكن نعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل بمنزلة من استحق قُتله قصاصًا إذا لحق بدار الحرب ثم دخل إلينا بأمان»٣٬٧٤٦شرح السير الكبير: (4/432)..
وبفضل الله عندكم من طلبة العلم المجاهدين المطلعين على أحوال الجهاد وحاجات ساحاته وحقيقة ظروفه، ما يجعلهم يكتبون أبحاثهم على بصيرةٍ بالشرع، ومعرفة بواقعهم، وإدراك لتفاصيل حاجاته، والمهم في ذلك كله أن نبحث تلك المسائل بدقةٍ بعيدًا عن إرهاب العبارات وتضييق الشعارات؛ حتى لا نتخذ دينًا ما ليس بدينٍ، ولا نعسّر على أنفسنا فيما يسره الشرع علينا، ولا نضيق ما وسعه لنا، وفي المقابل لا نتفلت من ضوابطه وقواعده ونستحسن بمجرد نظرنا وميولنا وتخيل مصالحنا، وإنما نبذل جهدنا في تتبع أقوال العلماء ومعرفة أدلتهم مع استحضار الفارق الكبير -في الغالب- بين واقعنا وواقعهم ثم نحاول الترجيح بينها، مع مشاورة من أمكن من أهل العلم المؤتمنين وعدم الاستعجال في ذلك، فمن سلك هذا المسلك فحريٌ به أن يصيب الحق أو يخطئ وهو معذورٌ مأجورٌ إن شاء الله.
ثالثًا: جزاكم الله خيرًا كثيرًا على مجهودكم العلمي الكبير من خلال إصدارات مؤسسة «الأندلس» جعلها الله منارًا لهداية الناس وشعارًا لإحياء معاني العزة في قلوبهم، وضخ الحياة الحقةِ في عروقهم نسأل الله أن يتقبل من القائمين عليها ومنكم جميعًا، والمجاهدون هنا يتابعونها بشغفٍ وينتظرون جديدها بلهفةٍ ويدققون في إبداعاتها، فتارةً تراهم باكين، وتارةً مكبّرين، وتارةً داعين وقلوبهم وأرواحهم تروح وتغدو مع لقطاتها.
ثم لا يخفى عليكم أن الإعلام بمعناه العام -وليس الإصدارات المرئية فقط- قد أصبح اليوم جزءًا لا ينفصل عن معركتنا مع أعدائنا المجرمين ومن أهم ساحاته التي نخوض غمار المعارك فيها هي عقول الناس، فالآلة الإعلامية جهاز صامت ناطق لا تقطع رأسًا، ولا تسفك دمًا، ولا تدمر مركزًا، ولا تحفر خندقًا، ولكنها قد تهزِمُ جيشًا بتحطيم معنوياته وتدمير نفوس قادته وغرس اليأس في أعماق، أعماق، قلوبهم، وتنفير الناس عنهم.
وفي المقابل فهي بالنسبة للمسلمين محل «التحريض» من خللها تثار الحمية، وتشتعل النفوس غيرةً، وتتفجر العروق غضبًا، وتغسل من أذهانهم أسَنَ الشبهات، وتقتلع من القلوب جذور اليأس لتبعث فيها الأمل فتحبب إليها الحقَّ وتشوِّقها إلى الجنان ولقاء الرحمن، وتجعل الأمة مصطفة خلف أبنائها، وغير ذلك من الغايات النبيلة الجليلة التي لا تخفى مما ينبغي أن يُولى عنايةً تامةً، ويعطى جهدًا كبيرًا دراسةً وتمحيصًا ومراجعةً ونقدًا، حتى نحقق من خلال إعلامنا مقصد «التحريض على القتال» والذي يعُدُّ بوابة مناصرة الناس لنا ووقوفهم معنا وتفهمهم لقضايانا، وكل هذا يحتاج إلى صبرٍ وتكرارٍ وتنويعٍ وتيسيرٍ وحسنِ مخاطبةٍ
مع مراعاة لطبقات الناس ومستويات فهومهم وتنوع مشاربهم واتجاهاتهم، ولنستحضر دائمًا أن مقصودنا هو هداية الناس -كل الناس- وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وانتشالهم من رجس الجاهلية الذي يتقلبون فيه وهم يشعرون أو لا يشعرون، لا سيما وقد أتيحت لنا فُرص مُخاطبة شرائح واسعة منهم سواء من المسلمين أو غيرهم، ويسر الله علينا إيصال أصواتنا لهم وهم في غرفهم وداخل بيوتهم، ولا يكاد يخلو بيتٌ اليوم من الاستماع لصوت المجاهدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليلٍ، مما يستوجب علينا استفراغ أقصى الوسع لتبليغ رسالة الهداية إلى الناس، مع الارتقاء بإعلامنا إلى أعلى درجات الصدق والأمانة والأدب والإتقان في الإخراج مضمونًا وشكلًا.
نسأل الله أن يعيننا وإياكم ويتقبل منا ومنكم ويسدد على الخير والطاعة خطانا وخطاكم والله يحفظكم ويتولَّاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه / أبو يحيى
«الخميس 28 /شوال/ 1431 هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: جواب لمشاورة مجاهدي الجزائر في مسائلِ الشورى، والهدنة مع المرتدين، والإعلام الجهادي
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا