محاضرةٌ صوتية في فضائل الجهاد أُلقيت في أحد معسكرات المجاهدين
[مجهولة التاريخ، ويُحتمل أنها في: جمادى الثاني 1428هـ / 6 - 2007م]
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.
فالحمد لله الذي جعلنا من المسلمين، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي يسَّر لنا سُبل الطاعات، والحمد لله الذي شرح صدورنا للحق وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، الحمد لله الذي جمعنا هذا الجمع على طاعته ﷻ من غير ميعادٍ منا ومن غير تدبيرٍ ومن غير شيءٍ عملناه بأيدينا؛ إنما هو توفيق الله ﷻ وتيسيره، حتى اجتمعنا في موطنٍ لو سُئل أحدنا من قبل: أيتصور أن يكون هذا الموطنُ موطنَ جلوسٍ واجتماعٍ؟ لما كان ذلك يخطر بباله.
والحمد لله أن كان هذا الاجتماع على أشرف وأعظم طاعةٍ لله ﷻ؛ وهو عبادة الجهاد التي لا يخفى على مسلم فضلُها ومنزلتها وعظيمُ أجر أهلها عند الله ﷻ؛ فلو بقينا نعدد نِعم الله ﷻ علينا في أمور ديننا لبقينا عمرنا كله ونحن نحصي ونحسب، ولكن لن نحصي نِعم الله ﷻ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].
ومن أعظم مِنَّنِ الله ﷻ علينا ومن أكبر نعمه: نعمة الهداية إلى الحق، نعمة الهداية إلى الإسلام، الإسلام الذي سماه الله ﷻ نعمة، فقال ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فكفى بالإسلام شرفًا أن يسميه الله ﷻ نعمة، ولهذا قال الله ﷻ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58﴾ [يونس: 58]، وقال الله ﷻ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ 7 فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 8﴾ [الحجرات: 7-8].
فعلينا أن لا نمِل وأن لا نكِل من تكرار وذكر هذه النعمة في كل وقتٍ وفي كل حين؛ فالهداية التي هي شرح الصدور للحق، وقذف نور الإيمان في القلوب؛ لا يملكها أحدٌ من البشر، ولا حتى رسول الله ﷺ، كما قال الله ﷻ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]، وكما قال الله ﷻ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]، هذا هو حال المهتدي الذي أراد الله له الهداية، وهذا هو حال الضَّال الذي أراد الله له ﷻ الضلال.
فتذكر أيها العبد: أن الله ﷻ هو الذي شرح صدرك، وهو الذي نوَّر قلبك بالإيمان، وهو الذي حببه إليك، ثم هو وحده ﷻ الذي يسر لك هذا السبيل وهذا الطريق حتى بلغت هذا المنزل؛ فهذه نِعمة يعضُّ عليها الإنسان بالنواجذ ويقيدها بالشكر؛ لأن الشكر قَيْد النِعم كما قالوا، ولأن الله ﷻ قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 7﴾ [إبراهيم: 7]، فهذه هي نِعمة الإسلام.
ثم إن الله ﷻ زاد عليك أيها العبد من فضله -ونِعم الله لا تعد ولا تحصى-؛ فيسَّر لك سبيل الهجرة، ويسَّر لك الانفصال من علائق الوطن من الأهل والمال والأقارب والدار، وخرجت منها خفيفًا مُيَسَّرًا تطير بقلبك فرحًا، هذا كله من تيسير الله ﷻ.
1- قال النبي ﷺ: (إنَّ الشَّيطانَ قعدَ لابنِ آدمَ بأطرُقِهِ)٣٬٠٩٦[قطَّع الشيخُ الحديثَ لشرحه، وتجده في: سنن النسائي (3134) وصححه الألباني، مسند أحمد (15958) وقوى إسناده الأرنؤوط].؛ فقد جلس الشيطان في كل الطرقات، وجعل له هدفًا ووقف فيه، (فقعدَ لَهُ بطريقِ الإسلامِ)؛ أي أنه عندما أراد الإنسان أن يهتدي وأراد أن يدخل في الإسلام، وأن يرمي عنه أيام الضلال والكفر والزيغ (قال له: أتُسلمُ وتذرُ دينَكَ ودينَ آبائِكَ وآباءِ أبيكَ)، فقال النبي ﷺ: (فعَصاهُ فأسلمَ) فالله ﷻ قوَّى قلبه ويسر له سبل الهداية، فعالج المرء نفسه وصارع الشيطان ثم أسلم ودخل في دين الله ﷻ؛ فهذه عقبةٌ أولى استطاع أن يتجاوزها، ولكن الشيطان لن يتركه؛ فالله ﷻ قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر: 6]، فالعدو لا يمكن أن يتركك أبدًا حتى تفارق هذه الحياة.
2- ثم تأتي العقبة الثانية: (وقعد له بطريقِ الهجرةِ) إذن الإسلام لا بد له من هجرة: هجرةٌ إلى الله ﷻ، هجرةٌ بالجسد، وهجرةٌ بالقلب، وهجرةٌ بالروح، والإنسان لن يُثبِت حقيقة حبه لله ﷻ حتى يُقدِّم مراد الله ﷻ على ما تريده نفسه، ولهذا فإنَّ النبي ﷺ عندما اشتد الأمر عليه وآذاه المشركون ولم يستطع أن يبلغ رسالات الله ﷻ؛ فارق مكة وهي أحب البقاع إليه وأحب البقاع إلى الله ﷻ، ولكن إذا تعارض ما تحبه النفس مع ما يحبه الله ﷻ والذي به قيام الدين والتمكين للحق والنصرُ لشريعة الله ﷻ فلا شك أن الإنسان لا بد أن يقدِّم مراد الله ﷻ إن كان صادقًا في حبه لله ﷻ.
فيا أيها العبد: يسر الله ﷻ لك سبيل الهجرة، قال النبي ﷺ: (فقال: أتهاجرُ وتدعُ أرضَك وسماءَك، وإنَّما مثلُ المهاجرِ كالفرسِ في الطِّوَلِ؟ فعصاه وهاجر)، عقبةٌ ثانية استطاع أن يتجاوزها، وأمر الهجرة ليس سهلاً، فالنبي ﷺ قال: (إن شأن الهجرة شديد)٣٬٠٩٧[صحيح البخاري (5813)، صحيح مسلم (1865)]. الهجرة أمرها ليس سهلًا، فعندما تجد نفسك -أيها العبد، أيها المسلم- في راحةٍ وطمأنينةٍ وسعةٍ ونسيانٍ للوطن وللأهل وللدار؛ فاعلم أن هذا من رحمة الله ﷻ بك، فالله ﷻ هو الذي بدَّلك دارًا خيرًا من الدار التي كنت تسكنها، وأنساك ما كان فيها من العيش ومن الحياة ومن الأموال وغير ذلك ...
3- ثم قال النبي ﷺ: (ثمَّ قعدَ لَهُ بطريقِ الجِهادِ)؛ إذن بعد الهجرة لا بد من جهاد، ودين الله ﷻ لا يمكن أن يقوم بغير هذا، قال الله ﷻ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]؛ بمعنى: أنكم إن تركتم الجهاد -القتال في سبيل الله- فستكون في الأرض فتنة، والفتنة كما قال العلماء هي: الشرك، ولهذا فإنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّ مبعثه بالسيف، فقال: (بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعْبد الله وحده لا شريك له)، فقيام التوحيد وهو أصل الأصول لا يمكن أن يكون بغير السيف، وبغير القتال، ولذلك فإنَّ ارتباط القتال بالإسلام وبإقامة الدين ارتباطٌ متين قوي لا يمكن أن ينفصل عنه.
قال النبي ﷺ: (ثمَّ قعدَ لَهُ بطريقِ الجِهادِ، فقالَ: تُجاهدُ فَهوَ جَهْدُ النَّفسِ والمالِ، فتُقاتلُ فتُقتَلُ، فتُنكَحُ المرأةُ، ويُقسَمُ المالُ) فجاءه الشيطان من الأبواب التي يتعلق بها الإنسان غالبًا.
طيب أنا سأموت سأموت! وإذا مت فستُنكح الزوجة ويقسم الأموال! فمن قال إن الجهاد يقدم في العمر أو يؤخر؟! قال ﷻ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].
قال: (فعصاه فقاتل)، فقال النبي ﷺ: (فمن فعل ذلك فليس له جزاءٌ إلا الجنة)؛ فهذا ضمانٌ من الله ﷻ، وقال النبي ﷺ: (وإن مات أو قتل فليس له جزاءٌ إلا الجنة)؛ يعني: بهذا الطريق أنت تسير على طريق الجنة يقينًا، إن كنت مستيقنًا بصدق النبي ﷺ، فهذه الأحاديث لا نشك في صحتها.
فإذن -يا إخوة- الله ﷻ هداك للإسلام ثم يسرك لطريق الجنة، فما عليك إلا الاستمساك بهذا الطريق، والبحث عن الأسباب التي تثبتك عليه: الجهاد والهجرة أمران يحتاجان إلى ثباتٍ، وإلى قوةٍ، وإلى صبرٍ، وإلى اجتماعٍ، وإلى مؤاخاةٍ؛ حتى يستطيع الإنسان أن يتحمل ما فيهما من الشدة والعنت والضيق وغير ذلك..
فمن دخل باب الجهاد؛ فقد دخل إلى أبواب الجنة، ما عليه إلا أن يصبر ليس بينه وبين الجنة -لا نقول إلا أن نقتل- إلا أن يموت أو يقتل.
قال النبي ﷺ: (من فصل في سبيل الله)؛ يعني: من خرج من داره في سبيل الله، وفي طاعة الله ﷻ، (فمات أو قتل أو وقصه فرسه أو دابته)؛ يعني سقط من فرسه، أو انقلبت به السيارة بأي طريقةٍ (أو لدغته هامةٌ أو مات بأي حتفٍ مات؛ فإنه شهيد وإنَّ له الجنة) هذا حديثٌ صحيح عن النبي ﷺ رواه أبو داود وأحمد وحسنه أهل العلم٣٬٠٩٨[سنن أبي داود (2499) ولكن ضعفه الألباني في تخريج أبي داود، بينما حسنه في: صحيح الجامع الصغير (6413)، مسند أحمد (16414) بلفظ مغاير، وضعفه الأرنؤوط كذلك، لكن قال حماد في تخريج شعب الإيمان (3943): إسناده جيد]..
هل هناك ضمانةٌ للجنة أكثر من هذه الضمانة؟ بمجرد أن تضع قدمك خارج عتبة دارك تريد طاعة الله ﷻ، وتريد نصرة دين الله ﷻ مع الإخلاص في العمل؛ فإنك قد ضَمِنت الجنة بإذن الله ﷻ، سواءٌ مُتَّ بحتف أنفك، بمرضٍ، بهامةٍ، بسقوطٍ من فرس، بسقوطٍ من جبل، قتلت في سبيل الله.. فكل ذلك سواء، ولهذا ورد عن بعض السلف أن رجلاً مات في الغزو ورجلاً آخر قتل، فجاء الناس كلهم وتجمعوا عند قبر القتيل وذهب هذا الصحابي -وأحسبه حذيفة رضي الله عنه- وجلس عند قبر الميت، فقالوا له: تذر قبر الشهيد وتجلس عند قبر الميت؟، فقال: والله لا أبالي من أي حفرتين بعثت٣٬٠٩٩[الصحابي المذكور هو: فضالة بن عبيد -وليس حذيفة كما ذكر الشيخ-، والحديث في: الجهاد لابن المبارك (66)، تفسير الطبري (16/619)].؛ يعني: هذا قتل في سبيل الله وهذا مات في سبيل الله، والله ﷻ قال: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 157﴾ [آل عمران: 157]، لا فرق بين القتل أو الموت.
قال النبي ﷺ: (تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمانٌ بي وتصديقٌ برسلي أن أُدخله الجنة أو أُرجعه بما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ)٣٬١٠٠[صحيح البخاري (36)].، لا يوجد شيءٌ آخر، هذا تكفل، وفي رواية: (تضمن الله ﷻ)٣٬١٠١[صحيح مسلم (1876)]. فهذه ضمانةٌ من الله ﷻ (لمن خرج في سبيلي)؛ يعني في سبيل الله ﷻ ولإعلاء كلمة الله ﷻ، فهذا الرجل إذا خرج ثمَّ مات أو قُتل فهو من أهل الجنة، وإن رجعَ؛ رجع غانمًا سالِمًا مأجورًا إلى بيته وإلى داره.
في طريق الهجرة وطريق الجهاد: أنت في طريق الجنة من يوم أن تخرج من دارك، قال الله ﷻ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100]، فبمجرد أن تخرج من بيتك، لا نقول من بلدك، لا نقول عندما تركب في الطائرة أو في الباخرة، كلا، بل بمجرد أن تضع قدمك خارج الباب وتريد الهجرة والجهاد في سبيل الله فإنك من أهل الجنة إن صبرت واحتسبت عند الله ﷻ.
وعندما نتكلم عن الجنة نتكلم عن أي شيء؟ نتكلم عن الفوز الأبدي، نتكلم عن نجاةٍ من عذاب الله ﷻ، نتكلم عن مرافقة النبي ﷺ والصالحين من الصِّدِّيقين وغيرهم، نتكلم عن رؤية الله ﷻ، نتكلم عن سعادةٍ لا شقاء بعدها، نتكلم عن راحةٍ لا عنت بعدها، نتكلم عن أخوةٍ لا غِل فيها ولا حسد، هذه هي الجنة.
والإنسان مآله إلى الموت؛ سواءٌ بقي في بيته بين أهله هربًا من الموت، أو خرج في سبيل الله، وكم من الذين عاشوا بين أهليهم يحترزون من الموت أشد الاحتراز، ويبتعدون عما يظنونه أسبابًا له فجاءهم الموت وهم على فُرشهم، وكم ممن خاضوا غمرات الموت وهم يطلبونه في المعامع في الحروب في المخاطر وفي الأخير مات على فراشه، وهذا سيف الله خالد بن الوليد يقول: «لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي؛ كما يموت البعير؛ فلا نامت أعين الجبناء»٣٬١٠٢[ساقه الشيخ بمعناه. المجالسة وجواهر العلم، للدينوري: (836) قال محققه: إسناده ضعيف جدا، وهو حسن من طريق آخر]..
الموت شيءٌ كتبه الله ﷻ لا يقدمه جهادٌ ولا يُؤخره قعود، فعلينا أن نوطد أنفسنا عليه.
وكلما أصابنا شيءٌ من السآمة والملل والضيق والشدة أن نذكِّر أنفسنا أننا في طريق الجنة، وعندما نتخلى عن هذا الطريق فقد تخلينا عن طريق الجنة المضمون، ثم طريق الجهاد ليس طريق الجنة فقط، بل هو طريق الدرجات في الجنة، علو الدرجات إنما يكون بالجهاد.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من رضي بالله ربًا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ ﷺ نبيًا وجبت له الجنة) فعجب لها أبو سعيد رضي الله عنه؛ يعني أنَّ هذا أمر هين؛ أنَّ من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ نبيًا فقد ضمن الجنة، فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله!، فأعادها عليه رسول الله ﷺ ثم قال: (وأُخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض)، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: (الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله)، هذا حديثٌ في صحيح مسلم٣٬١٠٣[صحيح مسلم: (1884)؛ لكنه ذكر لفظ «الجهاد في سبيل الله» مرتين فقط لا ثلاثة، والله أعلم].، مئة درجة فقط للمجاهدين وليست للشهداء.. هذه للمجاهدين؛ أي يدخل فيهم الشهداء ويدخل فيهم غيرهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مَن آمَنَ باللَّهِ ورَسولِهِ، وأَقامَ الصَّلاةَ، وصامَ رَمَضانَ، كانَ حَقًّا علَى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هاجَرَ في سَبيلِ اللَّهِ، أوْ جَلَسَ في أرْضِهِ الَّتي وُلِدَ فيها)، وهذا عندما يكون الجهاد فرض كفايةٍ، ولكنَّ النبي ﷺ دائمًا يريد من الصحابة ومن المؤمنين أن تكون همتهم في طلب الأعلى؛ أي وإن كان هذا شيءٌ تُضمن به الجنة، ولكن لا بد أن يكون هناك تنافس واجتهاد لئن يحصل الإنسان أعلى درجات الجنان، كما قال الله ﷻ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ 26﴾ [المطففين: 26]، فقالوا: يا رسول الله؛ «أفلا نبشر الناس؟» فهذه بشارةٌ عظيمة من النبي ﷺ أن من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، فقال: (إنَّ في الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبيلِ اللَّهِ، ما بيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كما بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ)، ثم قال: (فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ)؛ يعني أعدلها (وأَعْلَى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ)٣٬١٠٤[صحيح البخاري: (6987)]... نسأل الله الفردوس الأعلى.. آمين.
فطريق الجهاد طريقُ نجاةٍ من عذاب الله ﷻ، طريقٌ لتحصيل الفلاح في الدنيا بالتمكِين والعز والنصر والظفر بالأعداء، وفي الآخرة بالفوز بجنات النعيم.
فعلينا أن نجتهد في هذا الطريق، وأن نتحمل ما يأتينا من خلال هذا الطريق من الشدة، ومن الضيق، ومن العنت، ومن النصب، ومن الخوف، ومن الجراحات.. هذه هي طريق الجهاد، والله ﷻ أخبرنا بذلك كلِّه في آيةٍ واحدة فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، فالنفوس تكره الجهاد لما فيه من المشقة والتعب ومفارقة الأهل وفقدان الأخلاء، وضياع الأموال وغير ذلك من المشاق التي يراها كل من يعيش في ساحات الجهاد.
وقد قال الله ﷻ: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا 74﴾ [النساء: 74]، أنت بين خيارين، إما أن تنتصر على أعداء الله، وهذا من فوز الدنيا، وإما أن تقتل أو تموت فيكون مصيرك إلى جنات النعيم.
فعلينا بالصبر وأن نتخلق بأخلاق المجاهدين؛ فالجهاد أجره عظيم، ولكن يحتاج من المسلم أن يتخلق بأخلاق المجاهد، فالمجاهد له أخلاق وآداب وسلوك لا بد له أن يتحلى بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ عن أبي مالك الأشعري -وهذا حديثٌ عظيم ينبغي لكل مجاهدٍ أن يحفظه، وأن يعرف ما فيه من الفقه والعلم والحكمة والآداب، وأن يسعى دائمًا لأن يستمسك بما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، وأن يجعله ميزانًا لنفسه فيضع نفسه في أيِّ الكفتين اللتين سنذكرهما في هذا الحديث-:
عن أبي مالكٍ الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (الغزو غزوان: فأما مَنِ ابتغى وجهَ اللهِ، وأطاع الإمامَ، وأنفق الكريمةَ، وياسَر الشريكَ، واجتنب الفسادَ، فإنَّ نومَه ونبهَه أجرٌ كلُّه، وأما مَنْ غزا فخرًا ورياءً وسُمعةً وعصى الإمامَ وأفسد في الأرضِ، فإنه لم يرجِعْ بالكَفَافِ)٣٬١٠٥[سنن أبي داود (2515) وحسنه الألباني، مسند أحمد (22042)].، هذا حديثٌ عظيم لا بد للمجاهد أن يحفظه عن ظهر قلب، وأن يكرره على نفسه في كل وقتٍ وحين؛ لأنه لا يخرج حاله عن أن يكون في أحد الغزوتين: إما أن يكون من أصحاب القسم الأول الذين يكون نومُهم ونُبههم -يعني استيقاظهم- أجرًا لهم، وإما أن يكون من أصحاب القسم الثاني الذين لم يرجعوا بالكفاف؛ يعني رجعوا مأزورين لا مأجورين.
فما هي هذه الصفات التي ذكرها النبي ﷺ؟
1- أولها: الإخلاص لله ﷻ، قال: (فأما مَنِ ابتغى وجهَ اللهِ)؛ يعني فأما من كان غزوه وقتاله وجهاده ابتغاء وجه الله ﷻ، لا يريد بذلك سمعةً، ولا رياءً، ولا مدحًا، ولا ترفعًا، ولا شهرةً، ولا جاهًا، ولا شيئًا من أمور الدنيا، لا يريد بوقوفه في الصف، وبهجرته، وبجهاده، إلا وجه الله ﷻ، وهو ينتظر لقاء الله ﷻ في كل لحظةٍ فكيف سيقدم على الله وقلبه منصرفٌ إلى غير ربه ﷻ؟
قال النبي ﷺ: (فأما مَنِ ابتغى وجهَ اللهِ)؛ يعني: أراد بجهاده وجه الله ﷻ، وكان مخلصًا في جهاده، وجِهادٌ بلا إخلاص هو من أعظم الأوزار التي يكتسبها الإنسان والعياذ بالله، زضياع الإخلاص في الجهاد لا يكون في عدم الأجر فقط، بل إنما يكون جهادك وقتلك وِزرًا عليك، وهو الطامة الكبرى، ولهذا ورد في الحديث عن النبي ﷺ: (إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيامَةِ عليه رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ)؛ يعني قتل، ونحن نراه في المعركة، فقتل في الصف الأول أو في غيرها، (فأُتِيَ بهِ) يوم القيامة إلى الله ﷻ (فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها)؛ يعني: يعدد الله ﷻ له ما أنعم عليه، ألم أهدك إلى الحق؟ يقول: نعم يا رب، ألم أيسر لك سبيل الطاعة؟ نعم يا رب، ألم أعطك كذا؟ ألم أعطك كذا؟ ألم أيسر لك، فيعدد له الله ﷻ نِعمًا كثيرة، فيسأله الله ﷻ (فَما عَمِلْتَ فيها؟)؛ فماذا فعلت فيها؟ هذه النعم التي أعطيتها لك من الهجرة والجهاد والأخوة والألفة والهداية والمال والقوة والصحة وغير ذلك... ماذا فعلت في هذه النعم؟ (قال) فيقول هذا الرجل يا رب: (قاتَلْتُ فِيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ)؛ يعني شكرًا لك على نعمتك خوض المعارك وتحملت ما فيها من الشدائد والمصائب حتى قتلت في سبيلك، ولكن الله ﷻ لا تخفى عليه خافية، الله ﷻ يعلم ما في القلوب، هذه الوساوس والخواطر التي تقع في القلب الله ﷻ لا يخفى عليه منها شيء، فالله ﷻ يقول له: (كذبْتَ، ولكنَّكَ قاتَلْتَ لِيُقالَ جِريءٌ، فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النارِ)٣٬١٠٦[سنن النسائي (3137) وصححه الألباني].، هذه مصيبة عظيمة.. فالجهاد أجره عظيم؛ نعم، ولكنه يحتاج إلى إخلاص، ويحتاج إلى تصفية لهذه النية التي يصارع الإنسان فيها نفسه والشيطان ليفسد عليه نيته.
فالشيطان إذا عجز عن منعك للخروج في سبيل الله -وهو أول ما يريده ويسعى إليه- فسيفسد عليك نيتك، ولكن لا نستسلم إلى الوساوس، ولا نستسلم إلى ما يدفعه الشيطان في داخل قلوبنا.
ولنعلم أن مصارعتنا الشيطان لأجل الإخلاص هو جهادٌ في سبيل الله أيضًا.
فهذا هو الأمر الأول، ولهذا جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فسأله فقال له: الرجل يقاتل شجاعةً والرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليُرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)٣٬١٠٧[صحيح البخاري (7020)].، فلينظر أحدنا: لماذا يقاتل؟ أيقاتل من أجل رئاسة؟ أيقاتل من أجل أن يصبح رجلاً مشهورًا معروفًا بين الناس؟ أيقاتل من أجل أن تكتب عليه الصحف وتخرج له السيديات وتكتب فيه القصائد وغير ذلك... أيقاتل ليقال: فلان كان وكان؟
فلا بد أن ننقي قلوبنا؛ وهذا ليس خاصًا بالجهاد، فالعمل بلا إخلاص كالجيفة، والعمل بلا إخلاص كجسدٍ بلا روح، ميت لا قيمة له، لا وزن له عند الله ﷻ، بل كما قلنا سيكون وِزرًا على صاحبه، هذه هي الصفة الأولى.
2- الأمر الآخر؛ قال: (وأطاع الإمام) ونحن نعلم أن الجهاد لا يمكن أن يقوم بغير جماعةٍ، وأن الجماعة لا يمكن أن ينتظم أمرها بغير إمارةٍ وسمعٍ وطاعةٍ، ولهذا فالنبي ﷺ ذكر هذا الأمر بعد الإخلاص مباشرةً، أن يكون الإنسان صاحب سمعٍ وطاعة، فطاعة الأمير من طاعة الله ﷻ كما قال النبي ﷺ: (مَن أطاعني فقد أطاع اللهَ ومَن عصاني فقد عصى اللهَ ومَن أطاع الأميرَ فقد أطاعني ومَن عصى الأميرَ فقد عصاني)٣٬١٠٨[مسند أحمد (9015) وصححه الأرنؤوط].، فأنت عندما تسمع وتطيع لأخيك الأمير، سواءٌ كان أقل منك عمرًا أو أقل منك علمًا أو أقل منك قدرًا، أو كنت أقدم منه هجرةً وأعظم منزلةً؛ فأنت عندما تسمع وتطيع فإن طاعته من طاعة رسول الله ﷺ، وإن معصيته معصية رسول الله ﷺ، فلهذا أُمرنا بالسمع والطاعة في المنشط والمكره، فالإنسان لا يسمع فقط عندما يكون الأمر موافقًا لما يريد، عندما يكون مطابقًا لنفسه، عندما يكون سهلاً على نفسه، لا، إنما عليك أن تجعل السمع والطاعة دينًا تتقرب به إلى الله ﷻ ولو كان مرًا وشديدًا على النفس، هذا هو الذي ينتظم به أمر الجهاد.
ثم إنَّ السمع والطاعة وضعت لها الشريعة حدودًا، والحمد لله أمرها واضح، فالنبي ﷺ قال: (إنما الطاعة في المعروف)٣٬١٠٩[صحيح البخاري (6726)].، وهناك طاعةٌ مطلقة، وهناك طاعةٌ مقيدة.
الطاعة المطلقة هي: طاعة الله ﷻ وطاعة رسوله ﷺ، ولهذا قال الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51] لأن قلبه مطمئنٌ أن كل ما جاء من عند الله ﷻ أو من عند رسول الله ﷺ فهو الحق والخير والصلاح، لا يحتاج إلى تفكر ولا إلى تأمل ولا إلى مناقشة بالعقل، قال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، هذا ليس موجودًا في السمع والطاعة لرسول الله ﷺ.
والطاعة المقيدة هي: طاعة من سوى النبي ﷺ، طاعة الأمراء، طاعة العلماء، هذه طاعةٌ مقيدة، محددة، وضع لها الشارع حدًا واضحًا: (إنما الطاعة في المعروف)، (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ)٣٬١١٠[مصنف ابن أبي شيبة (33717) مرسلا، وهو متصل عند أحمد (20682) بلفظ: (لا طاعة في معصية الله) وصححه الأرنؤوط].، فإذا كان الأمر جليًا واضحًا ولو كان شديدًا على النفس فليس لك إلا أن تسمع وتطيع وهذا من طاعة الله ﷻ، وإذا كان الأمر مما هو في مجال الاجتهاد؛ يعني هذا أولى أو هذا أولى؛ فليس لك إلا أن تسمع وتطيع، وقد اتفق العلماء على أن مواطن الاجتهاد يجب فيها السمع والطاعة لأمراء الجهاد وغيرهم.
وإذا كان الأمر الذي تُؤمر به فيه شبهةٌ قوية ويحتمل التأخير؛ فيمكن أن تُؤخر السمع والطاعة إلى أن تستفتي وتسأل من يبيِّن لك وجه الحقِ من وجه اللبس في هذه المسألة، وقد وقع هذا في زمن النبي ﷺ، أرسل النبي ﷺ سريةً وأمَّر عليها عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وأمر الصحابة بأن يسمعوا ويطيعوا له، فغضب عبد الله رضي الله عنه على أصحابه فقال لهم: ألم يأمركم النبي ﷺ بأن تسمعوا وتطيعوا لي؟ قالوا: نعم، قال: فجمعوا حطبًا، فجمعوا حطبًا حتى تكون منه كُم، فقال: أشعلوا فيه النار، فأشعلوا فيه النار، فعندنا اشتدت النار واشتعلت قال لهم: ادخلوا فيها، فبقي الصحابة ينظر بعضهم إلى بعض، قالوا: إنما فررنا منها، نحن هربنا من النار فكيف ندخلها؟ فما زالوا فيما بينهم حتى هفتت النار وماتت وسكن غضب عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، فعندما ذهبوا إلى النبي ﷺ أخبروه بالقصة، فقال النبي ﷺ: (والله لو دخلوها ما خرجوا منها)٣٬١١١[صحيح البخاري (4085)].، لماذا؟ لأنها كانت معصية ظاهرة، أمرٌ بغير مصلحة، فهذا لا طاعة فيه.
فالأمر الذي يكون فيه شبهةٌ قوية ويحتمل التأخير حتى يستفتي فيه الإنسان ويسأل؛ فهذا عليه أن يؤخره، كما حصل في قصة خالد بن الوليد أن النبي ﷺ أرسله إلى بني جذيمة -قوم من العرب- فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، هم يريدون أن يقولوا: نحن أسلمنا، ولكن لم يعرفوا ماذا يقولون، فقالوا: صبأنا -وكانت العرب تسمي من ينتقل من دينٍ إلى دين بالصابئ-؛ فأعمل فيهم خالد السيف؛ يعني شرع في قتلهم، فقتل من قتل منهم وأخذ من أخذ أسرى، حتى إذا كانوا في وسط الطريق قال خالد: ليقتل كل واحدٍ منكم أسيرهُ، ما اكتفى بقتل من قتلهم ولكن أراد أن يقتل الأسرى أيضًا، فكان معه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو من علماء الصحابة وفقهائهم وهو أفقه من خالد رضي الله عنهم أجمعين، فقال: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل واحدٌ من أصحابي أسيرهُ حتى نأتي رسول الله ﷺ.. لماذا؟ لأن تأخير السمع والطاعة في هذا الأمر مُحتَمِل، فماذا يضر خالد رضي الله عنه أن يؤخر قتل الأسرى حتى يصل إلى المدينة؟ فإذا كان قتلهم جائزًا قَتَلهم، وإلا فلا يضره أن يُؤخر قتلهم، فعندما جاءوا إلى المدينة وأخبروا النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ بعد أن رفع يديه: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)٣٬١١٢ [صحيح البخاري: (4084)].؛ فكان موقف عبد الله بن عمر رضي الله عنه هو الصحيح.
فالمقصود من هذا الكلام: أن مجالات السمع والطاعة متعددة فيها ما هو طاعةٌ صريحة، وفيها ما هو من الأمور الاجتهادية، فهذه يجب السمع والطاعة فيها ولو كانت شديدةً على النفس، وهناك معصية ظاهرة وواضحة متفقٌ عليها؛ فهذه لا سمع ولا طاعة فيها، وهناك الأمر المشتبه والذي تشتد فيه الشبهة؛ فهذا يؤخر حتى يستفتي فيه الإنسان من يجد من أهل العلم، إذن هذا هو الأمر الآخر الذي يقوم به أمر الجهاد، والإنسان عليه أن يلزم به نفسه.
3- (وياسَرَ الشَّريكَ) هذه هي الصفة الثالثة: مياسرة الشريك؛ أي مياسرة من يكون معه ومن يعيش بينه، فالجهاد حياةٌ جماعية يحتاج فيها الإنسان أن يكون هينًا لينًا لطيفًا مع إخوانه رفيقًا بإخوانه، وإلا فلن يستطيع هذا التجمع أن يبقى متماسكًا، ومن صفات المؤمنين كما قال الله ﷻ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 54]، وقال الله ﷻ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، والنبي ﷺ عندما أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن قال لهما: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا)٣٬١١٣ [صحيح البخاري (2873)].؛ فأنت إذا رأيت مِن أخيك تعصب أو تشدد فتنازل عنه، وإذا هو رأى منك هذا تنازل لك، فبهذه المطاوعة والملاينة والمياسرة يستطيع المجاهد أن يعيش بين إخوانه، ويستطيع إخوانه أن يعيشوا بينه، أما أن يكون المجاهد صاحب تعصبٍ لآرائه وانغلاقٍ على نفسه لا يسمع ولا يطيع، ولا يساير إخوانه إلا فيما يوافق نفسه؛ فهذا لن يستطيع أحدٌ أن يعيش معه، ولن ينال هذا الأجر الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث.
4- (وأنفق الكريمة)؛ يعني: وأنفق من كريم ماله ومن نفيس ماله في سبيل الله، والنفقة في سبيل الله أجرها عظيمٌ جدًا كما قال الله ﷻ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 261﴾ [البقرة: 261]؛ يعني: سبع مئة حسنة ربما في درهمٍ واحد تنفقه في سبيل الله؛ فالنفقة في سبيل الله أجرها عظيم.
5- (واجتنب الفساد)، وهذه من أعظم الصفات التي لا بد للمجاهد أن يحرص عليها وأن ينظر أين هو منها: اجتناب الفساد في الأخلاق، اجتناب الفساد في العلاقة مع الله ﷻ، اجتناب الفساد في علاقتك مع إخوانك الذين هم بينك وتعيش معهم، اجتناب الفساد في علاقتك مع المسلمين، اجتناب الفساد في علاقتك مع الكافرين أيضًا، فالله لا يحب المفسدين، قال الله ﷻ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ 83﴾ [القصص: 83]؛ فالمجاهد مصلحٌ وليس بمفسد، قال الله ﷻ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]، فالجهاد إصلاح، والمجاهد رجلٌ مُصلح وليس بمفسد، فلا بد أن يكون صاحب خُلق، صاحب لينٍ، صاحب أدبٍ، صاحب تمسكٍ بالحق، صاحب رفقٍ مع إخوانه، بعيدًا عن الفساد، صاحب طاعةٍ لله ﷻ.
إذا اتصف الإنسان بهذه الصفات؛ فقال النبي ﷺ: (فإن نومه ونُبْهه أجرٌ كله)؛ فاستيقاظك عندما تكون مستيقظًا تعمل وتشتغل أنت في أجرٍ حينها، وعندما تنام أنت في أجرٍ.
أين يمكن للإنسان أن يتحصَّل على عبادةٍ تكون ممتلئةً بالأجر في كل أوقاتها؟ في كل لحظةٍ من لحظات عمرك حينما تتصف بهذا الصفات لا تمر عليك دقيقةٌ في حياتك إلا وأنت في طاعة، إلا وعداد الحسنات يكتب لك، الصلوات خمس صلواتٍ في اليوم، عندما تشرع في التكبير ينتهي أمرها بالتسليم إلا إذا كنت تنتظر الصلاة، فالذي ينتظر الصلاة؛ فهو في صلاة، ورمضان مرةٌ واحدة في السنة، شهر يبدأ بأول الشهر وينتهي في آخره ويتوقف عدَّاد الصيام، والحج مرة في السنة مع أن هذه أركان الإسلام، والزكاة لمن عنده القدرة ويكون مرة في العام.. ولكن الجهاد لمن اتصف بهذه الصفات لا تتوقف فيه حسناتك عند النوم وعند الاستيقاظ.
فهل يليق بالإنسان وهو يرى هذا الباب العظيم من الأجر والطاعة والبر أن يضيعه ويصرف وجهه إلى غيره؟!
ثم قال النبي ﷺ -عن الغزو الثاني-: (وأما من غزًا فخرًا ورياءً وسمعةً) كل صفةٍ مما ذكرناها يقابلها صفة في هذا النوع من الغزو؛ يعني: غزا لغير الله ﷻ، وعصى الإمام، وأفسد الأرض، كان مُفسدًا في الأرض، (فإنه لم يرجع بالكفاف)؛ يعني أنَّ هذا المجاهد الذي خرج بهذه الصفات لم يرجع مأجورًا، ولم يرجع فقط بأُجوره التي ذهب بها، وإنما رجع مأزورًا بسبب الأفعال التي ارتكبها.
فعلينا أن نجتهد في إصلاح أنفسنا وفي إصلاح أعمالنا في علاقتنا مع الله ﷻ، في علاقتنا مع إخواننا، في علاقتنا مع الناس الذين سنعيش بينهم والذين سنجاهد معهم، أن نكون متواضعين لهم، أذلةً لهم، بعيدين عن الاحتقار بهم، وعن التكبر وعن ازدرائهم.. فهذه كلها ليست من صفات المسلم، قال النبي ﷺ: (بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ)٣٬١١٤[صحيح مسلم: (٢٥٦٤)].، يكفيك هذا سوءًا أن تحقر أخاك المسلم، مهما كان متلبسًا به من المعاصي.
أسأل الله ﷻ أن يصلح حال، وأن يجعلنا مخلصين في أقوالنا وأعمالنا، وأن يثبتنا على طريق الجهاد، وأن يختم لنا بالشهادة في سبيله شهادةً يرضى بها عنا، ويرفع بها درجاتنا، ويشفعنا في أهلينا، ويجمعنا بأحبتنا، إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.
وجزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا