«لست بالخب ولا الخب يخدعني» ردًا على وثيقة الترشيد
[محرم 1429 هـ / 1 - 2008م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
أمة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فلا تزال عصبة الحق وطائفة الجهاد في صراع مستمر متنوع مع أعداء الإسلام بمختلف مللهم وتعدد نحلهم، مِن يهود حاقدين ونصارى مستكبرين ومرتدين خائبين خائنين، ولا يكاد يمر على أمتنا يومٌ إلا وتزداد المعركة استعارًا وضراوة، هذا مع تعدد جبهاتها واختلاف أساليبها ووسائلها.
وما أن يكتشف أعداء ديننا أنهم فشلوا في طريقةٍ من طرق محاربتهم للإسلام والمسلمين عمومًا والمجاهدين خصوصًا؛ حتى توحي إليهم شياطينهم وُلوج بابٍ جديدٍ لعلهم يصلون من خلاله إلى مبتغاهم الذي يريدونه ولا يريدون شيئًا سواه، ألا وهو: تخلينا عن ديننا ورجوعنا على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، كما أخبرنا بذلك العليم بذات صدورهم حيث قال سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]، وقال ﷻ: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109]، وقال سبحانه: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 89].
فهما طريقان واضحان لا خفاء فيهما ولا التباس بينهما: طريق الحق ونهج الهدى الذي اختاره الله ﷻ لنا وهدانا إليه، وطريق الميل والأهواء والروغان والشهوات الذي يسلكه ويدعو إليه هؤلاء الزائغون؛ قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 26-27]؛ فمساعيهم كلها تصب نحو سلخنا من ديننا وإبعادنا عن شريعتنا؛ لنكون نحن وهم في الكفر سواء، وما من طريقٍ يسيرون عليه أو يدعون إليه أو يزينونه لنا، إلا ومرادهم به إيصالنا إلى هذه الغاية؛ أعاذنا الله ﷻ منها ومن مكرهم وكيدهم.
إذن ونحن نواجه أعداءنا في أي جبهة من جبهات الصراع معهم؛ علينا أن نضع هذه الحقيقة القرآنية القاطعة نصب أعيننا، وأن نعيها تمام الوعي فلا نغتر بتلبيساتهم، ولا ننخدع بزخرف أقوالهم، ولا ننساق وراء مزاعمهم وتمويهاتهم، وأن نكون يقظين فطنين حذرين تجاه كل الجبهات التي نواجههم فيها؛ سواء كانت جبهةً عسكريةً قتالية أم فكريةً منهجية أم إعلامية أم اقتصادية أم سلوكية أخلاقية، فهؤلاء الكفرة مهما تظاهروا بالوداعة، وتكلفوا في دعوى الحرص، ورفعوا شعارات التسامح والتصافح؛ فالحقيقة التي يخفونها والتي تأصلت في قلوبهم تأصلًا لا يفارقهم، هي التي أشار إليها الله ﷻ بقوله: ﴿لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
فهم -قاتلهم الله- لا يدخرون جهدًا لمحاولة إيصال الخَبال -الذي هو الفساد- إلينا، ولا يقصرون في حيلةٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ يمكنهم من خلالها إيقاعنا في العنت والمشقة والضيق، وقد سلكوا في سبيل الله ذلك كل مسلك، واستخدموا كل وسيلة بأيديهم وألسنتهم وأقلامهم، وبكل ما أوتوا من وسائل وإمكانات، ومع ذلك فما أخفوه في صدورهم من البغضاء والعداوة والحقد أكبر بكثير مما نراه أو نسمعه أو نلمسه.
وإن الغفلة عن هذه الحقيقة ونِسيانها أو تناسيها ستكون له عواقب وخيمة ونتائج قاتلة؛ يقع فيها كل الغافلين أو المغفلين بعدما يغريهم أعداء الدين بنعومة جلودهم وليونة ملمسهم، ويشغلونهم به عن سمهم القاتل الذي دسوه ليجرعوه لهم في اللحظة المناسبة؛ فيلقوهم صرعى في هوة الكفر السحيقة المظلمة، فلا يجدون منها مخرجًا إلا أن يشاء الله ﷻ وذلك جزاء الظالمين؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 149].
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
وَمَاذَا بِمِصْرَ مِنَ الْمُضْحِكَاتِ | وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالْبُكَا٣٬٢٠٦[قاله: المتنبي. انظر: معجز أحمد (ص 415)]. |
فمنذ متى أصبحت أجهزة التنكيل والتقتيل وأساتذة التعذيب والترهيب وأوكار سبِّ الرب والاستهزاء بآيات الله ومحاربة شرائعه.. منذ متى أصبحت حريصةً على هداية الناس للدين؟! فضلًا عن إرشاد المجاهدين إلى الطريقة الصحيحة لإقامة وحفظ وضبط هذه الشعيرة الغائبة -أعني شعيرة الجهاد-! ولكن كما قيل: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
إن مجرد خروج هذه الوثيقة من دهاليز المكر والكيد يعرفك بحقيقتها، ويوقفك على دوافعها ويجعلك تقف ألف مرة عند كل كلمة منها، وبين كل سطرين فيها ومع كل إشارة تضمنتها ولا يغرنك بعدها الترويج لها باسم كاتبها، ولا تشغل نفسك وتتعب ذهنك عن سبب تغيِّره وانقلابه وتراجعه؛ فما هذا بيت القصيد.. فالأمر أكبر وأخطر من ذلك.
فخذ الْمُحكم ودع عنك المتشابه، فالمحكم في حق هؤلاء الأراذل هو: خبث الطوية والاجتهاد في الإفساد والسعي لاستئصال شأفة الدين، وإنفاق الأموال والأوقات لتعبيد الناس لطواغيتهم طوعًا أو كرهًا، فسيرة ماضيهم وحاضرهم وأقوالهم وأفعالهم كلها شاهدة على إجرامهم، فاضحة لمراوغاتهم؛ فهم كفرةٌ فجرةٌ ظلمة فاسدون مفسدون.
وما جاء في وثيقتهم من شبهات وضلالات فهي أوهى من أن تقف أمام نصاعة الحق وتقاوم جلاء الهدى، وما حالهم إلا حال اليهود الذين قال الله ﷻ في حقهم: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]، وهذا هو ما يقوم به هؤلاء المجرمون، وهو ما يريدونه أيضًا؛ فهم اليوم يتظاهرون بما يتظاهرون به من النصح والإشفاق والليونة والتوجيه، استدراجًا منهم للمجاهدين لإيقاعهم في شرائكهم وشركهم ولتميل نحوهم القلوب، وتطمئن نحوهم النفوس، وتنغرس الثقة، حتى إذا نالوا هذه البغية؛ كشروا عن أنيابهم وصرحوا بكفرهم وكشفوا ما كان مستورًا منهم، وانقضوا على الجهاد والمجاهدين وأنصارهم انقضاضًا مباشرًا بعد تطويقهم ومحاصرتهم؛ فالحذر الحذر واليقظة اليقظة.
فنحن نعلم جميعًا لو أن هذه الوثيقة تبنتها صراحةً أجهزة الأمن المصرية ووقع عليها أحد ضباطها وأئمة الكفر فيها، وقُدِّمت إلى المجاهدين على أنها نصيحةٌ من تلك الأجهزة إليهم حرصًا منها على إنجاح الجهاد وإحكام مسيرته وتنقية شوائبه؛ لضحك عليهم القريب والبعيد واستهزأ بهم الصغير والكبير، ولكانوا بذلك مسخرةَ الدنيا كلها، ولنظر إليها كل مسلم على أنها مكيدة من المكائد.
فما الذي يغير طبيعتها ويقلب حقيقتها إذن؟ أَلِكونها خرجت أو أُخرجت باسم فلان أو فلان؟ ولهذا فما وجدوا طريقًا لترويجها وتسويقها وإعطائها شيئًا من المصداقية بين المجاهدين، إلا بإخراجها بهذا الثوب المزوّر؛ أعني ربطها باسم الشيخ «سيد إمام؛ عبد القادر بن عبد العزيز» فرج الله عنه وعن أسرى المسلمين.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
وَإِذَا الذِّئَابُ استَنْعَجَتْ لَكَ مَرَّةً | فَحَذَارِ مِنْهَا أَنْ تَعُودَ ذِئَابَا | |
فَالذِّئْبُ أَخْبَثُ مَا يَكُونُ إِذَا اكْتَسَى | مِنْ جِلْدِ أَوْلَادِ النِّعَاجِ ثِيَابَا٣٬٢٠٧[قاله: ابن الرومي. انظر: أعيان العصر وأعوان النصر (3/73)]. |
أمة الإسلام، إخواني المجاهدين: إن العرق الفرعوني الذي نُشِّئت عليه هذه الأجهزة القمعية الإجرامية والذي يقوم على أساس: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127]، وعلى قاعدة: ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهـًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29]، وعلى سياسة: ﴿أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ﴾ [الزخرف: 51].. هذا العِرق الفرعوني هو الذي هداهم إلى السبيل الشيطانية التي سبقهم إليها سلفهم اللعين بقوله: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
ولأن الشياطين هم من أوحى إلى فرعون ويوحي إلى فراعنة العصر؛ فقد توافقت عناوينهم كما تشابهت أعمالهم وتوافق إجرامهم، فهذا فرعون الطاغية الذي تجرأ على الله أعظم جرأة، ونكل بعباده أفظع تنكيل، وأفسد في الأرض غاية الإفساد، والذي صار مضرب الأمثال في العتو والطغيان والتجبر والاستعلاء؛ يصف دعوته للضلال المفضوح والكفر المركب بقوله: ﴿وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
وأجهزة الأمن المصرية التي لفظت لنا هذه الوثيقة -وثيقة التضليل والتخذيل والرضى بالواقع والاستسلام للظلم والظالمين- تسميها بـ«وثيقة ترشيد العمل الجهادي»!
فذلك اللعين يسمي دعوته رشادًا، وهؤلاء المجرمون يسمونها ترشيدًا، قال ﷻ: ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118]، فسبحان الله: ﴿أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53]، إن فرعون الطاغية الذي عوَّد شعبه بسياسات الاستعلاء والتكبر والتحقير والتعبيد، ما تنزل عن ترفعه وهبط من علوه وخاطب قومه وملأه بهذا الخطاب الرفيق الرقيق -زعمًا منه- للحرص عليهم والاعتناء بهدايتهم وللاجتهاد في إرشادهم؛ إلا بعد أن أفحمته حجة نبي الله موسى عليه السلام، وزلزلت ثقة قومه به، وخشي من تفلت الأمر من يديه، وخاصةً من تسرب الإيمان لقلوبهم مما رأوه من الآيات البينات والمعجزات الباهرات التي أُوتيها نبي الله موسى ﷺ؛ فلجأ إلى سبيل التحايل والمكر والمخادعة؛ فلبس ثوب الهادي إلى الرشاد، والناصح الشفوق، والداعي إلى سبيل الهدى.
وإن قصة «وثيقة الترشيد» التي ولدت مسخًا في محاضن أجهزة الأمن المصرية لتعيد لنا هذا المشهد بحيثياته ومضامينه؛ لنعلم أن معركة الحق مع الباطل واحدة، وأن تنوع أساليبها واختلاف أدواتها وتطور آلاتها لا يعني بحال تغير حقيقتها أو اندثارها.
ولهذا فإننا نقول وبكل فخرٍ واعتزاز وثقة: إن من أعظم مكاسب الاستمساك بطريق الجهاد والثبات عليه؛ هو إرغام هذه الأجهزة المستكبرة المتجبرة المستعلية لأن تخضع وهي كارهةٌ راغمة لتخاطب أهل الجهاد بهذا المنطق الجديد عليها، منطق الدليل والحجة والمجادلة ولو كذبًا وادعاءً وتضليلًا، بعد ما كانت لا تعاملهم ولا تخاطبهم إلا بلغة واحدة، هي: لغة سلخ الجلود وتكسير العظام وانتهاك الأعراض والحرق بالنيران والإقبار في الزنازين، والتسلط على نسائهم وأبنائهم وأُسَرهم وأقاربهم.
فها هي اليوم وبفضل الله ﷻ أولًا، ثم بما فتح الله ﷻ به على المجاهدين من الثبات على المنهج الحق والاستمرار في الضربات المتتالية التي أهوت بأسيادهم وأذلت كبراءهم وأخضعت أربابهم، ها هي اليوم تكتشف أن لغة السياط لا تجدي، وأن دفن الأحياء في الزنازين لا يوقف المعركة، وأن المحاكم العسكرية والمحاكمات الصورية لا تزيد الجهاد والمجاهدين إلا رسوخًا وشموخًا، فعدلت ولو تحايلًا مؤقتًا إلى المسلك الفرعوني: ﴿وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
فأي ترشيدٍ أو رشادٍ هذا الذي تدعو إليه وثيقة الخذلان؟!
أهو الترشيد الذي يقول للمجاهدين وللمسلمين: كفوا أيديكم ودعونا نسفك من الدماء ونمزق من الأشلاء ما شئنا؟!
أو هو الترشيد الذي يقول لهم: تذللوا ولينوا واخفضوا أجنحتكم وذرونا ننهب من ثرواتكم ما طاب لنا؟!
أو هو الترشيد الذي يقول لهم: انشغلوا بأنفسكم، وانكبُّوا على همومكم، واتركونا نعيث في الأرض فسادًا؟!
أو هو الترشيد الذي يقول لهم: تشبثوا بدنياكم واركضوا وراء لقمة عيشكم، وانصرفوا لطلب رزقكم، ودعونا نسوسكم بأهوائنا، ونصليكم بجحيم أحكامنا؟!
أو هو الترشيد الذي يقول: ما لكم وللنصارى المحتلين؟ واليهود السفاحين؟ والمرتدين المتسلطين؟، فإن احتلوا أرضكم فاستسلموا، وإن استعلوا عليكم فاخضعوا، وإن سبوا نساءكم فتصبروا، وإن سلبوا أموالكم فلا تستنكروا!!
ثم أي حرصٍ هذا الذي تفجرت ينابيعه في قلوب الطغاة العتاة القساة حتى قام أهلها على تهيئة المناخ المناسب، وإنفاق الأموال الطائلة، وتسخير وسائل الإعلام المتعددة، وإجراء اللقاءات المتتالية؛ ليوصلوا كلمات النصح وعبارات التوجيه ومعاني الإشفاق إلى المجاهدين؟!
وما الذي أيقظ هؤلاء الجلادين بعد سلسلة فظائعهم ومسيرة إجرامهم التي لا يمكن أن تنسى أو تمحى من ذاكرة التاريخ ليبينوا لنا نحن المجاهدين ما هي الأحكام الشرعية التي علينا أن نراعيها ونضبط بها ونسير وفقها في جهادنا ضد أعدائنا؟!
فهل بلغت بنا البلاهة والحمق والسفه أن نصدق أن الحكومة المصرية وأجهزة أمنها قد انقلبت بين عشية وضحاها لتصبح جامعة الأزهر حينما كان زاهرًا؟ فنتلقف ما تلقيه إلينا ونحن مطمئنون كل الاطمئنان أن من أفتانا مِن داخلها أو نصحنا أو رشَّدنا هم من العلماء المتجردين المشفقين فنأخذ ما قالوا على أنه عسل مصفى أو لبن سائغ؟!
إنما ما يزعمه المروجون لوثيقة الخذلان هو أن ما دُوِّن فيها قد سجله من نسبت إليه بكامل اختياره وتمام إرادته بعيدًا عن الضغط والإكراه والإلجام.
وهنا من حقنا نحن كعقلاء أن نسأل سؤالًا بريئًا وهو: إذا كانت تلك الوثيقة تعبِّر عن قناعة صاحبها المنسوبة إليه؛ فلماذا تحتفظ به أجهزة الأمن وراء القضبان؟ ولِمَ تدَّخِرُه في زنازينها وبإمكانه أن يقدم لها خدمةً هي أضعافَ أضعاف ما ترجوه وتريده منه؟
فلترسله إلى ساحات الجهاد ومواطن الرباط ليناقش هؤلاء المجاهدين مشافهةً ويبيِّن لهم أخطاءهم ويحذرهم من شر مزالقهم التي زعموها، فلتبادر أجهزة الأمن المصرية إلى هذه الخطوة لتكمل مسيرة نصحها وترشيدها للجهاد والمجاهدين فيحصل لها ما تريد! ألا ساء ما يحكمون.
وكما هو من المعلوم؛ فإنَّ هؤلاء الذين نُسبت إليهم وثيقة الترشيد -سواء صحت النسبة أو كذبت- هم أعرف الناس بحقيقة هذه الأجهزة، وأكثرهم اطلاعًا على كيفية تعاملها مع من يُشتم منه رائحة المخالفة للنظام المصري الفرعوني سواء كان من الإسلاميين أو من غيرهم فضلًا عن أن يكون من المجاهدين.
وقد كان هؤلاء أيضًا رؤوسًا في الجماعات الجهادية، وكتبهم وتأصيلاتهم وفتاواهم وأبحاثهم لا تزال شاهدة على موقفهم منها، ومبيِّنة لحكمهم عليها، ومن كان بهذه المنزلة فلا أحد يجهل كيفية تعامل أجهزة الاستخبارات المصرية وغيرها معه، وأن صنوف العذاب وأنواع النكال التي توصل إليها أبالسة الزمان كلها من نصيبه وفي انتظاره، فما الذي جعل هذه الأجهزة الحاقدة تعدل عن كل ذلك وتستبدل به سياسة الانفتاح والتسهيل وتوفير سبل الترشيد؟!
أليس هو يقين هذه الأجهزة أن هذه السياسة لم تعد تثمر مع هذا السيل المتدفق من المجاهدين شرقًا وغربًا، وهذه الصحوة العارمة من شباب الإسلام الذين لم يعودوا يعبؤون بسجونهم ولا يكترثون بسياطهم ولا يلتفتون إلى مؤتمراتهم ومؤامراتهم؟
إذن وحتى نكمل مسيرة الإرغام لهؤلاء المستكبرين المستعليين ونصل إلى نقطة النهاية التي هي: ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]؛ فعلينا شرعًا وعقلًا وواقعًا أن نثبُت على طريق الجهاد ونستمسك به استمساكنا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وأن نستمر في منازلتهم ومصاولتهم بكل ما نملك، متحملين أعباء المعركة، ومحتسبين أجر جراحاتها وعنائها وبلائها عند الله، وأن نضاعف من جهود التحريض لأمة الإسلام، وتهوين وتحقير شأن أعدائها في أعينها، وأن نبعث آمال النصر وبشائر الفتح والتمكين في قلوبها.
أما قطع المسيرة من وسطها، والتراجع إلى عصر الاستسلام للواقع والخضوع لأعداء الأمة كما تدعو إليه هذه الوثيقة المخذولة بدعوى الاستضعاف وقلة النصير وفداحة الضريبة التي تدفعها الأمة؛ فكل هذا ما هو إلا إعطاء نفس لهؤلاء المتسلطين ليعيدوا الاعتبار لعروشهم بعد ما تخلخلت، ولدولهم وأجهزتهم التي تضعضعت وتصدعت بفضل الله ﷻ ثم بضربات المجاهدين.
وكم يتمنى هؤلاء المجرمون وقد ذاقوا ما ذقنا من الجروح والقروح والآلام كم يتمنون التفاتة إنصات من مواكب الجهاد أو قليلًا من الركون أو المداهنة من قادتهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، وقال ﷻ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 73].
ولهذا فإن تضررهم وثورانهم من ازدراء المجاهدين لهم ولِدُولهم وأحكامهم وإصرارهم على عدم قبول أي نقطة التقاءٍ بهم؛ لا يقل عن تضررهم وتضجرهم من الضربات العسكرية التي تهزهم وتقتلع جذور حضاراتهم الزائغة الزائفة.
فما يجب أن يعلمه هؤلاء الذين يمكرون الليل والنهار وينفثون مكائدهم بالجهر والإسرار؛ أن الجهاد اليوم قد صار جهاد أمة، وأن روح العزة والإباء والإصرار قد جرت في شرايينها جريان الدم، وأن أيام الخداع قد ولت، وصفحات الإذلال قد محيت، وسياسات التعبيد قد لفظت، وأن المجاهدين عرفوا طريقهم بعد أن أشعلوا الأرض نارًا تحت أقدام أسيادكم؛ فلن يلتفتوا إلى الوراء ولن يعبؤوا بالصخب والهراء، فامكروا بما شئتم وكيدوا كما أردتم فالله مولانا ولا مولى لكم: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 32-33].
ولكن مع ذلك فنحن نتساءل: ترى ما هي دوافع هذه الوثيقة وإلى أي شيء يرمي مدبرو إخراجها في هذا الوقت والظرف؟
ابتداءً أقول مختصرًا: إن معركة الإسلام المعاصرة مع قوى الشر من الصليبيين وأذنابهم في آونتها الأخيرة قد سارت على ثلاثة اتجاهات متوازية، كلٌ منها يحتاج إلى كلمة مفصلة خاصة بها:
1- فالاتجاه الأول هو: تشديد الحملة العسكرية على المجاهدين في ساحات المعارك والاعتماد على الخونة والعملاء في ذلك، كما هو حاصل في العراق من خلال مشروع ما يسمى بـ«الصحوات» الذي دخلت فيه جموع ممن باعوا دينهم بدنيا غيرهم.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ | وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللئِيمَ تَمَرَّدَا | |
وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَى | مُضِرٌّ كَمَوْضِعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى٣٬٢٠٨[قاله: المتنبي. انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 48)]. |
2- والاتجاه الثاني هو: محاصرة ساحات الجهاد بالفتاوى الزائغة التي تجرم وتحرم النفير إليها، وتزهد شباب الأمة فيها وتثير الشبهات حولها، وتعيد الأمر كله لولاة الأمر وهم من هم في الخيانة والعمالة والنذالة ومحاربة الإسلام.
كالفتوى التي أصدرها مفتي آل سعود، وأتى فيها من العجائب والجهالات ما لم تسمع بمثله الأوائل؛ حتى زعم أن الرايات في تلك الساحات التي حرم النفير إليها ملتبسة! ولا أدري لعل راية «شوارسكوف» الذي قاد جيوش فتح الكويت كانت هي التي لا لبس فيها! لأن حاملها والداعي إليها قاتل لتكون كلمة أمريكا هي العليا!!
فمثل هذه الفتاوى ما جاءت عابرة، وإن غُرِّر بقائليها أحيانًا، وإنما كانت ضمن الحملة التي تريد استئصال المجاهدين في الداخل ومحاصرتهم من الخارج، وقطع مددهم من الرجال والأموال، ومواجهة مثل هذا الاتجاه؛ إنما يكون بتفنيد الشبهات التي يثيرها أصحاب الفتاوى الزائغة، ومواجهتها بالحق الصراح المحكم الذي لا يستطيعون تأويله ولا دفعه ولا التلاعب فيه، وهي مهمة أهل العلم الذين ألقى الله ﷻ عليهم أمانة تبليغه ليكونوا ورثة نبينا ﷺ حقًا لا ادعاءً: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ﴾ [آل عمران: 187].
3- أما الاتجاه الثالث: فهو خلخلة عبادة الجهاد وزعزعتها والتشكيك فيها وبث الشبهات حول أصولها وقواعدها التي يقوم عليها، كتعيِّن الجهاد على المسلمين اليوم، ووجوب طرد المحتلين، والخروج على الحكام المرتدين، ودفن معاني الولاء والبراء؛ ليُستبدل بها الروابط الوطنية والقومية والعصبيات الجاهلية.
وإحدى وسائل تنفيذ هذه المهمة هو ما تفتقت عنه عقول المكر في أوكار أجهزة الأمن المصرية بوثيقة ترشيدها؛ فعليه فإنني أنبه إخواني المجاهدين خصوصًا، والمسلمين عمومًا إلى أهم الأحداث التي تريد هذه الوثيقة أن تصل إليها بطرق ملتوية وزمزماتٍ خفية قد لا يدركها كثيرٌ ممن يقرؤها -ومع ذلك فالرد التفصيلي على شبهاتها سيأتي مدونًا مفصلًا بإذن الله ﷻ وعونه-:
فأول تلك الأهداف هو: إشغال المجاهدين بين الحين والحين بإثارة قضايا تبلبل صفوفهم وفتح جبهةٍ جديدة عليهم، واستدراجهم إلى الصراعات الفكرية المجردة، والانغماس في معركة الردود بدلًا من المعارك القتالية في ساحات الوغى، والتي أنهكت العدو عسكريًا واقتصاديًا، وكشفت إفلاسه فكريًا ومنهجيًا، وفضحت جرائمه على رؤوس الأشهاد، وعرت حضارته التي يتبجح بها ويدعو إليها.
فليحذر المجاهدون من الانزلاق إلى هذا المهوى والانسياق وراء ما يسوق له أعداء الإسلام من أن المعركة بيننا وبينهم إنما هي فقط معركة فكرية، فتأخذ هذه الفكرة بألبابنا ونغفل عن أسلحتنا وهم في أوج تيقظهم وتدبيرهم؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ [النساء: 102].
ووجود الصراع العقدي أو الفكري كما يسمونه وإن كان قائمًا بيننا وبين أعدائنا، ولكن وفق مفهومنا نحن المسلمين، لا بمفهومهم وتصورهم هم، إلا أنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن قتال من تنكر عن شريعة الله وحارب أولياءه ووالى أعداءه.
الهدف الثاني من وراء هذه الوثيقة هو: تصوير المجاهدين كأنهم عصابة من النهاب والسرَّاق وأصحاب السطو وأتباع الأهواء المنسلخين من كل قيمة أو خلق أو انضباط أو دين، أو أنهم شرذمة من الجهلة الأغرار الذين لا يقودهم علم، ولا يضبطهم فهم، ولا يقيدهم عقل، وهو معنىً مكرر ومؤكدٌ في وثيقة الخذلان، ولهذا فقد قدم صاحب الوثيقة هذه المعاني الدنيئة في ثوب النصح والتوجيه والإرشاد والشفقة؛ وكأن تلك الأوصاف الرذيلة التي زعمها هي من الأمور المسلمة في حقهم والتي لا يحتاج إلى إثباتها ولا مجال للاعتراض عليها، وإنما علينا فقط الانشغال في علاجها.
وهذا المعنى التشويهي للمجاهدين وأعمالهم البطولية؛ تتولى كبره أيضًا وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وتحاول جهدها تأكيد هذا المعنى وتقريره بكل وسيلة وتحت أدنى مناسبة بالكذب والبهتان والإفك؛ حتى يعزل المجاهدون عن أمة الإسلام، بعدما صوروا لها على أنهم عصابة من المجرمين المارقين الذين لا يحملون قضية ولا هم لهم إلا سفك الدماء ونهب الأموال وتشريد الآمنين، قال ﷻ: ﴿كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا﴾ [الكهف: 5]، وقد حذرنا الله ﷻ من هذا الصنف من المخذولين المرجفين فقال: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 47].
أما ثالث أهداف وثيقة الخذلان وهو نقيض ما أشرت إليه آنفًا: حيث يريد أصحاب هذه الوثيقة تحسين صورة الغرب الكافر في أعين الناس، وعلى رأسهم أمريكا، وتلميع صورتهم أمامهم وإظهارهم على أنهم هم أصحاب العدل والوداعة والرقة والإنصاف وإيواء المظلوم، ومن ثم فعلينا أن نجعلهم أسوةً لنا في التعامل معهم مثلًا بمثل؛ فهم قدوتنا في محاسن الأخلاق ونحن تبع لهم في ذلك، وهذا لتعزيز معنى التبعية وإعادة الافتتان بحضارتهم، وتخفي وثيقة الخذلان الجرائم اليومية التي يرتكبها هؤلاء الجزارون وتغض الطرف عن تلك الفظائع التي لا تكاد البشرية قد مرَّت على مثلها من القتل الجماعي وإبادة الشعوب والإذلال المتواصل والسرقة المقننة وغيرها؛ فهي وثيقة تعطي صورةً بشعة للمجاهدين وصورةً لطيفة منمقة لهؤلاء الكفرة المردة.
أما رابع أهداف وثيقة الخذلان: فهو تخدير الأمة الإسلامية، وغرس روح القبول بالواقع وتأصيل معنى الاستسلام في قلوبها، والتأكيد على أنها حالةٌ متجذرةٌ عميقةٌ متشعبةٌ لا وسيلة لعلاجها، ولا حيلة معها، ومن العبث التفكير في تغيير هذا الواقع واقتلاعه، فالواجب هو الاعتراف به والتعامل معه على أنه حقيقةٌ قائمةٌ لا مجال لإنكارها أو التنكر لها، ولا فائدة من وراء أي سعي لإقامة غيرها وهذه الفكرة بمجملها خطوةٌ أولى نحو الدعوى للتعايش السلمي العالمي وترسيخ مفهوم المواطنة بدلًا من مفهوم الولاء والبراء، وما هذا كله إلا للتخذيل والإرجاف والتثبيط؛ الذي يجب أن يواجه بكل قوة، وأن يرد عليه بكل صرامة، وأن نرفض أن نرجع خطوة للوراء نحو الاستعباد والانكسار والمهانة، بعد أن مشينا خطواتٍ وقطعنا مسافاتٍ نحو التمكين لهذا الدين القويم.
وهناك أهدافٌ أخرى كبيرة وخطيرة حوتها وثيقة الخذلان، لا يسع المقام لذكرها وستأتي بإذن الله تعالى في الرد المفصل على الشبهات التي أثيرت في سطورها.
فيا معشر المجاهدين الصابرين المرابطين في أفغانستان والعراق والجزائر والصومال وفلسطين والشيشان وفي مصر وفي كل بقعة من بقاع عالمنا الإسلامي: انبذوا عنكم دعاوى الوهن والاستكانة والخوَر، وخذوا بوصية نبيكم ﷺ، واعلموا أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.. وليس الخبر كالمعاينة فمن ذاق طعم الجهاد ووجد عزته واستشعر قيمته وعاين آثاره؛ لا يمكن أن تؤثر فيه أو تزعزعه شبهات طائشة أو تلبيسات ركيكة مهما زينت ونمقت.
واعلموا -إخوة الجهاد- أن خروج مثل هذه الوثائق من سجون الإجرام والخسة ونسبتها إلى أناس كانوا أعلامًا في ساحات الجهاد، لهو مما يؤكد فرضية الجهاد ويثقل الأمانة عليكم، حيث اضطر هؤلاء الأسرى تحت وطأة الإجرام المقنن والإذلال المتواصل لأن يدونوا لمثل هذه الأقاويل والأضاليل؛ فاستشعروا أمانة فكاكهم بكل ما تستطيعون وابذلوا جهدكم لرفع الظلم والقهر والأسر عنهم بدلًا عن الانشغال بالطعن فيهم والحط من قدرهم، واثبتوا على طريق الجهاد تزدادون عزةً ورفعة، ويزداد عدوكم انحسارًا وانكسارًا.
وقولوا لأجهزة الخداع والمراوغة «لست بالخب ولا الخب يخدعني»؛ فلا دواء لكم إلا السيف، قال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123]، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا