باب الجنَّةُ تحت ظلال السيوفِ وهي مفاتيحها

الحديث الخامس: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى أنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ)١٬٧٩٩رواه أحمد [١٩٥٣٨]، ومسلم [١٩٠٢]، والترمذي [١٦٥٩]، وابن حبان [٣٥٩]..

بعض فوائد الحديث:

الأولى: فضل الجهاد في سبيل الله وأنه طريقٌ إلى الجنة، قال النووي: «قال العلماء: معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها»١٬٨٠٠[شرح النووي على مسلم: (13/46)]..

الثانية: حضّ المؤمن على أن يكون صاحبَ همةٍ مجاهدًا لا قاعدًا مع الخالفين خائرًا.

الثالثة: كلما اقترب المجاهد من عدوِّه ولاصقه عند منازلته؛ كان أقربَ للجنة ففيه فضيلة الانغماس وطلب الشهادة بذلك.

الرابعة: الاقتداء بالنبي ﷺ في التحريض على الجهاد.

الخامسة: نشر العلم حتى عند مصافَّة العدو، وتبليغ الناس بما يناسب حالهم فيه.

السادسة: حضور العلماء للقتال ومشاركتهم فيه بأنفسهم وتحريضهم عليه بألسنتهم.

ص 1077

السابعة: كون أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، وفيه إشارة -والله أعلم- إلى أن الشهيد ينال الجنة بمجرد مقتله، قال العلامة ابن الحاج: «ويظهر -والله أعلم- أن مكان المعركة وجلاد الكفار منه تنقل روح الشهيد حين الشهادة وتدخل الجنة، كما جاء في القرآن وصحيح الأخبار»١٬٨٠١[المدخل لابن الحاج: (3/15)]..

الثامنة: مشاركة أهل البذاذة والرثاثة في الجهاد.

التاسعة: حرص المجاهد على دخول الجنة بلزوم الجهاد والثبات عليه.

العاشرة: ضرورة صبر العالم وعدم تضجُّره وإن روجع للاستيثاق والتأكد والتيقُّن مما قال.

الحادية عشرة: لا حرج في عزم المجاهد أن يقاتلَ حتى يقتلَ طلبًا للجنَّةِ بل ذلك من مناقبه.

الثانية عشرة: قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «وإنما كسر الغمد على عزم ألا يغمد السيف، وهذا الرجل كان صاحب همةٍ عالية فلما صحت عنده الفضيلة جد نحوها»١٬٨٠٢[كشف المشكل: (1/417)]..

الثالثة عشرة: جواز توديع الرجل أصحابه قبل انغماسه في العدو.

متفرِّقات:

أولًا: بعض تبويبات الأئمة رحمهم الله: في صحيح مسلم أُدْرِجَ تحت: «باب ثبوت الجنَّةِ للشهيد»، وعند ابن حِبَّان تحت: «ذِكْرُ رَجَاءِ نَوَالِ الْجِنَّانِ بِالثَّبَاتِ تَحْتَ أَظِلَّةِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، والبيهقي تحت: «بَابُ مَنْ تَبَرَّعَ بِالتَّعَرُّضِ لِلْقَتْلِ رَجَاءَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ»، وابن أبي شيبة تحت «ما ذُكر في فضلِ الجهادِ والحثِّ عليه» بلفظ: (إِنَّ السُّيُوفَ مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ) بدل إن الجنة تحت ظلال السيوف.

ثانيًا: قال البخاري: «بَاب: الْجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: (مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ)، وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: (بَلَى)، فقد ألمح بعض العلماء إلى أن جمع البخاري بين هذا التبويب وقول المغيرة وعمر رضي الله عنهما إلى أن حديث الجنة تحت ظلال السيوف يدل على فضل الشهادة في سبيل الله.

ص 1078

ثالثًا: قال القرطبي: «وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين»١٬٨٠٣فتح الباري: (6 / 33)..

رابعًا: بحسب الظاهر فإن في كسر هذا المجاهد جفن سيفه وإلقائه له إتلافًا للمال وتضييعًا له، وذلك منهيٌّ عنه لا سيما مع إمكان الانتفاع به بأن يُسلِمَه أحدَ أصحابه، ولكن -والله أعلم- فإن مفسدةَ الإتلاف مغمورةٌ بجانب مصلحة ما يُتَحصَّل من هذا المشهد مما يدل على مَضاء العزيمة ورباطة الجأش وقوة اليقين وصرامة الإقدام وكمال التصديق، كما قال الملا القاري رحمه الله: ««فألقاه»؛ أي: الغلاف إشعارًا بأنه لا يريد الرجوع إلى الدنيا بعد إقباله على العقبى»١٬٨٠٤[مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (6/٢٤٩٢)].، هذا مع ما يتبعه من تقوية قلوب إخوانه وتشجيعهم وتهوين أمر القتل في أعينهم.

ومن هنا بقي ذِكر فعله مصاحبًا لرواية هذا الحديث، وإذا جاز للمرء الانغماسُ في صفوف العدو مع غلبة ظنِّه أنهم يقتلونه لأجل بعض المصالح التي ذكرها العلماء كتجرئة الجيش وإرهاب أعدائهم -والجود بالنفس أقصى غاية الجود- فما جفنٌ يكسره صاحبه بجانب ما ذكر من المصالح؟! وكم في الجهاد من الأمور التي تجوز فيه ولا تجوز في غيره، بل منها ما ينقلِب فعلًا يحبه الله ﷻ ويُحمَد عليه فاعله كالاختيال، هذا ما ظهر لي في المسألة، والعلم عند الله.

بوَّب البخاري رحمه الله على حديثٍ بقوله: «باب مَنْ لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلاحِ عِنْدَ الْمَوْتِ»، وقال الإمام ابن حجرٍ رحمه الله: «ولعل المصنف لمح بذلك إلى من نقل عنه أنه كسر رمحه عند الاصطدام حتى لا يغنمه العدو أن لو قتل، وكسر جفن سيفه وضرب بسيفه حتى قتل، كما جاء نحو ذلك عن جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، فأشار إلى أن هذا شيء فعله جعفر وغيره عن اجتهاد، والأصل عدم جواز إتلاف المال لأنه يفعل شيئًا محققًا في أمر غير محقق»١٬٨٠٥فتح الباري لابن حجر: (6 / 97)..

❖ ❖ ❖

ص 1079