بَابٌ: الْأَمْوَالُ
«الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْأَمَانَاتِ:» التي أُمر الولاة وغيرهم بأن يؤدوها لأهلها «الْأَمْوَالُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الدُّيُونِ: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ [البقرة: 283]، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ: الْأَعْيَانُ، وَالدُّيُونُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، مِثْلُ رَدِّ الْوَدَائِعِ»، والودائع يجب أن تُحفظ في حرز مثلها حتى لا تكون مُضيِّعًا لها، «وَمَالِ الشَّرِيكِ»، والذي عليك أن تراقبه وتحفظه تمامًا كما تحفظ مالك الخاص، «وَالْمُوَكِّلِ، وَالْمُضَارِبِ، وَمَالِ الْوَلِيِّ مِنَ الْيَتِيمِ وَأَهْلِ الْوَقْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ»، سواء كانت هذه الأموال قيمة أو أعيانًا؛ فهذه الأموال واجب على أصحابها تأديتها.
«وَكَذَلِكَ وَفَاءُ الدُّيُونِ مِنْ أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَبَدَلِ الْقَرْضِ، وَصَدَقَاتِ النِّسَاءِ»؛ أي المهور، «وَأُجُورِ الْمَنَافِعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿۞إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٢٢ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ ٢٣ وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ [المعارج: 19-25]... إلى قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾ [المعارج: 32]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ [النساء: 105]؛ أَيْ لَا تُخَاصِمْ عَنْهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)٢٬٠٦٨من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: الحاكم: (2296)، والترمذي (1264)، وأبو داود (3535). وصححه الألباني.، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللهِ)٢٬٠٦٩من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه: ابن حبان (4862)، والحاكم (24)، وأحمد (24004)، ولفظه: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه النَّاس على أنفسهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ابن حبان (510)، وأحمد (12583)؛ ولفظه: (المؤمن من أمنه النَّاس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه)، وصححه الألباني.، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ٢٬٠٧٠من حديث عبد الله بن عمرو العاص رضي الله عنه: البخاري: (10)، ومسلم: (40).، وَبَعْضُهُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِي٢٬٠٧١من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (180)، والحاكم: (22)، الترمذي: (2627)، ولفظه: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه النَّاس على دمائهم وأموالهم)، وصححه الألباني.، وَقَالَ ﷺ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ)٢٬٠٧٢من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2257)، وابن ماجه: (2411)، وأحمد: (8718). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ»، وهذا من الأحاديث التي استدل بها العلماء على أن من استدان أو أخذ المال بحق ثم قُتل؛ فإنه يُغفر للشهيد إذا عَجَز عن قضاء هذا الدَّين، فالله يؤدي عنه وقالوا: «إن الله ﷻ يُرضي الدائن يوم القيامة»٢٬٠٧٣قال ابن حجر: «قوله: (أدى الله عنه) في رواية الْكُشْمِيهَنِيِّ: (أداها الله عنه) ولابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة: (ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا)، وظاهره يحيل المسألة المشهورة فيمن مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يعسر مثلا، أو يفاجئه الموت وله مال مخبوء، وكانت نيته وفاء دينه، ولم يوف عنه في الدنيا، ويمكن حمل حديث ميمونة على الغالب، والظاهر أنه لا تبعة عليه والحالة هذه في الآخرة بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب، وإن خالف في ذلك ابن عبد السلام والله أعلم» فتح الباري: (5 / 54)..
«وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَوْجَبَ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ الَّتِي قُبِضَتْ بِحَقٍّ» كالديون وغيرها، «فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَظَالِمِ»، فإذا كان الشرع قد أمرنا بأداء الحقوق التي أخذناها على وجه حق كالدَّيْن، لأن صاحبه أعطاه لك عن طيب من نفسه، وعن رِضًا منه، وأنت أخذته إما لأمر واجب كالنفقات الواجبة، أو لأمر مشروع، وأنت مأمور شرعًا بأن تؤدي هذا المال إلى أهله؛ فكيف بمن أخذ أموال النَّاس بغير حق، كالذي غصب أموال النَّاس وأخذها قهرًا؟، أو كالذي سرقها أو كالذي خان النَّاس في أموالهم؟ فهؤلاء لا شك بأنهم مطالبون بردِّها من باب أولى؛ لأنهم أخذوها على وجه غير شرعيٍّ أصلًا، وبغير طيب من أصحاب هذه الأموال بل قهرًا منهم أو خيانة، والنبي ﷺ يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)٢٬٠٧٤من حديث عمرو بن يثربي رضي الله عنه: أحمد: (21119)، ولفظ الشاهد: (ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه) وصححه الأرناؤوط، ومن حديث حنيفة الرقاشي رضي الله عنه: أحمد: (20714)، ولفظ الشاهد: (لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه)، وصححه الألباني، ومن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه: الحاكم: (318)، ولفظ الشاهد: (ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس)..
«وَكَذَلِكَ أَدَاءُ الْعَارِيَّةِ، وَقَدْ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: (العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ)؛ يعني إذا استعار الإنسان من أخيه شيئًا كسيارة فعليه أن يؤديه بعد قضاء حاجته منه، (وَالـمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ)؛ هذا أمر قديم؛ كان يأتي عند الإنسان ضيوف، وليس عنده شاة يحلبها، فيأخذ شاة من رجل لتبقى عنده أيامًا يحلبها ويأخذ من حليبها، فإذا انتهى منها فعليه أن يردَّها لصاحبها، (وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ)؛ الزعيم يعني الكفيل ﴿وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾ [يوسف: 72]؛ أي وأنا به كفيل٢٬٠٧٥تفسير الطبري: (16 / 179-180)، تاج العروس: (32 / 312)، لسان العرب: (12 / 264)، معجم مقاييس اللغة: (3 / 10).؛مثلًا: أنا استدنت من رجل، فجاء رجل آخر وقال: أنا كفيل بأن يقضي لك ذلك الرجل الدين، أو قال: أنا أتحمله إذا لم يقضك، ففي هذه الحالة إذا عجز الأول؛ فعلى الآخر أن يكون غارمًا، أي أن يكون هو الذي يتولى قضاء الدين، (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ٢٬٠٧٦من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: الترمذي: (2120)، وأبو داود: (3565)، وأحمد: (22348) ولفظه: (إن الله ﷻ قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، ولا تنفق المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها)، فقيل: «يا رسول الله ولا الطعام؟» قال: (ذاك أفضل أموالنا)، ثم قال: (العور مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم)، وصححه الألباني.).
«وَهَذَا الْقِسْمُ يَتَنَاوَلُ الْوُلَاةَ وَالرَّعِيَّةَ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا: أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْآخَرِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ، فَعَلَى السُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ فِي العَطَاءِ، أَنْ يُؤْتُوا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»؛ فإذا أعطى الله ﷻ بعض النَّاس حقًا من هذه الأموال، فعلى ذي السلطان أن يعطي هؤلاء المستحقين، وألا يمنعهم من هذا المال؛ كمال الفيء فيدخل فيه الفقراء وأهل المصالح العامة، وكذلك الصدقات لها مصارف معروفة «وَعَلَى جُبَاةِ الْأَمْوَالِ، كَأَهْلِ الدِّيوَانِ أَنْ يُؤَدُّوا إلَى ذِي السُّلْطَانِ، مَا يَجِبُ إيتَاؤُهُ إلَيْهِ»، جباة الأموال: أي الذين يجمعون الأموال من النَّاس؛ فعلى هؤلاء أولًا: أن يجمعوا المال بحق، فلا يظلموا النَّاس في أخذ ما لا يجب عليهم شرعًا، وعليهم ثانيًا: أن يؤدوا ما أخذوه إلى ذي السلطان؛ فهم أمناء في أخذ الأموال التي أوجب الشرع أخذها من النَّاس كالزكاة الواجبة ولا يأخذوا فوق ذلك، وإذا أخذوا هذه الأموال فلا يدِّخروا ولا يخفوا منها شيئًا، وإنما يجب عليهم أن يؤدوها إلى السلطان أو إلى نوابه ليقسمها في مستحقيها.
«وَكَذَلِكَ عَلَى الرَّعِيَّةِ، الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحُقُوقُ»، وكذلك الرعية عليهم أن يؤدوا ما أوجب الله ﷻ عليهم إخراجه من الأموال كالزكاة، وألا يخفوها؛ فإذا ظلمهم هذا السلطان المسلم، فبسبب ظلمهم له في جانب يظلموا في جانب آخر فلا تكون أعمالهم مقايضة، وإنما عليهم تأدية هذه الأموال إلى ذي السلطان المسلم الذي يضعها في موضعها الشرعي ولو ظلمهم في بابٍ آخر.
فلو كان هناك والٍ مسلم وفرض على النَّاس الضرائب -والمكوس محرمة-، وطالبهم بإخراج الزكاة، وهو إذا أخذ الزكاة قسمها على مستحقيها ممن ذكر الله ﷻ؛ فأخذ الوالي للضرائب والمكوس ظلمًا لا يبيح للرعية منع إخراج الزكاة وإعطائها إلى الجُباة حتى يوصلوها للسلطان، وهذا هو سبب استدلاله بالآية التالية التي فيها رمي المنافقين بالمقايضة، فقال:
«وَلَيْسَ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْ وُلَاةِ الْأَمْوَالِ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ فَيَكُونُوا مِنْ جِنْسِ مَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩ ۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 58-60]، وَلَا لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا السُّلْطَانَ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا؛ كَمَا أَمَرَ النّبِيُّ لَمَّا ذَكَرَ جَوْرَ الوُلَاةِ، قَالَ: (أَدُّوا إِلَيْهِمُ الَّذِي لَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)٢٬٠٧٧[ذكره الشيخ بالمعنى، ولفظه الصحيح ذكره بعده بقليل].، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ وَيَكْثُرُونَ) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: (فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)٢٬٠٧٨من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (3268)، ومسلم: (1842)، وابن حبان: (4555)، وابن ماجه: (2871)، وأحمد: (7947).»، وهذه نصوص صريحة في الولاة المسلمين الظلمة فعليهم أن يؤدوا حقوقه ولو ظلمهم، وأما الإمام الكافر فنحن أُمرنا بالخروج عليه وبنزعه وليس بطاعته.
«وَفِيهِمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً»؛ أي يختصون بأموال أنتم تستحقونها ولكن يختصون بها دونكم، « وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ)؛ يعني الحق الذي أوجبه الشرع عليكم، (واسْأَلُوا اللَّهَ حَقَّكُم)٢٬٠٧٩من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: البخاري: (3408)، ومسلم: (1843)، وابن حبان: (4587)، وأحمد: (4127).»؛ يعني لا تنازعوهم، وذلك لأن هذا الموطن يؤدي إلى فتن واضطراب وسفك للدماء ونحوها؛ فتكون المفسدة أعظم بكثير من الظلم الواقع على الرعية في أموالهم، إلا إذا كان كفرًا بواحًا، فليس هناك مفسدة أعظم من مفسدة تسلط الكفار على المسلمين، فتسلطهم يؤدي إلى فساد أمور الدين والدنيا.
«وَلَيْسَ لِوُلَاةِ الْأَمْوَالِ أَنْ يُقَسِّمُوهَا بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ، كَمَا يُقَسِّمُ الْمَالِكُ مِلْكَهُ، فَإِنَّمَا هُمْ أُمَنَاءُ وَنُوَّابٌ وَوُكَلَاءُ، لَيْسُوا مُلَّاكًا»، فكما يجب على الرعية أن يخرجوا ما أمرهم الله بإخراجه وإعطاءه إلى السلطان؛ فالسلطان ليس له أن يقسم هذه الأموال بحسب رؤيته وهواه ورغبته، فهذا المال ليس ملكا له ولا من كدِّه ولا كدِّ أبيه، وإنما عليه أن يضعه حيث أمره الله ﷻ، ففي الزكاة أمر الله أن تُجعل في الفقراء المساكين والعاملين عليها... إلى آخر الأصناف الثمانية، وفي الغنيمة كما قال الله تعالى: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]؛ على اختلاف بين العلماء في حكم هذا الخمس.
فالمقصود أنه يجب عليه أن يضع هذا المال في الموطن الذي جعله الشرع من مستحقيه، فإنما هم أمناء، كما قال أبو مسلم الخولاني لمعاوية: «السلام عليكم أيها الأجير»٢٬٠٨٠[ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث: (2/527)، ورواه أبو نعيم في الحلية: (2/125)، وغيرهما]. «كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنِّي -وَاللهِ- لَا أُعْطِي أَحَدًا، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا؛ وإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ)٢٬٠٨١من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2949)، وأحمد: (10262) ولفظه: (ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت)، وعند أبي داود: (2949)، وأحمد: (8140) بلفظ: (ما أوتيكم من شيء وما أمنعكموه، إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت).، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه نَحْوُهُ»، فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ فكيف بمن بعده؟
وهناك أموال أوكل الله تقسيمها إلى الأمراء بحسب اجتهادهم ونظرهم، ولكن ليس بحسب أهوائهم؛ فالاجتهاد يقتضي البحث والاحتياط حتى يصل إلى أفضل المصارف ليكونَ معذورًا.
«فَهَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَالِكُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ، وَكَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَنْ أَحَبُّوا، وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَبْغَضُوا»، فليست هذه طريقة الشرع في تقسيم الأموال: أن تقدِّم من تحبه أو تمنع من تبغضه، فهذا من الجور والظلم، «وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، يَقْسِمُ الْمَالَ بِأَمْرِهِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى».
وَهَكَذَا قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ وَسَّعْتَ عَلَى نَفْسِكَ فِي النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ اللهِ تَعَالَى»؛ يعني لو أخذت شيئًا من بيت المال لتنفق به على نفسك وأبنائك.. وهذا يدل على ورع عمر رضي الله عنه وعلى احترازه في أمور الأموال، حتى ذكر بعض السلف قال: «رأيت عمرَ يخطب على المنبر وفي ثوبه ثلاث عشرة رقعة»٢٬٠٨٢حلية الأولياء: (1 / 53)، البداية والنهاية: (7 / 152)، الكامل في التاريخ: (2 / 455)، تاريخ دمشق: (44 / 293).، فهذا عمر بن الخطاب فماذا يقول الملوك الظلمة الكفرة في هذا الزمان الذين امتصُّوا أموال النَّاس ولم ينفقوها على أنفسهم فقط، وإنما أنفقوها على الكفرة الذين يحاربون دين الله ﷻ؛ فتذهب أموال المسلمين لترجع حِمَمًا على رؤوسهم؛ فهؤلاء كيف سيواجهون ويقابلون اللهَ ﷻ؟! «فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَدْرِي مَا مَثَلِي وَمَثَلَ هَؤُلَاءِ؟ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَجَمَعُوا مِنْهُمْ مَالًا، وَسَلَّمُوهُ إِلَى وَاحِدٍ يُنْفِقَهُ عَلَيْهِمْ، فَهَلْ يَحِلُّ لِذَلِكَ الرَّجُلَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْوالِهِمْ؟٢٬٠٨٣محض الصواب: (1 / 383)، والطبقات الكبرى لابن سعد: (3 / 281)، وتاريخ دمشق: (44 / 299).»؛ فمهمته النفقة عليهم وحقه كحقهم فقط، وليس له أن يخصَّ نفسه بشيء من هذا المال ويحرمهم منه؛ لأنه شريك في هذا المال، حقهم وحقه واحد لا فرق بينهم، فيقول عمر: وإن كنت أنا أمير المؤمنين إلا أنَّ هذا المال حقي وحقكم فيه سواء، إنما أنا رجل أمنتموني على هذه الأموال لأنفقها عليكم؛ فليس لي أن أستأثر وأُخَصَّ بشيء منها لنفسي.
«وَحُمِلَ مَرَّةً إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه مَالٌ عَظِيمٌ مِنَ الْخُمْسِ» مما أخذوه من الفرس «فقال: «إِنَّ قَوْمًا أَدُّوا الْأَمَانَةَ فِي هَذَا لَأُمَنَاءُ»، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ٢٬٠٨٤وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.: «إِنَّكَ أَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَأَدُّوا إِلَيْكَ الْأَمَانَةَ، وَلَوْ رَتَعْتَ لَرَتَعُوا»٢٬٠٨٥البداية والنهاية: (7 / 78)، والكامل في التاريخ: (2 / 362)، محض الصواب: (2 / 441)، (2 / 625).»، فلما حفظت الأمنة حفظوها، وهذا في كل الدول؛ عندما يكون الأمير سارقًا مرتشيًا و«حاميها حراميها» فتجد الرشوة تعم كل البلد، وإذا كان الأمير -والآن هذا غير موجود- أمينًا متقيًّا لله ﷻ لا يأخذ الأموال إلا بحقها ولا يصرفها إلا في مستحقها فعندها تجد الأمانة في النَّاس (كيفما تكونوا يولّى عليكم)٢٬٠٨٦من حديث أبي بكرة: القضاعي في «مسند الشهاب»: (1/336)؛ وعن أبي إسحاق السبيعي مُرسلا: البيهقي في شعب الإيمان: (7391) بلفظ: (كما تكونوا كذلك يؤمر عليكم) ضعفه الألباني، [وأصحُ من هذا المعنى أنَّ: الناس على دين ملوكهم]..
ومن نفائس ما قاله شيخ الإسلام: «وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ كَالسُّوقِ، مَا نَفَقَ فِيهِ جُلِبَ إلَيْهِ، هَكَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه، فَإِنْ نَفَقَ فِيهِ الصِّدْقُ وَالْبِرُّ وَالْعَدْلُ وَالْأَمَانَةُ؛ جُلِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ نَفَقَ فِيهِ الْكَذِبُ وَالْفُجُورُ وَالْجَوْرُ وَالْخِيَانَةُ؛ جُلِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ»، فصلاح الوالي من أسباب صلاح الرعية، وليس هذا في الجور والظلم فقط، حتى في مسألة الكفر، فعندما يكون الذي يتولى بلاد المسلمين من الكفرة الفجرة تجد الكفر والفسوق والفجور شائعًا بين المسلمين.
وقد كان السلف قديمًا يتكلمون عن بلاد يُسَبُّ فيها السلفُ لوجود الرافضة ولسبهم للصحابة رضي الله عنهم؛ فلم يتصوروا أن تكون هناك بلاد للمسلمين يفشو فيها سبُّ الدين وسبُّ الربِّ والاستهزاء به، حتى يصبح كالسِّمَة العامة المنتشرة بين المسلمين، وهذه من المصائب الكبار.
«وَاَلَّذِي عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ»، فهذا الواجب عليه أولا: فالشرع حدد مصادر الأموال لدولة الإسلام وسيذكرها شيخ الإسلام، فليس له أن يتجاوزها إلى غيرها، والأمر الثاني «وَيَضَعَهُ فِي حَقِّهِ» والثالث: «وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه إذَا بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ نُوَّابِهِ ظَلَمَ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ آمُرُهُمْ أَنْ يَظْلِمُوا خَلْقَك، أَوْ يَتْرُكُوا حَقَّك»٢٬٠٨٧تاريخ دمشق: (69 / 226).»٢٬٠٨٨[انتهت المحاضرة الثالثة بهذا، وشرع الشيخ بعدها في المحاضرة الرابعة، والله الموفق].
❖ ❖ ❖
فَصْلٌ: الْأَمْوَالُ السُّلْطَانِيَّةُ الَّتِي أَصْلُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
«الْأَمْوَالُ السُّلْطَانِيَّةُ الَّتِي أَصْلُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: الْغَنِيمَةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْفَيْءُ»، الأموال السلطانية هي التي يتولى السلطان -أو من يقوم مقامه- قسمتها والتصرف فيها.
القِسْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ: الْغَنِيمَةُ
«فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ: فَهِيَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْقِتَالِ، ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَسَمَّاهَا أَنْفَالًا، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ [الأنفال: 1].. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] الآية، وقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنفال: 69]، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)٢٬٠٨٩من حديث جابر بن عبد الله: البخاري: (328)، ومسلم: (521)، وابن حبان: (6398) والنسائي: (432).، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)٢٬٠٩٠من حديث عبد الله بن عمر: أحمد: (5114) وصححه الألباني.، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسنَدِ عَنِ ابْن عُمَرَ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ٢٬٠٩١في بداية باب: «ما قيل في الرماح».».
قَدَّمَ ذكر الغنائم على الصدقات والفيء؛ لأنها مصدر رزق النبي ﷺ فهو خير المصادر وأطيبُها، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ: (وجُعل رزقي تحت ظل رمحي)، وهي: كل مال أُخذ من الكفار على سبيل الغلبة والقتال والقهر، وقد ذكر الله ﷻ الغنيمة في كتابه وبيَّن أنه أحلَّها لهذه الأمة، وحِلِّيَة الغنائم من خصائص هذه الأمة؛ أما الأمم السابقة فكانت الغنائم حرامًا عليهم، وإنما كانوا يجمعونها فتنزل نار من السماء فتأكلها٢٬٠٩٢من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (4806)، والترمذي: (3085)، وأحمد: (7427) ولفظ الحديث: (لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل من السماء نار فتأكلها، فلما كان يوم بدر وقع النَّاس في الغنائم، فأنزل الله ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨﴾) وصححه الألباني.، وأما هذه الأمة فإن الله طيَّبها لهم، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (ذلك أن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا)٢٬٠٩٣من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2956)، مسلم: (1747)، وابن حبان: (4808)، وأحمد: (8185).، وورد ذكرها في بداية سورة «الأنفال»: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ [الأنفال: 1] فهذا هو الموطن الأول لذكرها، والموطن الثاني في قوله ﷻ: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]، وفي قوله ﷻ: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنفال: 69]؛ فهذه الآيات تدل على أنَّ هذه الأموال حلال لهذه الأمة.
وفي السُنَّة ثبت هذا عن النبي ﷺ وجعلها من خصائص هذه الأمة ومن مزاياها.
وتُسمى الغنائم أنفالًا أيضًا٢٬٠٩٤روى الطبري في تفسيره الطبري بسنده عن ابن عباس: «﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ﴾، قال: «﴿ٱلۡأَنفَالِۖ﴾، الغنائم. وروى كذلك عن غيره من التابعين: عكرمة، الضحاك، قتادة، عطاء، مجاهد رضي الله عنهم أجمعين، تفسير الطبري (13 / 361-362).، والنَفَل في اللغة هو الزيادة على الأصل٢٬٠٩٥وجماع مَعنى النَّفل والنافلة: «ما كان زيادةً على الأَصل، سُمِّيت الغَنائم أَنفالًا، لأنّ المسلمين فُضِّلُوا على سائر الأُمم الذين لم تَحِلّ لهم الغَنائم، وسُمّيت صلاة التطوُّع: نافلةً، لأنها زيادة أَجْر لهم على ما كُتب من ثَواب ما فُرض عليهم» تهذيب اللغة (15 / 256)، وانظر لسان العرب: (11 / 670)، تاج العروس: (31 / 16)، معجم مقاييس اللغة: (5 / 455).، ولذلك نسمي الصلاة التي تزيد عن الصلوات الخمس بالنافلة؛ لأنها زيادة عن الأصل، وكذلك جعل الله ﷻ يعقوبَ نافلة لإبراهيم عليهما السلام؛ لأن الله ﷻ أعطاه إسحاق وهو الأصل، ويعقوب نافلة؛ يعني زيادة على ما دعا الله ﷻ فيه، فالأنفال هنا هي زيادة على الأصل، إما أنها زيادة على أصل الأجر الذي يتحصل عليه المجاهدون، أو هي -كما ذكر هنا- زيادة على أموال المسلمين؛ أي زيادة في تكثير أموال المسلمين على المصادر الأخرى التي ذكرها الله تعالى، يحتمل هذا ويحتمل هذا.
وقال النَّبيُّ ﷺ: (وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري)، وذلك أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فبقدر إيمان الشخص بقدر عزته التي يعطيه الله ﷻ، وبقدر معصيته وبعده عن أحكام الله بقدر ما يناله من الذل والصغار (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وقد ذكر شيخ الإسلام في الاقتضاء أن أقل دلالات هذا الحديث أنها توجب الكفر، ولكن ليس المقصود به الكفر؛ فالتشبه بالكفار كبيرة من الكبائر، وذكر الشيخ ابن عثيمين هنا مسائل يٌخالف في بعضها.
أحكام الغنائم: «فَالْوَاجِبُ فِي الْمَغْنَمِ تَخْمِيسُهُ»؛ أي تقسيمه إلى خمسة أقسام كما قال الله ﷻ في الآية: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]، فهؤلاء يجمعهم خُمس، وبقيت أربعة أخماس وهي التي تكون للغانمين، وسيأتي الكلام عن تخميس الغنائم لأنها مسألة مختلف فيها، وقالوا: إنما ذكر الله ﷻ هذه الأصناف، حتى لا يظن الغانمون أنهم استحقوها كاملة، وتنبيهًا على أنهم أولى النَّاس بأن يُصرف لهم من الخمس كالمساكين واليتامى وكذوي القربى لأنهم لا يأخذون من الصدقات.
«وَصَرْفُ الْخُمُسِ إلَى مَنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى»، ولكن لم يذكر شيخ الإسلام هل يجب تخميس الخمس أم لا؟ يعني يصرف لليتامى، أو يصرف لابن السبيل، أو يصرف للمساكين.. ولكن هل يجب تخميس الخمس ويُصرف لكل صنف من هذه الأصناف خُمس من الخمس أم لا؟ هذا شيخ الإسلام لم يشر إليه في هذا الموطن والذي رجَّحه شيخ الإسلام أنَّ الخمس يرجع أمره إلى اجتهاد الإمام، قال: وهو الذي كانت عليه سيرة الخلفاء الأربعة وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله٢٬٠٩٦[انظر ترجيح شيخ الإسلام المذكور في: منهاج السنة (6/104)، وعزى هذا القول لأكثر السلف، وأنه أصح الأقوال، وعليه الأدلة]..
إذن أول ما يُبدأ بالغنيمة: تخميسها؛ أي تقسيمها إلى خمسة أجزاء، فالخمس يصرف على من ذكر الله ﷻ، والأربعة أخماس تكون للغانمين؛ أي للذين شاركوا في هذه الوقعة، قال: «وَقِسْمَةُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغَانِمِينَ» أي ويجب عليه قسمة الباقي بين الغانمين، هم الذين أشار عليهم عمر رضي الله عنه «قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ»٢٬٠٩٧من قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: البيهقي في الكبرى (17951)، (17952)، ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنده أيضا (17954)، ومن قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه عنده أيضًا (17956).، وَهُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا الْقِتَالَ، قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا»، وليس المقصود بشهود الوقعة هو أن يشارك الإنسان في القتال حقيقة، وإنما أن يخرج في هذه الوقعة لأمر يتعلق بالقتال، فلذلك فالذي يرسله الإمام أو الأمير كالطليعة؛ فيذهب للترصد لينظر ماذا يوجد في الطريق، أو الذي يرسله عيْنًا ليتجسس له على العدو، فهؤلاء لهم نصيب في الغنيمة كغيرهم من الغانمين وإن كانوا في الحقيقة لم يشاركوا في القتال. ولهذا قال شيخ الإسلام: «شهدوها للقتال»؛ أي لأجل القتال، لأنه قد يشهد الوقعة ويراها، ولكن ليس للقتال، وإنما للتفرج، أو جاء للتجارة كالذي يأتي لشراء الغنيمة؛ فهؤلاء ليس لهم نصيب في الغنيمة، لأنهم لم يشهدوا القتال لأجل المشاركة فيه بل للمشاهدة فقط أو للتجارة.
- هل للمدرب الذي دَرَّبَ الغانمين نصيب من الغنيمة؟
هذا ليس له من الغنيمة؛ لأن عمله مستمر، وليس متعلقًا بهذه المعركة، وإنما الذي يُقسم له هو المتعلِّق عمله بهذه المعركة، وأخَّره عن المشاركة أمرُ الأمير بأمرٍ له علاقة بهذه المعركة.
«وَيَجِبُ قَسْمُهَا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ» وليس المقصود بالعدل أن يعطى هذا سيف وهذا سيف، وإنما المقصود أن يجتهد وأن يكون هذا القسم بالتساوي، فقد يكون هذا يأخذ سيفًا، وهذا يأخذ قيمة سيف، وهذا يأخذ ما يعادل السيف من الآلات الأخرى.
«فَلَا يُحَابِي أَحَدًا» لا يخص ولا يُعطى شيئًا مميزًا «لَا لِرِيَاسَتِهِ وَلَا لِنَسَبِهِ وَلَا لِفَضْلِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ يَقْسِمُونَهَا، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه رَأَى لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ» هذا في غزوة بدر، «فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)٢٬٠٩٨من حديث مصعب بن سعد رضي الله عنه: البخاري: (2739)، ومن حديث سعد بن مالك رضي الله عنه: أحمد: (1493) ولفظه: (يا رسول الله؛ الرجل يكون حامية القوم أيكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)، وحسنه الأرناؤوط لغيره.»، فأمور الشرع ليست كلها أمور مادية ظاهرة يدركها العقل مباشرة؛ فأنت يا سعد قاتلت بسيفك، وكانت نكايتك بالعدو أكبر وأظهر، ولكن التوفيق الذي حصل لك في هذه المعركة هو بأولئك الضعفاء الذين تريد أن تختص عنهم بشيء، (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)؛ أي وهل حصلت لكم هذه الغنيمة وهذا الفتح إلا بسبب ضعفائكم؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم كما قال النَّبيُّ ﷺ٢٬٠٩٩النسائي: (3178)، ولفظه: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)..
فهؤلاء من أسباب النصر، ولذلك ينبغي الاعتناء بالضعفة من العجائز والأرامل والأيتام والشيوخ، والابتعاد كل البعد عن أذيَّتهم وظلمهم، فكما أنَّ دعاءهم سبب لتنزل النصر وحصول الرزق، فكذلك دعاؤهم عليك سبب لرفع النصر ونزول المحق -والعياذ بالله-، هؤلاء الذين لا تراهم ولا تعرفهم، لعل أحدهم كان رافعًا يديه في جوف الليل، وهو يدعو لك فيُفتح لك بسبب دعاءه ما لو بذلت جهدك طوال حياتك لم تستطع أن تصل إلى ما وصلت إليه.
وهذا دائمًا أقوله لإخواننا؛ فأحيانا تجد الإنسان راكبًا في سيارته الفخمة، فيمر على رجل كَهل أو امرأة عجوز في الطريق فلا يلتفت لهم، ولعل السيارة التي يركبها قد تَحصَّل عليها بسبب دعوة هذا الرجل الضعيف.. فالإنسان يتنبه لمثل هذه الأمور، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (ابغوني في ضعفائكم)٢٬١٠٠من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: ابن حبان: (4767)، الحاكم: (2641)، والترمذي: (1702) وأبي داود: (2594)، والنسائي: (3179)، وأحمد: (21779) وصححه الألباني..
«وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ، أَيَكُونُ سَهْمُهُ وَسَهْمُ غَيْرِهِ سَوَاءً؟ قَالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ، وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ)٢٬١٠١من حديث سعد بن مالك رضي الله عنه: أحمد: (1493)، وحسنه الأرناؤوط لغيره.»؛ يعني قد يكون حامية القوم هو الذي في الصدر وهو المدافع عنهم ويحميهم ويكون في أول الصفوف وهم ينتفعون به، فهل يكون سهمه في الغنيمة كغيره ممن يكون من آحاد النَّاس في الجيش؟ فهناك إذن مشاركة حقيقيَّة نراها وهي النكاية في العدو والقتال، وهناك مشاركة خفيَّة قد لا نراها؛ حيثُ يكون الإنسان في وسط الجيش وبين المقاتلين، وهو من الضعفاء ولا تظهر نكايته العملية أمامنا، ولكن بدعوات يرفعها إلى الله ﷻ يفتح الله عليه وعلى من معه من المؤمنين؛ فلذلك استحقوا المساواة بينهم في الغنيمة.
ومن جهة أخرى -إذا كان هناك تفضيل بين الغانمين- فهذا أمر لا يمكن ضبطه.. نعم هناك حالة التنفيل وهو تخصيص بعض الغانمين في بعض الحالات التي يُرجع فيها إلى اجتهاد الإمام. لكن أن يكون هذا كالقانون العام وهو أنَّ: القوي يفضل في القتال على الضعيف فهذا لا يمكن ضبطه، فما هو ضابط القوة والنكاية؟ فالقوة في نفسها متفاوتة ليست على مستوى واحد، فلذلك جعل الشرع سهم الغانمين واحدًا للقوي والضعيف؛ ولأن هذا -تفضيل القوي على الضعيف في الغنيمة- يؤدي إلى الشحناء والتفرق والاختلاف كما حصل في غزوة بدر؛ فسبب نزول هذه الآية: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ [الأنفال: 1]؛ أنَّ الصحابة رضي الله عنهم بعد تحصيل الغنيمة في غزوة بدر انقسموا إلى ثلاثة طوائف:
1- فطائفة -الشباب- قالت: «نحن الذين طاردنا العدو ولحقناهم، فنحن أولى بالغنيمة»؛ يعني: انشغلنا بمطاردة العدو وأنتم تفرقتم لجمع الغنيمة، ولولانا لَمَا وجدتم وقتًا لجمعها.
2- وقال الآخرون: «نحن الذين اشتغلنا بجمعها»؛ يعني لو لم نجمعها لما حصلتموها.
3- والطائفة الثالثة -الشيوخ- قالت: «إنما شَغَلَنا دفاعنا وحراستنا للنبي ﷺ، ولولا ذلك لكنا معكم»؛ فحصل بينهم الاختلاف٢٬١٠٢من حديث عبادة بن الصامت رحمه الله: الحاكم (2607)، وأحمد (22814) وصححه الألباني.، حتى قال بعض الصحابة: «ذلك يوم ساءت فيه أخلاقنا»٢٬١٠٣من حديث عبادة بن الصامت رحمه الله: أحمد (22799) ولفظه: عن أبي أمامة الباهلي قال: (سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﷺ، فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء يقول على السواء) وحسنه الأرناؤوط لغيره..
فأنزل الله ﷻ: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ [الأنفال: 1]؛ أي ليس لكم الأمر، وإنما لله يحكم فيها بما شاء ولرسوله يقسمها كيفما شاء.
والغنائم دائمًا هي أسباب المصائب، ففي غزوة بدر وقع الاختلاف، وفي غزوة أحد كان سبب الهزيمة هو لجوء النَّاس للغنائم، وكذلك في بلاط الشهداء -في فرنسا-؛ فالجيش خشي أن تؤخذ منهم الغنائم فانشغلوا بحراستها والرجوع إليها، وفي هذا الوقت قُتل أميرهم ووقعت عليهم الهزيمة، وإلا لكانت فرنسا دولة إسلام منذ ذلك الوقت٢٬١٠٤قال د. عبد الحليم عويس: «قصة الغنيمة في تاريخنا غريبة، والدرس الذي تلقيه علينا كذلك أغرب! قد بدأت أولى هزائمنا بسبب الغنيمة، ولقد وقفنا مرغمين عند آخر مدى وصلت إليه فتوحاتنا، بسبب الغنيمة كذلك !! فقصة الغنيمة... هي قصة الهزيمة في تاريخنا. كان قائد المعركة الأولى هو الرسول ﷺ... وخالف الرماة أمره، وخافوا من أن تضيع فرصتهم في الغنيمة... فكانت أحد وشهد الجبل العظيم استشهاد سبعين رجلا من خيرة المسلمين... بسبب الغنيمة... نعم بسبب الغنيمة !! وكان قائد المعركة الأخيرة عبدالرحمن الغافقي آخر مسلم قاد جيشا إسلاميا منظما لاجتياز جبال البرانس، ولفتح فرنسا، وللتوغل -بعد ذلك- في قلب أوروبا. وهزم الغافقي... سقط شهيدا في ساحة بلاط الشهداء إحدى معارك التاريخ الخالدة الفاصلة... وتداعت أحلام المسلمين في فتح أوربا، وطووا صفحتهم في هذا الطريق... وكان ذلك لنفس السبب الذي استفتحنا به دروس الهزيمة... أعني بسبب الغنيمة»، دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية: (1 / 7). [وقد وقعت هذه الغزوة في رمضان 114هـ، وكانت الغنائم مع الجيش بما فتحه في بواتيه وفرنسا الجنوبية؛ فحملوا كنوزها معهم، ولما حصلت معركة بلاط الشهداء التي استمرت بضعة أيام وأوشك الفرنجة على الهزيمة والفرار؛ أحدثوا ثغرة في الغنائم، فالتفت الناس لحمايتها وتركوا مواقعهم، وحاول الغافقي تنظيم الجيش لكنه قُتل حينها بسهم.. وانفرط عقد الجيش الذي رجع عن أدنى نقطةٍ لباريسَ.. فالغنائم بابُ الهزائم، والله المستعان]..
«وَمَا زَالَتْ الْغَنَائِمُ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ، لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَغْزُونَ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَالْبَرْبَرَ؛ لَكِنْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ زِيَادَةُ نِكَايَةٍ كَسَرِيَّةٍ تَسَرَّتْ مِنَ الْجَيْشِ»، فذكر شيخ الإسلام الحكم الأصلي وهو وجوب تخميس الغنيمة، وأن الغانمين يتحد سهمهم ويتساوى، ثم ذكر بعض الحالات التي يجوز للإمام أو للأمير أن ينفل بعض الغانمين.
«كَسَرِيَّةٍ تَسَرَّتْ مِنَ الْجَيْشِ»؛ السرية هي القطعة من الجيش تخرج قبل الإمام أو ترجع بعده، أي: يخرج الجيش من بلاد المسلمين، ثم يُخرج الإمام قطعة منه تسمى سرية تسبقهم إلى موقع المعركة، فهذه السرية للإمام أن يخصها بشيء زائد على السهم التي تشارك فيه الجيش.
«أَوْ رَجُلٍ صَعِدَ حِصْنًا عَالِيًا فَفَتَحَهُ»، فهذا ظهر منه عمل كبير جدا هنا؛ فيجوز للإمام أن يعطيه مكافأة على فعله هذا من الغنيمة، زيادة على السهم الذي يشارك فيه بقية الغانمين.
«أَوْ حَمَلَ عَلَى مُقَدَّمِ الْعَدُوِّ فَقَتَلَهُ، فَهُزِمَ الْعَدُوُّ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ كَانُوا يُنَفِّلُونَ لِذَلِكَ» فبسببه وقعت الغنيمة ولذلك نُفِّل، وهذا فيه دليل على ان للإمام أن يخصص من شاء، ولكن ليس للشخص أن يرى لنفسه أولوية على غيره ويرى نفسه مظلومًا لو لم يُنفل.
خلاصة مفيدة في أحكام الغنائم ومسائلها:
إذن الغنيمة: هي كل مال أخذ من الكفار على سبيل الغلبة «بالقتال»، وهي على ثلاثة أقسام:
1- المنقولات: وهي الأموال والأمتعة التي يمكن نقلها من موطن إلى موطن، كالسلاح والذخيرة والأموال والذهب والفضة وعدة الحرب والسيارات وغيرها.
2- العقارات: وهي الثابتة في مكانها ولا يمكن نقلها، كالأراضي والدور وغيرها.
3- الأسرى: يدخل فيهم الرجال والنساء -السبي- والأطفال.
وكل واحدة من هذه الأقسام لها حكمها.
قال تعالى: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41]، فهذه الآية بيَّنت حكم الغنائم، فتكلم الله ﷻ على حكم الخمس، وبقيت الأربعة أخماس مسكوتًا عنها في هذه الآية، فقال العلماء: يؤخذ من نفس هذه الآية أن الأربعة أخماس تؤخذ للغانمين؛ لأنَّ الله تعالى قد أسند الأخذ والغنيمة إلى الذين قاتلوا لتحصيلها: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم﴾ يعني أنما أخذتم وحصلتم من الأموال، فأخرج منها الخمس وذكر لمن تكون، وبقيت أربعة أخماس؛ يعني: فهي لكم «للغانمين»، وهذا كما قال الله ﷻ: ﴿فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ﴾ [النساء: 11]؛ يعني ولأبيه الثلثان، مع أنه لم يذكره في الآية.. فهذه هي الآية المعتمد عليها في حكم الغنيمة.
ومع ذلك اختلف العلماء: هل يجب تقسيم الأربعة أخماس بين الغانمين؟ أو يجوز للإمام أن يتصرف فيه بحسب ما يرى من المصلحة، وبحسب ما يؤديه إليه اجتهاده؟
فجماهير العلماء، ونقل غير واحد منهم -كابن عبد البر وغيره- الإجماع على هذا الحكم: أن الأربعة أخماس يجب أن تقسم بين الغانمين؛ يعني هي من حق الغانمين وليس لأحد أن يتصرف فيها، ولا أن يجتهد في تقسيمها على غيرهم، لأن الشرع ملَّكها لهم وأعطاها لهم وجعلها من حقهم، وجماهير العلماء على ذلك.
وذهب بعض علماء المالكية إلى أن الأربعة أخماس يرجع أمرها إلى اجتهاد الإمام؛ فيقسمها بحسب ما يرى من المصلحة، وبحسب ما يرى من الاجتهاد، فإذا شاء أن يجعلها بين الغانمين بالسوية فله ذلك، وإذا شاء أن يصرفها في مصالح المسلمين العامة، ويحرم الغانمين منها فله ذلك، وإذا شاء أن يخص الغانمين دون بعض فله ذلك، وإذا شاء أن يفضل بعض الغانمين فله ذلك٢٬١٠٥[قال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان (2/418): «قوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} أي: وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء، وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر، وابن عبد البر، والداودي، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري رحمه الله أيضاً قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من الصالح للمسلمين، ويمنع منها الغزاة»].
أدلتهم: واستدل هؤلاء بقول الله ﷻ: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ [الأنفال: 1]؛ يعني: أمرها راجع إلى الله وإلى رسوله ﷺ يصرفها ويتصرف فيها كيفما يشاء.
قالوا: والإمام إنما هو نائب عن النبيِّ ﷺ؛ فكما أُسند أمرُ الغنيمة إلى النَّبيِّ ﷺ في حياته، فأمر إسنادها يرجع إلى من يكون بعده من خلفاء وأمراء المسلمين، وعلى ذلك فقد حملوا آية ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم﴾ على غير وجوب القسم؛ يعني هذا وجه من أوجه القسمة لا يتعين عليه.
واستدلوا أيضًا بقصة حُنين أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعدما غنموا منهم ما غنموا من الغنم والإبل والسبي وغير ذلك؛ أعطى المهاجرين ومنع الأنصار، مع أن الأنصار هم الذين قاتلوا وحصَّلوا هذه الغنيمة، حتى أن الأنصار وجدوا في أنفسهم فقالوا: «يعطيهم ويمنعنا، وسيوفنا لا زالت تقطر من دمائهم»٢٬١٠٦من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: البخاري: (4076)، ومسلم: (1059)، وابن حبان: (7278)، وأحمد: (12719).، فقالوا: لو لم يكن أمرها راجع إلى الإمام -وفي ذلك الوقت هو النبي ﷺ- لما منعهم مما أعطاهم الشرع وملكهم الشرع إياه، فهذا دليل على أن أمر الغنيمة راجع إلى اجتهاد الإمام.
والدليل الثالث لهم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عندما فتح مكة لم يقسمها، مع أن مكة فتحت عنوة بالقوة والسيف، والأرض -وهي مكة- مال، ومع ذلك النبي ﷺ لم يقسمها بين الغانمين وأبقاها على حالها، وهذا يدل على أن له أن يتصرف في هذه الأموال كيفما شاء.
وهناك كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُفهم منه ميله إلى هذا القول٢٬١٠٧[انظر: مجموع الفتاوى (17/494)، قال: «ومن قال: إن الإمام يجب عليه قسمة العقار والمنقول مطلقا فقوله في غاية الضعف مخالف لكتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر وليس معه حجة واحدة توجب ذلك... وكذلك المنقول: من قال: إنه يجب قسمه كله بالسوية بين الغانمين في كل غزاة فقوله ضعيف بل يجوز فيه التفضيل للمصلحة كما كان النبي ﷺ يفضل في كثير من المغازي. والمؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي ﷺ من غنائم خيبر فيما أعطاهم قولان: أحدهما أنه من الخمس والثاني أنه من أصل الغنيمة وهذا أظهر. فإن الذي أعطاهم إياه هو شيء كثير لا يحتمله الخمس.. وهذا دليل على أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاده»].، ولكن كلامه في هذا الموطن صريح على وجوب تقسيم الأربعة أخماس بين الغانمين.
قال الجمهور في الرد على هذه الأقوال: أما الآية الأولى ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ [الأنفال: 1] فقال الجمهور إنها منسوخة بآية: ﴿۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]، أو هي محمولة على الأنفال التي يجوز للإمام أن يخص بها بعض الغانمين؛ فعلى ذلك فهي للنبي ﷺ يخص من شاء بها.
أما الرد على قصة حنين -وهو أقوى أدلة المالكية- فقالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ إنما منع الأنصار اتكالًا على رضاهم، ولذلك فإنه ﷺ عندما جمعهم وخطب فيهم تلك الخطبة البليغة قال: (أما ترضون أن يرجع النَّاس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله؟)٢٬١٠٨[خُرج قبل قليل، وهو حديث صحيح متفق عليه].، قالوا: «رضينا»؛ إذن فالنبي ﷺ إنما قسم ابتداءً بناءً على أن الأنصار لن يجدوا في أنفسهم، فلما وجدوا في أنفسهم استرضاهم النبي ﷺ، ولو كان المال الذي قد أُخذ منهم ليس لهم فيه حق، ولو كان أمره راجعًا إلى النَّبيِّ ﷺ لما كانت هناك حاجة لأن يسترضيهم النبي ﷺ، لأنه لم يأخذ منهم شيء هو ملك لهم، فاسترضاء النَّبيِّ ﷺ للأنصار ورضاهم بذلك دلَّ على أن المال الذي مُنعوا منه كان في الأصل ملكًا لهم وتنازلوا عنه.
وأما الرد على الدليل الثالث: فهذا داخل في غنيمة العقارات ولها حكمها الخاص بها.
إذن نقل بعض العلماء الإجماع على أن الأربعة أخماس هي ملك للغانمين، إلا إذا تنازل عنها الغانمون بأنفسهم؛ فهو مال ملكوه ثم تطوعوا به بعد ذلك، فليس عليهم فيه شيء.
فالصحيح والراجح -والله تعالى أعلم-: أن الأربعة أخماس هي من حق الغانمين، وملك لهم ملكها إياهم الشرع.
وقسمة هذه الأربعة أخماس كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، أن: كل من شهد الوقعة لأجل القتال سواء قاتل أم لا؛ فله فيها سهم، وهو وغيره في ذلك سواء، وتقسم أيضًا بينهم بالعدل.
حكم الخمس: اختلف فيه العلماء٢٬١٠٩[انظر اقوالهم تفصيلا مع عزوها وأدلتها، في الكتاب النافع للغاية: الإنجاد في أبواب الجهاد، لابن المناصف (ص 505)]. على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الخمس يقسم على ستة أجزاء؛ جزء لله وقالوا: يُصرف في الكعبة، وجزء لرسول الله ﷺ في حياته، ثمَّ بعد مماته يصرف في مصالح المسلمين العامَّة كإصلاح الطرق وبناء الجسور والمساجد وغير ذلك، والأقسام الأخرى لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهو قول طاووس وهو أضعف الأقوال.
القول الثاني: أنها تقسم على خمسة أجزاء كما جاء في كتاب الله ﷻ، فخمسُ الله وخمسُ رسوله ﷺ واحد، وقالوا: إنما ذكر الله ﷻ اسمه ابتداءً؛ لأن له الدنيا والآخرة ﷻ، والبقية تقسم على الأصناف التي ذكرها الله تعالى، وهو مذهب الإمام الشافعي ورواية عن الإمام أحمد.
القول الثالث: أن سهم الله وسهم رسوله واحد، وذوو القربى لهم سهم؛ ففي حياة النَّبيِّ ﷺ سهم الله وسهم الرسول يكون للنبي ﷺ، وسهم ذوي القربى لذوي القربى، وأما بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ فيقسم الخمس عندهم على ثلاثة أجزاء: يسقط سهم الله وسهم رسوله، ويسقط سهم ذوي القربى، ويرجع الخمس إلى بقية الأصناف الثلاثة فقط: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، قالوا: سهم ذوي القربى إنما استحقوه بنسبهم فهو في حكم الإرث، والنبي ﷺ لا يورث، فلذلك سقط سهمهم، وهذا قول ضعيف أيضًا.
القول الرابع: أن حكم الخمس راجع إلى اجتهاد الإمام، فيكون الخمس كالفيء، فيقسمه الإمام بحسب اجتهاده، فإذا رأى الإمام أن يصرف الخمس إلى مصالح المسلمين العامة صرفها، وإذا رأى الإمام أن يصرفها كلها في هذه الغنيمة إلى اليتامى صرفها، وإذا رأى أن يصرفها إلى ذوي القربى -مثلًا- صرفها، ولكن يكون هذا الصرف بناءً على الاجتهاد وليس صرف تَشَّهٍ، وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله وهو الذي رجَّحه شيخ الإسلام في غير موطن من كتبه، وقال: إن عليه الخلفاء الأربعة، فلم يكن معروفًا عن فلم يثبت عن النبي ﷺ ولا الخلفاء أنهم يخمِّسون الخمس.
والظاهر أن هذا القول هو الراجح -والله تعالى أعلم-، والقول الثاني الذي يقول بالتخميس قريب أيضًا -وهو مذهب الإمام الشافعي ورواية عن أحمد- فهو ليس قولًا ضعيفًا، وهناك رواية عن الإمام أحمد توافق ما ذهب إليه الإمام مالك من أن خمس الغنيمة راجع إلى اجتهاد الإمام.
فإذا رأى الإمام أن يصرف الخمس كله للأيتام او لأبناء السبيل أو الفقراء أو المصالح العامة للمسلمين؛ جاز له ذلك، ولكن يكون ذلك بالعدل بناء على الاجتهاد فيصرفه في حقه وموطنه الذي يستحق أن يَصرفه فيه.. ونفصل الآن في من يستحقون من الغنيمة، وذلك كالآتي:
ذوو القربى الذين يستحقون من خمس الغنيمة، هم أقارب النَّبيِّ ﷺ من بني هاشم وبني المطلب، أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فلا يستحقون من الغنيمة.. وكل هؤلاء نسبهم يرجع إلى عبد مناف، فإنَّه تفرع عنه ثلاث قبائل٢٬١١٠[كذا ذكر الشيخ، والصواب أنه تفرع عنه أربع قبائل؛ لم يذكر الشيخ الرابعة وهم: بنو نوفل].: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس -وهو جد عثمان بن عفان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما-، ولهذا فعندما قسَّم النبي ﷺ خيبر جاءه عثمان بن عفان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما فقالا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاَءِ بَنُو هَاشِمٍ لاَ نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ»، فقال: (إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لاَ نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ) وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ٢٬١١١من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه: البخاري: (2971)، وابن حبان (3297)، وأبو داود (2978)، والنسائي (4137)، وابن ماجه (2881)، وأحمد (16787).؛ فكأنَّ هذا مكافأة لهم على وقوفهم مع النَّبيِّ ﷺ في الشعب.
اليتيم هو: من مات أبوه وهو دون البلوغ، لقول النَّبيِّ ﷺ: (لا يُتْمَ بعد احتلام)٢٬١١٢من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أبو داود: (2873)، وصححه الألباني.، وهل يُعطى اليتيمُ الغَنِيُّ من الغنيمة، أم لا بد أن يكون فقيرًا حتى يُعطَى؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز أن يُعطى اليتيم الغني من الغنيمة لغنائه وكفايته، ويُعطى فقط إذا كان فقيرًا٢٬١١٣وهو القول المشهور من مذهب الإمام الشافعي: الحاوي الكبير (8 / 437)، بدائع الصنائع: (17 / 28)، المغني: (7 / 306).، والظاهر -والله تعالى أعلم- أن الحكم عُلِّق على صفة اليُتْمِ بغضِّ النظر عن الفقر من الغنى، لأن الله ﷻ ذكر المساكين -وهم الفقراء- فلو كانوا يستحقون بسبب فقرهم لكانوا مستحقين بسبب صفتين ذكرهما الله تعالى -اليُتْم والفقر-، ولذلك نقول: إن وجود صفة اليُتْم هي كافية؛ لأن يستحق من الغنيمة سواء كان غنيًا أو كان فقيرًا، نعم.. يقدَّم اليتامى الفقراء على اليتامى الأغنياء، ولكن هذا لا يعني أنه لا يجوز أن يُدفعَ لهم شيء من الغنيمة.
الفقراء والمساكين: إذا ذُكر المساكين ولم يُذكر معهم الفقراء؛ دخل الفقراء في المساكين، وإذا ذُكر الفقراء ولم يُذكر معهم المساكين؛ دخل المساكين في الفقراء، بمعنى أنه إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، كالإسلام والإيمان، فهنا -أي في الغنيمة- يدخل في المساكين أيضًا: الفقراء، بعكس آية الصدقة؛ فالله ﷻ ذكر فيها الفقراء وذكر المساكين.
ابن السبيل: وهو المسافر الذي انقطعت به السُّبُل، وليس عنده من المال ما يكفيه في سفره، ولو كان غنيًّا في بلده؛ فإذا كان الإنسان مسافرًا في موطن ما، وانتهى ماله، أو عنده من المال ما لا يكفيه في سفره والوصول إلى بلده، فهذا يكون مستحقًا من الغنيمة، وهذا يبيِّن أن الشريعة راعت كل شيء، حتى المسافر ذكر الله له حقًا، وبين أنه يجب أن يراعى، وأن تُعرف حاجته حتى لا يبقى أحد من المسلمين محتاجًا ولا فقيرًا ولا منقطعًا، وهذا هو حكم الله القائل: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، والمقصود هنا أن هذا المسافر ليس عنده مال للرجوع لبلده ولا لتحصيل مال في هذا البلد؛ لكن لو كان عنده مال في بلده ويستطيع سحب المال بالطرق الحديثة فهذا واجدٌ للمال ولا يُعتبر ابن سبيل في هذه الحالة.
أما القسم الثاني من الغنائم وهي: العقارات، ونحن الآن لا نحتاجها، والمقصود بها: الأراضي التي يفتحها المسلمون، فنحن الآن نحتاج إلى استرداد الأراضي التي فتحها المسلمون.
واختلف العلماء فيها، والراجح فيها أنَّ الإمام مخيرٌ إن شاء خمَّسها، وإن شاء أوقفها -جعلها وقفًا للمسلمين-، كما فعل النبي ﷺ في مكة فإنه لم يخمِّسها، وفي خيبر قسَّم النبي ﷺ بعضَها وترك بعضها، وعمر رضي الله عنه لم يخمِّس سوادَ العراق عندما فتحها الصحابة، حتى قال: «لو خمَّستُها لمَا بقي شيء لمن يأتي بعد ذلك من المسلمين» حتى اشتد غضب بعض الصحابة على عمر رضي الله عنه٢٬١١٤تخميس الأراضي: بدائع الصنائع: (15 / 345-346)، شرح معاني الآثار: (3 / 246-251)، البيان والتحصيل: (2 / 538-540)، المغني: (2 / 575-577)، الجامع لأحكام القرآن: (18 / 22-23)..
أحكام النفَل: «وَكَانَ يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ فِي الْبِدَايَةِ: الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ: الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ٢٬١١٥من حديث حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنه: ابن حبان (4835)، والحاكم (2599)، والترمذي (1561)، وأبو داود (2749)، وابن ماجه (2851)، وأحمد (17504) وصححه الألباني.، وهَذَا النَّفْلُ؛ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ؛ لِئَلَّا يُفَضِّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، لَا لِهَوَى نَفْسٍ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الشَّامِ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ وَالثُّلُثَ بِشَرْطٍ وَغَيْرِ شَرْطٍ، وَيُنَفِّلُ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ بالشَّرْطِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةٍ فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُنَفِّلُ زِيَادَةً عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يُنَفِّلُهُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَهَذَانِ قَوْلَانِ لأَحْمَدَ وَغَيْرِهُ، وَكَذَلِكَ -عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ- لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ٢٬١١٦جاء عند البيهقي في الكبرى: (12819)، وأحمد: (1539)، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: «وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئًا فهو له»، «ضعف إسناده الأرناؤوط». إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ»
النَفَل٢٬١١٧[النَّفْل -بسكون الفاء وقد تحرك-: الزيادة، والنَّفَل -بالتحريك- هي: الغنيمة. انظر: النهاية (5/ 99)].: وهو بفتح الفاء أي الشيء المعطى -وأما بسكون الفاء فهو الإعطاء، مثل السلْب والسلَب- وتعريفه: هو ما يعطيه الإمامُ لبعض الغانمين زيادة على السهم لمصلحة ظاهرة.
من أين يُؤخذ النفل؟ اختلف العلماء على عدة أقوال:
القول الأول: يؤخذ النفل من خمس الغنيمة؛ فالإمام عندما يجمع الغنائم ويقسمها على خمسة أجزاء أربعة منها للغانمين، فيخرج النفل من الخمس الذي لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وذلك قبل أن يقسمه على الأصناف المذكورة ثم يقسم الغنيمة بعد ذلك.
القول الثاني: يؤخذ من خمس الخمس؛ أي من خمس الله وخمس رسوله وتبقى البقية على حالها، فلا يُخرج النفل من نصيب ذوي القربى واليتامى.. الخ..
القول الثالث: أن النفل يخرج من أصل الغنيمة أي قبل أن يقسمها؛ ثم يخمس الغنيمة بعد ذلك.
القول الرابع: يؤخذ من الأربعة أخماس التي للغانمين؛ فيخمس الإمام الغنيمة، ويعطي الخمس لمن أراد، والأربعة أخماس يُخرَج منها النفلُ قبل أن يقسمها على الغانمين، ثم بعد ذلك يقسمها على الغانمين، وهذا هو القول الراجح، لقول النَّبيِّ ﷺ: (لَا نَفلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ)٢٬١١٨من حديث معن بن يزيد رضي الله عنه: أبو داود: (2753)، وأحمد (15900) ولفظه: «عن أبي الجويرية الجرمي، قال: (أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية، وعلينا رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ من بني سليم يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها فقسمها بين المسلمين، وأعطاني منها مثل ما أعطى رجلا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا نفل إلا بعد الخمس) لأعطيتك، ثم أخذ يعرض عليَّ من نصيبه فأبيت)، وصححه الألباني.، وكان النبي ﷺ (ينفل السرية في البداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس)٢٬١١٩[من حديث حبيب بن مسلمة: مسند أحمد (17466)، ابن حبان (6148)، المعجم الكبير (3524) وصححه الأرنؤوط].
والنَفَل على ثلاثة أقسام:
الأول: النفَل المشروط؛ وهو ما يشترطه الإمام في تحصيل شيء من الغنيمة قبل الغزوة، كأن يقول: من فعل كذا فله كذا -وهذا من باب الحض والحث- فيقول مثلًا: من استطاع أن يقتل أمير الجيش فله كذا، أو من استطاع أن يفتح الحصن فله كذا، أو من استطاع أن يأتيَ بعشرة أسرى من الكفار فله واحد منهم؛ أي يكون عبدًا عنده... وهكذا، فإذا وفَّى الشخصُ بالشرط وجب على الإمام أن يوفيَ له بالعطاء، فأنت ترى أنه فيه زيادة على السهم؛ فهو يخرج له ما اشترطه له، ثم بعد ذلك يعطيه كغيره من السهام، ويكون هذا العطاء زيادة له على سهمه الذي شاركَ فيه الجميعَ.
وكذلك من النفل المشروط؛ أن يقول الإمام: من أخذ شيئًا فهو له، فإذا أخذ الإنسان سلاحًا جعله له أيا كان الذي حصله، ثم يقسم بعد ذلك ما بقي بينهم٢٬١٢٠[قال الشيخ أبو الوليد الغزي، في فتاويه -التي جمعها الفقير-: زهر الخمائل في مسائل النوازل (ص 256): «كُلُّ مَنْ شَهِدَ الوقْعَةَ فَلَهُ حَقٌّ ثابِتٌ في الغَنِيمَةِ في الجُمْلَةِ؛ كَما أنَّ فِيها الخُمُسَ لِلأصْنافِ التي ذكَرها اللهُ تعالى في كتابه، ولأنَّها إنَّما قُدِرَ عَلَيْها بِقُوَّةِ الـمجْمُوع؛ ثمَّ إنَّ عَجْزَ صاحِبِ الحَقِّ عن حَقِّهِ لا يُسْقِطُ حَقَّهُ، فَمَنْ حَمَلَ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيئًا فإنما حَمَلَها لِفَضْلِ قُوَّةٍ فيه؛ فَكَيْفَ يَكُونُ ذلكَ مُبِيحًا لمالِ الغَيْرِ الذي عَجِزَ عن تَحْصيلِه... نَعَمْ إنْ طابَتْ أنْفُسُ الغانِمِينَ أو بَعْضِهِمْ بِنَصِيبِهِمْ مِنها لمَنْ حَمَلَها فَهُو له، أما ما تَرَكَهُ عاجزًا عنْ حَمْلِهِ فَفِيهِ القِسْمَةُ كما هِي الروايَةُ الأخْرى عن أحمدَ رحمه الله، نعَمْ؛ للأميرِ أنْ يُنَفِّلَ مَنْ حَمَلها قَدْرًا زائدًا على سَهْمِهِ لغَنائِهِ في هذا الـموْضِعِ...
هذا ما كُنْتُ كَتَبْتُهُ أّوَّلا؛ ثُمَّ استَدْرَكْتُ عَلَيهِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقال: إذا دارَ الأمْرُ بَيْنَ إتلافِهِ أو أَنْ يَجْعَلَهُ الأميرُ لِمَنْ حَمَلَهُ فَما الحُكْمُ؛ لأنَّ الإنسانَ قَدْ لا يَرْغَبُ في حَمْلِ ما لَيْسَ له؛ بِخِلافِ ما لَو قيلَ لهُ: إنْ حَمَلْتَهُ فَهُوَ لكَ؛ وفي هذا مَصْلَحَةٌ معْتَبَرَةٌ أيضًا، لأنَّ ما مَلَكُهُ الـمجاهِدُ يَنْتَفِعُ بهِ أهلُ الإسلامِ في الجُمْلَةِ، وكِفايَةُ حاجاتِ الجُنْدِ من الـمصالِحِ الـمعْتَبَرَةِ أيضا؟ ويُجابُ عَنْهُ بأنَّ ما ذكَرْناهُ هوَ الأصل؛ ثمَّ عَلَى الأمِيرِ أنْ يَتَدَرَّجَ فِي ذلك؛ فَيْجْعَلَ لِمَنْ يَحْمِلُ مِنْهُ نَصيبًا زائدًا على حَقِّهِ في الـمغْنَم؛ فإنْ لَمْ يَجِدْ منْ يَحْمِلُهُ إلاَّ بأنْ يَجْعَلَهُ لَهُ فَذلكَ أولَى مِنْ تَرْكِهِ للعَدُوِّ أو إتْلافِهِ، واللهُ أعلم سبحانه. وعلَى هذا فَلَيْسَ للأميرِ ابْتِداءً أنْ يَمْنَعَ القادِرَ علَى الحَمْلِ مِنها؛ لأّنَّ فِيها حَقَّ اللهِ وحقَّ الـمسلمين؛ إلا إن كانَ في حَمْلِها مفْسَدَةٌ؛ كأنْ تُعَطِّلَ الإسراعِ في السيرِ؛ أو يَخْشى بِسَبَبِها كَرَّةَ العدُوِّ ونَحْوَ هذا فَلَهُ مَنْعُهُمْ من حَمْلِها؛ لأنهُ تَفْويتُ مَصْلَحَةٍ لتَحْصيلِ أعظَمَ منها، ورُبَّما كانَ حَمْلُ الغَنِيمَةِ سَببًا للهَزِيمَةِ كما وقعَ في مَعْرَكَةِ «بلاطِ الشهداء» في الأنْدَلُسِ»]..
الثاني: النفَل مكافأة على غناء أو نفع؛ وهذا يكون بعد انتهاء الغزوة؛ فيخصُّ الإمام بعض الغانمين بشيء مكافأة له على نفع عام أو نكاية عظيمة حصلت بسببه في العدو، مثلا: قتل شخصٌ أميرَ جيش العدو فحصل بسببه هزيمة لهم فيكافئه الإمام على ذلك.
الثالث: نفَل السرايا؛ يعني أنه إذا خرج جيش المسلمين من بلاد الإسلام متوجهًا إلى بلاد الكفار، فيرسل الإمام سرية بين يديه تسبقه، فهذه السرية إذا غنمت شيئًا أو غنم الجيش شيئًا، فيجوز للإمام أن ينفلها بعد إخراج الخمس: الربع من الأربعة أخماس الباقية، ثم يقسم الثلاثة أخماس الباقية بين الجيش والسرية بالسوية، فبهذا تكون السرية أخذت زيادة عن الجيش؛ هذا معنى «وَكَانَ يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ فِي الْبِدَايَةِ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ»
وأما معنى «وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ» يعني الأربعة أخماس يقسمها إلى ثلاثة أجزاء في الرجوع؛ فبعد انتهاء المعركة قال الإمام: يرجع الجيش وتبقى هذه السرية وراءنا لعل العدو يتبعنا؛ فلو أن هذه السرية غنمت شيئًا، فهذا الذي تغنمه يخرج منه الخمس لمن ذكر الله تعالى، والباقي يُثَلَّث -أي يقسم ثلاثة أجزاء-؛ فالثلث يكون خاصًا بالسرية، والثلثان الباقيان يقسمان بين الجيش والسرية معًا، قال العلماء: إنما زاد النفل في الرجعة لمزيد الخطر على السرية، ولأن قلوبهم متعلقة بالرجوع إلى أهلهم؛ فالبقاء أشقُّ من الذهاب ابتداء، فلذلك كافأهم الشرع بالزيادة على البداءة٢٬١٢١المبسوط للسرخسي: (10 / 47)، السير الكبير: (2 / 603)، روضة الطالبين: (5 / 329)، الحاوي الكبير: (8 / 401)، تحفة الأحوذي: (5 / 176)، وقال ابن قدامة في المغني (10 / 404): «وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها، فإن الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها، والعدو خائف وربما كان غارًا، وفي الرجعة لا ردء للسرية لأن الجيش منصرف عنهم، والعدو مستيقظ كلب. قال أحمد: في البداءة إذا كان ذاهبا الربع وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث لأنهم يشتاقون إلى أهليهم فهذا أكبر»..
واختلف العلماء: هل هذا على سبيل الوجوب أو على سبيل الجواز؟ والظاهر والله أعلم أنه راجع إلى اجتهاد الإمام. واختلف العلماء: هل يجوز للإمام أن يزيد عن الربع؟ وأن يقل عن الثلث في الرجوع أو يزيد عليه؟ الذي ذهب إليه الإمام أحمد أنه ليس للإمام أن يزيد على الربع، ولا أن يزيد على الثلث، لأن الشرع حدد هذا، والوقوف على أحكام الشرع خيرٌ وأفضل٢٬١٢٢المجموع (19 / 354)، روضة الطالبين (5 / 329)، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (6 / 241): «قال ابن عبد البر: «إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط ألا يزيد على الثلث» انتهى. وهذا الشرط قال به الجمهور. وقال الشافعي: لا يتحدد، بل هو راجع إلى ما يراه الإمام من المصلحة، ويدل له قوله تعالى: ﴿قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ ففوض إليه أمرها، والله أعلم».
[وهنا انتهى الشريط الرابع، وشرع في المحاضرة الخامسة من شرح الكتاب، ومتوسط كل محاضرة ساعة ونصف وزيادة]..
«وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ» أو الأمير سواء كان برًّا أو فاجرًا، «يَجْمَعُ الْغَنَائِمَ وَيَقْسِمُهَا» أي تقسيمًا شرعيًّا؛ يُعطي لكل غانم حقَّه «لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَغُلَّ مِنْهَا شَيْئًا»؛ يعني أن يأخذ شيئًا ويختص به دون الغانمين ويخفيه دون الإمام «﴿وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ [آل عمران: 161]، فَإِنَّ الْغُلُولَ٢٬١٢٣قال ابنُ الأثير: «الغُلول: الخيانةُ في المَغنَم، والسَّرِقةُ، وكلُّ من خانَ في شيءٍ خِفيَةً فقد غَلَّ». (تاج العروس 30 / 116) وانظر (لسان العرب 11 / 499)، وقال النووي: «وأصل الغلول الخيانة مطلقا ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة قال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه أي محبوسة»، شرح صحيح مسلم: (12 / 216). خِيَانَةٌ»، والغلول هو السرقة من الغنيمة وهو من الكبائر، والنبي ﷺ غلَّظ في مسألة الغلول، ووعظ فيها وقال: (إنه عار وشنار على صاحبه يوم القيامة)٢٬١٢٤جاء ذلك عند ابن حبان (4855)، والحاكم (4370)، وابن ماجه (2850)، وأحمد (22751) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وصححه الألباني، وعند النسائي (3688)، وأحمد (6729) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وحسنه الألباني، وعند أحمد: (17194) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، حسنه الألباني.، وذكر الرجل الذي كان خادمًا للنبي ﷺ واسمه كَرْكَرَةُ، فهذا الرجل قُتل والصحابة رضي الله عنهم يقولون فلان شهيد وفلان شهيد حتى ذكروه، فقال: (لا والله إن الشملة٢٬١٢٥الشَّمْلة عند العرب مِئْزَرٌ من صوف أَو شَعَر يُؤْتَزَرُ به، لسان العرب: (11 / 364)، وانظر «تاج العروس»: (29 / 288)، وفي المصباح المنير: (1 / 323): «والشَّمْلَةُ: كساء صغير يؤتزر به والجمع شَمَلاتٌ». التي غلَّها يوم خيبر إنها لتشتعل عليه نارًا)٢٬١٢٦الذي قيل فيه هذا هو عبدٌ اسمه «مِدْعَمٌ» جاء ذكره في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند: البخاري: (3993)، ومسلم: (115)، وابن حبان: (4851)، وأبي داود: (2711)، والنسائي: (3827)، ومالك: (980). أما ذكر «كركرة» فقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: البخاري: (2909)، وابن ماجه: (2849)، وأحمد: (6493).، وهذا الحديث أشكل على البعض وهو أن الشهيد يُغفر له كل ذنب، وهذا قُتل في سبيل الله، فلِمَ لم يغفر له مسألة أخذه لهذه الشملة؟، وقد وجَّهه بعض العلماء لأن هذا من حقوق العباد٢٬١٢٧وحقوق العباد لا تكفرها الشهادة، يقول النووي: «وأما قوله ﷺ: (إلا الدَّيْن) ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأنَّ الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفِّر حقوق الآدميين وإنما يكفِّر حقوق الله تعالى»، شرح صحيح مسلم: (13 / 29).
ويقول ابن حجر في الفتح: (10 / 193): «وأما الحديث الآخر الصحيح (إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدَّين)، فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تكفِّر التبعات، وحصول التبعات لا يمنع حصول درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أنَّ الله يثيب من حصلت له ثوابًا مخصوصًا ويكرمه كرامة زائدة، وقد بيَّن الحديث أن الله يتجاوز عنه ما عدا التبعات، فلو فُرِض أن للشهيد أعمالًا صالحة وقد كفَّرت الشهادة أعماله السيئة غير التبعات، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المشيئة، والله أعلم».، فقد أخذ هذا المال من الغنيمة، والغنيمة يشترك فيها هو والآخرون؛ فعندما أخذ الشملة أخذ شيئًا من حقوق العباد بغير وجه حق٢٬١٢٨قال ابن عبد البر: «فكل من غلَّ شيئًا في سبيل الله، أو خان شيئًا من مال الله، جاء به يوم القيامة إن شاء الله، والغلول من حقوق الآدميين، ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة» التمهيد: (2 / 9)، ويقول النووي: «من غلَّ في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا إذا قتل في حرب الكفار فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة والله أعلم»، شرح صحيح مسلم: (2 / 164).، فلذلك لم يغفر له فيه، فالإنسان يحتاط كثيرًا في مثل هذه المسائل، كما قال ﷻ: ﴿وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾، وكما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكر الغلول فعظَّمه وعظَّم أمره وقال: (لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ)٢٬١٢٩من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2908)، ومسلم: (1831)، وابن حبان: (4848)، وأحمد: (9499)..
إذن؛ على الإنسان أن يحضر الصغير والكبير من الغنيمة إذا جمعها الإمام من أجل أن يقسِّمها، ولا يختص بشيء إلا ما أُذن فيه كالذي يجوز أكله، «وَلَا تَجُوزُ النُّهْبَةُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا» كما جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه٢٬١٣٠ولفظه: (لاَ جَلَبَ، وَلاَ جَنَبَ، وَلاَ شِغَارَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا)، ابن حبان: (3267)، والترمذي: (1123)، والنسائي: (3335)، وأحمد: (20001)، وصححه الألباني.، والنُّهبة أن يأخذ الشيء خطفًا خفية ويُخفيه، فهنا حالتان:
الحالة الأولى: هي أن الإمام يجمع الغنيمة ويُخمسها؛ ففي هذه الحالة على الجميع أن يحضر ما أخذه من الغنائم في هذا الموطن حتى تُقَسَّم بالسوية: «فَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الْجَمْعَ وَالْقِسْمَةَ، وَأَذِنَ فِي الْأَخْذِ إذْنًا جَائِزًا؛ فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا بِلَا عُدْوَانٍ، حَلَّ لَهُ بَعْدَ تَخْمِيسِهِ»، فالتقسيم هنا راجع للإمام ولا يجوز لأحد أن يأخذ من هذه الغنيمة شيئًا بغير قسمة.
والحالة الثانية: إذا كان الإمام عُرف عنه أنه لا يجمع الغنيمة ولا يَقسمها، ولكنه أذن لهم إذنًا جوَّزه الشرع في الأخذ، وساواهم في كيفية الأخذ، كمن قال: «من أخذ شيئا فهو له»؛ ففي هذه الحالة: من أخذ شيئًا من الغنيمة بغير ظلم لإخوانه، فقد حلَّ له أخذه ولو لم يعطه له الإمام، وذلك بعد أن يخرج خُمس، فكأنك هنا قسمت الغنيمة بنفسك، والأصل في تقسيم الغنائم بين الغانمين أن يرجع للإمام، فهو الذي يعطي للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهمًا؛ لكن أحيانًا لظرف من الظروف، كأن يكون الإمام عجز عن حمل الغنائم، ففي هذه الحال أذن وقال: من استطاع أن يحمل معه شيئًا فليحمله، وجاز وحلَّ لمن سمع هذا الإذن من الإمام أن يأخذ من الغنيمة بغير عدوان ولا ظلم على الآخرين، وما يأخذه لا بد أن يخرج خمسه ويسلمه إلى بيت المال، والباقي يكون لآخذه حلالًا طيبًا٢٬١٣١المغني: (10 / 478). [قلتُ: كأنَّ هذا الكلامَ متناقضٌ مع ما تقدم ذكره من الشيخ بأن من النفل المشروط قول الإمام: من أخذ شيئًا فهو له؛ فهناك رجح الشيخُ أن للجندي الذي حمل غنميةً لم يقدر الإمام على حملها؛ فتكونُ له بالكلية، ويخمسها كذلك؛ فكأن ما قاله الشيخ هنا سبق لسان، إذ الصواب ما ذكره قبل عدة صفحات، وهو ما أيده الشيخ أبو الوليد كما ذكرناه في حاشيته]... فهاتان صورتان لا بد من التفريق بينهما.
«وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فَهُوَ إذْنٌ»، فالإذن هنا ليس شرطًا أن يكون لفظيًا، وإنما إذا عُرف من طريقة الإمام، كأن ترك الغنيمة وذهب فهذا كالإذن في الأخذ؛ لأن هذا المال سيضيع أو سيرجع للكفار إذا لم تأخذه أنت، فكل ما يُفهم الإذن كان إذنًا شرعيا بالقول أو الكتابة أو قرائن الحال.
والحالة الثالثة: «وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ، أَوْ أَذِنَ إذْنًا غَيْرَ جَائِزٍ، جَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ بِالْقِسْمَةِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ»، في هذه الحالة ترك الإمام الجمع، وترك القسمة، ولم يأذن في الأخذ، أو أذن إذنًا غير جائز -أي إذن ولكن بطريقة غير مشروعة؛ كأن يعطي هذا النصف وذاك الربع بغير عدل وبما فيه ظلم وإجحاف وأكل لأموال النَّاس بغير حق-، ففي هذه الحالة يجوز للإنسان أن يأخذَ بقدر ما يصيبه في القسمة؛ فتقدر حالك في وسط هذا الجيش، كم يكون سمك لو قسمت الغنيمة؟ فما يكون سهمًا لك فتأخذه، وتتحرى في ذلك العدل في مقدار ما تأخذ وفي صفة ما تأخذ؛ فلو كان سهمك مئة دولار مثلا فإن اخترت أفضل الأشياء فهذا ليس من العدل، حتى لا يقع ظلم على إخوانك الغانمين، «وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمْعَ الْمَغَانِمِ، وَالْحَالُ هَذِهِ» أي في الحالة الأخيرة التي ذكرها؛ حيث ذكر بعض العلماء أنه يحرم على المسلمين جمع الغنائم إذا ترك الإمام جمعها وقَسْمها ولم يأذن فيها، ويقابله قول ثان وهو: «وَأَبَاحَ لِلإِمامِ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا مَا يَشَاءُ»، فهذا قولان متقابلان: مانع من أخذ الغنيمة، ومطلق للإمام أن يتصرف في الغنيمة، «فَقَدْ تَقَابَلَ الْقَوْلَانِ تَقَابُلَ الطَّرَفَيْنِ» فأصبح عندنا قولان متقابلان، هذا يحرِّم الأخذ، وهذا يطلق يد الإمام ليتصرف فيها كيفما يشاء، يمنع الغانمين أو يفضِّل بعضهم على بعض، «وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ»، وهو أنه إذا ترك الإمام الجمع والقسم فهنا لا نقول: يحرم عليه الأخذ، وإنما نقول: يتحرَّى العدل في الأخذ؛ فهو هنا أطاع الله فيما أمره به من العدل، ولم يأكل أموال النَّاس بالباطل.
وتأمل أن هذه الحالة الثالثة فيما لو ترك الإمام الغنائم ومنع أحدًا من حملها؛ فصارت هذا الغنائم أموال ضائعة؛ فهنا يتحرى الغانم العدل ويأخذ مقدار سهمه فقط، وأما في حالة أخذ الإمام من الغنيمة وقسمها على غير الطريقة الشرعية فإثمه على نفسه ونصبر فهذه هي الأثرة، وكذلك لو قسمها الإمام على طريقة بعض المالكية فجعلها كلها في مصالح المسلمين.
«وَالْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ: أَنْ يُقْسَمَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ»، الراجل: من قاتل راجلًا، أو قاتل على حمار، أو على بغل، أو قاتل على جمل على الصحيح٢٬١٣٢قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل، كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُنقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرًا، ولم تَخْلُ غزاة من غزواته من الإبل، بل هي كانت غالب دوابهم، فلم ينقل عنه أنَّه أسهم لها، ولو أسهم لها لنُقِل، وكذلك من بعد النَّبيِّ ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يَخْفَ ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر فلم يسهم كالبغل والحمار. فصل: وما عدا الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة وغيرها لا يسهم لها بغير خلاف وإن عَظُم غناؤها وقامت مقام الخيل لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه، ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر»، المغني: (10 / 439-440)، وانظر: (السير الكبير (3 / 900)، الاختيار لتعليل المختار: (4 / 138)، التلقين: (1 / 93)، الذخيرة: (3 / 426)، والمدونة الكبرى: (1 / 518)، المجموع: (19 / 355)، روضة الطالبين: (5 / 340)، الأم: (5 / 320)، الإنصاف: (4 / 128)، الحاوي الكبير: (8 / 418) حاشية الروض المربع: (4 / 280)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (31 / 313).؛ فليس العدل المساواة في الأسهم بل القسم وفق الحكم الشرعي، فليس العدل هو المساواة.
«وَلِلْفَارِسِ ذِي الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لَهُ، سَهْمٌ لَه وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، هَكَذَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ٢٬١٣٣من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: البخاري: (2708)، ومسلم: (1762)، وابن حبان: (4812)، والترمذي: (1554)، وأبو داود: (2733)، وابن ماجه: (2854)، وأحمد: (4448).. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَالْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَلِأَنَّ الْفَرَسَ يَحْتَاجُ إلَى مَئُونَةِ نَفْسِهِ وَسَائِسِهِ، وَمَنْفَعَةُ الْفَارِسِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ رَاجِلِينَ»، ذهب بعض العلماء إلى أن الغنيمة تقسم للراجل سهم، وللفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله٢٬١٣٤قال محمد بن سحنون: «انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار، ونقل عنه أنه قال: «أكره أن أفضل بهيمة على مسلم، وهي شبهة ضعيفة لأن السهام في الحقيقة كلها للرجل».
قلت: لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية لأن المراد المفاضلة بين الراجل والفارس فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل، فمن جعل للفارس سهمين فقد سوى بين الفرس وبين الرجل»، فتح الباري لابن حجر: (6 / 68).، وجماهير العلماء على خلاف ذلك، وقد ثبت في الحديث الصحيح -حديث ابن عمر- أن للراجل سهمًا وللفارس ثلاثة أسهم، وهذا هو القول الصحيح٢٬١٣٥التمهيد: (24 / 237-238)، المبسوط للسرخسي: (10 / 68-70)، الاختيار لتعليل المختار: (4 / 138)، السير الكبير: (3 / 885-887)، المدونة الكبرى: (1 / 518)، بداية المجتهد: (1 / 394-395)، المجموع: (19 / 356-357)، الحاوي الكبير (8 / 415-417)، المغني (10 / 434-436)، حاشية الروض المربع (4 / 279-280)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (31 / 312-313)، شرح صحيح البخاري لابن بطال: (5 / 67)، تحفة الأحوذي: (5 / 164)..
مسألة: الذي يملك الآن دبابة ملكًا له، أو يملك طائرة ملكًا له، أو يملك سيارة ملكًا له، هل يكون حكمه كحكم الفارس؟
بعض العلماء المعاصرين ذهب إلى أنه من كان يملك دبابة أو طائرة أو سيارة وقاتل بها فحكمه حكم الفارس، فيكون سهم له وسهمان لمركوبه، وبعض المعاصرين قال: إن هذا شيء مختص بالخيل، وقد وردت أحاديث كثيرة تذكر أن الخيل فيها البركة واختص ذكرها في كتاب الله ﷻ، وبعض العلماء فصَّل فقال: ما يكون في النكاية من قبيل الخيل ألحق به، وما كان كالإبل ألحق به، وهذا قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله٢٬١٣٦قال في الشرح الممتع: (8 / 30): «إذا قال قائل: فماذا تقولون في حروب اليوم؟ فالنَّاس لا يحاربون على خيل وإبل، بل بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟ فالجواب: يقاس على كل شيء ما يشبهه، فالذي يشبه الخيل: الطائرات لسرعتها، وتزيد أيضًا في الخطر، والذي يشبه الإبلَ الدباباتُ والنقلياتُ وما أشبهها؛ فهذه لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة له سهم واحد»..
والذي أراه -والله تعالى أعلم- أن هذا مختص بالخيل؛ لأن ما سوى ذلك لا يُمكن ضبطه.
«وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُسَوِّي بَيْنَ الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ وَالْهَجِينِ فِي هَذَا»، والهجين الذي يكون أبوه عربيًا وأمه غير عربية٢٬١٣٧تاج العروس: (273-278)، ولسان العرب: (13 / 431)، والمصباح المنير: (2 / 635). «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ الْهَجِينُ يُسْهَمُ لَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ»، فيكون لصاحبه سهم وله سهم واحد «كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ٢٬١٣٨عن مكحول: «أن رسول الله ﷺ عرّب العربي وهجّن الهجين، للعربي سهمان وللهجين سهم» البيهقي في الكبرى: (17961) وقال: «وهذا منقطع ولا تقوم به الحجة، وقد روي فيه حديث آخر مسند بإسناد ضعيف».»، أما عن النَّبيِّ ﷺ فهو حديث ضعيف، «وَالْفَرَسُ الْهَجِينُ، الَّذِي تَكُونُ أُمُّهُ نَـبَطِيَّةً وَيُسَمَّى الْبِرْذَوْنَ٢٬١٣٩والبِرْذَونُ: دابَّةٌ خاصَّة لا تكونُ إلاَّ مِن الخَيْلِ، والمَقْصودُ منها غَيْر العِرابِ، فالبِرْذَونُ مِن الخَيْلِ: ما ليسَ بعرَابي. وفي التَّوْشِيح: البَراذِينُ: الجفاةُ مِن الخَيْلِ. وفي شرْحِ العِراقِيَّة للسَّخاوي: البِرْذَونُ: الجافِي الخلْقَةِ الجلدُ على السَّيْرِ في الشّعابِ والوَعرِ مِن الخَيْل غَيْر العرابيَّةِ، وأَكْثَر ما يُجْلَبُ مِن الرُّومِ، تاج العروس: (34 / 246-247)، وانظر: لسان العرب: (13 / 51)، المصباح المنير: (1 / 41). -وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: التتري-، سَوَاءٌ كَانَ حِصَانًا أَوْ خَصِيًّا، وَيُسَمَّى: الْإِكْدِيشَ٢٬١٤٠الإكديش: اسم للحصان الهجين الأعجمي في مقابل العِراب، وكانت تُجلب من بلاد الروم والترك، وغالبًا ما كانت مشقوقة الأنف وهي صبورة على السير، سريعة المشي، معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي: (1 / 19). أَوْ رَمَكَةَ٢٬١٤١الرَّمَكة: الفرس والبِرْذَوْنةُ التي تتخذ للنسل معرّب والجمع رَمَكٌ وأَرْماك جمع الجمع، لسان العرب: (10 / 432).، وَهِيَ الْحِجَرُ»، نبطية: غير عربية، والرمكة: الأنثى من البراذين، «كَانَ السَّلَفُ يَعُدُّونَ لِلْقِتَالِ: الْحِصَانَ»؛ أي الذكر، «لِقُوَّتِهِ وَحِدَّتِهِ، وَلِلْإِغَارَةِ وَالْبَيَاتِ: الْحِجْرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا صَهِيلٌ، يُنْذِرُ الْعَدُوَّ فَيَحْتَرِزُونَ، وَلِلسَّيْرِ: الْخَصِيَّ؛ لِأَنَّهُ أَصْبَرُ عَلَى السَّيْرِ».
«وَإِذَا كَانَ الْمَغْنُومُ مَالًا قَدْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ، مِنْ عَقَارٍ أَوْ مَنْقُولٍ، وَعُرِفَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ»، فإذا غنم المسلمون شيئًا من الكفار، ثم قبل قسمته وجدوا فيه شيئًا يملكه بعض المسلمين فعرفوا الشيء وعرفوا مالكه أيضًا قبل أن يقسموا الغنيمة، فهذا الشيء يُردُّ إلى صاحبه أي مالكه الأول بالإجماع٢٬١٤٢قال في المغني: (10 / 470-472): «إذا أخذ الكفار أموال المسلمين، ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم، فإن عُلِم صاحبها قبل قسمتها رُدَّت إليه بغير شيء، في قول عامة أهل العلم منهم عمر رضي الله عنه وعطاء والنخعي وسلمان بن ربيعة والليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الزهري: لا يرد إليه، وهو للجيش. ونحوه عن عمرو بن دينار لأن الكفار ملكوه باستيلائهم، فصار غنيمة كسائر أموالهم»، وانظر: المبسوط للسرخسي: (10 / 25)، بدائع الصنائع: (15 / 374)، الاختيار لتعليل المختار: (4 / 142-143)، الذخيرة: (3 / 434)، بداية المجتهد: (1 / 398-400)، المجموع: (19 / 346)، الحاوي الكبير: (14 / 216)، فتح الباري لابن حجر: (6 / 182-183). [قلتُ: ومخالفة الزهري وعمرة بن دينار لا تنقض الإجماع؛ فالصحابة متفقون على أنَّ صاحب المال أولى بماله قبل القسمة، ومن ثَمَّ فقولهم لا ينهض لمخالفة الإجماع.. وإنما وقع الخلاف في المال الذي عُرف صاحبه بعد القسمة، وفيه خلافٌ بينته في رسالتي للدكتوراة في نوازل المعاملات المالية في الحروب، يسر الله نشرَها بخير].، واختلفوا فيه بعد القسمة.
«وَتَفَارِيعُ الْمَغَانِمِ وَأَحْكَامُهَا، فِيهَا آثَارٌ وَأَقْوَالٌ، اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَعْضِهَا، وَتَنَازَعُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ ذِكْرُ الْجُمَلِ الْجَامِعَةِ».
عندما ذكر شيخ الإسلام بعض الأمور المهمة من مسائل الغنائم أشار إلى أن تفاريعها كثيرة، وأن مسائلها متعددة منها ما هو متفق عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، ويرجع إلى ذلك في كتب الفقه التي فصلت وبينت هذه المسائل.
❖ ❖ ❖
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ: الصَّدَقَاتُ
«وَأَمَّا الصَّدَقَاتُ»، المقصود بها هنا: الزكاة الواجبة «فَهِيَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ»، فقد تولَّى الله ﷻ قسمها لمستحقيها بنفسه؛ فقال تعالى: ﴿۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ﴾ [التوبة: 60]، فهذه الأصناف الثمانية هم الذين يستحقون من الصدقات «فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَةِ بقَسْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ؛ وَلَكِنْ جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ)٢٬١٤٣من حديث زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه: أبو داود (1630)، ولفظه: (أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فذكر حديثًا طويلًا، قال: فأتاه رجل، فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ: إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك)، ضعفه الألباني.»، وهذا الحديث ضعيف، ولكن معناه صحيح.
هل للإنسان أن يأخذ الصدقات، أم لا بد أن تكون عن طريق الإمام -والإمام الآن غير موجود-؟
الصحيح أنه لا بد أن تقسم عن طريق والٍ، إلا إذا فُقِد الوالي -يعني من يرجع إليه النَّاس؛ كعالم أو حتى شيخ قبيلة مشهور عادل، يقوم بتقسيم الزكاة فيرجع الأمر إليه-، فبالجملة لا بد أن يرجع في قسمة الصدقات إلى رجل له قوة، إما قوة حقيقية أو معنوية؛ إما أن يكون عالـمًا في جهة ما والنَّاس سلَّموا له في الولاية وفي الرجوع إليه، أو أن يكون صاحب قوة وشوكة وإمارة في جهة ما؛ فالصدقات تقسم عن طريقه، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يمكن تقسيم الزكاة وإعطاء المستحقين إلا بهذه الكيفية، والأصل في القسمة أن تكون إلى الإمام الأعظم ولذلك فإن أبا بكر رضي الله عنه قاتل بعض المانعين مع أنهم قالوا: نقسهما فيما بيننا، فقال: «لا حتى تؤدوها إليَّ».
1، 2- «فـ﴿لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ يَجْمَعُهَا مَعْنَى الْحَاجَةِ إلَى الْكِفَايَةِ»؛ وثمة خلاف أيهما أشد حاجة من الآخر، ولكن المعنى العام الذي استحقوا بسببه أن يعطوا من الصدقة هو: حاجتهم إلى هذا المال الذي تقع به الكفاية لهم في النفقة، وعلى ذلك «فَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ»؛ أي عنده ما ينفقه على نفسه وعلى عياله، «وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ»؛ أي ولا لصاحب قوة يستطيع الاكتساب.
مسألة: إذا كان هناك من يجمع أموال الزكاة ثم يرسلها للمجاهدين وهو فقير مُعدم، فهل يجوز له أن يأخذ منها -مباشرة- شيئًا لنفسه؟
الذي يظهر لي أنه لا يجوز أن يأخذ إلا بعد أن يستأذن أمراء المجاهدين، لأنه في هذه الحالة وكيلٌ على إيصالها؛ فعند ذلك إذا عرَّف حالَه لأمراء المجاهدين الذين كُلِّف بإيصال الأموال إليهم، ففي هذه الحالة إذا أَذِنوا له أن يأخذ شيئًا صار حلالًا طيبًا له، وأمَّا أن يأخذ بنفسه وهو في الأصل وكيل مجرد عليها ثم ويتصرَّفَ فيها تصرَّفَ المالكِ لأنه قبضها؛ فالذي يظهر في هذا أنه: لا يجوز، لأن الأمر لا يمكن أن يُضبط بهذه الطريقة.
3- «﴿وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا﴾ هُمْ الَّذِينَ يَجْبُونَهَا وَيَحْفَظُونَهَا وَيَكْتُبُونَهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ»، فهؤلاء فرَّغوا أنفسهم للقيام بشئون أخذ الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها، والذي ذكره العلماء أن المقصود بالعاملين عليها هم: الذين كُلِّفوا من طرف الإمام على جمع الزكاة، ولم يفرِّغوا هم أنفسهم لهذا الأمر؛ فالذي يتطوع في بعض الأحيان بجمع الزكاة فهذا لا يظهر أنه من العاملين عليها؛ إلا إذا كلف أمير من أمراء الجهاد رجلا وجعل عمله جمع الزكاة والبحث عمن يخرجون أموالهم للمجاهدين وفرغه لذلك؛ فهذا قد يكون من العاملين عليها، والله أعلم٢٬١٤٤[يُستثنى من ذلك: الجمعيات الخيرية؛ التي تقومُ في ظل تعطيل السلطة لفريضة الزكاة وجمعها؛ فهذه أفتى جمهرة العلماء المعاصرين أنها تقوم مقام السلطة بجوازِ جمع الزكاة، واستحقاق سهمِ العاملين عليها؛ فيُفرق بينها وبين الأفراد في ذلك، فالفرد لا يأخذ، بينما الجمعيات الخيرية يحق لها أن تأخذ؛ لأنه لا يتم شأنها إلا بمالٍ يعود عليها، فيكونُ من سهم العاملين عليها، والله أعلم]..
ولله المشتكى، فهذه المسائل تبين لنا المصائب التي تقع في اختلاف الأحكام بسبب غياب الإمام؛ فكل أمورنا نحاول أن نرقعها ترقيعا، لأننا نعيش وضعا غير طبيعي، فكثير من المسائل التي مررنا عليها إنما هي من الحالات الاستثنائية الخارجة عن الأصل، فليس هناك إمام أعظم ولا بيت مال، ولا عاملين عليها يُكلفهم الإمام لجمع الزكوات.
4- «﴿وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ﴾ سَنَذْكُرُهُمْ -إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- فِي مَالِ الْفَيْءِ»، وهم الذين إما أنهم حديثو عهد بالإسلام فنعطيهم لنثبتهم عليه؛ حتى ولو كان أحدهم مشركًا أو له منزلة في قومه؛ فإذا أُنفق عليه من بيت المال دعاه هذا لأن يدخل في الإسلام وأن يدخل مَن وراءَه مِن قومه، كما فعل ﷺ يوم حنين، فأعطى النبي ﷺ الأقرع بن حابس وصفوان بن أمية وغيرهم واديًا من الغنم وواديًا من الإبل٢٬١٤٥من حديث رافع بن خديج: مسلم: (1060)، وابن حبان: (4827).، حتى قالوا: أعطى عطاء لا يعطيه الملوك، فدخل هؤلاء بالإسلام لما ألفت قلوبهم.
5- «﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾» في سبيل عتق الرقاب، «يَدْخُلُ فِيهِ: إعَانَةُ الْمُكَاتَبِينَ»، والمكاتَب هو: العبد الذي يدفع شيئًا لسيده على سبيل التقسيط، فإذا وفَّاه صار حرًّا؛ فهذا يعان من بيت المال إذا كان فقيرا أو لم يستطع أن يكمل ما تعاهد به لسيده، ومن الرقاب: «وَافْتِدَاءُ الْأَسْرَى، وَعِتْقُ الرِّقَابِ، هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ فِيهَا» فندفع للكفار مقابل إطلاق سراح المسلمين أو شراء العبيد لعتقهم.
وفي هذا الزمان: إذا أردنا أن نَعُدَّ هذا المصرف ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾ فإنما يكون في افتداء الأسرى.
6- «﴿وَٱلۡغَٰرِمِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ، لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهَا، فَيُعْطَوْنَ وَفَاءَ دُيُونِهِمْ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَرِمُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى»؛ يعني أَخَذ الديْن ابتداءً ثم صرفه أو أخذه لأجل أن يصرفه في شيء حرام، فإذا أعطيناه من الزكاة مع عدم توبته؛ فيكونُ هذا من إعانته على الإثم والعدوان فلذلك يُحرم من الزكاة، «فَلَا يُعْطَوْنَ حَتَّى يَتُوبُوا» فإذا تاب وندم أعطيناه؛ لان التوبة تجب ما قبلها، فيُعان على دينه إن ظهر صدق توبته.
7- «﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وَهُمْ الْغُزَاةُ»؛ أي: المقاتلين، المجاهدين، وكما ذكر الإمام ابن حجر رحمه الله أن كلمة ﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إذا أُطلقَت فالمقصود بها الجهاد٢٬١٤٦فتح الباري لابن حجر: (6 / 29)، وقال في (6 / 48): «قال ابن الجوزي: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد»، قال ابن الأثير في النهاية (2 / 338-339): «سبيلُ اللّه عامٌّ يقعُ على كل عَمل خالِصٍ سُلك به طَريق التقرُّب إلى اللّه تعالى بأداءِ الفَرَائض والنَّوافل وأنْواع التَّطوعُّات وإذا أُطْلق فهو في الغالِب واقعٌ على الجهَاد حتى صارَ لكَثْرة الاسْتِعْمال كأنه مقصورٌ عليه»، وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: (1 / 290): « ﮋفِي سَبِيلِ ٱللَّهِﮊ العرف الأكثر فيه: استعماله في الجهاد». «الَّذِينَ لَا يُعْطُونَ مِنْ مَالِ اللَّهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِغَزْوِهِمْ، فَيُعْطُونَ مَا يَغْزُونَ بِهِ»؛ يعني: ما يُعطون من بيت المال لا يكون كافيًا لهم في غزوهم؛ فهؤلاء هم الذين يُعطوْن، «أَوْ تَمَامَ مَا يَغْزُونَ بِهِ، مِنْ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَأُجْرَةٍ» بحيث يكفيهم هذا العطاء في إكمال جهادهم، وذهب إليه بعض العلماء أنه يعطى الغزاة من الصدقات؛ سواءٌ كانَ عندهم ما يكفيهم أم لم يكن عندهم ما يكفيهم٢٬١٤٧قال القرطبي في تفسيره (8 / 185): «قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وهم الغزاة وموضع الرباط، يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء، وهذا قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله».، فلمجرد كونه يجاهد في سبيل الله صار مصرفًا من مصارف الزكاة -والله أعلم-٢٬١٤٨أحكام القرآن: (4 / 329-330)، المبسوط للسرخسي (3 / 16-17)، الاختيار لتعليل المختار (1 / 126)، بدائع الصنائع (4 / 131)، البيان والتحصيل (18 / 517-518)، الحاوي الكبير (8 / 511-512)، الموسوعة الفقهية الكويتية (23 / 322-323). والشيخ ابن عثيمين مال إلى هذا القول وهو أنهم يُعطوْن حتى وإن كان عندهم ما يكفيهم وقال: لأن في هذا تشجيعًا لهم على الجهاد في سبيل الله٢٬١٤٩شرح السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 110)..
«وَالْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ٢٬١٥٠من حديث أم معقل: ابن خزيمة: (2376)، والحاكم: (1774)، وأبو داود: (1989)، وأحمد: (27327)، وصححه الألباني.»، فمن أراد الحج يُعطى من الزكاة وفيه خلاف بين العلماء؛ أنَّ من أراد الحج وليست عنده القدرة فيعطى من الزكاة ما تحصل به الاستطاعة ليحج٢٬١٥١جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: (23 / 323): «ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: «إِنَّهُ الصَّحِيحُ» إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ فِي الْحَجِّ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَنَّ سَبِيل اللَّهِ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ مُطْلَقٌ، وَهُوَ عِنْدَ الإْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، لأِنَّ الأْكْثَرَ مِمَّا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قُصِدَ بِهِ الْجِهَادُ، فَتُحْمَل الآْيَةُ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، إِلَى أَنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيُصْرَفُ فِيهِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَعَل نَاقَتَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ، فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تَحُجَّ، فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: (فَهَلاَّ خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيل اللَّهِ)»، وانظر: أحكام القرآن (4 / 329)، تفسير القرطبي: (8 / 185)، الذخيرة: (3 / 148)، الحاوي الكبير: (8 / 512) المغني: (7 / 327)، حاشية الروض المربع: (3 / 320)..
8- «﴿وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ﴾ هُوَ الْمُجْتَازُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ».
مسألة: ذهب بعض العلماء إلى أن آل بيت النَّبيِّ ﷺ تحرم عليهم الصدقة مطلقًا سواء كانت فريضة أو نافلة، وذهب بعض العلماء إلى أن آل بيت النَّبيِّ ﷺ تحرم عليهم الزكاة الواجبة فقط، وأما صدقات التطوع لهم أخذها، وهذا القول من مفردات الحنابلة واختاره شيخ الإسلام٢٬١٥٢حُكْمُ أَخْذِ الآل مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ: «لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ اتِّجَاهَاتٍ: الأْوَّل: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لأِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، تَشْبِيهًا لَهَا بِالْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ.
الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا، وَهِيَ الأْظْهَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ أَخْذِ آل الْبَيْتِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَامَّةٌ، فَتَشْمَل الْمَفْرُوضَةَ وَالنَّافِلَةَ.
الثَّالِثُ: الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، جَمْعًا بَيْنَ الأْدِلَّةِ». الموسوعة الفقهية الكويتية: (1 / 103)..
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان هؤلاء في زمن لا يُصرف عليهم فيه من بيت مال المسلمين يعني لا يأخذون حقهم من خمس الغنيمة، فهؤلاء سيبقون عالة على النَّاس ليس لهم مصدر يغنيهم، ففي هذه الحالة يجوز لهم أن يأخذوا من الصدقات سواء كانت الواجبة أو كانت صدقات التطوع، وهذا الذي ذهب إليه بعض العلماء وأظن أنه مذهب المالكية، وهو الذي نقولُ به.
وكنا قد استفتينا في هذا من قَبلُ: الشيخَ محمد سالم وَلْد عَدُّود في موريتانيا، وكان معنا بعض طلبة العلم، وهو من آل بيت النَّبيِّ ﷺ ونحن ليس لدينا مصدر إلا صدقات التطوع في ذلك الوقت؛ فاستفتاه فقال له هذا الذي ذكرناه، وهو: يجوز لك أن تأخذ؛ لأن الآن ليس هناك بيت مال للمسلمين تحصل فيه الكفاية، وليس هناك غنائم٢٬١٥٣أحكام القرآن: (4 / 335-338)، تفسير القرطبي: (8 / 191-192)، بدائع الصنائع: (4 / 141-143)، شرح معاني الآثار: (2 / 10-13)، البيان والتحصيل: (2 / 381-383)، المجموع: (6 / 226-228)، الحاوي الكبير: (8 / 539)، الإنصاف: (3 / 181) المغني: (2 / 517)، حاشية الروض المربع: (3 / 328)..
❖ ❖ ❖
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ: الْفَيْءُ
«وَأَمَّا الْفَيْءُ»، وهو القسم الثالث من الأموال السلطانية، وهو أعظمها لأنه يشمل جميع المسلمين، والفيء في أصله من الرجوع، فاء بمعنى رجع٢٬١٥٤قال في تاج العروس: (1 / 355): «أَصْل الفَيْءِ: الرُّجُوعُ، وقيَّدَه بعضُهم بالرجوع إِلى حَالة حَسَنَة، وبه فُسِّر قولُه تعالى: ﴿فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا﴾، قال شيخنا: ومنه قيل للظلِّ الذي يكون بعد الزَّوَال فَيْءٌ، لأَنه يرجِعُ من جَانِبِ الغَرْبِ إِلى جانب الشَّرْق، وسمي هذا المالُ فَيئًا لأَنه رَجَع إِلى المسلمين من أَموال الكُفَّار عَفْوًا بلا قِتالٍ، وقوله تعالى في قتال أَهل البغي: ﴿حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾؛ أَي تَرْجِعَ إِلى الطاعة»، وانظر: (لسان العرب: (1 / 124)، معجم مقاييس اللغة: (4 / 435-436)، والمصباح المنير: (2 / 486).، وأما في اصطلاح الفقهاء فهو: المال المأخوذ من الكفار مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب؛ يعني ما أخذ من الكفار بغير قتال.
«فَأَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ، الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، بَعْدَ بَدْرٍ، مِنْ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧ لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩ وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 6-10]».
ذكر الله تعالى أولًا: المال المأخوذ من بني النضير فجعله للنبي ﷺ خاصة، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ﴾؛ يعني: وما أرجع الله على رسوله من بني النضير من الأموال، والرجوع إنما يكون بعد ذهاب الشيء منك ثم رجوعه إليك، وقد سُمي الفيء فيئًا، لأن هذه الأموال في الأصل لا يستحق الكفار امتلاكها، فهذا معنى الرجوع، فالله تعالى خلق الخلق لعبادته، ومنهم الكفار، وأعطاهم هذه الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فما لم يستعينوا بها على عبادته، فقد صرفوها في غير مصرفها، فلهذا لم يستحقوها في حكم الله ﷻ، فعندما أخذها المسلمون، فقد أرجعوا هذه الأموال لما خُلقت له، وهو الاستعانة بها على عبادة الله ﷻ، فمن هنا أُخذ هذا المعنى.
وقوله ﷻ: ﴿فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ﴾ يعني: هو للنبي ﷺ، وليس لكم أيها الصحابة، فإنكم لم تحرِّكوا في تحصيله خيلًا ولا ركابًا، أي لم تقاتلوا في سبيل تحصيله، وإنما فتح الله ﷻ به على النَّبيِّ ﷺ، فلذلك كان له، فكان النَّبيُّ ﷺ يأخذ من مال بني النضير نفقته، ونفقة أهله سنة، ثم يُصرف ما بقي في الكُرَاع والسلاح٢٬١٥٥من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: البخاري: (2748)، ومسلم: (1757)، وابن حبان: (6357)، والترمذي: (1719)، وأبو داود: (2965)، والنسائي: (4140)، وأحمد: (171)، والكراع: الخيل.؛ يعني في أمور وشؤون الجهاد.
﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ﴾ فهذا من تسليط الله تعالى رسوله ﷺ على اليهود، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)٢٬١٥٦من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: البخاري: (328)، ومسلم: (521)، وابن حبان: (6398) والنسائي: (432).، فهؤلاء عندما قذف الله في قلوبهم الرعب أسلموا أنفسهم للرسول ﷺ وأسلموا أموالهم، ثم ذكر ﷻ بعد ذلك حكم الفيء عامًا، وليس بخصوص مال بني النضير، فقال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ وهذه الأصناف هي نفسها التي ذُكرت في خُمُسِ الغنيمة.
ثم قال الله ﷻ: ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾ يعني: إنما جُعل الفيء لهؤلاء حتى لا يكون متداولًا بين الأغنياء ويُحرم هؤلاء؛ أي ليكون الجميع مستحقين لهذا المال.
ثم ذكر الله تعالى ثلاث طوائف ممن يستحقون هذا الفيء، فذكر أولًا: المهاجرين: وهم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة، والمهاجرون لم يكن فيهم في مبدأ الأمر رجل غني، فكانوا جميعًا فقراء تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم؛ كما ذكر تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ أي صدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فللمهاجرين نصيب في هذا الفيء لأنهم داخلون في المساكين.
ثم ذكر الله تعالى الأنصار فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي جعلوا دارهم مسكنا ومباءة للمهاجرين وأخلصوا لله تعالى، وانظر كم ذكر الله ﷻ من صفات المدح للمهاجرين والأنصار، ولا شكَّ أنَّ المهاجرين هم أفضل من الأنصار، ولذلك كلما ذُكروا في الكتاب قدَّم الله ﷻ ذكرهم على الأنصار، وأثنى الله على المهاجرين هنا أنهم جمعوا بين النصرة والهجرة، وأما الأنصار فمنزلتهم عالية، ولذلك كان حبهم من الإيمان: ﴿تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ﴾ أي جعلوا دارهم مباءة يعني مسكنًا للمهاجرين، ﴿وَٱلۡإِيمَٰنَ﴾ أي أخلصوا في الإيمان، ﴿يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ﴾ وهذه شهادة من الله تعالى للأنصار بأنهم كانوا محبين لمن هاجر إليهم، وعلى رأس مَن هاجر إليهم: رسول الله ﷺ، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ﴾؛ أي ولا يجد الأنصار في صدورهم حسدًا مما أُوتي المهاجرون من الفضائل التي ذكرها الله ﷻ، ومعنى ﴿حَاجَةٗ﴾ حسدًا كما ذكر الحسن البصري رحمه الله٢٬١٥٧تفسير الطبري: (23 / 284)، تفسير ابن كثير: (8 / 69).، وكذلك فهم ﴿يُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ﴾ أي يقدِّمون حاجة غيرهم على حاجتهم، وليس في حال السعة، وإنما في حال الخصاصة والفقر والحاجة، وقالوا أن سبب نزول هذه الآية القصة المعروفة وهي: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَنْ يَضُمُّ، أَوْ يُضِيفُ هَذَا)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: (ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أَوْ عَجِبَ- مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩﴾)٢٬١٥٨من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (3587)، ومسلم: (2054)، وابن حبان: (7264)، والحاكم: (7176)، والترمذي: (3304)..
وكان الرجل من الأنصار -في أول الهجرة- يخيِّر المهاجر في نسائه، فيقول له: (عندي كذا من النساء، فاختر أيتهما شئت لأطلقها لك)٢٬١٥٩كما حدث هذا مع الصحابيين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع رضي الله عنهما، وذلك عند البخاري: (4785)، والترمذي: (1933)، والنسائي: (3388)، وأحمد: (12999)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.، من يستطيع أن يفعل هذا؟ فإذن هذا هو حال الأنصار، ولذلك شهد الله ﷻ لهم بهذه الصفات؛ فهؤلاء هم الصنف الثاني من الذين يستحقون من الفيء وهم الأنصار، ولا شك أنهم من المفحلين لأن الله وقاهم شح أنفسهم كما شهدت الآيات.
وأما القسم الثالث: وهو من جاء بعد المهاجرين والأنصار بالصفة التي ذكرها الله تعالى، قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ يعني: يدعون لأنفسهم، ويدعون لمن سبقهم بالإيمان من أتباع الأنبياء الأولين ومن المهاجرين والأنصار، ولمن جاء بعد المهاجرين والأنصار من السلف الصالحين ومن الأئمة المتقين، فلذلك استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية أنَّ الرافضة لا حقَّ لهم في الفيء، لأنهم يدعون على الصحابة ولا يدعون لهم، ويلعنونهم ولا يترحمون عليهم، وذكر بعض العلماء أن من كان في قلبه شيء من الغلِّ على بعض الصحابة لا يستحق من الفيء٢٬١٦٠قال مالك: «من كان يبغض أحدًا من أصحاب محمد ﷺ، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في المسلمين، ثم قرأ ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ﴾... الآية»، تفسير القرطبي: (18 / 32)، وانظر: تفسير ابن كثير: (8 / 73)، تفسير البغوي: (8 / 79)، مجموع الفتاوى: (28 / 405)..
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «استوعَبَت هذه الآية جميع المؤمنين»٢٬١٦١أبو داود: (2966)، والنسائي: (4148)، وصححه الألباني.؛ أي مِن أهل الإيمان الذين اتصفوا بهذه الصفات، «فَذَكَرَ ﷻ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى مَا وَصَفَ»، على ما وصف، وهو أنهم يستغفرون لِمَن سبقهم بالإيمان، وأنهم يدعون الله ﷻ ألَّا يجعل في قلوبهم غلًا لأحد من المؤمنين؛ «فَدَخَلَ فِي الصِّنْفِ الثَّالِثِ كُلُّ مَنْ جَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَخَلُوا فِي قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ﴾ [الأنفال: 75]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ﴾ [التوبة: 100]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الجمعة: 3]» وورد في الحديث الصحيح أنهم من فارس.
«وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ﴾ [الحشر: 6]؛ أَيْ مَا حَرَّكْتُمْ وَلَا سُقْتُمْ خَيْلًا وَلَا إبِلًا، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الْفَيْءَ هُوَ مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ؛ لِأَنَّ إيجَافَ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ هُوَ مَعْنَى الْقِتَالِ»؛ المقصود بالركاب: الإبل، ويعني بتحريكها وإيجافها: القتال.
«وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَيْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، إنَّمَا خَلَقَ الْأَمْوَالَ إعَانَةً عَلَى عِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، فَالْكَافِرُونَ بِهِ أَبَاحَ أَنْفُسَهُمْ الَّتِي لَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا، وَأَمْوَالَهُمْ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ، لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ»؛ فالله تعالى أباح أنفسَ الكفار التي لم يعبدوا الله ﷻ بها، فهو خلقهم لعبادته، وأباح أموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين، فعندما يأخذ المؤمنون أموال الكفار، فكأنها أموالهم ردَّت إليهم؛ لأن هذه الأموال إذا أخذها المؤمنون استعملوها فيما خُلقت لأجله، وهو الاستعانة بها على طاعة الله ﷻ، فهذه الأموال التي عند الكافر حرام عليه في حكم الله، وإن جوَّز له أن يمتلكها في الدنيا، ويجوز لك أن تبيع وأن تشتري منه وأن تهدي له وأن تتصدق عليه، ولكن في حكم الله ﷻ هو معاقب على ذلك؛ فالكافر كل لقمة يضعها في فمِه وكل شربة ماء وكل لباس فسيعاقب على ذلك؛ لأنه استخدم هذه الأموال في غير ما أُعطيت له، فقد أعطاها الله ﷻ له من أجل أن يستعين بها على عبادته، ولكنه استخدمها في معصية الله ﷻ-نسأل الله العافية-.
«وَأَفَاءَ إلَيْهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، كَمَا يُعَادُ عَلَى الرَّجُلِ مَا غُصِبَ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ قَبْلَ ذَلِكَ»، كأن شيخ الإسلام هنا يجيب على سؤال مفترض: كيف تقول إن أموال الكفار ردَّت على المسلمين، وهم لم يملكوها في الأصل؟ قال: حال هذه الأموال كحال المال الذي غُصب من مال الميِّت فيرد إلى الورثة، مع أنهم لم يأخذوه في الأصل، لكن الغاصب أخذه وهو مال محرَّم عليه، فعندما رجع إلى موضعه الأصلي ومالكه الحقيقي، وإلى من يستخدمه فيما أبيح له، وعلى الوجه الذي شرع له، كأنه صار مالًا مردودًا، وإن لم يقبضه أصلًا، وكذلك الفيء مثل هذه الصورة٢٬١٦٢[انتهت بهذا المحاضرة الخامسة، وبدأت السادسة في تتمة أحكام الفيء].
«وَهَذَا مِثْلُ الْجِزْيَةِ الَّتِي عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى»، بدأ شيخ الإسلام رحمه الله يعدد بعض صور الفيء أي بعض الأموال التي تُصرف مصرف الفيء، وتأخذ حكم الفيء في الصرف، وإن كنَّا قد ذكرنا أن الفيء حسب اصطلاح الفقهاء هو المال المأخوذ من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، إلا أن هناك أموالًا من المسلمين يجري حكمها مجرى الفيء في الصرف لا في الأخذ، وسيذكر بعضها.
ذكر هنا المال المأخوذ من اليهود والنصارى على سبيل الجزية، قال ﷻ: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، فهذا المال المأخوذ منهم عن يد وهم صاغرون يُعد من الفيء، والجزية تؤخذ منهم في كل عامٍ مرةً واحدة، واختلف العلماء في مقدار الجزية التي تؤخذ منهم، وهذا عندما نقيم دولة الإسلام ونفرض الجزية على الكفار فعندها نعرف أحكامها بالتفصيل.
«وَالْمَالُ الَّذِي يُصَالِحُ عَلَيْهِ الْعَدُوَّ»، أي إذا وقَّع إمام المسلمين معاهدةً أو مصالحة مع دولة من الكفار على أن يُرسلوا له مالًا في كل عام كذا أو في كل شهر كذا؛ فهذا المال المأخوذ في مقابل الصلح، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فيصرف كما يصرف الفيء.
«أَوْ يُهْدُونَهُ إلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ»، المال الذي يهديه الكفار إلى سلطان المسلمين على سبيل الهدية؛ فهذا المال يُصرف في مصارف الفيء، قال العلماء: لأن السلطان إنما أعطي إليه هذا المال باعتبار موطنه ومنزلته من المسلمين، ولو لم يكن سلطانًا حاكمًا لما أعطاه الكفار هذا المال، فهذا كأنه اكتسب بمهنته، واكتسب بعمله؛ فقد أُهدي له بسبب ولايته وعمله، وهذه الولاية ليست ملكًا له، وإنما هو نائب ووكيل عن النَّاس، فعليه أن يردَّ هذه الأموال إلى أهلها، هذا إذا قُدِّمت إليه وهو في غير حال الحرب، وذكر بعض العلماء أنه إذا كان في حال الحرب كأن اصطف الجيشان فأرسل الكفار إلى سلطان المسلمين شيئًا من الأموال هدية له، فهذا يكون غنيمة في هذه الحال، لأن الكفار إنما أعطوه بتقوي السلطان بمن معه من الجيش، فكأنما أخذ هذا المال من الكفار بالقوة٢٬١٦٣المغني: (10 / 556)، الاختيار لتعليل المختار: (4 / 130)، السير الكبير: (1 / 98)، الذخيرة: (3 / 417)، الحاوي الكبير: (14 / 223)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (6 / 232).، أما عندما يكون في بلده، وفي حال الاستقرار كما مثَّل شيخ الإسلام فقال: «كَالْحِمْلِ الَّذِي يُحْمَلُ مِنْ بِلَادِ النَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ»، فكانوا يملأون الإبل بالهدايا ويُرسلوها للسطان؛ فهذا المال لا يملكه السلطان، ولا يختص به من دون المؤمنين، وإنما يصرف تمامًا كما يصرف الفيء.
«وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَهُوَ الْعُشْرُ، وَمِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اتَّجَرُوا مِنْ غَيْرِ بِلَادِهِمْ، وَهُوَ نِصْفُ الْعُشْرِ هَكَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَأْخُذُ٢٬١٦٤البيهقي في الكبرى: (18765)، ومسند الفاروق لابن كثير: (2 / 500)، السير الكبير: (3 / 1041)، المدونة الكبرى: (1 / 332)، المجموع: (19 / 438-439)، روضة الطالبين: (7 / 507)، الأم: (5 / 689-690)، الإنصاف: (4 / 176)، المغني: (10 / 592)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (30 / 109-110).»، فقد كان التاجر الكافر يأتي إلى بلاد المسلمين، ففرض عمر رضي الله عنه على التاجر عُشر ماله إذا دخل بلاد المسلمين، وهذا بالنسبة إلى الكفار الحربيين الذين يستقرون ويعيشون في بلدانهم، وأما أهل الذمة وهم الذين يعيشون في بلاد الإسلام، وتحت حكم الإسلام؛ فهؤلاء إذا اتجروا في غير بلاد المسلمين وليست تجارتهم في بلاد المسلمين، فإذا رجع إلى بلاد المسلمين فيؤخذ منه نصف العشر، مرة في السنة، وليس كلما ذهب ورجع، أما إذا كان يتاجر في بلاد المسلمين، فليس عليه إلا الجزية فقط.
«وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ مَنْ يَنْقُضُ الْعَهْدَ مِنْهُمْ»، إذا نقض الكفار العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين؛ فإذا دفعوا أموالًا مقابل ألا يقاتلوا بعد نقضهم لهذا العهد، فهذه الأموال تكون فيئًا، ولا تكون غنيمة، هذا الذي يُفهم من كلام شيخ الإسلام، أو أن معنى كلام شيخ الإسلام -وهذا هو الأقرب-: إذا نقض بعض أهل الذمة العهدَ؛ فقُتل هؤلاء، وليس لهم وارث، فأموالهم ترجع إلى بيت مال المسلمين، وتكون فيئًا، أما إذا نقضوا وقاتلوا، فما يؤخذ من أموالهم على سبيل القتال، فهو غنيمة.
«وَالْخَرَاجُ الَّذِي كَانَ مَضْرُوبًا فِي الْأَصْلِ عَلَيْهِمْ»، إذا كان هناك خراجٌ ضُرِب على الكفار، أي يعملون في هذه الأرض على أن يدفعوا من خراجها -أي ما يخرج من غلَّتها-٢٬١٦٥والغَلَّة الدَّخْل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإِجارة والنِّتاج ونحو ذلك، لسان العرب: (11 / 499)، تاج العروس: (30 / 118)، والمصباح المنير: (2 / 452).، في كل سنة كذا وكذا من الأموال؛ فيبقي لهم الإمام الأرض يعملون فيها على أن يدفعوا في كل عام عُشرَ ما يخرج من غَلَّتها مثلا؛ ففي هذه الحالة يكون هذا الخراج فيئًا، ويرجع إلى بيت مال المسلمين.
«وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ»؛ لأن هذه الأرض باقية، وليست ملكًا لآحاد المسلمين، وإنما هي ملك لبيت مال المسلمين، فحتى وإن عمل فيها بعض المسلمين، فما يخرج منها يرجع إلى بيت مال المسلمين، فهي ليست من قبيل الضرائب على المسلمين، وإنما هي من قبيل أداء حق بيت المال من هذه الأرض الخراجية، فهذه الأرض حتى ولو انتقلت من الكافر إلى المسلم؛ فما يخرج منها يُدفع إلى بيت مال المسلمين.
«ثُمَّ إنَّهُ يَجْتَمِعُ مِنَ الْفَيْءِ: جَمِيعُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ»، في القسم الأول ذكر الأموال التي تؤخذ من الكفار؛ فذكر مال: الجزية من اليهود والنصارى، الهدايا التي يهديها الكفار إلى سلطان المسلمين، وما يؤخذ من تجار أهل الحرب أو أهل الذمة، وما يؤخذ ممن نقض العهد منهم، وما يؤخذ من الأرض الخراجية التي يعملون فيها؛ فهذه كلها أموال في أصلها تؤخذ من الكفار.. والآن سيذكر الأموال التي ترجع إلى بيت المال وتكون من المسلمين، ويكون مصرفها مصرف الفيء:
- «كَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ؛ مِثْلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ»، فإذا مات إنسان، وليس له وارث، فماله يرجع إلى بيت مال المسلمين، ويُصرف في المصالح العامة، كما يُصرف الفيء.
- «وَكَالْغُصُوبِ، وَالْعَوَارِيّ، وَالْوَدَائِعِ الَّتِي تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا»، فلو أن شخصًا غصب مالًا -أي أخذ مال مسلم بقهر وبغير وجه حق-، ثم بعد ذلك أراد أن يتوب، وأن يرد هذا المال إلى صاحبه؛ فنسي صاحبه، أو تعذر عليه إرجاعه له، فعليه أن يضع هذا المال المغصوب في بيت مال المسلمين.
وكذلك العواري؛ فإذا استعار الإنسان من إنسان شيئًا لينتفع به، ثم بعد ذلك فقد صاحبه، ولم يعرفه، أو تعذر عليه أن يصل إليه بأي حال من الأحوال، فلا يكون هذا سببًا في تملكه لهذا المال، وإنما عليه أن يضعه في بيت مال المسلمين.
وكذلك الودائع؛ إذا أودع إنسانٌ عندك شيئًا على أن تردَّه إليه بعد زمن معين، ثم فقدت الـمُودِعَ، ولم تستطع أن تصل إليه، أو لم تعرفه؛ فهنا عليك أن تضع هذه الودائع في بيت مال المسلمين.
ولذلك تُطرح هنا مسألة الإخوة الذين يُقتلون ويتركون أشياء كثيرة، بعضها ذات قيمة، وبعضها ليست ذات قيمة، وهذه من المشاكل التي تواجه الإخوة كثيرًا هنا، فماذا تفعل بهذه الأشياء؟
إذا تركتها مدخرة وباقية في المخزن فلا مخزن لنا -فنحن كل يوم في مكان وفي غرفة أخرى-، وهذا فيه مشقة كبيرة جدًا على من يُوكل إليه أمر حفظها، وإذا أردت أن توصلها إلى الورثة، فهذا أشد تعذرًا من حفظها عندك فقد يضر أهله جدا، فضلا عن أن بعض النَّاس منقطعون لا تعرف مكانه، ولا تَعرف أهله، أو تَعرف أهله ومن المستحيل أن توصل إليهم هذه الأشياء.
فالذي اقترحناه على الإخوة في مثل هذه الحالات: أن يُوضع دفتر خاص بِتَرِكات الإخوة الشهداء؛ فيُكتب فيه اسم الشهيد، والشيء الذي تركه، ويُكتب تاريخ مقتله، فإن كان له وارث أو قريب في الساحة أعطي له ليتصرف فيه، وإن كان ليس له وارث ولا قريب؛ فيُصرف في مصالح المسلمين العامة فالملابس تقسم على المهاجرين والأنصار، والأجهزة والأموال توضع فيما يُنتفع به انتفاعًا عاما، فهذا أحفظ لهذه الأموال، فلو قدَّر الله ثم جاء بعد ذلك أحد الورثة عُرِّف ما ترك هذا الرجل من الأموال، فإن عفا وأسقطها فبها ونعمت، فإن لم يُسقطها أُعطي قيمتَها، وهذه أنسب طريقة رأينا أنه يمكن أن يُتعامل معها عمليا مع ما يترك الإخوة الشهداء، فإن كثيرا مما يتركونه يضيع، وإذا أوصى نفذت وصيته حسب ما أوصاه.
«وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ فَهَذَا وَنَحْوُهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ»، فأيُّ مال تعذَّر معرفة صاحبه حتى يوصل إليه، فإنه يوضع في بيت المال ليصرف في مصارف المسلمين العامة.
وكان الإمام أحمد يقول: لا أرى أن يُدفع لحكام زمانه شيئًا من الأموال العامة؛ فكيف زماننا؟!
«وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: الْفَيْءَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يَمُوتُ عَلَى عَهْدِهِ مَيِّتٌ، إلَّا وَلَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ؛ لِظُهُورِ الْأَنْسَابِ فِي أَصْحَابِهِ»، كأن الإمام ابن تيمية رحمه الله هنا سأل سؤالًا ثم أجاب عنه، وهو: إذا كان ما ذكرتَه من أن أموال المسلمين التي لم يُعرف أصحابها تصرف في المصالح العامة، فلِمَ لَم تُذكر مع أموال الفيء في آية الفيء التي اختصت بأموال الكفار؟
قال: لأنه في زمن النَّبيِّ ﷺ كان المسلمون معروفي الأنساب، فإذا مات الإنسان يُعرف من هو وارثه، ولم يكن عدد المسلمين بهذه السعة وبهذه الكثرة؛ بحيث يمكن أن تنقطع الصلات بين المسلم وبين من يستحق هذا المال، فلذلك ذُكر الفيء، ولم يذكر هؤلاء؛ لأن إيصال الأموال إلى أصحابها كان أمرًا متيسرًا.
«وَقَدْ مَاتَ مَرَّةً رَجُلٌ مِنْ قَبِيلَةٍ فَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى أَكْبَرِ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ، أَيْ أَقْرَبِهِمْ نَسَبًا إلَى جَدِّهِمْ٢٬١٦٦من حديث بريدة رضي الله عنه: ولفظه: «مات رجل من خزاعة فأتى النبي ﷺ بميراثه فقال: (التمسوا له وارثًا أو ذا رحم)، فلم يجدوا له وارثًا ولا ذا رحم، فقال رسول الله ﷺ: (أعطوه الكبر من خزاعة)» أبو داود: (2904)، وأحمد: (22994)، وضعفه الألباني.، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَأَحْمَدَ فِي قَوْلٍ مَنْصُوصٍ وَغَيْرِهِ»، مات رجل في زمن النَّبيِّ ﷺ، ولم يكن لهذا الرجل وارث؛ فالنبي ﷺ دفع تركة هذا الرجل إلى أكبر رجل من قبيلته مع أنه ليس وارثًا، ففي الأصل لا يستحق هذا المال بالوراثة؛ لا بالفرد ولا بالتعصيب، وإنما لقرابته من هذا الرجل، ولكونه أقرب النَّاس من جهة جدِّه، فأعطاه ﷺ هذا المال، وهذا يمكن أن يُحمل على أنَّ النَّبيّ ﷺ ردَّ هذا المال إلى بيت المال، ثم صرفه في مصلحةٍ رآها، فهنا صُرف هذا المال إلى هذا الرجل، ولكن ليس على جهة الاستحقاق، وإنما هو تصرف من النَّبيِّ ﷺ في مالٍ لا وارث له معين، مع أنَّ هذا الحديث ضعيف.
«وَمَاتَ رَجُلٌ لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا عَتِيقًا لَهُ، فَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى عَتِيقِهِ٢٬١٦٧من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولفظه: «مات رجل على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع له وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه فدفع النبي ﷺ ميراثه إليه» الحاكم: (8015)، والترمذي: (2106)، وأبو داود: (2905)، وابن ماجه: (2741)، وأحمد: (1930)، ضعفه الألباني.، وَقَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ»، كذلك في زمان النَّبيِّ ﷺ مات رجل وليس له وارث، وما كان له إلا عبد قد أعتقه -وهذا لا يرث؛ لأنه مولى من الأسفل ومثله لا يَرث، وأما الذي يرث في العتق فهو السيد المولى من الأعلى- ، فدفع النبي ﷺ ميراثه إليه مع أنه لا يستحقه من جهة الوراثة، وهذا الحديث أيضًا ضعيف، «وَدَفَعَ مِيرَاثَ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ٢٬١٦٨من حديث عائشة رضي الله عنها: ولفظه: «أن مولى للنبي ﷺ وقع من نخلة فمات وترك مالا، ولم يترك ولدًا ولا حميما، فقال النَّبيُّ ﷺ: (أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته)»، الترمذي: (2105)، وأبو داود: (2902)، وابن ماجه: (2733)، وأحمد: (25098)، وصححه الألباني.»؛ فهذا الحديث صححه الشيخ الألباني، وهذه -والله أعلم تحمل- على أنَّ النَّبيَّ ﷺ تصرف فيها تصرف المصالح، أي أنَّ هذا المال رد إلى بيت المال، ثم بعد ذلك أُعطي لهؤلاء بناء على تصرف الإمام.
«وَكَانَ ﷺ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ يَتَوَسَّعُونَ فِي دَفْعِ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ٢٬١٦٩مالك: (1084).، إلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبَبٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ»، هذا إذا لم يكن له وارث، «وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الصَّدَقَاتِ»، فالنبي ﷺ والخلفاء لم يكونوا يأخذون من المسلمين شيئًا إلا الصدقات، فإذا كانت واجبة فُرضت عليهم، وإذا كانت تطوعًا حُثُّوا عليها؛ لأن الصحابة كان الواحد منهم يجاهد بنفسه وماله، وإن لم يكن له مال، فالنبي ﷺ حثَّ الصحابة وحضهم على التبرع كقوله: (من يجهز جيش العسرة)٢٬١٧٠من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: النسائي: (3182)، وأحمد: (511)، وصححه الألباني..
إذن فليس هناك مال محدد يفرض على المسلمين، ليؤخذ منهم على سبيل الوجوب والتحتم إلا الزكاة، أو أنَّ واحدًا من المسلمين فرَّط في واجب منه؛ كأن يكون قد فرَّط في نفقة من تجب عليه نفقته، ومن هو تحته عاجز عن أخذ هذه النفقة، ففي هذه الحالة للقاضي أن يلزمه بدفع هذه النفقة على من تحته، لكن المقصود هنا الحكم العام الذي يشمل المسلمين جميعًا.
«وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ»، وهذا الجهاد بالمال والنفس على سبيل الوجوب، ولكن ليس الإمام هو الذي يأخذه بالقوة، مع أن العلماء ذكروا صورة -وهذه كفتوى وليست كحكم عام منسحب على جميع حالات المسلمين- وهو: إذا خلا بيتُ المال من المال الكافي للجُند، فهل على الإمام أن يفرض على أغنياء المسلمين شيئًا من الأموال حتى تقع الكفاية في الجهاد؟ هذه من المسائل التي ذكرها بعض الفقهاء كالشاطبي في كتابه «الاعتصام»٢٬١٧١قال الشاطبي: «إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقِرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور، وحماية المُلك المتسع الأقطار، وخلا بيتُ المال، وأرهقت حاجات الجند إلى ما يكفيهم، فللإمام -إذا كان عدلًا- أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك، كي لا يؤدي تخصيص النَّاس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلًا من كثير، بحيث لا يجحف بأحد، ويحصل المقصود، وإنما لم يُنقل مثل هذا عن الأولين لاتساع بيت المال في زمانهم، بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر؛ فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك لانحلَّ النظام، وبطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وإنما نظام ذلك كله شَوكة الإمام بعدتِّه، فالذي يحذر الدواهي لو انقطعت عنهم الشوكة، يُستحقر بالإضافة إليها أموالهم كلها، فضلًا عن اليسير؛ فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الأول، وهو مما يُعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد والملاءمة»، الاعتصام: (3 / 25-27).، وذكرها أيضا الغزالي في كتابه «المستصفى»٢٬١٧٢«مسألة: توظيف الخراج من المصالح، فهل إليه سبيل أم لا؟ فإن قيل: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا؟ قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود. أما إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامنة في بلاد الإسلام؛ فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران؛ قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل، بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور»، المستصفى: (2 / 495-496).، وكذلك إمام الحرمين في كتابه «غياث الأمم»٢٬١٧٣يُنظر غياث الأمم للجويني [وهو من أشهر وأول من قالوا بإباحة الضرائب الاستثنائية بشروطها]: (1 / 190-210) ومن قوله: «فأما القسم الثالث؛ وهو ألا يُخاف من الكفار هجومًا لا خصوصا في بعض الأقطار ولا عمومًا، ولكن الانتهاض إلى الغزوات والانتداب للجهاد في البلاد، يقتضي مزيد عتاد واستعداد؛ فهل يكلف الإمام المثرين والموسرين أن يبذلوا ما يستعدون به؟ هذا موقع النظر ومجال الفكر، ذهب ذاهبون إلى أنه لا يكلفهم ذلك، بل يرتقب في توجيه العساكر ما يحصل من الأموال، والذي أختاره قاطعًا به أن الأمام يكلف الأغنياء بذل فضلات الأموال ما يحصل به الكفاية والغناء؛ فإن إقامة الجهاد فرض على العباد، فتوجيه الأجناد على أقصى الإمكان والاجتهاد في البلاد، محتوم لا تساهل فيه، وما أقرب تقاعدنا عنهم إلى سيرهم إلينا، واستجرائهم علينا، وإذا كنا لا نسوغ تعطيل شيء من فروض الكفايات، فأحرى فنونها بالمراعاة: الغزوات. والأمور في الولايات إذا لم تؤخذ من مباديها، جرت أمورًا يعسر تداركها عند تماديها، وقد أجرينا فيما تقدم أن الدنيا تبع الدين، وأن صاحبنا بعث لتأسيس الدين، وتأدية الرسالة والإبلاغ، والاكتفاء من هذه الدنيا ببلاغ، فمن عظائم الأمور: ترك الأجناد، وتعطيل الجهاد، وانحصار العساكر في الثغور».، وجوَّزوا ذلك بشروط ذكروها طويلة٢٬١٧٤[انظر تفضلا بحثي: «الضرائب والمكوس.. شرعا وواقعا» ذكرت آخره أن عمل الفقهاء على إباحتها إن توفر لذلك ثمانية شروط]..
مسألة: السلاح الذي يكون في الأصل ملكًا لبيت المال وتغلب عليه أحد الأفراد فلا يصير ملكا لهم بالتقادم أو بسقوط الدولة أو الجماعة المسلمة؛ بل يبقى لبيت المال ومصالح المسلمين، ولكن مع ذلك فلا نقاتل الذين معهم هذه الأسحلة لتحصيلها إذا عجزنا عن أخذه منهم إلا بالقتال وكان فيه مفسدة، وكثرة الآخذين للاموال لا تُغير مالكه الأصلي، وهنا يجوز لنا شراء هذا السلاح منهم، ويحرم عليهم أخذ الثمن، كمن لن يحسن الوصول لحقه إلا بالرشوة فهي له حلال وعلى المرتشي حرام، وإنما أبحنا شراءه منه للضرورة، ويجوز أن نعطيه أجرة حفظه السلاح هذه الفترة.
وأما إن كان السلاح ونحوه مما يحتاجه المسلمون ملكًا له حقيقة ومنعه عند شدة الحاجة له في الجهاد فيؤخذ منه بالقوة ويُعطى قيمة المثل فيسعر الإمام والأمير على أصحاب السلاح حينها.
«وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَمْوَالِ الْمَقْبُوضَةِ وَالْمَقْسُومَةِ، دِيوَانٌ جَامِعٌ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، بَلْ كَانَ يَقْسِمُ الْمَالَ شَيْئًا فَشَيْئًا»؛ أي لم يكن هناك دفتر تسجل فيه الأموال الداخلة والأموال الخارجة، وإنما تأتي الأموال إلى النَّبيِّ ﷺ فيقسمها في مجلسه، فيعطي هذا وهذا بالتدرج من غير أن يكون له ديوان مسجل، لأن عدد المسلمين كان قليلًا في زمن النبي ﷺ.
«فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَثُرَ الْمَالُ»، بسبب الفتوحات «وَاتَّسَعَتْ الْبِلَادُ، وَكَثُرَ النَّاسُ؛ فَجَعَلَ دِيوَانَ الْعَطَاءِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ»؛ أي جعل ديوانًا خاصًا بالنَّاس الذين يخرجون للجهاد حتى لا يُنسوا؛ لأنهم أهم من ينبغي أن يصرف عليهم، فمصدر المال عن طريقهم «وَدِيوَانُ الْجَيْشِ -فِي هَذَا الزَّمَانِ- مُشْتَمِلٌ عَلَى أَكْثَرِهِ» أي ديوان العطاء «وَذَلِكَ الدِّيوَانُ هُوَ أَهَمُّ دَوَاوِينِ الْمُسْلِمِينَ»، ففي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن هناك جيش محدد، وإنما أكثرهم يقاتلون تطوُّعًا، وأما في زمن شيخ الإسلام فكان هناك ديوان المقاتلة والمتطوعة، وهؤلاء المتطوعة يُسمون بالـمُرتَزِقة -وليس هو بالمعنى المذموم عندنا، وإنما هم الذين لهم رزق من بيت المال٢٬١٧٥والمرتزقَة: أَصحابُ الجِراياتِ والرَّواتِبِ المُوَظَّفَة، تاج العروس: (25 / 342)، وانظر: المصباح المنير: (1 / 225).- فهؤلاء كانوا هم الجنود المخصصون من قبل الدولة للجهاد، فهؤلاء تُسجل أسماؤهم في الديوان لتصرف لهم العطايا بعد ذلك.
«وَكَانَ لِلْأَمْصَارِ دَوَاوِينُ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ وَمَا يُقْبَضُ مِنَ الْأَمْوَالِ»، وهذا من أهم الأمور التي ينبغي أن يُعتنى بها، وهي التي تُضبط بها مسألة الأموال؛ فلا بد أن يكون هناك ديوان تُسجَّل فيه الأموال الداخلة والخارجة، حتى يُصرف كل درهم في جهته، وحتى لا يُنسى بعضُ النَّاس الذين يكونون مستحقين، هذا في الدولة الإسلامية.. ولكن يمكن أن تُؤخذ هذه الفكرة فتكون عند المجاهدين.
«وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ يُحَاسِبُونَ الْعُمَّالَ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ»، فإذا أرسل شخصًا ليجمع الصدقات، فبعدما يأتي يجلس معه ويحاسبه: كم أخذت؟ ومن أين أخذت؟ وأين صرفت؟، ولذلك ابن اللُّتبِية -صحابي- عندما أرسله النبي ﷺ لجمع الصدقات فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهدي إليَّ، فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، وصعد على المنبر، وقال: (مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا)٢٬١٧٦من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: البخاري: (6772)، ومسلم: (1832)، وابن خزيمة: (2339)، وابن حبان: (4515)، وأبو داود: (2946)، وأحمد: (23646).؛ يعني هذا المال إنما أخذته بعد أن وصلت إلى تلك الجهة، وبعد أن رأى النَّاس أنك تجمع الصدقات، فهذا المال إنما أخذته بناء على المهنة التي تمارسها، وهذا كما ذكرنا في السلطان إذا حمل له الكفار الهدايا فعليه أن يضعها في بيت المال.
«فَصَارَتْ الْأَمْوَالُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَا قَبْلَهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ قَبْضَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ»، مثل الصدقات وخمس الغنيمة، وكذلك أموال الفيء.
«وَنَوْعٌ يَحْرُمُ أَخْذُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ كَالْجِبَايَاتِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَجْلِ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ» يعني: وُجد شخص مقتول في هذه القرية، وهذا الرجل له وارث، فتؤخذ ضريبة من جميع أهل القرية وهذه الضريبة لا تُعطى للوارث، وإنما يأخذها بيت المال، فهذا حرام بإجماع العلماء؛ لأن (مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)٢٬١٧٧من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2302)، ومسلم: (1355)، وابن حبان: (3715)، والترمذي: (1405)، وأبو داود: (4505)، والنسائي: (4785)، وابن ماجه: (2624)، وأحمد: (7241). كما قال النَّبيُّ ﷺ فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية، فإذا عفا عنه فليس لأحد أن يأخذ الدية، فحينما فرضت الدية على أهل هذه القرية جميعا «جباية» فهذا حرام إجماعًا لمخالفته النص الشرعي، فإن عفا فليس لأحد أخذها، وهذا ما يسمى اليوم بـ«الحق العام»، ولكن يوجد شيء آخر يسميه الفقهاء: حق السلطنة أو حق السلطان، فمثلًا: لو أن شخصًا قتل إنسانًا خطأً، ولكن يُشعر منه رائحة التعمد، ولكن لا يستحق به القصاص، أو قتله عمدًا، وعفا عنه أهل الدية، ولكن قالوا: إذا كانت القتلة شنيعة، فهنا يوجد شيء يسمى حق السلطنة أجازه بعض الفقهاء، فهذا نوع من التعزير، فعندما تكلم الفقهاء عن التعزير قالوا: هناك التعزير على عقوبة هي من حق الله، وعلى عقوبة هي من حق النَّاس؛ فإذا آذى إنسان مسلـمًا فعفا عن المسلم، فهنا سقط حق المسلم، ولكن قد يبقى حق السلطنة، فمثلًا: إذا عُرف عن هذا الإنسان التجاوز دائمًا، ففي هذه الحالة للسلطان أن يعاقبه بالمال.
ولكن الذي يتكلم عنه شيخ الإسلام هو أن يصبح شيئًا كالقانون والعُرف، فإذا قُتل شخص في قرية فعلى جميع أهل القرية وليس على الجاني فقط، أما في التعزير فهو على الجاني المعروف.
«أَوْ عَلَى حَدٍّ اُرْتُكِبَ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ»؛ يعني أخذ رشوة من أجل أن يسقط عنه الحد، ففي هذه الحالة هذا المال المأخوذ هو محرم بالإجماع.
«وَكَالْمُكُوسِ الَّتِي لَا يَسُوغُ وَضْعُهَا اتِّفَاقًا»؛ أي وكالضرائب التي لا يسوغ وضعها بإجماع العلماء؛ لأن بعض صور المكوس اختلف فيها العلماء، مثل: العُشر الذي يؤخذ من الكفار فهذا مَكْس، ونصف العشر الذي يؤخذ من تجار أهل الذمة، أو ما ذكرنا مما اختلف فيه العلماء من فرض الضرائب على الأغنياء عند حاجة الجهاد، لذلك قال شيخ الإسلام: «التي لا يسوغ وضعها اتفاقًا»، فهذه تكون محرمة بالاتفاق، إذن عندنا طرفان: طرف يستحق الإمام قبضه بكتاب الله وسنته وبالاتفاق، وأموال يحرم عليه قبضها وأخذها باتفاق العلماء.. فلا يجوز أخذ هذه الضرائب إلا لعارض كما تقدم ذكره إن احتاج بيت المال فيجوز الأخذ ضمن الشروط الشرعية.
«وَنَوْعٌ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَتَنَازُعٌ»؛ أي ليس محرمًا، وإنما هو قابل للاجتهاد «كَمَالِ مَنْ لَهُ ذُو رَحِمٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ»؛ أي كمال الشخص الذي مات وله ذو رحم، ولكن ذو الرحم هذا لا هو من أصحاب الفروض -يعني الذين ذكر الله ﷻ نصيبًا محددًا لهم من الإرث- ولا هم من أصحاب التعصيب في الوراثة، فهذه الأموال هناك خلاف: هل تُعطى لهم أو ترجع إلى بيت المال؟ فلو أخذها بناء على اجتهاد فليس عليه شيء في هذا.
فهذه أقسام ثلاثة في الباب ذكرها شيخ الإسلام، والله أعلم٢٬١٧٨[انتهت المحاضرة السادسة هنا، وشرع الشيخُ بعدها في المحاضرة السابعة].
❖ ❖ ❖
فَصْلٌ: الظُّلْمُ الْوَاقِعُ مِنْ الْوُلَاةِ وَالرَّعِيَّةِ
«وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الظُّلْمُ مِنَ الْوُلَاةِ وَالرَّعِيَّةِ»، ذكر شيخ الإسلام هنا أنَّ الظلم سواء في الأموال أو في غيرها؛ قد يقع من الطرفين: يقع ظلم من جهة الولاة على رعيتهم، ومن جهة الرعية لولاتهم، فقال: «هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ مَا لَا يَحِلُّ»، أي أن من أنواع ظلم الولاة على الرعية أن يأخذوا من أموال النَّاس ما لا يحل لهم، ونحن عرفنا -كما ذكر شيخ الإسلام من قبل- أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يأخذ من النَّاس إلا الصدقات، وأما الجهاد بالنفس والمال فكان يأمرهم بذلك ويحثهم عليه، «وَهَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ مَا يَجِبُ»، فقد يمنع الرعية أداء أو إعطاء ما أوجب الشرع عليهم أداءه لولاتهم.
فيقع من الولاة ظلم في الأخذ، ومن الرعية ظلم في الإعطاء؛ «كَمَا قَدْ يَتَظَالَمُ الْجُنْدُ وَالْفَلَّاحُونَ»، فالجند يمثلون الولاة، والفلاحون يمثلون الرعية؛ فقد يأخذون من الفلاحين ما لا يجوز أخذه من الأموال والغلات وغيرها، وقد يمنع الفلاحون ما يجب عليهم أن يؤدوه من الزكاة لولاة الأمر، فهذا ظلم وهذا ظلم؛ لأن الله ﷻ يقول: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58].
«وَكَمَا قَدْ يَتْرُكُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْجِهَادِ مَا يَجِبُ»، كذلك من الظلم أن الإنسان يمتنع من أداء الجهاد الذي أوجبه الله ﷻ عليه، في مقابلة أن وقع ظلم عليه من جهة الوالي، فلا يجاهد مع هذا الوالي، ولا ينفر معه، بسبب الظلم الذي قد يقع عليه أو على النَّاس؛ فهذا الوالي إذا ظلم الناس لا يُبيح لك ترك ما أوجب الله عليكَ، إذن المنع الذي تكلم عنه شيخ الإسلام لا يتعلق فقط بالأموال، فقد يكون أيضا لامتناع عن أداء الواجب الشرعي كالجهاد في سبيل الله، أو كالجهاد بالمال في سبيل الله؛ حتى وإن كان الولاة والرعاة ظالمين، فالجهاد ماض مع كل أمير بر أو فاجر.
«وَيَكْنِزُ الْوُلَاةُ مِنْ مَالِ اللَّهِ، مَا لَا يَحِلُّ كَنْزُهُ»؛ فهذه صورة أخرى لما ُحرم على الولاة، وهو أن يمنعوا النَّاس ما أباحه الله لهم، أو ما أوجب على الولاة أن يعطوه للناس؛ فيتركون في بيت المال أموالًا يجب عليهم أن يوصلوها وأن ينفقوها للناس، فالولاة يقع الظلم منهم في الأخذ -كأن يأخذوا أموال النَّاس بالباطل-، ويقع الظلم منهم أيضًا في المنع -كأن يمنعوا النَّاس حقوقهم- بأن يدخروا ويكتنزوا ما يجب عليهم إنفاقه، وكذلك الرعية قد يقع الظلم عليهم من الامتناع عن أداء ما أوجبه الله عليهم أو من فعل ما أوجبه الله عليهم؛ فنحن والولاة مأمورن جميعا برد الأمانات إلى أهلها، وأداء الواجبات التي أمرنا الله بها، ولا نقابل الظلم بظلم آخر.
«وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ عَلَى أَدَاءِ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ مِنْهَا مَا يُبَاحُ أَوْ يَجِبُ، وَقَدْ يَفْعَلُ مَا لَا يَحِلُّ»، فالعقوبة يقع فيها الظلم أيضًا؛ إذ قد يعاقب الإمام على شيء لا يستحق أن يُعاقب عليه، وقد يترك العقوبة الواجبة التي فرضها الشرع، فهذا أيضًا من الظلم، كالإنسان الذي امتنع من أداء الواجب عليه -كما سيذكر شيخ الإسلام ذلك تفصيلًا- فيعاقبه الإمام بالضرب أو السجن ونحو ذلك بما لا يحل معاقبته فيه، أو أن يظلم الرعية بأن يتجاوز في العقوبة، فقد يكون أصل العقوبة جائزًا، ولكن يتجاوز فيها فيزيد على القدر الذي حدده الشرع؛ فالتجاوز إما في أصل العقوبة بمعاقبة من لا تحل عقوبته، أو أن الظلم في تجاوز مقدار العقوبة، وكذلك من الظلم أن يترك عقوبة من أوجب الشرع عقوبته كمن امتنع عن أداء حق واجب عليه مثل دين يؤديه لصاحبه وهو قادر على أدائه فهنا يُعاقب هذا المدين بالسجن أو الضرب ونحوه حتى يؤدي الدين؛ فهنا يجب عقابه ليؤدي الدين.
«وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ»؛ أي الأصل فيما كنا نتكلم عليه في شأن العقوبات، «أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ يَجِبُ أَدَاؤُهُ، كَرَجُلٍ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ مُضَارَبَةٌ» وهي أن يكون رأس المال من رجل، والعمل من رجل آخر، والربح بينهما «أَوْ شَرِكَةٌ، أَوْ مَالٌ لِمُوَكِّلِهِ» أي أن إنسانا أعطى مال لشخص ووكله به فجحده الموكَّل «أَوْ مَالُ يَتِيمٍ، أَوْ مَالُ وَقْفٍ، أَوْ مَالٌ لِبَيْتٍ الْمَالِ، أَوْ عِنْدَهُ دَيْنٌ، هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ» فهذه كلها أمور أوجب الشرع أن يؤديها صاحبها إلى أهلها، «فَإِنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ مِنْ عَيْنٍ» كالعارية «أَوْ دَيْنٍ» كالأموال التي ذكرناها سواها «وَعُرَفَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ» فيكون قد ثبت عند القاضي أن هذا الرجل قادر على أداء هذا الواجب، وعلى إيصال هذا الحق؛ «فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، حَتَّى يُظْهِرَ الْمَالَ أَوْ يَدُلَّ عَلَى مَوْضِعِهِ» فهذا يعاقب بالضرب أو بالحبس حتى يُظهر المال بنفسه أو يخبر عن مكانه، «فَإِذَا عُرِفَ الْمَالَ، وَصُيِّرَ فِي الْحَبْسِ» أي عرف مكان المال «فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنَ الْمَالِ»؛ أي بعد ذلك يرسل القاضي من يأخذ هذا المال ويوصلوه إلى أصحابه، «وَلَا حَاجَةَ إلَى ضَرْبِهِ»؛ لأن الحق قد وصل إلى صاحبه، فهو يُضرب لا من أجل أن يوصل الحق، وإنما من أجل أن يُظهر هذا المال حتى يوصل لصاحبه، والمال قد ظهر، فيتكفل القاضي بإيصاله إلى مستحقه، ولا حاجة لضربه؛ فيكون هذا من التجاوز في العقوبة الشرعية.
«وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَالِهِ وَمِنَ الْإِيفَاءِ، ضُرِبَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ أَوْ يُمَكِّنَ مِنْ أَدَائِهِ»؛ أي يُضرب هذا الإنسان ما دام ممتنعًا عن إظهار هذا المال أو عن الدلالة عن مكان هذا المال للإيفاء بالحقوق التي عليه؛ لأن العقوبة هنا على ذنب ما زال متلبسًا به، والعقوبة تكون على ذنب، وهذا الذنب إما أن يكون ذنبًا ماضيًا فهذا يعاقب بقدره، وإما أن يكون على ارتكاب محرم وهو ما زال متلبسًا به؛ كالممتنع عن أداء الدين، أو كالامتناع عن واجب، وهنا لا زال متلبسا بترك الواجب.
«وَكَذَلِكَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا؛ لِمَا رُويَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ)٢٬١٧٩من حديث الشريد بن سويد رضي الله عنه: ابن حبان: (5089)، والحاكم: (7065)، وأبو داود: (3628)، والنسائي: (4689)، وابن ماجه: (2427)، وأحمد: (17975)، وحسنه الألباني.» اللي: المطل، أي أن يوجد على الإنسان حق ودين وهو واجد لهذا المال الذي يؤدي به ما في ذمته؛ فهنا يحل للدائن عِرض هذا المدين بان يشتكي للقاضي: فلان ظلمني، أكل مالي وجحد حقي، ويحل للقاضي عقوبته، وذلك لأنه: «وَقالَ ﷺ: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ)٢٬١٨٠من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2166)، ومسلم: (1564)، وابن حبان: (5053)، والترمذي: (1308)، وأبو داود: (3345)، والنسائي: (4691)، وابن ماجه: (2404)، وأحمد: (7532)، ومالك: (1354).، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاللَّيُّ هُوَ الْمَطْلُ، وَالظَّالِمُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَالتَّعْزِيرَ»؛ لأن ما يفعله ظلم، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ)، والعقوبة هنا تعزيرية يرجع أمرها إلى اجتهاد الإمام.
«وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا، اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ»، وهذه العقوبة إذا كانت مقدرة بالشرع وهي التي تسمى بالحدود كجلد الزاني وكعقوبة قاطع الطريق وجلد القاذف وغير ذلك؛ فلا يجوز تجاوزها أو تبديلها والانتقال إلى غيرها، وإنما يُكتفى ويُقتصر فيها على ما جاء الشرع، وأما إذا كان مرتكب المحرم أو فاعل الواجب في أمر لم تأت فيه عقوبة مقدرة فهذه العقوبات تسمى بالتعازير؛ فأمرها راجع للإمام في نوعها وكَمها؛ فيجتهد الإمام في نوع العقوبة وقدرها، فيجلده عشرين أو يحبسه أسبوعًا، وليس هذا اجتهاد تشه وهوى بل اجتهادًا مبنيا على النظر في مصالح المسلمين، وقول شيخ الإسلام هنا: «استحق العقوبة» هل استحقها وجوبًا؟ أو كان مستحقًا للعقوبة -يعني يجوز معاقبته ويكون المراد أنه محلٌّ لإنزال العقوبة عليه-؟ جمهور العلماء -أبو حنيفة مالك وأحمد- أن العقوبة التعزيرية واجبة في الأصل؛ فمن ارتكب محرمًا أو ترك واجبًا يجب أن يعاقب على ذلك إلا إذا رأى الإمام المصلحة في تركه، فالأصل هو المعاقبة والترك هو الاستثناء؛ بناء على المصلحة.
ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله أن المعاقبة ليست واجبة إلا إذا كانت المصلحة فيها، والمؤدى بين القولين واحد؛ فهؤلاء يعاقبون في الأصل إلا لو كانت مفسدة في العقوبة، وأما الشافعية فالأصل عدم المعاقبة إلا إن كان ثمة مصلحة فيها، وبالتأمل فيهما فالنتيجة واحدة: حيثما وُجدت المصلحة في المعاقبة على ترك الواجب أو فعل الحرام: تعينت٢٬١٨١الحاوي الكبير: (7 / 434-435)، المغني: (10 / 343-344)، حاشية الروض المربع: (7 / 345)..
«فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ كَانَ تَعْزِيرًا يَجْتَهِدُ فِيهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ» فالعقوبات قسمان: الحدود وهي عقوبات مقدرة، والقسم الثاني: التعازير وهي: العقوبة على ذنب لا حد مقدر فيه ولا كفارة.
وضرب لذلك مثلا وهو: «فَيُعَاقِبُ الْغَنِيَّ الْمُمَاطِلَ بِالْحَبْسِ، فَإِنْ أَصَرَّ عُوقِبَ بِالضَّرْبِ» يعني أبى مع الحبس ان يدل على المطلوب وهو ترك أداء الواجب فيجوز ضربه ما دام متلبسا بالذنب «حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهم وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا»، ولا يضرب حتى يموت في يوم واحد؛ بل يوزع الضرب حتى يعترف.
ومسألة التعزير فيها خلاف بين العلماء في الضرب، وقد ورد حديث متفق عليه بل رواه الجماعة وغيرهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)٢٬١٨٢من حديث أبي بردة رضي الله عنه: البخاري: (6456)، ومسلم: (1708)، وابن حبان: (4453)، والحاكم: (8107)، والترمذي: (1463)، وأبو داود: (4491)، وابن ماجه: (2601)، وأحمد: (15870).، ومع ذلك اختلف العلماء اختلافًا كثيرًا في مقدار الضرب في التعزير، والكلام في هذا طويل ولكنَّ الراجح -والله تعالى أعلم- أن قول النَّبيِّ ﷺ: (إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ) يعني: إلا في معصية من معاصي الله؛ لأن الحدود تُطلق على المعاصي كما قال الله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، وفي الآية الأخرى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، فحدود الله ﷻ هو تجاوز الواجب والدخول في المحرم، فيكون معنى الحديث: لا يجلد فوق عشرة جلدات إلا إذا كان الجلد في معصية من معاصي الله؛ فيُتَجاوز فيها، وعليه فتكون المواطن التي لا يجوز فيها أن يتجاوز على عشرٍ: ضرب التأديب؛ كأن يضرب الرجل ابنه، أو زوجته، أو عبده أو دابته؛ فهذا ليس داخلًا في المعاقبة على معصية، لأن الطفل لا تصح منه المعصية؛ بمعنى أنه لا يُعاقب عليها، والشرع أمر بضربهم إن تركوا الصلاة بعد عشر سنوات؛ فالمقصود هنا أن ما سوى ضرب التأديب يجوز فيه التجاوز٢٬١٨٣نص على هذا ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين: (2 / 48-49)، وانظر: فتح الباري لابن حجر: (12 / 177-178)، تحفة الأحوذي: (5 / 32).؛ فإذا تجاوزنا العشر جلدات في المعاصي؛ فما هو آخر حد الضرب؟
اختلف في ذلك العلماء، والراجح -والله تعالى أعلم- أن كل معصية شُرع في جنسها حدٌّ فلا يجوز أن يتجاوز الحد في هذه العقوبة، فمثلا: الجلد في الزنا -لغير المحصن- مئة جلدة، فإذا ارتكب الإنسان مقدمات الزنا، ولم يزنِ؛ فإذا اختار الإمام أن يعاقبه بالضرب هنا، فإنه يضربه دون المئة جلدة، ولو أن إنسانًا سرق ولكن لم تتوفر فيه الشروط التي يستحق بها قطع يده، أي لم يسرق من حرز أو سرق دون النصاب مثلًا؛ فهذا يعاقب ولكن عقوبته تكون دون القطع.. ولو أن إنسانا قذف إنسانا بغير الزنا، والقذف في الزنا ثمانون جلدة؛ فعقوبته دون الثمانين.. وهكذا.
وأما إذا تعددت المعاصي؛ كإنسانٍ لم يزنِ، ولكن فعل عدة أمور تتعلق بالزنا، كأن يكون قد قبَّل وباشر وغير ذلك، فيجوز أن تعاقبه على كل واحدة منها، حتى ولو كان عدد الجلدات بمجموع هذه المعاصي تجاوز حد الزنا٢٬١٨٤المبسوط: (9 / 120-122)، الذخيرة: (12 / 121-122)، روضة الطالبين: (7 / 382-383)، المجموع: (20 / 124)، الإنصاف: (10 / 184-187)، المغني: (10 / 342-344)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (12 / 265-268)..
«وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَا صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الصَّفْرَاءَ والبَيْضَاءَ وَالسِّلَاحِ، سَأَلَ بَعْضَ الْيَهُودِ -وَهُوَ سَعْيَة عَمُّ حُييّ بْنِ أَخْطَبَ- عَنْ كَنْزِ مَالِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ. فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فقال: (الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ)، فَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْيَةَ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فقال: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ٢٬١٨٥مَسك: بفتح الميم، والمراد بهِ: الجلد الذِي عليهِ صوف. فتح الباري لابن رجب: (2 / 96). فِي الْخَرِبَةٍ٢٬١٨٦من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ابن حبان: (5199)، وأبو داود: (3006).»، شيخ الإسلام يستدل بهذا الحديث على أن الإنسان إن كتم شيئًا وجب أن يعاقب حتى يؤديه، وهذه القصة مشهورة، فعندما صالح النبي ﷺ أهل خيبر، صالحهم على ألا يخفوا عنه شيئًا من الذهب والفضة وألا يخرجوا إلا بما تحمله إبلهم، وإذا كتموا شيئًا استحلت دماؤهم بذلك، فعندما جاء النبي ﷺ سألهم عن مال حيي بن أخطب -فهو يعرف أن عنده مالًا كثيرًا- فقال سعية عم حيي: يا رسول الله أذهبته النفقات والحروب، فالنبي ﷺ بقرائن الحال عرف أنه يكذب، فقال له: (العهد قريب)؛ أي المدة قصيرة ولا يمكن أن يُنفق هذا المال كله في هذه المدة القصيرة، فقال: (يا زبير مُسَّه بشيء من العذاب)؛ يعني عاقبه ليعترف أين أُخفي المال؛ فإذن هذا كحال الغني الذي يماطل في أداء الواجب عليه؛ فبإخفائه المال خالف ما صالح عليه النبي ﷺ فعندما مسَّه الزبير بشيء من العذاب قال: رأيت حييًا يطوف في خربة ههنا، فعندما ذهبوا وجدوا جلدًا في داخله الذهب، ثم أمر النبي ﷺ وضربت عنقه لغدره؛ فالمقصود هنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ عاقب هذا الرجل حتى اعترف بالمكان الذي يخفي فيه المال، فكذلك من وجب عليه حق وامتنع عن أدائه أو امتنع عن التعريف بمكانه؛ فيُعاقب حتى يدل عليه وتُقضى ديون النَّاس.
«وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ ذِمِّيًّا، وَالذِّمِّيُّ لَا تَحِلُّ عُقُوبَتُهُ إلَّا بِحَقٍّ»، كأن شيخ الإسلام أورد استشكالًا وأجاب عنه، فكأن قائلًا قال له: سَعْيَة كان كافرًا، ومال الكافر هو حلال في الأصل، فأخْذُه بالضرب أو بغيره ليس فيه وجه استدلال على أن تعاقب مسلـمًا، فقال: إن سَعْيَة كان من أهل الذمة؛ فهؤلاء لا تحل عقوبتهم؛ فإن أهل الذمة تحرم دماؤهم وأموالهم وعقوبتهم على وجه الظلم، فما دام جاز هذا في حق هذا فيجوز أيضًا في حق المسلم.
«وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَتَمَ مَا يَجِبُ إظْهَارُهُ مِنْ دَلَالَةٍ وَاجِبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ». أي هذا يطَّرد في كل من كتم ما يجب إظهاره من الدلالة على أمر واجب عليه ونحو ذلك، حتى أن الشيخ العثيمين ذكر لو أن شخصًا جاء إلى شخص وسأله عن الطريق وهو يعرفها؛ وجب عليه أن يدله عليها، ولو أخفاها لعوقب، وتشتد العقوبة إذا دله على خلاف الطريق٢٬١٨٧شرح السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 131-132)..
«وَمَا أَخَذَ وُلَاةُ الْأَمْوَالِ» الذين يجمعون الأموال من المسلمين أو يحفظونها أو يكتبونها «وَغَيْرُهُمْ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْعَادِلِ» أي الذي يكون فوقهم في الولاية «اسْتِخْرَاجُهُ مِنْهُمْ»، فكما أن من منع حقًا واجبًا عليه عوقب حتى يؤديه -وهذا ليس خاصًا بالرعية فقط- فكذلك ولاة الأموال الذين يتولون جباية الأموال وجمعها، فهؤلاء إذا تحصَّلوا على شيء من الأموال من عامة المسلمين على غير وجه الحق -بصورة لم يجزها لهم الشرع-، فإنَّ ولي الأمر الذي هو فوقهم ويتولى أمرهم والذي يأمرهم بجمع الأموال؛ له أن يستخرج منهم هذه الأموال التي أخذوها من المسلمين بغير حق، فإن عُرف أصحاب هذه الأموال ردت إليهم، لأنهم أحق بها، وأما إن لم يعرف أصحابها جُعلت في بيت مال المسلمين لتجعل في مصالحهم العامة.
وذكر لذلك مثالا: «كَالْهَدَايَا الَّتِي يَأْخُذُونَهَا بِسَبَبِ الْعَمَلِ»؛ أي في مقابل عملهم، لأن العمل الذي تقوم به إنما تقوم به أداء للواجب وقياما بمصالح المسلمين؛ فعندما تأخذ هدية في مقابله وبسببه فكأنك تأخذ مال النَّاس فيما أوجبه الشرع عليك تجاههم، فهذه الهدايا لا يجوز للإنسان أن يأخذها بسبب العمل، فلا نقول: إن العامل لا يجوز له أخذ الهدية مطلقًا، وإنما إذا كانت الهدية التي يتحصل عليها ويأخذها بسبب عمله الذي يمارسه؛ كأن يكون الإنسان في منصب، كأن يكون هناك قاضٍ في قرية ما فيأتي النَّاس ويهدون له، فلا يجوز له في هذه الحالة أن يأخذ ممن يقضي لهم؛ لأن هؤلاء النَّاس تحت قضائه، ويمكن أن يحكم لأحدهم بحق ليس له وقد يظلم بذلك غيره من الناس، وأما إن كانت الهدية من غير هذه القرية فهذا لا ضرر فيه. وكذلك إذا كان هذا الإنسان في منصب والنَّاس إنما يهدون له بسبب هذا المنصب الذي تولاه، ولولا منصبه لما التفت إليه أحد من النَّاس؛ فهذا لا يجوز له أن يأخذ هذه الأموال، «قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه: (هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ)٢٬١٨٨من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: أحمد: (23649)، وصححه الألباني.، هذا الحديث أكثر أهل العلم ضعَّفه وإن كان الشيخ الألباني حسَّنه بمجموع طرقه.
«وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ -فِي كِتَابِ الْهَدَايَا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (هَدَايَا الأُمَرَاءِ غُلُولٌ)٢٬١٨٩من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: البيهقي في الكبرى: (20474)، ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: الطبراني في الأوسط: (4969)، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: الطبراني في الأوسط: (7852)، قال ابن حجر عن حديث أبي حميد: «إسناده ضعيف»، وعن حديث أبي هريرة: «إسناده أشد ضعفًا».، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؛ فقَال النَّبيُّ ﷺ: (مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللهُ؛ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؟ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟)؛ يعني هذه الهدية لو لم نكلفك بهذا العمل لتصل إلى النَّاس في هذا الموطن لما أعطيتها، فأنت تحصلت على هذه الهدية أولًا بإرسالنا، ثانيًا بسبب العمل الذي أمرناك به، فلذلك مُنع منها، (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ)، ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ -ثَلاَثًا-)٢٬١٩٠من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: البخاري: (6772)، ومسلم: (1832)، وابن خزيمة: (2339)، وابن حبان: (4515)، وأبو داود: (2946)، وأحمد: (23646).».
وذكر بعض أهل العلم أن الهدية تجوز للمأمور إذا أجاز له الأمير الأعلى؛ ذكر ذلك الإمام ابن حجر في فتح الباري٢٬١٩١فتح الباري: (13 / 167).، وذكر حديثًا في هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ عندما أرسل معاذًا وأبا موسى رضي الله عنهما نهاهما أن يأخذوا شيئًا وقال: (إلا أن تعلماني)٢٬١٩٢من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: الترمذي: (1335)، ولفظه: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: (أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة لهذا دعوتك فامض لعملك)»، ضعف إسناده الألباني. أي إلا أن تُخبراني بذلك.
وكذلك ذكر أهل العلم استثناءات فقالوا: إلا أن يكون من عادته أن يُهدى إليه قبل الإمارة، فهذا واضح أنه «ليس بسبب عمله» -وحتى هذه الصورة حرمها بعض العلماء-؛ فأي هدية تكون بسبب العمل فهذه قطعا تكون في مقابل شيء فلا يجوز ذلك، فلهذا إذا كان هناك أمير في جهة معينة فلا يجوز أن يأخذ الهدية ممن تحته، ولكن لو كان أمير على قندهار وأهدى له رجل من كابل فلا بأس في ذلك لأنه ليس تحته ولا تعلق لذلك بعمله.
والمقصود من هذا كله أن الإمام أو الأمير عليه أن يراقب من تحته من الأمراء؛ فما أخذوه من أموال النَّاس كالهدايا فعليه أن يردها إلى أصحابها إن استطاع، فإن عجز يضعها في بيت المال وتصرف في مصالح المسلمين العامة٢٬١٩٣انظر: «حكم هدايا العمال» لمحمد بن محمود البحطيطي.، والظاهر أنه لا فرق بين صغير الهدية وكبيرها.
ثم ذكر أمثلة أخرى: «وَكَذَلِكَ مُحَابَاةُ الْوُلَاةِ فِي الْمُعَامَلَةِ» أي مجاملة الولاة في المعاملة «مِنَ الْمُبَايَعَةِ» تبيع له بسعر رخيص مثلًا «وَالْمُؤَاجَرَةِ» عندما يؤجر منك بيتًا تُكريه منه بثمن أقل؛ فحابيته بسبب منصبه «وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ» والمساقاة: أن يكون عند الإنسان أرض فيكل أمرها إلى شخص يزرعها ويقوم عليها والغلة بينهما على ما يتفقان «وَالْمُزَارَعَةِ» تكون في النخل والأشجار المثمرة كأن تقول لشخص: قم على إصلاح هذا النخل ثم لك من ثمره كذا وكذا «وَنَحْوِ ذَلِكَ، هُوَ مِنْ نَوْعِ الْهَدِيَّةِ».
«وَلِهَذَا شَاطَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْ عُمَّالِهِ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَدِينٌ٢٬١٩٤منهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة رضي الله عنهما: الطبقات الكبرى لابن سعد: (3 / 282)، وعمرو بن العاص رضي الله عنه: تاريخ دمشق: (55 / 278)، وخالد بن الوليد رضي الله عنه: (7 / 23).، لَا يُتَّهَمُ بِخِيَانَةٍ، وَإِنَّمَا شَاطَرَهُمْ لَمَّا كَانُوا خُصُّوا بِهِ لِأَجْلِ الْوِلَايَةِ مِنْ مُحَابَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ الْأَمْرُ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إمَامَ عَدْلٍ، يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ فَلَمَّا تَغَيَّرَ الْإِمَامُ وَالرَّعِيَّةُ، كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَنْ يَفْعَلَ مِنَ الْوَاجِبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ»، فقَسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أموال ولاته وعماله نصفين، فترك لهم نصفه وأخذ النصف الآخر لبيت المال، مع أنهم كانوا أصحاب فضل ودين وورع ومراقبة لله ﷻ وهم أبعد النَّاس أن يأخذوا أموال النَّاس بغير حق، ولكنه شاطرهم أموالهم لِما كانوا خُصوا به لأجل الولاية من المحاباة؛ لأن النَّاس قد يكونون حابوهم في البيع أو الشراء أو المساقاة أو المزارعة أو الأجرة أو غير ذلك، فاحتياطًا أخذ عمر رضي الله عنه نصف أموالهم التي تحصَّلوا عليها بعد الولاية وليس قبلها.. وهؤلاء هم أهل الدين والورع والتقوى؛ فكيف بمن جاء بعدهم؟!
«وَقَدْ يُبْتَلَى النَّاسُ مِنَ الْوُلَاةِ بِمَنْ يَمْتَنِعُ مِنَ الْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا» فهو ورع لا يأكل شيئًا «لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَظَالِمِ مِنْهُم، وَيَتْرُكَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِهِم»، فيكون محسنا من جهة ومسيئًا من جهة أخرى، وهذا من الورع المقلوب، فيكون الإنسان في منصب ما، ولا يقبل الهدية من أحد من أجل أن يقدر على أخذ المظالم وردِّها إلى أهلها؛ حتى لا يقع في قلبه محاباة لأحد، ولكنه في المقابل -وهو في هذا المنصب المكلف فيه بقضاء حوائج النَّاس، كأن يرفع حوائجهم إلى السلطان ويبلغه بما يريدون-، فهذا يفرِّط فيه ويضيِّعه وهو أصل المهمة التي أسندت إليه وكُلِّف بها، فلا يقبل الهدية، ولا يسعى في حوائجهم؛ «فَيَكُونَ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ عِوَضًا، عَلَى كَفِّ ظُلْمٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ مُبَاحَةٍ: أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ هَذَا»، فغرض الناس قضاء حوائجهم، ففي هذه الحالة يتمنى النَّاس أن يأتي شخص في هذا المنصب يأخذ على كفِّ الظلم أو قضاء حوائجهم هدية أو رشوة؛ أحب إليهم من هذا الشخص الذي لا يأخذ الهدية ويضيِّع حقهم، ويستوفي بعض المظالم منهم؛ «فَإِنَّ الْأَوَّلَ» الذي يمتنع عن أخذ الهدية ولا يقضي حوائج الناس «قَدْ بَاعَ آخِرَتَهُ» لأنه سيسأل عما ضيعه من حاجات الناس «بِدُنْيَا غَيْرِهِ» أي بالهدية التي لم يقبلها، أي ضيَّع الواجب وهو قضاء حوائج النَّاس مقابل أن لا يقبل شيئًا من الدنيا وهي الهدية «وَأَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً، مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ»
«وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ كَفُّ الظُّلْمِ عَنْهُمْ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ الَّتِي لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهَا، مِنْ تَبْلِيغِ ذِي السُّلْطَانِ حَاجَاتِهِم، وَتَعْرِيفِهِ بِأُمُورِهِمْ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ، وَصَرْفِهِ عَنْ مَفَاسِدِهِمْ، بِأَنْوَاعِ الطُّرُقِ اللَّطِيفَةِ وَغَيْرِ اللَّطِيفَةِ»؛ أي بأنواع الطرق الخفية وغير الخفية مما يتوصل به إلى السلطان، «كَمَا يَفْعَلُ ذَوُو الْأَغْرَاضِ مِنَ الْكُتَّابِ وَنَحْوِهِمْ فِي أَغْرَاضِهِمْ، فَفِي حَدِيثِ هِنْدَ بْنِ أَبِي هَالَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (أَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ ذَا سُلْطَانٍ حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا: ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِّلُ الْأَقْدَامُ)٢٬١٩٥من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: البيهقي في شعب الإيمان: (1362)، والطبراني في الكبير: (22 / 155 ح 414) وضعفه الألباني، ومن حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الترمذي في الشمائل: (336).»، وهذا الحديث ضعيف، «وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَة الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا)٢٬١٩٦من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: أبو داود: (3541)، وأحمد: (22305)، وحسنه الألباني.»، فالشفاعة إنما تكون غالبًا لدفع ظلم أو لتحصيل حقٍّ؛ كأن يكون هناك سلطان -أمير أو إمام أو والي- فيبحث رجل عمَّن يتوسط له عند هذا الوالي من أجل أن يُدفع عنه هذا الظلم، أو من أجل أن يتحصل على حق عنده؛ فيشفع له إنسان عنده وجاهة ومكانة عند الوالي، ويذهب إلى السلطان ويشفع له حتى تُرفع عنه هذه المظلمة، فيتحصل على حقه بسبب هذه الشفاعة، فهذا أمرٌ حسن؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ)٢٬١٩٧من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: البخاري: (1365)، ومسلم: (2627)، والترمذي: (2672)، وأبو داود: (5131)، والنسائي: (2556)، وأحمد: (19682).، وذلك ربا لأن هذا الشخص المتوسط إنما قام بشيء أوجبه الشرع عليه غالبا، والشيء الواجب لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الواجب أن تنصر أخاك ظالما أو مظلوما، فحرمت هدية الشفاعة مطلقًا سدا للذريعة؛ فالشرع قد يحرم الشيء وإن لم يكن محرمًا في أصله: سدا للذريعة، فأحيانًا قد تتوسط في شيء جائز، ولكن سدًّا للذريعة وحتى لا يتوسل النَّاس بالجائز إلى المحرم فيحرمه الشرع،.
«وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «السُّحْتُ أَنْ يَطْلُبَ الْحَاجَةَ لِلِرَجُلِ فَتُقضى له فَيُهْدِي إلَيْهِ فَيَقْبَلُهَا»٢٬١٩٨وردت عند البيهقي في الكبرى: (20481)، بلفظ: «ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله فذلك السحت».» والسحت هو المال الحرام الذي تذهب معه البركة، «وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَلَّمَ ابْنَ زِيَادٍ فِي مَظْلَمَةٍ فَرَدَّهَا، فَأَهْدَى لَهُ صَاحِبُهَا وَصِيفًا» أي عبدًا «فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «مَنْ رَدَّ عَنْ مُسْلِمٍ مَظْلَمَةً، فَرَزَأَهُ عَلَيْهَا»؛ أي فكافأه عليها، «قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَهُوَ سُحْتٌ» فالظاهر -والله أعلم- أن هذا متعلق بدفع المظالم أو تحصيل الواجبات؛ فأنت هنا قمت بأمر واجب عليك في هذا الحال «فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ! مَا كُنَّا نَرَى السُّحْتَ إِلَّا الرَّشْوَةَ فِي الْحُكْمِ، قَالَ: «ذَاكَ كُفْرٌ»٢٬١٩٩وردت عند الطبراني في الكبير: (9 / 226 ح 9100)، بلفظ: «الرشوة في الحكم كفر وهي بين النَّاس سحت»، وصححه الألباني لغيره.»؛ أي ما كنَّا نظن السحت إلا أن يدفع مال إلى القاضي من أجل أن يسقط الحكم أو يعفو عن جانٍ، فقال: هذا كفر وليست سحتًا، وقد ورد هذا اللفظ عن عدة من الصحابة أن: الرشوة في الحكم كفر؛ ورد عن عمر بن الخطاب٢٬٢٠٠جاء في الدعاء للطبراني: (1 / 581): «عن مسروق أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين السحت الرشوة في الحكم؟ فقال: ويلك ذلك كفر! قال: قلت: يا أمير المؤمنين فما السحت؟ قال: أن تتطلب الحاجة للرجل إلى ذي سلطان ثم تأكل ماله». وعلي بن أبي طالب٢٬٢٠١روى الإمام أحمد في الزهد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أخذ الأمير الهدية سحت وقبول القاضي الرشوة كفر»، [نسبه السيوطي في جامع الأحاديث: (876) وغيره للإمام أحمد في الزهد، ولم أجده فيه].، وابن عباس٢٬٢٠٢[سنن سعيد بن منصور – بداية التفسير (745)، وضعف إسناده محققه: الحميد، أخبار القضاة لوكيع (1/41)] وابن مسعود رضي الله عنهم كلهم يقولون: إن الرشوة في الحكم كفرٌ.
«فَأَمَّا إذَا كَانَ وَلِيُّ الْأَمْرِ يَسْتَخْرِجُ مِنَ الْعُمَّالِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ هُوَ وَذَوُوه»، أي لو كان العامل يأخذ الأموال بغير وجه حق، أو يأخذ الهدايا، ثم إنَّ الإمام الذي فوقه إنما يأخذ هذه الأموال المحرمة من العامل لا ليردها إلى أهلها، ولا ليضعها في بيت مال المسلمين، ولكن ليختص به هو وذووه: «فَلَا يَنْبَغِي إعَانَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا» فلا يُعان العامل ولا الوالي في هذه الجزئية؛ فهذا ليس من باب الشفاعة الحسنة وإنما هو من باب الإعانة على المنكر، «إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا ظَالِمٌ، كَلِصٍّ سَرَقَ مِنْ لِصٍّ» فالأول سرق من أموال الناس، والسلطان سرق منه؛ فكلاهما سارق، «وَكَالطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَرِئَاسَةٍ»؛ فلا تعان هذه الطائفة ولا تلك؛ لأن كل واحدة منهما ظالمة.
وهذا كله يجمعه قول الله ﷻ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: 2]، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [البقرة: 188].
«وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكَونَ عَوْنًا عَلَى ظُلْمٍ» سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، «فَإِنَّ التَّعَاوُنَ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ: تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» وهو ما أمر الله به أمر وجوب أو استحباب «مِنَ الْجِهَادِ» حتى ولو كان الإمام ظالـمًا جائرًا؛ فإن إعانته على الجهاد والمقاتلة وراءه إعانة له على البر والتقوى لأنه مما أمر الله ﷻ به، «وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ» فلو كان جائرا لكنه عادل في إقامة الحدود على أهلها فيعان في ذلك «وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ» أي أخذ الحقوق ممن وجبت عليهم؛ فإذا كان يأخذ الحقوق من أهلها ولا يتجاوز ولو كان ظالـمًا جائرًا في باب آخر، كأن يكون هذا الإمام سفاكًا للدماء مثلًا، إلا أنه لا يظلم النَّاس في أخذ الأموال، وإنما يأخذ المال الذي أجاز له الشرع أخذه، ففي هذه الحالة يُعان هذا الإمام على استيفاء الحقوق كأخذ الصدقات، «وَإِعْطَاءِ الْمُسْتَحَقِّينَ» فيعانُ أيضًا على إعطاء المستحقين، فإذا كان هذا الإمام يجمع المال من الحلِّ والحرام إلا أنه يعطي النَّاس حقوقهم، فهذه الأموال التي تُعطى للناس وهم المستحقون بحسب حكم الشرع، يُعان هذا الإمام في إيصالها لأهلها، وهذا من باب التعاون على البرِّ والتقوى؛ «فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ».
«وَمَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ»؛ أي عن هذا النوع من التعاون، «خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ»؛ لأن الإمام ظالم إلا في هذه الجزئية التي تعينه عليها، «فَقَدْ تَرَكَ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ، أَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ»؛ إذنْ الإعانة تتجزأ، فهذا الإمام له أعمال موافقة للشرع، وله أعمال مخالفة للشرع، فهو نعم اتُّصف بأنَّه ظالم ونقول بأنَّه جائر وظالم، ولكن ظلمه متعلق بجهة من الجهات وليس بجميعها؛ فعندما تعينه من الجهة التي أمر بها الشرع أمر وجوب أو أمر استحباب فهنا لا تكون من أعوان الظلمة وإنما أنت من المعينين على البر والتقوى، والتعاون على البر والتقوى قد يكون متعينًا، وقد يكون من فروض الكفايات؛ كالجهاد فإذا داهم العدو بلاد المسلمين، وكان عليهم إمام ظالم جائر فهنا يتعين عليك الجهاد، فإعانة هذا الإمام الظالم الجائر إنما هو إعانة له على أمر عيني، أو أن تتولى القضاءَ عند هذا الإمام الجائر، وتوليك للقضاء فرض كفاية؛ لأنه يوجد من يتولى القضاء غيرك من المسلمين، ولكن تتولى القضاء لتقيم الحدود وترد الحقوق إلى أهلها ففي هذه الحالة لست معينًا له على الإثم والعدوان، فإن تركت ذلك فقد تركت فرض عين أو كفاية عليك.
«مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ مُتَوَرِّعٌ» فيظن أن هذا من الورع ويقول: أنا لا أريد أن أقترب من الظلمة، ولا أريد أن أعينهم على شيء؛ لأني إذا أعنتهم على شيء فقد أعنت ظالـمًا، ولكن نقول: في هذه الحالة أنت لم تعنهُ على ظلمه، «وَمَا أَكْثَرَ مَا يَشْتَبِهُ الْجُبْنُ وَالْفَشَلُ بِالْوَرَعِ؛ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ»؛ فالإنسان قد يكون دافعه الفشل أو الجبن ويظن أن هذا ورع؛ لأن كلًا منها إمساك، فالجبن ألا تقاتل، والفَشَل أن تكف عن الأعمال؛ فيظن أنه متورع وهو في الحقيقة تارك لأمر أوجبه الشرع عليه إما وجوبًا عينيًا أو وجوبًا كفائيًا، وهذا من الأمور المهمة التي علينا أن نفهمها.
«وَالثَّانِي: تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ: كَالْإِعَانَةِ عَلَى دَمٍ مَعْصُومٍ، أَوْ أَخْذِ مَالِ مَعْصُومٍ، أَوْ ضَرْبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» وهذا هو الذي يحتاج فيه الإنسان إلى الإمساك والكف والورع، بل هو أمر واجب وليس بمجرد الورع؛ لأنَّ الشرع نهانا عن أن نعين أحدًا على الإثم والعدوان.. وللشيخ ابن عثيمين هنا كلام مفيد في شرحه، وذكر أن ولي الأمر لو أمر بالقتل أو الضرب لمعين فهنا إما أن يكون محقًّا كالأمر بقتل رجل قصاصا أو جلد قاذف فهنا نعينه، وإما أن نعرف أنه ظالم في قتل معين أو ضربه فلا يجوز إعانته هنا ولا نقبل منه حتى لو أدى ذلك لحبسنا أو ضربنا؛ فلا يجوز أن نجعل لظم الغير وقاية لظلم النفس ولا إكراه في قتل المسلم فليس له أن يستحيي نفسه بإهلاك غيره اتفاقًا حتى لو أدى ذلك لقتله، والحالة الثالثة: ألا يعلم المرء هل ولي الأمر محق أو ظالم؟ فالأصل وجوب طاعته إلا إن وٌجدت قرائن تدل على ظلم الحاكم إما لكثرة مظالمه أو لحال المتهم بأنه يبعد عن مثله ذلك.
فالمقصود أنه يمكن للإمام الظالم أن تنفك الجهات فيه، جهة يكون فيها ظالـمًا متجبرًا طاغيًا، وفي جهة يكون مؤدِّيًا لحقوق النَّاس ولحقوق الله تعالى ويقيم فيها أحكام الشرع؛ فالجهة التي يوافق فيها الشرع يُعان عليها، والجهة التي يظلم فيها النَّاس لا يعان عليها، ولا يكفي لمجرد اتصافه بالظلم أن ننبذه نبذًا كاملًا.
«نَعَمْ إذَا كَانَتْ الْأَمْوَالُ قَدْ أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَى أَصْحَابِهَا، كَكَثِيرٍ مِنَ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَالْإِعَانَةُ عَلَى صَرْفِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدَادِ الثُّغُورِ وَنَفَقَةِ الْمُقَاتِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، إذْ الْوَاجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ -إذَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا ورَدُّهَا عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِمْ- أَنْ يَصْرِفَهَا -مَعَ التَّوْبَةِ، إنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ- إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ٢٬٢٠٣في مجموع النووي (9 / 351): قال الغزالي: «إذا كان معه مال حرام، وأراد التوبة والبراءة منه، فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه، ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به علي فقير أو فقراء، وينبغي أن يتولى ذلك القاضي إن كان عفيفًا، فإن لم يكن عفيفًا، لم يجز التسليم إليه، فإن سلَّمه إليه، صار المسلم ضامنًا، بل ينبغي أن يحكم رجلًا من أهل البلد ديّنا عالما، فإن التحكم أولى من الانفراد، فإن عجز عن ذلك تولاه بنفسه، فإن المقصود هو الصرف إلى هذه الجهة، وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حرامًا على الفقير، بل يكون حلالًا طيبًا، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرًا، لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضًا فقير.
وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه، ونقله الغزالي أيضًا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف عن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع، لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر، فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين، والله ﷻ أعلم».، هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ»؛ ذكر شيخ الإسلام مسألة أخرى هنا وهي: إذا كانت الأموال التي عند السلطان قد أخذت على غير وجه الحق، ثم أراد أن يتوب من ظلمه هذا، ولكن تعذر رد الأموال إلى أصحابها، إما لعدم معرفتهم؛ لكثرتهم أو لفقدانهم، أو للعجز عن الوصول إليهم.. ففي هذه الحالة: الإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى؛ لأن في هذا إعانة على أداء الواجب على التوبة، وعلى التخلص من هذه الأموال المحرمة وإعانة للمسلمين في مصالحهم العامة، وهذا من الإعانة على الواجب.
«وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ أَخَذَهُ، فَعَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ»: هذه الصورة الثانية؛ إذا كان الذي أخذ أموال النَّاس بغير حق ليس هو الذي يريد أن ينفقها، وإنما إمامٌ ظالم سبقه، فوليَ بعده؛ فأراد ردَّ الحقوق إلى أهلها، فلا يعرف هؤلاء النَّاس التي أخذت منهم، فعليه هنا أن يصرفها في مصالح المسلمين العامة، ومثل هذه الحالات كثيرة، كإنسان يتاجر بالحشيش واكتسب أموالًا كثيرة وهي أموال محرمة، ثم أراد أن يتوب بعد ذلك؛ فهذه الأموال عليه أن يصرفها في مصالح المسلمين العامة، فيجوز أن تصرف كنفقات للمقاتلة وللجنود وأن يُشترى بها السلاح والذخيرة إلى غير ذلك من مصالح المسلمين العامة، ويعان على ذلك؛ لأن هذا من إعانته على البر والتقوى٢٬٢٠٤[بهذا تنتهي المحاضرة السابعة، ويشرع الشيخ بعدها في المحاضرة الثامنة].
«وَكَذَلِكَ لَوْ امْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ رَدِّهَا، كَانَتْ الْإِعَانَةُ عَلَى إنْفَاقِهَا فِي مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا، أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِيَدِ مَنْ يُضَيِّعُهَا عَلَى أَصْحَابِهَا، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ» هذه صورة ثالثة يذكرها شيخ الإسلام رحمه الله: وهو أن الإمام إذا أخذ أموال النَّاس بغير حق، وعرف أصحابها وأمكنه أن يردها إليهم، ولكن أبى ورفض ردها إليهم؛ فإذا كان سيصرفها في مصالحه الخاصة وفي مصالح من حوله، فهنا كأنه سارق أخذ من سارق، فهذا لا يُعان على ظلمه، وأما إذا أراد أن يصرفها في مصالح المسلمين العامة مع أن أصحابها معروفون، فهنا مفسدة حاصلة وهي حِرمان النَّاس من أموالهم، ولكن هذه الأموال ستصرف في مصالح ترجع منافعها على أصحاب هذه الأموال، مع أنها أموال محرمة، فيمكن أن يصلح بها الطرق أو يبني بها الجسور أو ينفقها على الجند -وهذه ترجع على عموم المسلمين-، فهنا في هذه الحالة: إعانته على صرفها في المصالح العامة؛ من إعانته على شيء من البر والتقوى لأن صرف هذه الأموال فيما ترجع منفعته على أصحابها خير من أن تبقى في يد من يضيعها ويصرفها فيما لا منفعة به، ولا شك أن تحصيل شيء من تلك المصالح أولى من إهدارها كلها؛ فعندما تعين السلطان على صرفها في الجهة التي يعود شيئا منها لأصحابها لا بأس فيه، وهذا أولى من تركها بيد السلطان يضيعها في مصالحه الخاصة، وهذا من دقائق الفهم، والسبب في ذلك: «فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، الْمُفَسِّرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ [آل عمران: 102]» فهذا الذي تستطيعه أنت، فلا تقدر على رد الأموال لأهلها، ولا منع السلطان من أخذ أموال الناس بالباطل «وَعَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)٢٬٢٠٥من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (6858)، ومسلم: (1337)، وابن خزيمة: (2508)، وابن حبان: (18)، والنسائي: (2619)، وابن ماجه: (2)، وأحمد: (7361).، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ»، ففي هذه الحالة ليس أمامك إلا تخفيف الظلم على النَّاس، وهو أن تجعلهم ينتفعون بشيء من أموالهم.
وذلك لأن القاعدة الشرعية تقول: «وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلُهَا، وَتَبْطِيلُ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلُهَا» فالواجب ابتداء هو السعي لأن نحصل المصلحة كاملة على وجهها الشرعي؛ فإذا لم يمكننا ذلك فعلى الأقل نحصل شيئًا من تلك المصالح، وأما من جهة المفاسد فالأصل هو تعطيل المفاسد واستئصالها بحيث لا يبقى شيء منها، فإذا لم يمكنّا ذلك فالواجب هو تقليلها، وهو من تقوى الله ما استطعنا، وهذه قاعدة شرعية مطردة.
«فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَدْنَاهَا، هُوَ الْمَشْرُوعَ»؛ فلا بد من فهم هذه القاعدة فهما صحيحًا وإلا فهي مَزلَّة أقدام، فكثير من النَّاس يأخذ هذه القاعدة على عمومها، ثم لا ينظر إلى المفاسد الحقيقية الكبرى، والحكم على الشيء بأنه مفسدة عظيمة أو مصلحة كبرى: يكون بميزان الشرع وليس بميزان الهوى، ونقول هذا لأن كثيرًا ممن يدخلون إلى «البرلمانات» و«مجالس الأمة» و«المجالس التشريعية» وغيرها يحتجون بهذه القاعدة فيقولون لك: «إن الظلم واقع على النَّاس ونحن نسعى وندخل إلى هذا المجلس من أجل أن ندفع المفسدة عن النَّاس، ومن أجل أن نحصل شيئًا من مصالحهم!». وفي الجملة: القاعدة الشرعية صحيحة، ولكن عندما ننزل إلى التطبيق هل هو فعلًا ارتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما؟ وهل هو فعلًا حصَّل أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؟ نقول: لا، هذا غير صحيح؛ ففي ميزان الشرع ليس هناك مفسدة أعظم ولا أطم من الكفر بالله والشرك بالله، ولذلك فكل الذنوب هي تحت مشيئة الله ﷻ إلا الشرك والكفر: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ﴾ [النساء: 116]، وهنا نقول:
إن الدخول إلى هذه البرلمانات على صفتها التي نراها نحن، هل هذا داخل في الشرك أو لا؟ هل من يفعل ذلك قد ارتكب مكفرًا أو لم يرتكب؟ الذي نراه وندين الله ﷻ به أنه لا يمكن للإنسان أن يدخل إلى هذه البرلمانات من غير أن يقع في الكفر؛ فقوانينهم ودساتيرهم تنص على هذا، وأول واجب على من أراد أن يدخل البرلمان هو أن يقسم على احترام الدستور، وهذا الدستور على أي شيء يتضمن؟ ما هي نصوصه وبنوده وفقراته؟
فقراته: الشريعة هي المصدر الرئيسي للأحكام، فهي ليست المصدر الوحيد، كمن يقول: الله هو المعبود الرئيسي أو الأول.. فهناك معبودات أخرى وليس الله هو المعبود الوحيد! وغير ذلك من الفقرات التي هي ظلمات بعضها فوق بعض، فيأتي هذا الإنسان ويقسم على أن يحترم هذا الدستور، ونحن نعلم أن الكفر لا يجيزه إلا الإكراه قال ﷻ: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [النحل: 106]، فهل هذا الذي توجه بنفسه وبكامل اختياره ودعا النَّاس إلى أن ينتخبوه ليكون تحت قبة البرلمان وذهب ووضع يده على المصحف وأقسم على أن يحترم هذا الدستور؛ هل أكرهه أحد على هذا؟
إنما يقول: أريد أن أدفع المفاسد عن النَّاس، ولكن المفسدة التي ارتكبها هو هي مفسدة الكفر والشرك، ونحن لا ننكر أن كثيرًا من هؤلاء البرلمانيين يتحصل بسببهم كثير من المصالح، ويُدفع بسببهم كثير من المفاسد، ولكن لم ينطبق على فعلهم قاعدة الشرع الصحيحة التي ذكرناها؛ فهم ارتكبوا مفاسدًا ودفعوا مفاسدًا، والمفسدة التي ارتكبوها وإن كانت في أعينهم خفيفة؛ فهي بميزان الشرع أضعاف أضعاف المفسدة التي دفعوها.
ثم بعد ذلك عندما يدخل هذا الإنسان داخل البرلمان ويصبح يمارس حق التشريع والذي يمكن أن نسميه بمصطلح الشرع «حق الخيرة من الأمر»: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب: 36]، فمهمة البرلمان: يجوز ولا يجوز.. هذا حلال وهذا حرام.. نفرض هذا قانونًا، ونمنع هذا القانون.. نقبل هذا الحكم من عند الله ﷻ أو لا نقبله، فهي مهمة التعقب لحكم الله ﷻ.
ولكنه يقول لك: أنا ما أدخلت لأشَرِّع وأعوذ بالله من أن أشرِّع حكمًا مناقضًا لحكم الله ﷻ، وكل الإسلاميين يقولون هذا؛ فلماذا نقول إنهم ارتكبوا مكفرا مع اعتراضهم على هذه الأحكام التشريعية؟ نقول: هناك مسألة خفية كثير من النَّاس لا يعرفونها، وبعض من يعرفها يخفيها في حقيقة البرلمانات، وهو أنه في البرلمان هناك حق الاقتراح لقانون ما دام داخل إطار الدستور؛ فالدستور وضع لك طريقًا تمشي عليها وحدًّا لا تخرج عنه -وهذا الدستور وضعه الشيوعي والملحد والشيعي والعلماني و«الإسلامي» وغيرهم-، ثم ما دمت أقسمت على احترامه وتم إقرار قانون فليس عليك إلا الموافقة عليه، ومثال ذلك أن يأتي برلماني -وقد يكون رجلًا ملحدًا علمانيًا كافرًا زنديقًا- فيقول: نحن نريد في هذه الدولة أن ننشئ صالات أفراح لزواج الرجل بالرجل، فيرد الإسلاميون: أعوذ بالله كيف تقترح هذا... فيقول لهم ذاك: إن كنتم لا تريدون فاعترضوا، وإن كنتم موافقين فوافقوا على هذا، فهنا وقعوا في إشكال كبير وهو أنهم جعلوا أحكام الله عرضة للتعقب «نقبلها أو لا نقبلها»! قال ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب: 36]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65] فالإسلام مأخوذ من الإسلام وعدم الاعتراض.
ثم يقول الإسلاميون: «نحن نعترض ولا يمكن أن نقبل بهذا»، فيصير التصويت؛ فإن أقر أكثر من النصف القرار أو نسبة حسب البرلمان، فالرأي يكون للأغلبية، ثم بعد ذلك إن صوتت الأغلبية عليه يخرج هذا القانون من داخل قبة البرلمان باسمه، ولا يخرج باسم الذين صوتوا لهذا القانون فقط بل باسمهم جميعًا، ويترتب على ذلك -مع اعتراضهم- أنهم يقولون: سمعنا وأطعنا وعلينا أن نحترم هذا القانون وليس لنا أن نعترض عليه إلا بتشريع قانون آخر يناقضه، وأما الآن فالأغلبية ملزمة لنا؛ فهل هناك مفسدة أعظم من هذه المفسدة؟ فهذه القاعدة لا تنطبق على البرلمانيِّين.
«وَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ: مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ، أَمَّا مَنْ أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيفِ الظُّلْمِ عَنْهُ، أَوْ عَلَى ردِّ الْمَظْلِمَةِ، فَهُوَ وَكِيلُ الْمَظْلُومِ، لَا وَكِيلُ الظَّالِمِ»، هذا كلام مهم؛ فإذا كان هناك والٍ عُرف بظلمه للناس يأخذ مالهم بغير حق، أو يعاقب على ما لا يجيز الشرع العقوبة عليه؛ فالظلم واقع على هذه الطائفة من الناس، وذلك كأن الإمام أراد أن يأخذ من شخص مئة ألف ظلـمًا، ثم جاء رجل وتكلم مع الإمام وهو يعرف أنه لا يمكنه أن يكف الظلم تمامًا بحيث يمنعه من المئة ألف، ولكنه يسعى لتخفيفها، فيقول له مثلًا: خذ خمسين ألفًا، فهنا لا نقول: إن هذا إعانة للظلم، وإنما ينبغي أن ننظر له كأنه وكيل للمظلوم؛ فكأن المظلوم هنا يقول للسلطان: أنا لا أقدر على دفع مئة ألفٍ فخذ خمسين ألف وأسقط عني؛ فأحيانا الإنسان لا يقدر على دفع الظلم عن نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى وكيل يتكلم عنه، مع أنك لو نظرت لهذا الرجل فهو في صف الظالم كأنه أعانه على أخذ إنسان بغير حق، وأما من جهة المظلوم فأعانه في تخفيف الظلم؛ فلا يكون ظالما بذلك، لما سعى فيه من تخفيف الظلم بحكم الوكالة عن المظلوم.
وذكر الشيخ ابن عثيمين مثالًا وهو مثل الذي يعمل في الجمارك٢٬٢٠٦شرح السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 146).؛ فهذه الجمارك مأخوذة لا يمكن أن تسقطها، فالإنسان يدخل في هذا العمل لا من أجل أن يفرض الضرائب على النَّاس، وإنما من أجل أن يخففها عنهم، أو من أجل أن يدخل بعض الأمور التي مُنع إدخالها مع أنه ليس فيها شيء في الشرع، ومن أجل أن يخفف الظلم عن النَّاس، مثلا البضائع كلها أربعة طن فهو يكتب اثنين طن حتى تكون الضريبة أخف.
«بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقْرِضُهُ، أَوْ الَّذِي يَتَوَكَّلُ فِي حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ، مِثَالُ ذَلِكَ: وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ» إذا طلب منه الوالي الظالم مالًا؛ فولي اليتيم كأنه في حكم الوكيل لليتيم، وكذلك ناظر الوقف كأنه في حكم الوكيل لصاحب الوقف، «إذَا طَلَبَ ظَالِمٌ مِنْهُ مَالًا فَاجْتَهَدَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ بِمَالٍ أَقَلَّ مِنْهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ» فأحيانًا يدفع إلى شخص ليتوسط له، وهذا الآخذ حرام عليه، ولكن ولي اليتيم مثلًا يدفع هذا المال في هذه الحالة وليس عليه شيء لأنه خفف عن اليتيم قدر طاقته، «بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ فِي الدَّفْعِ، فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» لأنه حاول بقدر الإمكان أن يكف الظالم عن ظلمه، وألَّا يوصل إليه درهمًا واحدًا من مال اليتيم، فإذا عجز وبذل جهده، واستطاع أن يقلل من المال الذي يطلبه إمَّا أن يدفعه إلى نفس الظالم أو إلى من يتوسط إلى الظالم جاز له ذلك.
«وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْمَالِكِ مِنَ الْمُنَادِينَ وَالْكُتَّابِ وَغَيْرِهِمْ، الَّذِي تَوَكَّلَ لَهُمْ فِي الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، وَدَفَعَ مَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ لَا يَتَوَكَّلُ لِلظَّالِمَيْنِ فِي الْأَخْذِ. كَذَلِكَ لَوْ وُضِعَتْ مَظْلَمَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَدِينَةٍ. فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ مُحْسِنٌ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ»؛ أي وكذلك من صورها: أن يضع الإمام الظالم ويفرض على أهل قرية أو مدينة مالًا يدفعونه، فيقول لهم: عليكم أن تدفعوا لي في كل سنة مبلغًا معينًا، فيأتي شخص ويحاول قدر الإمكان أن يسقط هذه الضريبة عن كل أهل القرية، فإذا استطاع فذاك هو، وإن لم يستطع وخفَّفها عنهم؛ فهذا محسن في فعله هذا، لأنه وكيل لأهل القرية والمدينة وليس وكيلًا للظالم، يعني كأنهم قالوا له: اذهب ودافع عنا عند الظالم، أو كلمه حتى يسقط عنا نصف المبلغ، فهذا نوع من أنواع التخفيف.
«وَقَسَّطَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ؛ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا ارْتِشَاءٍ، بَلْ تَوَكَّلَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ وَالْإِعْطَاءِ، كَانَ مُحْسِنًا» فهنا كذلك تخفيف؛ إما أن يقسط المبلغ عليهم جميعًا، أو أن يقسطها في الأخذ بمعنى أن يقول: نأخذ من الغني كذا، ونأخذ من الفقير كذا، فكما قال شيخ الإسلام: العدل واجب، فالعدل في الظلم واجب، فالظلم في داخل الظلم معصية فوق معصية، بمعنى أن الإمام إذا فرض ضريبة على أهل قرية فهذا ظلم، ولكن عليه هنا أن يعدل في ظلمه كأن يجعل المال المأخوذ بالنِسَب؛ فلا يجعل الأخذ من الغني كالأخذ من الفقير، فيعدل حتى في هذا الظلم، فإن لم يعدل فقد تراكمت عليه المظالم والمعاصي والعياذ بالله.
«لَكِنَّ الْغَالِبَ، أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ وَكِيلَ الظَّالِمِينَ» فينقلب من كونه وكيلا لأهل القرية إلى كونه وكيلا للظالم «مُحَابِيًا مُرْتَشِيًا» فيسعى لتحصيل المال لنفسه «مُخْفِرًا لِمَنْ يُرِيدُ، وَآخِذًا مِمَّنْ يُرِيدُ» فيأخذ ممن يريد ويترك ممن يريد بحسب هواه؛ فإن كان المتوسط بهذه الصفة فقال فيه: «وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الظَّلَمَةِ، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ، هُمْ وَأَعْوَانُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ النَّارَ» لعل شيخ الإسلام هنا يشير إلى حديث (أَرْبَعَةٌ يُؤْذُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الأَذَى، يَسْعَوْنَ بَيْنَ الْحَمِيمِ وَالْجَحِيمِ، يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا بَالُ هَؤُلاءِ قَدْ آذَوْنَا عَلَى مَا بنا مِنَ الأَذَى؟ قَالَ: فَرَجُلٌ مُغْلَقٌ عَلَيْهِ تَابُوتٌ مِنْ جَمْرٍ، وَرَجُلٌ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ، وَرَجُلٌ يَسِيلُ فُوهُ قَيْحًا وَدَمًا، وَرَجُلٌ يَأْكُلُ لَحْمَهُ، قَالَ: فَيُقَالُ لِصَاحِبِ التَّابُوتِ: مَا بَالُ الأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بنا مِنَ الأَذَى؟ قَالَ: فَيَقُولُ: إِنَّ الأَبْعَدَ مَاتَ وَفِي عُنُقَهِ أَمْوَالٌ إِلَى النَّاسِ مَا نَجِدُ لَهَا قَضَاءً أَوْ وَفَاءً...) الحديث٢٬٢٠٧من حديث شفي بن ماتع الأصبحي رضي الله عنه: الطبراني في الكبير: (7 / 310 ح 7226)، وأبو نعيم في الحلية: (5/167)، ضعفه الألباني.، وهو حديثٌ ضعيف.
ثم شرع شيخ الإسلام يتكلم في المصارف٢٬٢٠٨[انتهت المحاضرة الثامنة هنا، وشرع الشيخُ بعدها في المحاضرة التاسعة].
❖ ❖ ❖
فَصْلٌ: وُجُوهُ صَرْفِ الْأَمْوَالِ
«وَأَمَّا الْمَصَارِفُ» جمع مصرَف وهو الموطن أو الجهة التي يصرف لها أو فيها هذا المال «فَالْوَاجِبُ» على الإمام «أَنْ يَبْتَدِئَ فِي الْقِسْمَةِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَعَطَاءِ مَنْ يُحَصِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةً عَامَّةً، فَمِنْهُمْ الْمُقَاتِلَةُ» الجند الذين يقاتلون ويجاهدون؛ فهذا مثال لأهم المصالح، وكلما اتسع النفع كان العطاء أهم وأولى «الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ وَالْجِهَادِ» أي سواء من كان منهم مباشرًا للقتال في هذه المعركة أو تلك، أو كان مُهَيَّأً للقتال -يعني أهل الديوان؛ وهم الجيش الذين كونتهم الدولة للدفاع عن بلاد المسلمين، ولغزو بلاد الكفار-.
«وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْفَيْءِ» ولهذا يُقدمون، فإن كان هذا الفيء إنما يكفي لبعض من يصرف إليه من المقاتلة أو من ابن السبيل والفقراء والمساكين، فيقدم المقاتلة، «فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِمْ» فهذا الفيء إنما يحصل بسبب هؤلاء المقاتلة، كأن يكون المسلمون قد خرجوا لغزو بلاد الكفار، فخاف الكفار منهم، وفرُّوا عن أموالهم؛ فهذا المال يكون فيئًا، وقد حصل بسبب المقاتلة والجند، كذلك المال الذي يُؤخذ من أهل الذمة وهو الجزية، فالسبب في تحصيله هم الجند، ومن جهة أخرى: لأن منفعتهم عامة وشاملة للمسلمين، فهم استحقوا التقديم بالنظر إليهم من جهتين: من جهة أنهم هم المحصلون ابتداء لهذا المال فكانوا أحق به، ومن جهة ثانية كما ذكر شيخ الإسلام أنه يقدم في المصالح الأهم فالأهم، وحفظ بلاد المسلمين ونصرة المستضعفين وإبعاد الكفرة عنهم هذا من أعظم المصالح التي يحصل بها الأمان وإقامة الدين؛ فلهذا قُدموا.
«حَتَّى اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِ الْفَيْءِ: هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، أَوْ مُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ الْمَصَالِحِ؟٢٬٢٠٩بدائع الصنائع: (15 / 487)، بداية المجتهد: (1 / 402-403)، الحاوي الكبير: (8 / 442-443)، الإنصاف: (4 / 143-144)، المغني: (7 / 299)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (32 / 230-231)، وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28 / 565): «وهذا الفيء لم يكن ملكًا للنبي ﷺ في حياته عند أكثر العلماء، وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: (كان ملكًا له، وأما مصرفه بعد موته؛ فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار؛ فإن تقويتهم تذل الكفار فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة؟ على قولين للشافعي ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: «أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها».»؛ فلم يختلفوا في استحقاق المقاتلة من الفيء، ولكن حصل خلاف هل يشاركهم فيه أحد أم يكون لهم ولغيرهم من المصالح، وهذا هو الراجح، وتقسيم مال الفيء الراجح فيه أنه راجع إلى اجتهاد الإمام وهذا مذهب جماهير العلماء، وقال الشافعي رحمه الله: إن مال الفيء يخمَّس كما جاء في الآية: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7]، وذكر غير واحد من العلماء أن تخميس الفيء لم يقل به أحد قبل الإمام الشافعي٢٬٢١٠قال ابن المنذر: «لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أن في الفيء خمسًا كخمس الغنيمة» مجموع الفتاوى: (28 / 565)، المغني: (7 / 299).، والراجح عدم تخميسه، فلذلك ذُكر هؤلاء على سبيل التنبيه كما قال الله ﷻ: ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾ أي حتى لا يبقى مال الفيء متداولًا بين الأغنياء ويُحرم منه الفقراء والمحتاجون.
«وَأَمَّا سَائِرُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ فَلِجَمِيعِ الْمَصَالِحِ وِفَاقًا» أي اتفاقًا؛ فالفيء في أصله هو المأخوذ من الكفار على غير سبيل القتال، وذكرنا منه أنواعًا كالهدية التي يأخذها السلطان، وكالمال الذي يُؤخذ في أثناء المهادنة، وكذلك العُشر الذي يؤخذ من تجار الكفار، أو نصف العُشر الذي يُؤخذ من أهل الذمة، أو مال المسلمين الذي لا يُعرف وارث له؛ فهذه الأموال تصرف في جميع المصالح اتفاقًا؛ كبناء الجسور وحفر الآبار وإجراء الأنهار وغير ذلك، «إلَّا مَا خُصَّ بِهِ نَوْعٌ، كَالصَّدَقَاتِ» فكما جاء في الحديث وإن كان ضعيفًا أن الله لم يرضَ لها بقسمة نبي ولا غيره وإنما تولى ﷻ قَسْمَها بنفسه ﴿۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ [التوبة: 60]، «وَالْمَغْنَمِ» فقد ذكرنا أن خمسها اختلف فيه العلماء، والأربعة أخماس هي للغانمين، فهذه أيضا حُدِّد مصرفها.
«وَمِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ» لأخذ أموال الفيء «ذَوُو الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ»؛ لأن قيامه على هذه الولاية إنما هو في شأن من شئون المسلمين وعلى مصلحة من مصالحهم، «كَالْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ»؛ لأن نفعهم عام فبهم يُكفُّ الظلم عن المسلمين ويُقام العدل، «وَالْعُلَمَاءِ» لأن بهم إرشاد النَّاس إلى الحق وتعريفهم دين الله ﷻ وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ فمصلحة العلماء عامة، ولذلك في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]، ذكر المفسِّرون أن أولي الأمر يدخل فيهم الولاة الأمراء والعلماء٢٬٢١١قال البغوي في تفسيره: (2 / 239): «اختلفوا في ﴿أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ﴾ قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: «هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون النَّاس معالِمَ دينهم»، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾، وقال أبو هريرة: «هم الأمراء والولاة»»، قال ابن كثير في تفسيره: (2 / 345) «والظاهر -والله أعلم-أن الآية في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء»، وانظر: تفسير الطبري: (8 / 496-504)..
«وَالسُّعَاةِ عَلَى الْمَالِ جَمْعًا وَحِفْظًا وَقِسْمَةً» أي الذين يحفظون الصادر والوارد في الدواوين وكذلك من يقسمونها ويوزعونها بين الناس «وَنَحْوَ ذَلِكَ، حَتَّى أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ»؛ وإمام الصلاة يؤدي فرضًا من فروض الكفاية فكيف يأخذ مالًا على أدائه لفرض؟ فالجواب: ما يأخذه هنا ليس على سبيل الأجرة، وإنما هو رَزْق - مُرتَّب- من بيت المال لمنفعة قيامه في هذا الموطن على أمر تعم مصلحته للمسلمين، والتي تتعطل لو لم يقم بها، وهذا كالمجاهد يأخذ من بيت المال مع قيامه بالفرض المعتين في حقه، ولذلك فالأجرة يأخذها الإنسان إذا نقصت المنفعة أو زادت، ولكن هذا الإمام إذا غاب يومًا أو في يومٍ صلَّى صلاة خفيفة أو أطال فيها، فالمرتب نفسه.. ولا شك ان من جهاد بنفسه وماله الذي أفضل ممن جاهد بمال غيره حتى ولو كان الغير من مال بيت المال.
«وَكَذَا صَرْفٌ فِي الْأَثْمَانِ» الأشياء العينية، «وَالْأُجُورِ» كِراء من يقوم بهذه الأعمال، «لِمَا يَعُمُّ نَفْعُهُ مِنْ سَدَادِ الثُّغُورِ بِالْكُرَاعِ»؛ أي الخيل، «وَالسِّلَاحِ، وَعِمَارَةُ مَا يُحْتَاجُ إلَى عِمَارَتِهِ مِنْ طُرُقَاتِ النَّاسِ، كَالْجُسُورِ وَالْقَنَاطِرِ» وهي الجسور الصغيرة «وَطُرُقَاتِ الْمِيَاهِ كَالْأَنْهَارِ» كشراء آلات حفر الخنادق، ودفع الأجرة للقائمين على العمل بها؛ فالمقصود: حيث ما وجدت المصلحة التي تعود على المسلمين سواء من القائمين عليها من الولاة والقضاة والساعة وغيرهم، أو فيما ينتفع به المسلمون كالطرقات والجسور وغير ذلك، فإنها مصرفٌ من مصارف بيت المال؛ فذكر قسمان.
«وَمِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ: ذَوُو الْحَاجَاتِ» ذكر شيخ الإسلام أنه أحيانًا يكون من المسلمين من ليس له مصلحة عامة ترجع على عموم المسلمين، ولكن يكون محتاجًا مستحقًا، «فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ يُقَدَّمُونَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ، مِنَ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؟» فهم في الصدقات مقدمون على غيرهم بنص القرآن، ولكن الكلام هنا في تقديمهم في الفيء «عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَدَّمُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَالُ اُسْتُحِقَّ بِالْإِسْلَامِ»؛ أي بسبب اتصافهم بالإسلام، وليس بسبب صفة زائدة عليه كالحاجة وغيرها؛ «فَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ، كَمَا يَشْتَرِكُ الْوَرَثَةُ فِي الْمِيرَاثِ» فما دام أنهم استحقوا بالإسلام فهم وغيرهم سواء، فكل مسلم له حق في هذا المال كما أن كل وارث له حق في مال مورثه، ولا فرق بين فقير وغني منهم «وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُقَدَّمُونَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَدِّمُ ذَوِي الْحَاجَاتِ، كَمَا قَدَّمَهُمْ فِي مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ»» ففي أصل الاستحقاق كلهم سواء ولهم نصيب في هذا المال، ولكن بينهم تفاضل في أمور: «إِنَّمَا هُوَ الرَّجُلُ وَسَابِقَتُهُ»؛ أي الذي سبق في الإسلام «وَالرَّجُلُ وَغَنَاؤُهُ»؛ يعني نفعه العام للمسلمين، «وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ»٢٬٢١٢أبو داود: (2950)، وأحمد: (292)، حسنه الألباني.، فَجَعَلَهُمْ عُمَرُ رضي الله عنه أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
الأول: ذَوُو السَّوَابِقِ الَّذِينَ بِسَابِقَتِهِمْ حَصَلَ الْمَالُ»؛ وهم الأولون الأقدمون في الإسلام والذين حصل بسببهم قوة الإسلام وشوكته ودخول النَّاس في دين الله ﷻ؛ فخيرهم أعم فلذلك قُدموا في العطاء.
«الثَّانِي: مَنْ يُغْنِي عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ لَهُمْ، كَوُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لَهُمْ مَنَافِعَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا»؛ فبقدر تحصيله للمنافع بقدر ما يُعطى من هذا المال، فيزيد عطاؤه كلما زاد نفعه، فالنفع هو جلب المصالح للمسلمين.
«الثَّالِثُ: مَنْ يُبْلِي بَلَاءً حَسَنًا فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، كَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الْأَجْنَادِ وَالْعُيُونِ مِنَ الْقُصَّادِ وَالنَّاصِحِينَ، وَنَحْوِهِمْ» فهؤلاء يدفعون الضرر عن المسلمين.
«الرَّابِعُ: ذَوُو الْحَاجَاتِ»؛ فالمقصود من هذا كله أن ذوي الحاجات هم ممن يستحق أن يأخذ من مال بيت المال، وأما في أصل الاستحقاق فكل مسلم له حق في هذا المال، ثم بعد ذلك يكون التفاضل والتفاوت في العطاء بحسب الصفات التي ذكرها عمر رضي الله عنه، فالعدل أن يُنظر إلى كل واحد ومدى نفعه للمسلمين وكفِّه للضرر عنهم، أو لمدى حاجته؛ فليس العدل أن يكون النَّاسُ كلهم في العطاء سواء، وإنما كل شخص ومدى نفعه ومدى غَنائه ومدى بلائه ومدى حاجته وهكذا، فهذا مذهب عمر رضي الله عنه ويميل له شيخ الإسلام، وأما أبو بكر رضي الله عنه فقد كان يساوي في العطاء٢٬٢١٣التفاضل في العطاء بين أهل الديوان: اختلف الصحابة رضي الله عنهم في عطاء أهل الديوان:
فقد كان أبو بكر الصديق وعلي رضي الله عنهما يريان التسوية بين أهل الديوان في العطاء، ولا يريان التفضيل بالسابقة، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك، أما عمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنهما فقد كانا يريان التفضيل بالسابقة في الإسلام، وزاد عمر التفضيل بالقرابة من رسول الله ﷺ مع السابقة في الإسلام، وأخذ بقولهما من الفقهاء أبو حنيفة وأحمد وفقهاء العراق.
وقد ناظر عمر أبا بكر حين سوى بين النَّاس فقال: «أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، ومن أسلم عام الفتح خوف السيف؟»؛ فقال له أبو بكر: «إنما عملوا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ»، فقال عمر: «لا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه»، الموسوعة الفقهية الكويتية: (7 / 120)..
ملحوظة: كثير من الإخوة يحصل عنده خلط بين بيت مال المسلمين العام «خزينة الدولة»، وبين المال الخُصِّص للجهاد أو يصب في مصلحة الجهاد؛ فالمال الذي عند المجاهدين وإن أُطلق عليه اسم بيت المال، ولكنه ليس هو بيت المال العام الذي تجري عليه الأحكام التي نذكرها، وإنما يستفاد من هذه الأحكام في بعض الأمور؛ ففي مسألة التفاضل «الرجل وغناؤه.. وبلاؤه» هذه يمكن أن تطبقها في ساحة الجهاد، ولكن أصل هذه الأموال أنها جاءت ليس لذوي الحاجات من غير المجاهدين، وإنما جاءت لأجل الجهاد إما مباشرة أو بالتبعية؛ فأحيانا تُنفَق بعض الأموال مما تصب مصلحته في الجهاد -كدفع الأموال للمؤلفة قلوبهم-، فأحيانًا مما تحتاجه في ساحة الجهاد: تأليف النَّاس الذين حولك، فتنفق عليهم وتؤلف رؤوسهم ورؤوس عشائرهم وقادتهم، ولا تقول: إنَّ هذه الأموال إنما أنفقت للجهاد؛ فكيف أعطي هؤلاء؟ فهذا جزء من جهادك.
«وَإِذَا حَصَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُتَبَرِّعٌ، فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ بِهِ» ربما يكون المعنى: أنه إذا حصل لواحد من هؤلاء الأصناف الأربعة متبرعٌ أنفق عليه شيئًا من المال، فقد أغنى الله بذلك المتبرع فلا يحتاج إلى العطاء من بيت المال، «وَإِلَّا أُعْطِيَ مَا يَكْفِيهِ أَوْ قَدْرَ عَمَلِهِ» الظاهر والله أعلم: أنه لو كان هناك إنسان محتاج، فوجد من يتبرع له، وقبل هو هذا التبرع، ولكن هذا التبرع لم يكن كافيًا لحاجته، فيُعطى من بيت المال ما يكمل له حتى تُسد حاجته؛ فينظر في العطاء إلى جهتين: إلى جهة الحاجة، وإلى جهة النفع بالعمل، فأما في الحاجة فيُعطى بقدر حاجته، فيُنظر إلى ما يحتاجه من النفقات على نفسه وعلى أهله وعلى أولاده وعلى من تجب نفقته عليهم، وأما من جهة عمله فينظر إلى عموم أو اتساع مصلحة عمله، فكلما اتسعت مصلحة العمل كلَّما ازداد عطاؤه، فالتفاوت إنما يكون بسبب الحاجة، أو بسبب الغناء والبلاء والدفع عن المسلمين في العمل.
«وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الْعَطَاءَ يَكُونُ بِحَسَبِ مَنْفَعَةِ الرَّجُلِ» من جهة العمل، «وَبِحَسَبِ حَاجَتِهِ» في حال فقره، «فِي مَالِ الْمَصَالِحِ وَفِي الصَّدَقَاتِ أَيْضًا»؛ فليس لأن هذا فقير وهذا فقير فيُعطى كلا منهما عشرة آلاف، وإنما كلما ازدادت حاجته وفقره ازداد عطاؤه حتى في الزكاة، «فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُهُ الرَّجُلُ، إلَّا كَمَا يَسْتَحِقُّهُ نُظَرَاؤُهُ» فليس هناك شيء يخصه به ويجعله متميزًا في العطاء، فلا نقول: من أجل أنك أمير نزيدك؛ فبالنظر إلى مصلحة عمله يأخذ، ولكن إذا كان النظر بحسب حاجته وفقره فليست صفة الإمارة والعلم مخصصة للزيادة في الحاجة «مِثْلَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي غَنِيمَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ» فلا تفاضل في الغنيمة ولا تفاضل بالميراث إلا بالطريقة التي قسمها الشرع.
«وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مَا لَا يَسْتَحِقَّهُ: لِهَوَى نَفْسِهِ مِنْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ مَوَدَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْطِيَهُ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْهُ؛ كَعَطِيَّةِ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الصَّبِيَّانِ وَالْمُرْدَانِ الْأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ وَنَحْوِهِمْ، وَالْبَغَايَا» أي الزواني «وَالْمُغَنِّينَ» فإن الغناء حرام «وَالْمَسَاخِرِ» هو الذي يُضْحِك النَّاسَ كالممثلين، «وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ إعْطَاءِ الْعَرَّافِينَ مِنَ الْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَنَحْوِهِمْ»؛ فالمقصود من هذا: أنه إذا كان الإمام لا يجوز له أن يخصَّ شخصًا بالعطاء لهوى في نفسه من قرابة أو مودة أو لموافقة في مذهب أو طريقة؛ فمن باب أولى أن يحرم عليه أن يخصَّ شخصًا ما في مقابل منفعة محرمة، لأن هذا المال كما قلنا من قبل لا يجوز للسلطان أن يتصرف فيه تصرف المالك لماله، وإنما يتصرف فيه تصرف الوكيل في الوجه الشرعي الذي أُذِن لك بالصرف فيه.
«لَكِنْ يَجُوزُ، بَلْ يَجِبُ الْإِعْطَاءُ لِتَأْلِيفِ مِنْ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِ قَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ» هذا الفصل مهم وهو كالاستدراك على ما ذكره شيخ الإسلام وفيه تبيين لأمر مهم؛ فقد قلنا قبل قليل: إن الإمام لا يجوز أن يصرف هذا المال لهوى ولا في مقابل منفعة محرمة، فذكر شيخ الإسلام هنا أنه يجوز بل يجب أحيانًا على الإمام أن يصرف هذا المال لتحصيل مصلحة، مع أن الحكم يجب على الإمام أو يجوز؛ فإن الآخذ في حكم الشرع محرم عليه أن يأخذ هذا المال في الأصل، والإمام مأجور على ذلك، ومن أخذ هذا المال فهو حلال طيب له، وذكر مثالًا على ذلك: المؤلفة قلوبهم؛ فالآخذ في هذه الحالة في الأصل لا يحل له أن يأخذ هذا المال لأنه في مقابل أن يدخل في الإسلام، والإسلام يجب عليه أن يدخل فيه، فكل إنسان يجب عليه دخول الإسلام.
«كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَطَاءَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، مِنَ الصَّدَقَاتِ» أي الزكاة الواجبة؛ فيعطي الإمام هذا المال من أجل إمالة قلوبهم إلى الإسلام، وهذه القلوب إمَّا أن تكون قد دخل أصحابها إلى الإسلام فيحتاجون إلى الإعانة على التثبيت، فتعطى لهم الأموال من أجل أن يتمكن الإسلام في قلوبهم ويثبتون عليه، أو أن يكون هؤلاء قريبين من الإسلام، أو يكونون أصحاب أتباع فنريد أن نؤلِّف مَن وَراءَهم؛ فنعطي هذه الأموال إما لمسلم لتثبيت إسلامه، أو لكافر حتى يسلم وهذا واجب عليه، «وَكَمَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ» حتى من الغنيمة كما حصل في غزوة حنين، «وَهُمْ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ» فتكون المنفعة متعدية إلى من وراءهم، وهذا أمر مهم لا بد أن نتنبه إليه نحن المجاهدين، ولذلك لا بأس بأن يجود المجاهدون من أموالهم على الأقوام الذين يعيشون بينهم لا سِيَّما رؤساؤهم، فهي مصلحة اعتبرها الشرع ولا حرج في الإنفاق من أجلها.
«كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، يُعْطِي الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَيِّدَ بَنِي تَمِيمٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ سَيِّدَ بَنِي فَزَارَةَ، وَزَيْدَ الْخَيْرِ الطَّائِيَّ سَيِّدَ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيَّ سَيِّدَ بَنِي كِلَابٍ، وَمِثْلَ سَادَاتِ قُرَيْشٍ مِنْ الطُّلَقَاءِ كَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ» أعطاه واديًا من الغنم قبل أن يسلم، «وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ» فأعطاهم تألفا لأنهم سادات قومهم وهم الطلقاء «وَعَدَدٍ كَثِيرٍ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ بِتُرْبَتِهَا٢٬٢١٤«بِذُهَيْبَةٍ» تَصْغِير ذَهَبَة أَيْ قِطْعَة مِنْ الذَّهَب، «فِي تُرْبَتهَا» صِفَة ذَهِبيَة أَيْ كَائِنَة فِي تُرَابهَا غَيْر مُمَيَّزَة عَنْهُ، عون المعبود: (9 / 2051). إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ الْعَامِرِيِّ سَيِّدِ بَنِي كِلاَبٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ سَيِّدِ بَنِي نَبْهَانَ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ فقالوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ٢٬٢١٥قال ابن الأَعرابيّ: «الصَّنَاديدُ: السَّادَاتُ، وهم الأَجْوادُ، وهم الحُلَماءُ، وهُمْ حُمَاةُ العَسْكَرِ، وفي الحديث ذكْرُ صَنَاديد قُرَيْشٍ، وهم أَشرافُهم، وعظماؤُهم، الواحدُ صِنْدِيدٌ. وكُلُّ عَظيمٍ غالبٍ، صِنْدِيدٌ». وفي «الكفاية»: الصِّنْدِيدُ: الرَّئيس العَظيمُ. وقال جماعةٌ: «هو وَالِي القَوْمِ، ومُتَولِّي مُهِمَّاتِهم، الكَبيرُ الجامعُ للولَاية»، وقال آخَرون: «هو السّيِّد الشَّريفُ في قَوْمه، الجامعُ للشَّجاعَة والحَمَاسَة والجُود، الغالِبُ لمَنْ عاداه وعارَضَه»، تاج العروس: (8 / 300). نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟» فرأوا أنهم أحق بهذا المال منهم، وهؤلاء الآن دخلوا في الإسلام فكيف يقدمهم علينا؟.
«فقال رسول الله ﷺ: (إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأَتَأَلَّفَهُمْ)، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ» وفي رواية: اعدل فإنك لم تعدل٢٬٢١٦من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ابن ماجه: (172)، وصححه الألباني. -والعياذ بالله-، «فقال رسول الله ﷺ: (فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ ﷻ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِي؟)، قال: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ -يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا» له معنيان: أن يكون من نسل هذا الرجل، أو من أشباه هذا وممن هو على صفته «قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ»؛ يعني يقرؤونه من غير فقه ولا فهم لمعناه ولا معرفة بأحكامه، إنما هي تلاوة مجردة صوت يتحرك به اللسان فقط لا يصل إلى قلوبهم، «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وهم الخوارج، «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)٢٬٢١٧من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: البخاري: (6995)، ومسلم: (1064)، وابن حبان: (25)، وأبو داود: (4764)، والنسائي: (2578)، وأحمد: (11021).» يعني قتلا جماعيا كما أهلك الله قوم عاد؛ فالمقصود من هذا كله أن الرسول ﷺ قد يعطي قومًا ويمنع آخرين لمصلحة راجحة، كما جاء في بعض الأحاديث: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)٢٬٢١٨من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: البخاري: (27)، مسلم: (150)، وأبو داود: (4685)، وأحمد: (1579).، فيعطيه النبي ﷺ من أجل أن يثبته على الإسلام، فهذه هي القاعدة التي ينبغي للإنسان أن يفقهها فقها حقيقيًا لأنها ميزان دقيق ومنفعته عظيمة جدًا.
[البحر: المتقارب]
[البحر: المتقارب]
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ | دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ | |
فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ | يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ | |
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا | وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ |
قَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِئَةً»٢٬٢١٩من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: مسلم: (1060)، وابن حبان: (4827). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْعُبَيْدُ اسْمُ فَرَسٍ لَهُ»، فلما رأى النبي ﷺ في قلبه عدم القبول أي ممكن أن ينتكس فحتى أن يثبته أعطاه مثل الآخرين؛ فهناك صفات خفية ننتبه لها.
«وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ نَوْعَانِ: كَافِرٌ وَمُسْلِمٌ: إمَّا أَنْ تُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ مَنْفَعَةٌ كَإِسْلَامِهِ»؛ أي بعدما رأيت ميل قلبه للإسلام فتعطيه من أجل أن تدخله فيه، فكأنك تشتري إسلامَه «أَوْ دَفْعُ مَضَرَّتِهِ، إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِذَلِكَ» فيكون هذا الكافر متجبرًا طاغيًا فتريد أن تؤلف قلبه لتكفَّ عن نفسك مضرته، وليس هذا من باب المصالحة كما حدث في المدينة وإنما هذا من باب التأليف، فمثلا: هناك طائفة من البغاة تقاتل المسلمين وقد يعينهم بعض الكفرة، فتدفع مالًا لهذا الكافر من أجل أن تكفَّ مضرَّته عنك، ولا يعينون أولئك البغاة عليك؛ فإن لم يندفع شرهم إلا بذلك جاز.
«وَالْمُسْلِمُ الْمُطَاعُ» الذي يكون شريفًا أو سيدًا أو قائدًا في قومه له أتباع يطيعون أمره، فهنا «يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ الْمَنْفَعَةُ أَيْضًا، كَحُسْنِ إسْلَامِهِ، أَوْ إسْلَامِ نَظِيرِهِ» فإذا كان للمسلم المطاع نظير أو مثيل من الكفار فهذا عندما يراك كيف تعطي السيد المسلم وتنفق عليه، فيقول الكافر: إذن الإسلام فيه نفقات وإعطاء وجود فيدخل في الإسلام، على ما قيل: وافهمي يا جارة! «أَوْ جِبَايَةِ الْمَالِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ، إلَّا لِخَوْفٍ» مثال: إنسان من المسلمين تريد أن تَجبي منه مالًا أوجبه عليه الشرع وهذا المال لا يعطيه إلا بالتهديد والتخويف؛ فقد يمنع هذا المال في الموطن الذي يزول فيه الخوف، فأنت تريد أن تنقله من حالة الخوف إلى حالة الرضا حتى يعطي هذا المال طَيبة به نفسه، فتنفق عليه من الأموال، فكأنك تقول له: أنا لا أحتاج إلى المال، فتنفق عليه حتى يرسخ الإسلام في قلبه فيصبح يؤدي المال الذي افترضه الله عليه. «أَوْ لِنِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ» شبيه بالنفَل ولكن هذا من بيت المال، «أَوْ كَفِّ ضَرَرِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، إذَا لَمْ يَنْكَفَّ إلَّا بِذَلِكَ» كما فعل عمر رضي الله عنه مع الحُطَيْئة فقد أعطاه المال حتى يكف عن هجاء المسلمين فقال له: «اقطع عنا لسانك»، ومن أمثال هؤلاء الكتاب الفسقة الذين يتكلمون في المجون ويسخرون من بعض الناس فلا بأس بشراء لسانهم٢٬٢٢٠قال ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 106): «ثم ذكروا أنه أراد قطع لسان الحطيئة لئلا يهجو به الناس فأجلسه على كرسي وجيء بالموسى، فقال الناس: لا يعود يا أمير المؤمنين وأشاروا إليه قل: لا أعود، فقال له عمر: النجا»، وعن عبد الله بن المبارك، قال: «اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعراض المسلمين من الحطيئة بثلاثة آلاف درهم»، محض الصواب للمبرد: (01 / 376)..
في هذه الحالات ترى أنَّ المال أعطي إلى من لا يستحقه في الحقيقة يعني من غير مقابل، والمقابل الذي نطلبه منهم هو أوجبه الشرع عليه من غير أن يأخذ في بدله مالًا؛ فأخْذُه من حيث أصل الحكم لا يحل له، ولكن الشرع أجازه له في الظاهر، ولهذا شيخ الإسلام أشار إلى هذا المعنى فقال: «وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعَطَاءِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ، وَتَرْكَ الضُّعَفَاءِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ، فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ»؛ يعني احتقار الضعفاء وحرمان هؤلاء «الطبقة الكادحة» ورفع الأشراف والسادة، «كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ»؛ يعني عطاء الظالمين.
«وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ ذَوُو الدِّينِ الْفَاسِدِ» الذين لا يقدِّرون المصالح والمفاسد تقديرًا شرعيًّا صحيحًا، فيظنون أنَّ هذا من الظلم ومن المحاباة ومن ترك العدل، «كَذِي الْخُوَيْصِرَةِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى قَالَ فِيهِ مَا قَالَ» يؤخذ من هذا أنَّ الإنسان لا ينظر إلى الأمور بمجرد ظاهرها، وإنما عليه أن يعرف مقاصدها، وأن يراعي حال الشخص، فهذا النبي ﷺ من أبعد النَّاس عن الظلم -والعياذ بالله- وهو أعدل النَّاس وقد أمنه الله ﷻ على وحيه، فالإنسان دائمًا يتثبت ويتحرى ويتبين قبل أن يبادر ويندفع إلى الإنكار حتى لا يقع في المحظور.
وانظر إلى طريقة هذا -ذوي الخويصرة- وانظر إلى ما قال الأنصار، فالأنصار والمهاجرون قالوا: يعطي صناديد قريش ويمنعنا؟ أما هذا فقال له: اتق الله، يعني كأنه خالف أمر الله ﷻ، فهذا جرأة ووقاحة، فأما الأنصار فهم يشعرون أنَّ لهم حقًّا في هذا المال فهذا استفسار واستفصال لمعرفة مدرك هذا الأمر الغريب عليهم، «وَكَذَا حِزْبُهُ الْخَوَارِجُ أَنْكَرُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَا قَصَدَ بِهِ الْمَصْلَحَةَ مِنَ التَّحْكِيمِ وَمَحْوِ اسْمِهِ، وَمَا تَرَكَهُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ» بعدما حكّمَ علي ومعاوية رضي الله عنهما: عمرَو بن العاص وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما، فبعد ذلك قال الخوارج: حكَّم الرجال ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]؛ فخرجت طائفة منهم وانحازوا، ثم بعد ذلك -وفي قصة طويلة- قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اجْتَمَعُوا فِي دَارٍ، وَهُمْ سِتَّةُ آلاَفٍ، أَتَيْتُ عَلِيًّا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ بِالظُّهْرِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ فَأُكَلِّمُهُمْ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ. قُلْتُ: كَلاَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ وَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَمِيلًا جَهِيرًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَتَيْتُهُمْ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي دَارِهِمْ، قَائِلُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ، لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾ [الأعراف: 32]، قَالُوا: فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، لِأُبَلِّغُكُمْ مَا يَقُولُونَ الْمُخْبَرُونَ بِمَا يَقُولُونَ فَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْوَحْيِ مِنْكُمْ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَ: وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرْ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ مُسْهِمَةٌ وجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، كَأَنَّ أَيْدِيَهِمْ وَرُكَبَهُمْ تُثَنَّى عَلَيْهِمْ، فَمَضَى مَنْ حَضَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُكَلِّمَنَّهُ وَلَنَنْظُرَنَّ مَا يَقُولُ، قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَصِهْرِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ؟ قَالُوا: ثَلاَثًا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ [الأنعام: 57]، وَمَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلْحُكْمِ؟ فَقُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، قَالُوا: وَأَمَّا الأُخْرَى فَإِنَّهُ قَاتَلَ، وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانَ الَّذِي قَاتَلَ كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَتُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ. قُلْتُ: هَذِهِ اثْنَتَانِ، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَعِنْدَكُمْ سِوَى هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا.
فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُكُمْ أَتَرْضَوْنَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ رَدَّ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ فِي أَرْنَبٍ، وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ﴾ [المائدة: 95] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ [المائدة: 95]، فَنَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَفْضَلُ، أَمْ حُكْمُهُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ؟ وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَحَكَمَ وَلَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ ﷻ: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ﴾ [النساء: 35]؛ فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الرِّجَالِ سُنَّةً مَأْمُونَةً، أَخَرَجْتُ عَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَهِيَ أُمُّكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أَمَّنَا لَقَدْ كَفَرْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ [الأحزاب: 6]؛ فَأَنْتُمْ تَدْورُونَ بَيْنَ ضَلاَلَتَيْنِ أَيُّهُمَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا، صِرْتُمْ إِلَى ضَلاَلَةٍ؛ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
قُلْتُ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ مَحَا اسْمَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ، وَأُرِيكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: (اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَوْ نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ)، فَوَاللَّهِ لَرَسُولُ اللهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَمَا أَخْرَجَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ مَحَا نَفْسَهُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعَ مِنَ الْقَوْمِ أَلْفَانِ، وَقُتِلَ سَائِرُهُمْ عَلَى ضَلاَلَةٍ٢٬٢٢١الحاكم: (2656). [قال الزبير: والشيخ أبو يحيى ساق الحديث مختصرا بمعناه، ولكن المعتني أخرجه كاملا فأثبته على ذلك]».
فالمقصود هذه هي طريقة الخوارج يتعلقون بأدلة واهية وبضلالات هي أبعد ما تكون عن الهدى.
«وَهَؤُلَاءِ»؛ أي الخوارج، «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ» وجاء في ذلك أحاديث كثيرة في صحيح مسلم٢٬٢٢٢باب التحريض على قتل الخوارج. وغيره، وقاتلهم علي وفرح بذلك فرحا شديدًا؛ «لِأَنَّ مَعَهُمْ دِينًا فَاسِدًا لَا يَصْلُحُ بِهِ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ» فدينهم لا ينجيهم في الآخرة، ولا يمكن أن تقوم عليه مصالح الدنيا، وهذا هو حال أهل الغلو والشطط والتعدي في كل زمان، فلذلك قال النَّبيُّ ﷺ: (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ)٢٬٢٢٣من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ابن خزيمة: (2867)، وابن حبان: (3871)، والحاكم: (1711)، والنسائي: (3057)، وابن ماجه: (3029)، وأحمد: (1851)، وصححه الألباني.، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ﴾ [النساء: 171]، فأهل الغلو والشطط -كما رأيناهم في ساحات كثيرة- الذين يتجرؤون على التكفير في أدنى شيء؛ لا يكادون يجتمعون حتى يتفرقوا، فيجتمعون على أمر ثم يقودهم الغلو إلى غلو آخر؛ فيكفِّر بعضهم بعضًا ثم يتفرقون، ولا يمكن لأمثال هؤلاء أن يُقيموا دينًا ولا دنيا، كما ذكروا أن اثنين من أهل الغلو تباحثا في المسجد فقالا: تعال ننظر مَن على الأرض مسلمًا سوانا؟ فتناظرا ثم أثبتنا أنه ليس على وجه الأرض مسلما سواهما!، ثم تباحثا فكفر أحدهما الآخر!
«وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ الْوَرَعُ الْفَاسِدُ بِالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، فَإِنَّ كِلَاهُمَا» الفصيح: فإن كليهما، وهنا: فإن كلاهما وهي لغة صحيحة٢٬٢٢٤وهي اللغة التي تلزم المثنى وما ألحق به الألف مطلقًا، وقد عزيت لكنانة وبني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل وزبيد وخثعم وهمدان وفزارة وعذرة وخرج عليها قوله ﷻ: ﴿إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ﴾، وقوله ﷺ: (لا وتران في ليلة)، انظر: همع الهوامع: (1 / 145).، «فِيهِ تَرْكٌ»؛ يعني الورع الفاسد والجبن كله ترك، فالورع ترك المشتبهات ولكن هناك ورع لم يأمر به النبي ﷺ ولم يأت به الشرع، «فَيَشْتَبِهُ تَرْكُ الْفَسَادِ؛ لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْجِهَادِ وَالنَّفَقَةِ، جُبْنًا وَبُخْلًا» فالإنسان يلتبس عليه الأمر، فيريد أن يترك الوقوع في الفساد خشية لله ﷻ، وهو في الحقيقة تارك للجهاد في سبيل الله كما ذكرنا في الجهاد مع البر والفاجر، فيقول الإنسان: كيف أجاهد مع هؤلاء الظلمة وكيف أنصرهم؟
فهنا الذي يدفعه أحيانًا هو خشيته لله أو هو ورع يتوهمه، ولكن في مقابل هذا الورع وهذه الخشية التي يزعمها فقد فرط في أداء الجهاد الواجب فيقع الالتباس، فالإنسان لا بد عليه أن ينظر إلى المسألة من جميع جهاتها.
«وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ)؛ أي الجبن الذي يثير الجزع والضجر (وَجُبْنٌ خَالِعٌ)٢٬٢٢٥من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (3250)، وأبو داود: (2511)، وأحمد: (7997)، وصححه الألباني.»؛ يعني يكاد يخلع قلب صاحبه، «كَذَلِكَ قَدْ يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ ظَنًّا أَوْ إظْهَارًا أَنَّهُ وَرَعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كِبْرٌ وَإِرَادَةٌ لِلْعُلُوِّ» فالدافع الذي يحركه في قلبه إنما هو الكبر، كمن يترك أكل شيء من المباحات أو لباس شيء مباح إظهارا للزهد أو التورع، وإظهار الورع شر من ظنه؛ لأنه من إرادة العلو في الأرض، كما هو حال كثر من المتصوفة، «وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)٢٬٢٢٦من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: البخاري: (1)، ومسلم: (1907)، وابن خزيمة: (142)، وابن حبان: (388)، والترمذي: (1647)، وأبو داود: (2201)، والنسائي: (75)، وابن ماجه: (4227)، وأحمد: (168). كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَامِلَةٌ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ، كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ» ذكر هذا تعقيبا على فعل الوالي حين أعطى السادة والمبار وترك فقراء والمساكين؛ فهو إنما فعل ذلك تألفا لقلوبهم فيؤجر، وأما إن كان قصده التقرب من السادة فهذا محرم، والفرق بينهما النية، وضرب لذلك مثلا: «وَإِلَّا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّاجِدِ لِلَّهِ، وَالسَّاجِدِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَصُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هَذَا أَقْرَبُ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ اللَّهِ» فقد تجتمع الصورة ويميز بينهما النية.
«وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ﴾ [البلد: 17]، وَفِي الْأَثَرِ: (أَفْضَلُ الْإِيمَانِ: السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ)٢٬٢٢٧من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: ولفظه: «يا نبي الله أي العمل أفضل؟» قال: (الإيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيله)، قال: «أريد أهون من ذلك يا رسول الله»، قال: (السماحة والصبر)، قال: «أريد أهون من ذلك يا رسول الله»، قال: (لا تتهم الله تعالى في شيء قضى لك به)، أحمد: (22769)، وحسنه الألباني بمجموع طرقه.»؛ فتواصوا بالصبر كأنه إشارة إلى الشجاعة والنجدة والقتال، والتواصي بالمرحمة كأنه إشارة إلى السخاء والجود والعطاء، «فَلَا يَتِمُّ رِعَايَةُ الْخَلْقِ وَسِيَاسَتُهُمْ إلَّا بِالْجُودِ، الَّذِي هُوَ الْعَطَاءُ، وَالنَّجْدَةِ الَّتِي هِيَ الشَّجَاعَةُ؛ بَلْ لَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِذَلِكَ» فلا ينفع أن تسير بالرعيِّة بالرهبة فقط، ولا يصلح أن تسير فيهم بالرغبة فقط، بل لا بد أن تجمع بين الأمرين، فالرغبة عليك بالإنفاق كما يقولون: «من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك العباد»٢٬٢٢٨نفح الطيب للمقري التلمساني: (4 / 355).، فإذا أعطيت الأموال سُدت، وملكت قلوب النَّاس، وإذا ملكت القلوب ملكت البلاد؛ فإنما البلاد بمن يسكنها ويقيم عليها، وليس هذا في الدنيا فقط بل حتى في الدين؛ فلذلك كان النبي ﷺ يُعطي المؤلفة قلوبهم، والله جعل لهم نصيبا في الزكاة وإن كانوا كفارا، وكذا يعطون من الفيء وخمس الغنيمة على القول أنها راجعة لاجتهاد الإمام وهو الصحيح.
إذن فسياسة النَّاس تحتاج من الأمير أن يكون قويًا حازمًا صاحب نجدة، ليس ضعيفًا، وكذلك أن يكون صاحب جود وكرم وعطاء، ويضع المال في الموضع الذي ترجع مصلحته إلى الإسلام، وقد تقدم أن مصارف الأموال كثيرة يجمعها أنها إما أن تكون للحاجة أو العمل؛ فالمؤلفة قلوبهم يُعطون للمصلحة الراجحة للدين، فإسلام الرجل ثم إسلام مَن وراءه من مصلحة الدين.. فهذا الكلام لا ينطبق فقط على بيت المال العام؛ بل على مواضع المجاهدين، ولا بأس بأن يجود المجاهدون على الأقوام الذي يعيشون بينهم لا سيما رؤساؤهم، وليس الأمر قتالًا وسيفًا فقط؛ فقليلا من الجود والمال تملك قلبه، فيكون وراءك جيش من الأنصار؛ فهذه مصلحة معتبرة شرعا، ولا غضاضة في الإنفاق من أجلها.
«وَلِهَذَا»؛ أي ولذلك السبب وهو أن الدين والدنيا لا تقوم إلا على الشجاعة والسخاء «كُلُّ مَنْ لَا يَقُومُ بِهِمَا سَلَبَهُ اللهُ الْأَمْرَ، وَنَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39]»؛ إذن لا بد من قيام الدين من وجود النجدة، والتي تتمثل في النفير والقتال في سبيل الله، إذن هذه الآية تتعلق بالشجاعة والنجدة.
«وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ [محمد: 38]» فهناك عندما قصَّروا في جانب القوة، استبدل الله بهم قومًا غيرهم، وهؤلاء عندما قصَّروا في جانب النفقة والعطاء، استبدل الله بهم قومًا غيرهم، فحتى يكتمل الأمر فلا بد أن يجمع بين الأمرين، وهذا من دقائق فهم شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تدبره لكتاب الله ﷻ.
«وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ [الحديد: 10]»؛ المقصود بالفتح هنا على الصحيح من أقوال العلماء هو: صلح الحديبية٢٬٢٢٩قال ابن كثير في تفسيره: (8 / 12): «الجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة، وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية»، وانظر: تفسير الطبري: (23 / 174-177)، تفسير البغوي: (8 / 33)، تفسير القرطبي: (17 / 239).، والمعنى: لا يستوي منكم أيها المؤمنون من أنفق أمواله وقاتل من قبل صلح الحديبية؛ لا يستوي هو ومن أسلم بعد صلح الحديبية وأنفق بعد صلح الحديبية وكُلًّا وعد الله الحسنى.
«فَعَلَّقَ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِ الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ، وَالْقِتَالِ الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ﴿وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ﴾ [التوبة: 20]، وَبَيَّنَ أَنَّ الْبُخْلَ مِنَ الْكَبَائِرِ» هذا في حق الذين يبخلون فيمنعون زكاة أموالهم، والشيخ في هذا الإطلاق تساهَل؛ فالبخل من الزكاة من الكبائر، إلا أن يكون المراد: جنس البخل عموما يدخل فيه منع الزكاة وغيره فها من الكبائر «فِي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ [آل عمران: 180]. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [التوبة: 34] الآية» فكما أن الله ﷻ أثنى على أهل الجود والسخاء فكذلك توعد الله تعالى أهل البخل، والنبي ﷺ كان يتعوذ من البخل، وكذلك يتعوذ من الجبن.
«وَكَذَلِكَ الْجُبْنُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]، وفي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ﴾ [التوبة: 56]، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ»؛ أي اتفق كل الناس وليس المسلمون فقط على أن يمدحوا الشجاع، وأن يذموا الجبان، وأن يمدحوا الجواد الكريم المنفق وأن يذموا البخيل الشحيح «حَتَّى إنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَمْثَالِ الْعَامِّيَّةِ: «لَا طَعْنَةَ وَلَا جَفْنَةَ»»؛ الطعنة المقصود بها القتال، والجفنة كناية عن القصعة التي يقدم فيها الطعام؛ يعني لا تقاتل ولا تنفق، «وَيَقُولُونَ: «لَا فَارِسَ الْخَيْلِ، وَلَا وَجْهَ الْعَرَبِ»»؛ وجه العرب يقصد به الكرم٢٬٢٣٠[نهاية المحاضرة التاسعة، وشرع الشيخ بعدها في المحاضرة العاشرة].
«وَلَكِنْ افْتَرَقَ النَّاسُ هُنَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فَرِيقٌ غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ: فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ الْمَعَادِ، وَرَأَوْا أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَقُومُ إلَّا بِعَطَاءٍ، وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى الْعَطَاءُ إلَّا بِاسْتِخْرَاجِ أَمْوَالٍ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا» بدأ الكلام على أصناف النَّاس في مسألة الجود والعطاء، فذكر الصنف الأول وهم: الذين يأخذون المال من غير حله ثم يجودون وينفقون على النَّاس، فهم أدركوا أن سياسة النَّاس لا يمكن أن تقوم بغير العطاء والبذل والتوسع في الجود، ولكن أصبحوا يأخذون الأموال من النَّاس من غير وجه الحلِّ، وينفقونها من أجل إبقاء سلطانهم وملكهم، فأنفقوا وأعطوا، ولكن من غير وجه الحلِّ، فهم ما نظروا إلى الآخرة، وإنما نظروا إلى الدنيا نظرًا مجردًا.
وهذه حقيقة دنيوية وهي أن الدول لا تقوم إلا بالجود والسخاء، ولكنهم لم يراقبوا الله ولم يراعوا في جودهم وعطائهم الآخرة، وإنما أخذوا هذه القاعدة التي اتفق عليها أهل الدين والدنيا وطبقوها بطريقة خطأ؛ لحفظ ملكهم، فلم يُراعوا ويلتفتوا إلى أنهم سيُسألون عن هذه الأموال من أين اكتسبوها؟ وفي أي شيء صرفوها، وذكرنا قبلُ أن السلطان عليه أن يأخذ المال من حله وأن ينفقه في حقه؛ فهذا الملك خزينته فارغة فصار بين خيارين: أن يذهب ملكه، أو يبحث عن مصدر للمال ينفقه منه؛ فيأخذ المال بغير حلها من الضرائب ونحوها، ولذلك فهؤلاء: «فَصَارُوا نَهَّابِينَ وَهَّابِينَ» نهابين: من جهة ما يأخذونه من وجه المال حرامًا، وهابين: ينفقون ويعطون النَّاس إبقاءً لملكهم، فهؤلاء إنما يريدون بذلك العلو في الأرض والفساد -يحبون الإمارة وأن يكون لهم السلطان وأن يستقر ملكهم وتستمر دولتهم- فإن مقصدهم ليس إقامة الدين، ولم ينظروا إلى مصلحة الدين، وإنما نظروا إلى مصلحة سلطانهم وبقاء ملكهم، يقول تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]، وهؤلاء جمعوا بين طلب العلو وبين الفساد لأخذهم أموال النَّاس بالباطل.
«وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّى عَلَى النَّاسِ إلَّا مَنْ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ»؛ يعني لا يمكن أن يكون أميرًا على النَّاس إلا من يأكل لنفسه هو، ويُطعم أي يعطي النَّاس، فلا يحرم نفسه ولا يحرم النَّاس، ولكنه في هذا لم ينظر إلى الجهة التي يأخذ منها، ولم ينظر أيضًا إلى عاقبته في الآخرة، «فَإِنَّهُ إذَا تَوَلَّى الَعَفِيفُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يُطْعِمُ، سَخِطَ عَلَيْهِ الرُّؤَسَاءُ وَعَزَلُوهُ»؛ لأنه لا يُطعم النَّاس فهذا يؤدي إلى تأليب النَّاس عليه «إنْ لَمْ يَضُرُّوهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ» فأحسن أحواله ألا يضروه بسبب عفته.
«وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ» أرادوا أن يقيموا دنياهم فقط وأن يبقى لهم سلطانهم، «وَأَهْمَلُوا الْآجِلَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ» فلم يلتفتوا إلى الآخرة ولم ينظروا فيها، ولم يفكروا أن الله سيسألهم على هذه الأموال، ولا على هؤلاء النَّاس الذين ظلموهم وأخذوا أموالهم بغير حق، وإنما فقط أرادوا أن يقيموا دنياهم بهذه الطريقة، «فَعَاقِبَتُهُمْ عَاقِبَةٌ رَدِيئَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَا يُصْلِحُ عَاقِبَتَهُمْ مِنْ تَوْبَةٍ وَنَحْوِهَا» فهؤلاء إذا استمروا على حالهم، فإن الله تعالى سيعاقبهم بنقيض قصدهم، فهم أرادوا أن يقيموا سلطانهم على غير الوجه الشرعي، وسلكوا في ذلك النهب والوهب، إلا أن الله تعالى سيعاقبهم في الدنيا بسلب هذا السلطان وإضاعة ما هم فيه، وفي الآخرة أيضًا أشدُّ وأخزى، إلا إذا تابوا ورجعوا إلى الله ﷻ وردوا الحقوق إلى أهلها.
إذن هذا هو الفريق الأول؛ فريق لم ينظر إلى أمر الآخرة وعلم أن السلطان لا يقام ولا يبقى إلا بالجود والعطاء، وأحيانًا يخلو بيت المال من المال الذي يجود به على النَّاس؛ فيضطر إلى جمع الأموال من غير حلِّها، فينهب أموال النَّاس ويجمعها ثم يعيدها عليهم منة منه وسخاء عليهم.
فائدة: كتاب شيخ الإسلام كما أنه كتاب لتبيين الأحكام الشرعية في هذه المسائل فهو كتاب تربية أيضًا، فهو لا يعطيك الأحكام الشرعية جافة -أي مجرَّد أن يقررها هذا حلال وهذا حرام- وإنما يربطك بالله ﷻ في كل حكم يقرره، فانظر مثلًا فيما كان يقوله في هذا الفريق بعد ما قرر أن هؤلاء قد يقام بهم سلطانهم ولكنه في الأخير قال: فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة فهذا تخويف للمرء من الله تعالى، وهذا ما جرى عليه كتاب الله ﷻ؛ فكتاب الله تعالى يبين الحكم الشرعي أو يبين العقوبة الدنيوية ثم يخوف الإنسان من الله تعالى، فإنك إذا تأملت في كتاب الله ﷻ تجد أن هناك مسلكين لتربية النَّاس وردعهم عن فعل المحرمات وترك الواجبات:
المسلك الأول: هو مسلك التربية الدينية وغرس الورع في القلب والخوف من الله ﷻ، وهذا هو الغالب في كتاب الله ﷻ حيث تذكر آيات العقاب والوعيد وغير ذلك.
المسلك الثاني: هو العقوبات الدنيوية لأنَّ كثيرًا من النَّاس لا يكفيه أن يُخوَّف من الله ﷻ ولا يكفيه أن يُذكَّر بآيات الله تعالى، ولا أن يُخوَّف بأمر الآخرة، فهذا لا بد أن تزجر نفسه الشريرة بالعقوبات الدنيوية، سواء كانت مقدَّرة وهي الحدود، أو غير مقدَّرة وهي التعازير، وحتى الحدود لا يذكر الله ﷻ العقوبة مجردة، وإنَّما يذكرها مقرونة بالتخويف منه ﷻ، وهذا من الفروق العظيمة المهمة بين العقوبات التي تسنها القوانين الوضعية، والعقوبات التي تأتي في كتاب الله تعالى.
فانظر مثلًا عندما يتكلم الله ﷻ عن عقوبة الزنا عندما قال: ﴿سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مئة جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ﴾ [النور: 1-2]؛ إذن العقوبة تُعَلِّقُ بالإيمان بالله ﷻ، وقال ﷻ: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة: 38]؛ ففيه تخويف للسارق.
فهكذا شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه هذا جرى على هذه الطريقة: يقرر الحكم الذي تدركه أنت وتفهمه وتعرف الحكم الشرعي فيه، ثم يربطك بالله ﷻ، فهو كتاب تقرير لأحكام السياسة الشرعية وهو كتاب تربوي أيضًا؛ فالإنسان عليه أن يفهم هذا الكلام ويكثر التعامل معه والقراءة فيه.
«وَفَرِيقٌ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَدِينٌ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ قَبِيحًا»؛ لأنَّه قد لا يكون قبيحًا في نفس الأمر، ولكن ما يعتقدونه هم قبيحًا، مثال: «مِنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ، وَفِعْلِ الْمَحَارِمِ» فالذي يمنعهم من المحرَّم حقيقة أو مما يظنونه محرمًا أو مما يمنعهم من ظلم الخلق حقيقة، أو مما يظنونه ظلـمًا، هو: خوفهم من الله ﷻ وهو دينهم وورعهم؛ «فَهَذَا حَسَنٌ وَاجِبٌ» ترك ظلم الخلق والابتعاد عن المحارم هذا حسن واجب، «وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ» أي مع خوفهم من الله ودينهم «أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمَا يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ مِنَ الْحَرَامِ، فَيَمْنَعُونَ عَنْهَا مُطْلَقًا»؛ أي مع دينهم وخوفهم من الله ﷻ ومع بعدهم عن ظلم الخلق، يرون عندما يتفكرون فيقولون: لا يمكن لسياسة الخلق ولبقاء السلطان أن تتمَّ إلا بالطريقة التي يفعلها الفريق الأول الذي كنَّا نتكلم عنها، يعني لا بدَّ للناس من جود وسخاء حتى يتألفهم وحتى يكتسب قلوبهم، وهذا المال قد يُكتسب من الحرام، فصار نظرهم محصورًا أنَّ الدولة والسلطان والسياسة لا يمكن أن تجري إلا بالحرام، وهم مع ذلك عندهم دين وورع يمنعهم من الحرام، فصاروا بين أمرين:
- إمَّا أن يتركوا السياسة لأهلها ويقولون للآخرين: اشتغلوا بسياستكم المحرمة، مع أنَّهم في داخل نفوسهم يعلمون أنَّه لا يمكن أن يُساس النَّاس إلا بهذه الطريقة؛ فيتركون الواجب عليهم.
- أو أن يدخلوا معهم في الحرام ودينهم يمنعهم من ذلك؛ فصاروا متذبذبين بين إعانة هؤلاء على حرامهم وهذا ما يستطيعونه، أو أن يكفوا عنهم وينقادوا إلى ما في قلوبهم من خوف الله ﷻ ومن الورع والدين.
«وَرُبَّمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ جُبْنٌ أَوْ بُخْلٌ، أَوْ ضِيقُ خُلُقٍ يَنْضَمُّ إلَى مَا مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ، فَيَقَعُونَ أَحْيَانًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ» وهذه أمور تشبه كثيرًا؛ فمثلًا: هناك سلطان ظالم جائر ولكنه يجاهد في سبيل الله، وهذا السلطان حثَّ النَّاس على النفقة، فهؤلاء يقولون: كيف نعطي أموالنا لهذا الظالم فقد ينفقها في غير وجهها، فهنا تركوا أمرًا واجبًا، فدينهم منعهم من جهة أنهم لا يريدون أن يعينوا الظالم على ظلمه، وأحيانًا انضمَّ إلى هذا بخل خفي في داخل قلوبهم أو جبن خفي؛ فهو لا يريد أن يقاتل أصلًا واشتبه عليه أنَّه لا يريد أن يقاتل وراء هذا الظالم، فأدَّى ذلك إلى ترك أمر واجب.
«يَكُونُ تَرْكُهُ أَضَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ» التي تورعوا لأجلها فتركوا هذا الواجب؛ فأحيانًا أنت تقاتل مع هذا الإمام الظالم، وأثناء مقاتلتك معه تقع في بعض الحرام، حتى أحيانًا تتعامل معه ببعض الأموال الحرام التي لا انفكاك لك عن التعامل معه بها، ولكن ترك الواجب من أجل هذا الحرام القليل الذي ترتكبه ويصيبك معه أضر عليك وعلى الأمة من هذا الحرام القليل، وفي هذه الحالة عليك أن تقدَّم هذا الواجب، وهذا يحتاج إلى فقه دقيق.
«أَوْ يَقَعُونَ فِي النَّهْيِ عَنْ وَاجِبٍ»؛ يعني ينهوْن النَّاس عن واجب من الواجبات، فالإمام يقول للناس: العدو داهم أرضنا فأنفقوا أموالكم وتبرَّعوا، فيقولون: لا لا هذا سيأكلها لنفسه، ويقولون للنَّاس: إياك أن تتبرَّع لهؤلاء المتطرفين، وعلى هؤلاء الخوارج، إياك أن تتبرَّع على الفئة الضالة، إياكَّ أن تتبرَّع على من أراد أن يثير الشغب والفساد في الأرض؛ فينهى النَّاس عن أمر واجب عليه، فهو من جهة ترك الواجب بنفسه، وفي الصورة الثانية تعدَّى الأمر إلى نهي النَّاس عن فعل الواجب، «يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فهو يظن أنَّه ينهى النَّاس عن أمر يعتقده هو محرَّمًا، ولكن إذا نظرت إلى المفاسد التي ستُرَتَّب على ترك هذا الواجب يكون هذا من الصَّدِّ عن سبيل الله، لأنَّ الأضرار التي سترتب على تركه أضعاف أضعاف الأمور المحرَّمة التي تورَّعت لأجلها.
«وَقَدْ يَكُونُونَ مُتَأَوِّلِينَ»؛ أي يفعلون هذا ديانة وعندهم نوع شبهة من الأدلِّة يتعلقون بها، فيظن فيما يقوله أنَّه على الحقِّ، وأنَّه ناصح وآمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر ومعين على إقامة الدِّين وغير ذلك، «وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ ذَلِكَ وَاجِبٌ»؛ يعني هذا الإمام يقع في بعض المظالم، فيرون أنَّ الإنكار واجب، فلا بدَّ أن ينكر على الإمام أكله أموال النَّاس بالباطل أو غير ذلك، «وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقِتَالِ»؛ يعني النهي عن هذا المنكر واجب، ولكن تغيير هذا المنكر لا يمكن أن يحصل لهؤلاء المتديِّنين الورعين إلا بالقتال «فَيُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ»؛ فيقعون في شرٍّ أكبر من هذه المفسدة التي أرادوا أن ينكروها، «كَمَا فَعَلَتِ الْخَوَارِجُ» فالخوارج إنما قاتلوا متأولين، ولكنه تأويل لا ينفعهم؛ بمعنى أنه لا يرفع عنهم التبعة والسؤال أمام الله ﷻ، وإن كان العلماء اختلفوا في تكفيرهم بسبب تأويلهم، فالخوارج استباحوا دماء المسلمين وأموالهم ظنا منهم أن المنكرات لا تعالج إلا بالسيف، «وَهَؤُلَاءِ لَا تَصْلُحُ بِهِمُ الدُّنْيَا» فالدنيا لا تسير بالاعتزال لكل شيء، مثاله: إنسان اعتزل كل شيء وقال: أنا لا أدخل في هذا الأمر، أو نهى النَّاس عن القيام بالواجب، أو انتهى هو عن فعل هذا الواجب، فهذا لا يمكن أن تقوم به الدُّنيا «وَلَا الدِّينُ الْكَامِلُ»؛ يعني يمكن أن يحصل بسببهم شيء من الدِّين، أمَّا الدِّين الكامل فهذا لا يمكن أن يحصل بهذه الطَّريقة، «لَكِنْ قَدْ يَصْلُحُ بِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّينِ» فقد ينهون عن منكر حقيقيٍّ، وقد ينهون عن ما يعتقدونه منكرًا؛ فإذا نهوا عن منكر حقيقيٍّ، فهذا شيء من الدِّين صلح بهم، وإذا أمروا بمعروف حقيقيٍّ، فهذا شيء من الدِّين أقيم بأمرهم، ولكن ليس الدِّين الكامل، «وَبَعْضُ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُمْ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ فَأَخْطَئُوا» إذا تأولوا تأويلا معتبرا فلا يؤاخذون بتأويلهم «وَيُغْفَرُ لَهُمْ قُصُورُهُمْ» فإذا اجتهدوا في هذه الأمور مع ما عندهم من الدِّين والورع والخوف من الله ﷻ ومن المراقبة وخشية المساءلة في الآخرة، فقد يغفر لهم مع أنهم قصَّروا بسبب تأويلهم إذا كان هذا التأويل له وجه.
«وقَدْ يَكُونُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» كما هو حال الخوارج، حتى أنَّ بعض السَّلف قال: إنَّ هذه الآية إنما عُني بها الخوارج٢٬٢٣١وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تفسير ابن كثير: (5 / 202)، تفسير الطبري: (18 / 127)، تفسير القرطبي: (11 / 66).، «وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ لَا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ، وَلَا يَرَى أَنَّهُ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ مِنَ الْكِبَارِ وَالْفُجَّارِ، لَا بِمَالٍ وَلَا بِنَفْعٍ، وَيَرَى أَنَّ إعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ نَوْعِ الْجَوْرِ وَالْعَطَاءِ الْمُحَرَّمِ»
«الْفَرِيقُ الثَّالِثُ: الْأُمَّةُ الْوَسَطُ: وَهُمْ أَهْلُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ: إنْفَاقُ الْمَالِ وَالْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ-وَإِنْ كَانُوا رُؤَسَاءَ-»؛ أي حتى وإن كان هؤلاء الآخذين رؤساء من المؤلفة قلوبهم مما يعود نفعه للمسلمين «بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، إلَى صَلَاحِ الْأَحْوَالِ»؛ أي ما يتعلق بالمصالح العامة؛ فجمعوا بين أخذ المال من حله وإنفاقه في مصارفه.
«وَلِإِقَامَةِ الدِّينِ» كتأليف المؤلَّفة قلوبهم إمَّا الكفَّار وإما المسلم حتى يحسن إسلامه، والمقصود أنَّ هؤلاء جمعوا بين أوجه الإنفاق، ولكن يأخذون المال من حلِّه، ويقصدون بذلك وجه الله تعالى؛ فإنهم لا يتحرَّون مصلحتهم كما هو حال الفريق الأول، وإنما يتحرَّون مصلحة الدِّين يريدون وجه الله تعالى، كما أنهم لا يقتصرون على مجرَّد الدِّين مع عدم الجود كما هو حال الفريق الثاني الذين هم عندهم دين وخوف وورع إلا أنَّهم لا يجودون على النَّاس ولا ينفقون عليهم ولا يُعطونهم، وهؤلاء -الفريق الثالث- جمعوا بين إعطاء النَّاس، ووضع الأموال فيما هو فيه مصلحة للمسلمين ومنفعة عامة لهم، مع إرادتهم وجه الله ﷻ بذلك، فمقصودهم الأول هو إصلاح حال النَّاس في دينهم «وَالدُّنْيَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الدِّينُ، وَعِفَّتُهُ فِي نَفْسِهِ» فيعطي النَّاس ويجود عليهم، وأمَّا هو فيعفُّ في نفسه، فلا يأخذ من المال إلا ما أجاز له الشرع أن يأخذه، كما هو حال النَّبيِّ ﷺ وكما هو حال الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم أجمعين، «فَلَا يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّقْوَى» فيتقون أكل أموال النَّاس بالباطل، ويتَّقون الله ﷻ في الأموال أخذًا وصرفًا، «وَالْإِحْسَانِ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ [النحل: 128]»؛ أي يحسنون إلى النَّاس، جعلنا الله من هؤلاء.
«وَلَا تَتِمُّ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ إلَّا بِهَذَا، وَلَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ» ولذلك كلما كان النَّاس والأمراء أقرب إلى هذه الطريقة كان صلاح دينهم ودنياهم بحسب ذلك؛ لأنهم بذلك يقتربون من حال النَّبيِّ ﷺ وحال خلفائه الرَّاشدين، «وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ النَّاسَ مَا يَحْتَاجُونَ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَا يَأْكُلُ هُوَ إلَّا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ، ثُمَّ هَذَا يَكْفِيهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ أَقَلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَوَّلُونَ»؛ لأنه عفيف في نفسه، فلا يحتاج إلى الأموال كما يحتاج الأولون النهَّابون الوهَّابون، «فَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، تَطْمَعُ فِيهِ النُّفُوسُ» بأن يعطيهم أسوة بنفسه «مَا لَا تَطْمَعُ فِي العَفِيفِ»؛ لأنَّه ليس لديه شيء يخص به نفسه، ولا يُسأل إلا من مستحق؛ فلذلك ارتاح من النَّاس وكذلك ارتاح في الآخرة.
«وَيَصْلُحُ بِهِ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ مَا لَا يَصْلُحُونَ بِالثَّانِي، فَإِنَّ الْعِفَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ تُقَوِّي حُرْمَةَ الدِّينِ» الإنسان عندما يكون المال في يده يأخذ منه ما شاء إذا شاء، ولكنه يتركه عفة وخوفًا، فهنا يعظِّمه النَّاس؛ لأنه عظَّم الله ﷻ في هذا الحق، «وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ قَالَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالعَفَافِ، وَالصِّلَةِ٢٬٢٣٢من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه: البخاري: (7)، ومسلم: (1773)، وابن حبان: (6555)، وأحمد: (2370).، وَفِي الْأَثَرِ: أَنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عليه السلام: يَا إِبْرَاهِيمُ أَتَدْرِي لِمَ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا؟ لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَطَاءَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنَ الْأَخْذِ٢٬٢٣٣عن يوسف بن أسباط: حلية الأولياء: (8 / 242).» هذا الأثر رواه أبو نعيم في الحلية وهو لا يصحُّ.
«هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّزْقِ» أي المرتب «وَالْعَطَاءِ؛ الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ، وَبَذْلُ الْمَنَافِعِ، نَظِيرُهُ فِي الصَّبْرِ وَالْغَضَبِ، الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ، فَإنَّ النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلِرَبِّهِمْ» فهؤلاء عندهم دين وعندهم حظٌّ في نفوسهم، وقد يقع التباس في الشيء الواحد أحيانا؛ كمن يرى رجلا بينه وبين عداوة يَسرق، فيغضب لله من جهة ولكنه ينتقم لنفسه من جهة العداوة التي بينهما؛ فيرفعه للقاضي ليقطع يده لوجود الأمرين في الرجل، فهذا غضب لله ولنفسه.
والواجب على المرء هنا أن يغير نيته ويعالجها؛ فيقصد بذلك الانتصار لله لا لنفسه، وهناك أمور يُراعيها الشرع لتعلقها بمصلحة المسلمين العامة وإن كانت في الظاهر تتعلق بالشخص، كما قال تعالى: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤﴾ [التوبة: 14]؛ فهذه أمور متعلقة بذوات المسلمين، ولكنها مبنية على أمر الدين في الأصل فإنهم ما قاتلونا إلا لديننا فصار الانتقام منهم سببه الدين، ولا عبرة بالعوارض الطارئة.
«وَقِسْمٌ لَا يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلَا لِرَبِّهِمْ» والعياذ بالله، هؤلاء أصحاب قلوب ميتة، يرون محارم الله تُنتهك فلا يغضبون إليها، ويُؤذون فلا يغضبون لأنفسهم؛ فهؤلاء لا خير فيهم.
«وَالثَّالِثُ -وَهُوَ الْوَسَطُ- أَنْ يَغْضَبَ لِرَبه لَا لِنَفْسِهِ» فيغضب لله ﷻ، أمَّا إذا كان الأمر يتعلق بحقِّه فيتنازل عنه كما قال الله ﷻ: ﴿۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ﴾ [آل عمران: 133-134] فهذه مرتبة وهو مجرد كظمه لغيظه ﴿وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ وهي مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ وهو أن يعفو عمن ظلمه، ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ وهذه مرتبة فوق العفو وهو أن يحسن لمن آذاه، وهذه كانت صفة النبي ﷺ؛ «كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ» فيضرب أعداء الله بالسيف؛ لأنَّ هذا من الغضب لله ﷻ، فأعظم الحرمات التي تُنتهك هو توحيد الله ﷻ الذي تجرَّأ هؤلاء الكفرة عليه، فلذلك كان النَّبيُّ ﷺ أشجع النَّاس، «وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ»؛ أي ولا آذاه أحد قط أذية تتعلق بنفسه «فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ، فَإِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ للهِ)٢٬٢٣٤من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: البخاري: (3367)، ومسلم: (2328)، وابن حبان: (488)، وأحمد: (24080)، ومالك: (1603).»؛ فالمقصود أنَّ هذه هي منازل أهل الإيمان والصدق والتقوى وأهل الإحسان، وهذا هو أكمل الصفات والأحوال.
وقد جاء ذمُّ الغضب في مواطن كثيرة في أحاديث النَّبيِّ ﷺ وسيرته منها: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْصِنِي، قَالَ: لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ)٢٬٢٣٥من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (5765)، والترمذي: (2020)، وأحمد: (8729)؛ ومن حديث جارية بن قدامة: ابن حبان: (5689)، والحاكم: (6578)، وأحمد: (16006)، وصححه الألباني.، وقال: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)٢٬٢٣٦من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (5763)، ومسلم: (2609)، وأحمد: (7218)، ومالك: (1613).؛ أي القوي الحقيقيُّ هو الذي ينتصر على نفسه، ويستطيع أن يكظم غيظه، وهو قادر على إنفاذه؛ لأنَّ الإنسان قد يكظم غيظه ذلَّة كإنسان يكون في موطن لا يستطيع فيه أن ينتقم فهو ضعيف مهين ذليل، ويؤذى ثمَّ بعد ذلك يسكت ويقول: أنا أكظم غيظي!، وهذا ليس كظمًا للغيظ، وإنَّما هذا هو ذلَّة ومهانة، وإنَّما كظْم الغيظ عندما يكون الإنسان قادرًا على الانتقام، وقادرًا على الردِّ؛ كما جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ- دَعَاهُ اللَّهُ ﷻ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ مَا شَاءَ)٢٬٢٣٧من حديث معاذ بن أنس الجهني: الترمذي: (2021)، وأبو داود: (4777)، وابن ماجه: (4186)، وأحمد: (15675).، فكظم الغيظ أمر عظيم، ولذلك جاء في مثل العرب: «الغضب أوله جنون وآخره ندامة».
والمنهي عنه ليس هو الغضب في ذاته؛ أي ثوران الدم في النفس، ولكن المنهي عنه آثار الغضب، فتسب وتضرب وتشتم، وأما منع النفس من الثوران في ذاته فهذا غير ممكن أصلا.
«فَأَمَّا مَنْ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ لَا لِرَبِّهِ» فإذا انتهكت محارم الله ﷻ فلا يلتفت إليه وكأن الأمر لا يعْنِيه، وأما إذا أوذي هو فعندها ينتقم لنفسه ويغضب، «أَوْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ» يجمع الأموال ويحوطها ويحوزها لنفسه، ولا ينفق على النَّاس شيئًا، «فَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: شَرُّ الْخَلْقِ، لَا يَصْلُحُ بِهِمْ دِينٌ وَلَا دُنْيَا» لا يصلح به الدِّين لأنه لا يغضب لمحارم الله، ولا تصلح به الدُّنيا لأنه يأكل أموال النَّاس ولا يعطيهم.
«كَمَا أَنَّ الصَّالِحِينَ أَرْبَابَ السِّيَاسَةِ الْكَامِلَةِ، هُمْ الَّذِينَ قَامُوا بِالْوَاجِبَاتِ وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا يُصْلِحُ الدِّينَ بِعَطَائِهِ، وَلَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا أُبِيحَ لَهُمْ، وَيَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ إذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُهُ وَيَعْفُونَ عَنْ حُظُوظِهِمْ، وَهَذِهِ أَخْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَذْلِهِ»؛ أي في عطائه وسخائه، «وَدَفْعِهِ» في غضبه وشجاعته «وَهِيَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ» وهي الصورة المثلى الكاملة التي علينا أن نسعى للوصول إليها، وهي التأسي بالنبي ﷺ فوضع الصورة الكاملة المرادة ثم قال: «وَكُلَّمَا كَانَ إلَيْهَا أَقْرَبَ، كَانَ أَفْضَلَ، فَلْيَجْتَهِدْ الْمُسْلِمُ فِي التَّقَرُبِ إلَيْهَا» لم يقل في الوصول إليها وإنَّما في التقرُّب إليها؛ فلا يمكن أن نصل إلى الصورة التي كان عليها النَّبيُّ ﷺ ولا التي كان عليها خلفاؤه الأربعة.
ولذلك عندما اجتهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لأن يكون مثل أولئك في سياسة النَّاس في الدِّين، وردِّ الأموال والمظالم إلى أهلها، وعفَّ هو في نفسه، فلم يأخذ من أموال النَّاس شيئًا، ومنع أبناءه من أموال النَّاس، وجاد على النَّاس وأعطاهم، عدَّه العلماء من الخلفاء الرَّاشدين٢٬٢٣٨«وقال مالك: عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الخلفاء أبو بكر والعمران، فقيل له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر الآخر؟ قال: يوشك إن عشت أن تعرفه، يريد عمر بن عبد العزيز، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشج بني مروان. وقال عباد السماك وكان يجالس سفيان الثوري: سمعت الثوري يقول: الخلفاء خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش والشافعي وغير واحد، وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل وأحد الخلفاء الراشدين والائمة المهديين. وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح: (لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثني عشر خليفة كلهم من قريش)، وقد اجتهد رحمه الله في مدة ولايته -مع قصرها- حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء»، البداية والنهاية: (9 / 225).، فهكذا يكون حال من سار على سيرتهم ومن سلك طريقتهم.
«بِجُهْدِهِ، وَيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُصُورِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ كَمَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الدِّينِ»؛ أي يجتهد بعد أن يعرف الصورة الحقيقيَّة والحال الحقيقيَّة من الكمال التي كان عليها النَّبيُّ ﷺ حتى لا يتوهَّم شيئًا فيظنّه مما جاء به النَّبيُّ ﷺ، كحال القسم الثاني وهو ليس مما جاء به النَّبيُّ ﷺ.
«فَهَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58]، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» وقد ذكرنا في أوَّل شرح هذه الرِّسالة أنَّ مؤلِّفها شيخ الإسلام ذكر أنها مبنيَّة على آيتين، الأولى وهي التي تتعلق بالأمراء: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ والآن انتهينا من هذا القسم وهو المتعلق بأداء الأمانات إلى أهلها.
وسينتقل إلى القسم الثاني وهو: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، وهو الذي يتعلق بالحدود والعقوبات وغير ذلك٢٬٢٣٩[انتهت المحاضرة العاشرة هنا، وشرع الشيخُ بعدها في المحاضرة الحادية عشرة].
❖ ❖ ❖