بَابٌ: الحُدُودُ وَالْحُقُوقُ

ذكر أولًا شيخ الإسلام في بداية هذا القسم بعض الأمور العامَّة التي يُحتاج إليها في مسألة إقامة الحدود والعقوبات قبل أن يشرع في الكلام على كلِّ حدٍّ بحدة، وذلك أنَّ للحدود أمورًا كلية أو أمورًا عامة تجمعها وتتفق فيها، ثمَّ لكلِّ حدٍّ من الحدود أحكام تخصُّه لا يشاركه فيها الحدُّ الآخر، فمن تلك الأمور العامَّة وهي متناثرة في كلام شيخ الإسلام:

أوَّلها: أنَّ الحدود يجب إقامتها، والمقصود بالحدود في كلامنا هنا هو العقوبات المقدَّرة شرعًا، والتي ليس للاجتهاد فيها مدخل لا في نوعها ولا في جنسها ولا في كمِّها، فهذه إذا ثبتت بالبيِّنة أو الإقرار وجب إقامتها.

الأمر الثاني: أنَّ هذه الحدود يستوي النَّاس فيها بمعنى أنَّها تقام على الشريف والوضيع والغني والفقير وكل واحد من المسلمين، فالنَّاس فيها سواء.

الأمر الثالث من الأمور العامة التي تجتمع فيها الحدود: أنَّ أمر إقامتها راجع إلى الإمام، بمعنى أنَّ الإمام هو الذي يتولَّى إقامة الحدود، فأمرها ليس مسندًا لآحاد النَّاس.

الأمر الرابع: أنَّ الحدود لا تجوز فيها الشفاعة؛ فيحرم أنْ يشفع الإنسان لإسقاط حدٍّ، ومن باب أولى أن تسقط الحدود برشوة أو بهدية أو بجاه أو نحو ذلك. وسيأتينا -إن شاء الله- خلال كلام شيخ الإسلام رحمه الله بعض الأمور الأخرى، وهناك أحكام تفصيلية جزئية تخص كل حد لوحده.

«وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، فَإِنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، يَكُونُ فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ، وَهُمَا قِسْمَانِ».

ص 1317

فَصْلٌ: حُدُودُ اللهِ وَحُقُوقُهُ

«فَالْقِسْمُ الْأَوَّل: الْحُدُودُ وَالْحُقُوقُ الَّتِي لَيْسَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ بَلْ مَنْفَعَتُهَا لِمُطْلَقِ الْمُسْلِمِينَ»؛ أي منفعة مراعاتها وأدائها والقيام عليها ترجع لمطلق المسلمين، ولا تتعلق منفعتها بشخص معين، وما دامت منفعتها تتعلق بالمسلمين كافة؛ فليس لأحد أن يسقطها، لأنَّك إذا استطعت أن تسقط ما يتعلق بحقِّك، فلن تستطيع أن تسقط ما يتعلق بحقِّ أخيك، بل بحقِّ المسلمين كافة، «أَوْ نَوْعٍ مِنْهُمْ، وَكُلُّهُمْ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا، وَتُسَمَّى حُدُودَ اللَّهِ، وَحُقُوقَ اللَّهِ: مِثْلَ: حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ» فقطع الطريق إخافة السبيل لأجل أخذ الأموال، فتأمين الطرق منفعته لا تتعلق بأناس معينين بل تتعلق منفعته بالمسلمين عامة؛ فالمسلمون كلهم يحتاجون إلى أن تكون سبلهم مؤمنة، وحوائجهم ومصالحهم لا تُقضى إلا بذلك، وأما ما يتعلق بطائفة أو بنوع خاص منهم فهو أن يكون في هذه البلدة مجموعة من «وَالسُّرَّاقِ» الذين يسرقون أموال الناس فيقام الحد على أحدهم؛ فمنفعة الحد هنا وإن كانت متعلقة بعموم المسلمين فهي متعلقة بنوع خاص وهم السراق؛ لأن هذا سيؤدي إلى كفهم عن السرقة، فمقصود إقامة الحدود أولا: معاقبة الجاني ليكون كفارة له ويتوب ولا يجترئ ثانية، وثانيا: ردع من يمكن أن يأتسي به؛ فاشتهار عقوبتهما يؤدي إلى كف غيرهم عنا فتحصل المنفعة بذلك، «وَالزُّنَاةِ وَنَحْوِهِمْ» فعقوبة الزنا منفعته عامة لأنه يؤدي إلى أن يأمن الناس على أعراضهم؛ فالجامع الذي يجمع معنى حدود الله وحقوق الله: أن تكون منفعة هذا عامة وشاملة للمسلمين.

«وَمِثْلَ: الْحُكْمِ فِي الْأُمُورِ السُّلْطَانِيَّةِ» كالفيء والصدقات والغنائم؛ فمنفعتها راجعة إلى المسلمين عامة، «وَالْوُقُوفِ» أي الأموال الموقوفة فتصرف على أصحابها أو على الطائفة التي أوقفت لأجلها؛ فتكون منفعتها خاصَّة لنوع معيَّن من النَّاس، كأن يوقف الإنسان هذا البيت مثلًا ويجعل منفعته لطلبة العلم، «وَالْوَصَايَا الَّتِي لَيْسَتْ لِمُعَيَّنٍ»؛ أي التي لا تتعلق بشخص معيَّن، وإنَّما هي على العموم للمسلمين، «فَهَذِهِ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الْوِلَايَاتِ»؛ أي ما يتعلق بحدود الله وبحقوق الله سواء ما يتعلق بإقامة الحدود مثل حدِّ الزنا وحدِّ السرقة وحدِّ قطع الطريق، أو ما يتعلق بمسألة الأموال العامَّة؛ فهذه من أهمِّ أمور الولايات.

ص 1318

«وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ بن أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَارَةٍ بَرَّةٍ كَانَتْ أَوْ فَاجِرَةٍ»، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْبَرَّةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا»؛ أي عرفنا ما وجه أن يكون على المسلمين إمارة عادلة، تنضبط بها أمورهم وتسير حياتهم، ولكن: «فَمَا بَالُ الفَاجِرَةِ؟، فَقَالَ: «تُقَامُ بِهَا الْحُدُودُ وَتَأْمَنُ بِهَا السُّبُلُ وَيُجَاهَدُ بهَا الْعّدُوُّ وَيُقْسَمُ بِهَا الْفَيْءُ»٢٬٢٤٠من قول علي بن أبي طالب: البيهقي في شعب الإيمان: (7102)، ولفظه: «لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا أَمِيرٌ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ»، قَالُوا: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا الْبَرُّ فَكَيْفَ بِالْفَاجِرِ؟ قَالَ: «إِنَّ الْفَاجِرَ يُؤَمِّنُ اللهُ ﷻ بِهِ السُّبُلَ، وَيُجَاهِدُ بِهِ الْعَدُوَّ، وَيَجْبِي بِهِ الْفَيْءَ، وَتُقَامُ بِهِ الْحُدُودُ، وَيُحَجُّ بِهِ الْبَيْتُ، وَيَعْبُدُ اللهَ فِيهِ الْمُسْلِمُ آمِنًا حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ»، وروي بنحوه مرفوعًا من حديث ابن مسعود عند الطبراني في الكبير: (10 / 132 ح 10210)، ولفظه: «لما أنكر النَّاس سيرة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فزع النَّاس إلى عبد الله بن مسعود، فقال لهم عبد الله بن مسعود: اصبروا، فإن جور إمام خمسين عامًا خير من هرج شهر، وذلك أني سمعت رسول الله صبى الله عليه وسلم يقول: (لا بد للناس من إمارة برة أو فاجرة، فأما البرة فتعدل في القسم، ويقسم بينكم فيأكم بالسوية، وأما الفاجرة فيبتلى فيها المؤمن، والإمارة الفاجرة خير من الهرج)، قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: (القتل والكذب)».» فهذه مصالح لا تكون بدون أمير.

«وَهَذَا الْقِسْمُ» الذي يتعلق بحدود الله ﷻ وحقوق الله ﷻ، «يَجِبُ عَلَى الْوُلَاةِ الْبَحْثُ عَنْهُ» ليس المقصود البحث عن الحدود، وإنَّما البحث عمَّن يقيمُه وتولية الأمير الذي يتولى أمره؛ لأن الحدود لا يُفتش النَّاس فيها، أو يكون معنى كلام شيخ الإسلام: يجب على الولاة البحث عنه أي يجب عليهم عدم إهماله أي يجب مراعاته والنظر فيه فحيث ما ثبت أقاموه، «وَإِقَامَتُهُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَحَدٍ بِهِ»؛ أي ويجب عليهم أن يقيموا الحدود من غير أن يحتاج الأمر إلى إقامة دعوى، لأن هذه من حقوق الله العامَّة، وحقوق الله العامَّة لا تحتاج إلى دعوى؛ ففي المسائل الخاصَّة التي يكون فيها خصومات بين النَّاس يكون فيها مُدَّعٍ، ومُدَّعى عليه، ومُّدَّعى به؛ فالـمُّدَّعي إذا لم يرفع قضيته إلى القاضي، فالقاضي لن يبحث عنها، لأنَّها من الحقوق الخاصَّة، وعدم رفعها إلى القاضي كأنه إشارة إلى أن الرجل تنازل عن حقِّه الخاص.

ص 1319

أما في الحدود فلا يحتاج إلى دعوى، وإنما يحتاج إمَّا إلى إقرار، وإمَّا إلى البيّنة وهي الشهود، والشاهد هو شخص آخر غير الـمُّدَّعي؛ بمعنى أنَّه ليس له تعلق خاص بالقضية، فلو أنَّ رجلًا زَنَا، فلا يحتاج هذا الأمر من طرف المرأة أن ترفع القضية ليُقام الحدُّ على الزاني، وإنما يُكتفى إمَّا أن يأتي الزاني ويقر على نفسه بأنَّه قد فعل، أو يأتي الشهود الأربعة فيشهدوا على أنَّه زَنَا، فلا نقول للمرأة بعد ذلك: ماذا تقولين في قول الشهود؟ أتريدين أن تُسقطي حقَّك أم تقبلي إقامة الحدِّ، هذا لا تعلَّق بها به، لأنَّ هذا من حدود الله فليس لأحد أن يسقطه، وأمره لا يحتاج إلى دعوى خاصَّة ولا إلى دعوة عامَّة، وهذا معنى قوله: «وَكَذَلِكَ تُقَامُ الشَّهَادَةُ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَحَدٍ بِهِ» فمثلًا إذا استدان منك شخص دينًا، وأبى أن يرده، فرفعت قضيته إلى القاضي فأنت هنا مُدَّعٍ، وصاحب الدين هو المدَّعَى عليه، فهنا أنت تُطالب بالشهود، فالقاضي يقول لك: ما هي بيِّنتك على ما تقول؟ وأما هنا فلا يحتاج إلى أن تأتي المرأة -مثلًا- وتقول للشهود: تعالوا لتشهدوا لي، وإنما إذا رأى الشهود ورفعوا أمرهم فهذا يكفي، فحتى ولو لم يرفع أحد هذا الأمر إلى القاضي كدعوى فشهد الشهود فإنه يقام هذا الحد سواء كان سرقة أو حرابة أو زِنا ويؤدى حق الله تعالى.

ص 1320

«وَإِنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ: هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى مُطَالَبَةِ الْمَسْرُوقِ بِمَالِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُطَالَبَةِ الْمَسْرُوقِ بِالْحَدِّ» ذكر شيخ الإسلام خلافًا في مسألة السرقة، هل يُشترط لإقامة الحدِّ أن يأتي الذي سُرق ماله، ويذهب إلى القاضي ويُطالب بإحضار ماله من السارق؟ اختلفوا؛ بعضهم يقول: لا بدَّ أن يطالب بهذا، وبعضهم قال: لا يحتاج، فإذا شهد الشهود يقام عليه الحد. والشهود قد لا يطَّلعون على أمر خفيّ، فقد يكون هذا السارق ردَّ مالًا خاصًا له، فعندما لا يُطالب هذا المسروق بماله فقد يكون فيه شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات٢٬٢٤١قال في المغني: (10 / 294): «مسألة: قال: ولا يُقطع وإن اعترف أو قامت بينة حتى يأتي مالك المسروق يدعيه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو بكر: يقطع ولا يفتقر الى دعوى ولا مطالبة وهذا قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية؛ لأن موجب القطع ثبت فوجب من غير مطالبة كحد الزنا، ولنا أن المال يباح بالبذل والاباحة فيحتمل أن مالكه أباحه إياه أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو أذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة وعلى هذا يخرج الزنا فإنه لا يباح بالإباحة ولأن القطع أوسع في الإسقاط»..، لكن قال شيخ الإسلام: الذي يعنينا أنَّه ليس له أن يُطالب بإسقاط الحد؛ فالحد لا يسقط بإسقاط المسروق له، فإذا وصل إلى القاضي وثبت عنده أن المال المسروق هو مال لهذا الشخص، فلا ينفعه بعد ذلك أن يقول: أنا تنازلت عن هذا المال أو أنا أهب له هذا المال فلا تُقطع يده، لماذا؟ لأنَّ هذا حقٌّ لله تعالﷻ.

إذن فمسألة المطالبة بالمال المسروق مدركها لا يتعلَّق بكونه حقًّا لله، فهم متَّفقون على أنَّه حقٌّ لله، ولكن فقط لاحتمال أن تُقطع يده بالشبهة، يعني لاحتمال أن يكون هذا المال الذي أخذه وشهد عليه من شهد هو مال له في الأصل وأبى الرجل أن يردَّه إليه؛ فوجد ماله فأخذه فمِثْل هذا لا تُقطع يده، «وَقَدْ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَالِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِيهِ شُبْهَةٌ».

فهنا علينا أن نفهم القاعدة العامَّة في مسألة الحدود المتعلقة بحق الله:

أولًا: يجب على السلطان أن يقيمها.

الأمر الثاني: أنَّها لا تحتاج إلى دعوى أحد.

الأمر الثالث: الشهادة تُقام على الحدود ولو لم يدَّعِ فيها مدَّعٍ بهذه الجريمة عند القاضي.

ص 1321

«وَهَذَا الْقِسْمُ» حقوق الله ﷻ وحدوده، «يَجِبُ إقَامَتُهُ» يجب على السلطان أو من ينوب عنه ممن وكل له إقامة الحدود؛ يجب عليه أن يقيمه وينفذه «عَلَى الشَّرِيفِ، وَالْوَضِيعِ، وَالضَّعِيفِ، وَلَا يَحِلُّ تَعْطِيلُهُ» بأي حالة من الأحوال «لَا بِشَفَاعَةٍ» كأن يأتي شخص للسلطان ويتوسَّط للجاني من أجل أن يُسقط عنه الحدَّ، «وَلَا بِهَدِيَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهِمَا» فإذا ثبت الحدُّ وجب إقامته، «وَلَا تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ فِيهِ» فالشفاعة محرمة هنا، فإن هناك أمورًا تحل الشفاعة ولكن لا تُسقط الحد، فهذا يبين لك أن السلطان يحرم عليه التعطيل، وعلى الإنسان أن يشفع؛ فالإعانة على إسقاط حدود الله ﷻ من أعظم المنكرات، «وَمَنْ عَطَّلَهُ لِذَلِكَ»؛ أي لشفاعة أو هدية أو نحو ذلك، «وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إقَامَتِهِ»؛ أي إنَّما منعه فقط هو وجود الشفاعة أو وجود الهديَّة، أمَّا إذا أراد أن ينفِّذ فهو قادر، فالجاني تحت يده وتحت سلطانه وقدرته وهو عنده الشوكة على أن ينفِّذ هذا الحدَّ ولكن عطَّله بسبب الهديَّة أو بسبب الشفاعة، «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا»؛ أي لا يقبل الله منه شيء يُصرف به وجهه عن نار جهنم، «وَلَا عَدْلًا» لا يقبل الله عنه شيئًا يفتدي به يوم القيامة ﴿وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ﴾ [الأنعام: 70]، أو معنى «لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» كما يذكر بعض العلماء في بعض الأحاديث التي ورد فيها هذا اللفظ: لا يقبل الله منه نافلة ولا فريضة٢٬٢٤٢قال ابن الجوزي: «قوله لَمْ يَقْبَل اللُه مِنهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلًا فيه ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّرْفَ التَّوْبَةُ والعَدْلُ الفِدْيَةُ قَالَهُ مَكْحُولٌ والأَصْمَعِيُّ وأَبُو عُبَيْدٍ، والثَّاني: أَنَّ الصَّرْفَ النَّافِلَةُ والعَدْلَ الفَرِيضَةُ قَالَهُ الحَسَنُ، والثَّالثُ: أَنَّ الصَّرْفُ الاكتساب والعَدْلَ الفِدْيَةُ قَالَهُ يُونُسُ»، غريب الحديث: (1 / 586)، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي: (9 / 141)، وتحفة الأحوذي: (6 / 324).، فعمله مردود عليه بسبب تعطيله لحدود الله ﷻ.

«وَهُوَ مِمَّنْ اشْتَرَى بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا» لأنَّه أخذ شيئًا من متاع الدنيا وهو إما الجاه وإما الهديَّة أو المال في مقابل أن يُعطِّل ويبعد أحكام الله ﷻ وهي آيات الله التي اشترى بمقابلها شيئًا من أمور الدنيا، ودائمًا إنَّما تسقط الأحكام بسبب أن يشتري الإنسان بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهو من إضاعة الأمانة؛ لأنَّ الأمانة لها ثلاثة أركان: الأول: خشية الله ﷻ، الثاني: ترك خشية النَّاس، الثالث: ألا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، كما قال الله ﷻ: ﴿فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

ص 1322

ثم ذكر الحديث المحرم للشافعة في الحدود: «رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ)؛ أي كانت شفاعته حائلًا حاجزًا مانعًا من إقامة حدٍّ من حدود الله، فالله ﷻ يأمر بإقامة الحدود، وهذا جاء بشفاعته ووقف في وجه أمر الله ﷻ، (فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ)؛ أي اتَّجه في الجهة المضادَّة لأمر الله ﷻ، فالله يقول: افعل، وهو يجعل شفاعته مانعة من هذا الفعل، (وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ)؛ أي جادل في أمر باطل وأصبح يخاصم ويجادل في أمر باطل ينتزع به حقًا لمسلم أو يسلِّط عليه ظلـمًا وهو يعلم أنَّه يجادل في باطل، (لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ)؛ أي لم يزل طوال مخاصمته وبعد مخاصمته ما زال في سخط الله حتى يُقلع عن هذه المخاصمة ويتوب إلى الله ﷻ، (وَمَنْ قَالَ فِي مُسْلِمٍ مَا لَيْسَ فِيهِ حُبِسَ فِي رَدْغَةِ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ)٢٬٢٤٣من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: الحاكم: (2222)، وأبو داود: (3597)، وأحمد: (5385)، وصححه الألباني.»؛ فمن شهد على مسلم بما لم يرتكبه وما ليس فيه استحق هذا الجزاء، «قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: وَمَا رَدْغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: (عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)٢٬٢٤٤من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ابن ماجه: (3377)، وصححه الألباني.» فشيخ الإسلام هنا جمع بين حديثين، فحديث: «قيل: يا رسول الله، وما ردغة..» في حديث المدمن على شرب الخمر، وعصارة أهل النار؛ أي ما يخرج من أهل النار من قيح وغير ذلك -نسأل الله العافية-.

«فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ»؛ أي ذكر في هذا الحديث ثلاثة أصناف:

1- «الْحُكَّامَ» وهم الذين تُعَلَّق بهم الشفاعة، فالشفاعة تكون من قبل الشافع ومن قِبَلِ مَن قَبِلها من الحكام؛ فحرام على الشافع أن يدخل فيها ابتداء وحرام على الحاكم أن يعطِّل بسببها الحكم.

2- «وَالشُّهَدَاءَ» وذلك في قوله ﷺ (ومن قال في مسلم...) أي من يشهد.

3- «وَالْخُصَمَاءَ» يعني المدعي والمدَّعَى عليه، وذلك في قوله ﷺ: (... ومن خاصم في باطل وهو يعلم).. «وَهَؤُلَاءِ أَرْكَانُ الْحُكْمِ»؛ فالحكم يتكون من الخصماء -الـمُدَّعي والـمُدَّعى عليه- ومن الحاكم أو القاضي الذي يفصل بينهما ومن الشهود، فالنَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث أعطى كلَّ واحد ما يستحقه إن خالف الحقَّ.

«فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها» هذا الحديث جمع فيه أمرين:

الأمر الأول: إقامة الحدود على الشريف، ومِن باب أولى على من دونه.

والأمر الثاني: تحريم الشفاعة في الحدود.

ص 1323

«(أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الـمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ» كانت هناك امرأة من بني مخزوم سرقت أو أنَّها في بعض الروايات كانت تجحد العارية أي تستعير من النَّاس شيئًا فإذا طالبوها به جحدته، فالنبي ﷺ أراد أن يقطع يدها؛ فأرادت قريش وبنو مخزوم -وهم من أهمِّ بطونهم- ألَّا يقيموا الحدَّ على هذه المرأة الشريفة «فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ؟» أي حتى يعفو عنها «فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ» فذهب أسامة فكلم النَّبيَّ ﷺ وشفع لهذه المرأة عنده، فغضب النَّبيُّ ﷺ، «قَالَ: (يَا أُسَامَةُ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟) أي تتوسَّط لأجل إسقاط حدٍّ من حدود الله؟ (إِنَمَّا هَلَكَ بَنُو إِسْرَائيلَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ)؛ يعني: إذا أردتم الهلاك فائتسوا بهم أو أنَّ طريق بني إسرائيل هي طريق الهلاك، وهذا الحديث يؤخذ منه أنَّ الحدود إذا كان تعطيلها بالشفاعة فإنه يؤدِّي إلى نزول الهلاك؛ فكيف إذا تمَّ تعطيلها بالرشاوى وبالمال الحرام وغير ذلك.. لا شك أنَّه سيكون أصحاب هذا التَّعطيل أشدَّ هلاكًا، ويؤخذ من الحديث أنه لا فرق بين الشريف والوضيع في إقامة الحدود، وكذلك حرمة الشفاعة في الحدود، (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)٢٬٢٤٥من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: البخاري: (3288)، ومسلم: (1688)، وابن حبان: (4402)، والترمذي: (1430)، وأبو داود: (4373)، والنسائي: (4899)، وابن ماجه: (2547)، وأحمد: (25336). فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةٌ، فَإِنَّ أَشْرَفَ بَيْتٍ كَانَ فِي قُرَيْشٍ بَطْنَانِ: بَنُو مَخْزُومٍ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى هَذِهِ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهَا الَّتِي هِيَ جُحُودُ الْعَارِيَّةِ، عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَوْ سَرِقَةٍ أُخْرَى -غَيْرِ هَذِهِ- عَلَى قَوْلِ آخَرِينَ»؛ فقد اختلف العلماء: ما هو الذي استحقت به المرأة أن تقطع يدها، هل هو جحودها للعارية أو هو سرقتها لأموال سابقة ثم ذُكر جحودها للعارية لا ليكون سببًا لقطع اليد وإنما صفة اشتهرت بها، فجمهور العلماء -الحنفية والمالكية والشافعية- على أنَّ جحد العارية لا يجيز قطع اليد٢٬٢٤٦شرح معاني الآثار: (3 / 170-172)، بداية المجتهد: (2 / 445-446)، الحاوي الكبير: (13 / 281).، بمعنى أنَّ الإنسان إذا استعار من إنسان آخر شيئًا؛ فحينما طالبه به جحده وقال له: لَم تعطني هذا، ورفع أمره إلى القاضي وثبت أنَّه جحد العارية، فلا تُقطع يده؛ لأنَّ السرقة معناها أخذ المال على وجه الخُفية، وهذا ليس أخذًا للمال وإنَّما جحودًا له.

ص 1324

ومذهب الإمام أحمد رحمه الله -وهذا من مفردات المذهب- أنَّ جحد العارية يُوجب قطع اليد٢٬٢٤٧الإنصاف: (10 / 191)، المغني: (10 / 236-237)، حاشية الروضع المربع: (7 / 355-356). كالسرقة؛ لأن السرقة فيها أخذ لمال المسلمين بغير الحقِّ، وجحد العارية كذلك، وفوق هذا ثبوت هذا الحديث وهو في الصحيحين وفي بعض رواياته أنها كانت تجحد العارية٢٬٢٤٨من حديث عائشة رضي الله عنها: (ولفظه: «كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ أن تُقطع يدها فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم رسول الله ﷺ فيها...)، مسلم: (1688)، أبو داود: (4374)، أحمد: (25336).، والعلماء وجَّهوه بطرق عدَّة؛ فالمقصود هنا أنَّ شيخ الإسلام قال أنَّ هذه المرأة استحقت أن تُقطع يدها، سواء قلنا بسبب جحد العارية كما هو مذهب بعض العلماء، أو بسبب سرقة أخرى سابقة كما هو قول علماء آخرين. «وَكَانَتْ مِنْ أَكْبَرِ الْقَبَائِلِ، وَأَشْرَفِ الْبُيُوتِ، وَشَفَعَ فِيهَا حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةُ، غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ دُخُولَهُ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ الشَّفَاعَةُ فِي الْحُدُودِ» والنبي ﷺ كان لا يغضب لنفسه إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فلا يقوم لغضبه شيء، «ثُمَّ ضَرَبَ الْمَثْلَ» ليؤكِّد هذا المعنى في قلوبهم «بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ» وهي من أشرف بيت على الإطلاق «وَقَدْ بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا)» فهذا على سبيل التنزُّل والذهاب إلى أقصى الاحتمالات، كأنَّه يقول لهم: إنَّ الحدود لا يمكن إسقاطها عن أيِّ أحد، ولو كان هناك أحد يستحق لشرفه ومنزلته ومكانته وكرامته أن يُسقط عنه الحدُّ؛ لكانت فاطمة رضي الله عنها، وفاطمة لو أنَّها فعلت لما أسقطتُّ عنها الحدُّ، فدونها من باب أولى.

«وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُطِعَتْ يَدُهَا تَابَتْ وَكَانَتْ تَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقْضِي حَاجَتَهَا٢٬٢٤٩من حديث عائشة رضي الله عنها: البخاري: (4053)، مسلم: (1688).»؛ أي لما أقيم عليها الحدُّ، فليس بينه وبينها عداوة شخصيِّة، وإنَّما هو إقامة حدود الله ﷻ، فعندما تأتي وتسأل شيئًا أو تستفتي في شيء أو تدخل على عائشة فيقضي حاجتها كغيرها من نساء المسلمين ولا تعيَّر بما فعلته من قبل؛ لأنَّ الله ﷻ جعل لهذه الجناية حدًّا وجعل لها عقوبة، فما زاد على ذلك فهو جناية على هذا، فلو أنَّ رجلًا زنا مثلًا وأقيم عليه حدُّ الجلد، ثم تاب بعد ذلك فلا يُعيَّر بهذا؛ لأنَّ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)٢٬٢٥٠من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ابن ماجه: (4250)، وحسنه الألباني.، والله ﷻ لو أراد أن يجعل العقوبة فوق الجلد لقال: اجلدوه وعيِّروه، أو اجلدوه واهجروه، ولكن الله ﷻ علم أنَّ العقوبة المناسبة لهذا إنَّما هي هذا إما قطع اليد وإما الجلد أو نحو ذلك من الحدود.

ص 1325

«فَقَدْ رُوِيَ: (أَنَّ السَّارِقَ إذَا تَابَ سَبَقَتْهُ يَدُهُ إلَى الْجَنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ سَبَقَتْهُ يَدُهُ إلَى النَّارِ)٢٬٢٥١من حديث محمد بن المنكدر رضي الله عنه: مصنف عبد الرزاق: (18925)؛ ولفظه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قطع سارقا، ثم أُمر به فحسم، ثم قال: (تب إلى الله)، قال: «أتوب إلى الله»، قال: (اللهم تب عليه)، ثم قال النَّبيُّ ﷺ: (إن السارق إذا قطعت يده وقعت في النار، فإن عاد تبعها، وإن تاب استشلاها -يعني استرجعها-)».» وهذا حديث ضعيف، ولذلك قال شيخ الإسلام: وقد رُوي، «وَرَوَى مَالِكٌ فِي الموطأ أَنَّ جَمَاعَةً أَمْسَكُوا لِصًّا لِيَرْفَعُوهُ إِلَى عُثْمَانَ رضي الله عنه فَتَلَقَّاهُمْ الزُّبَيْرُ فَشَفَعَ فِيهِ فَقَالُوا: إِذَا رُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ فَاشْفَعْ فِيهِ عِنْدَهُ فَقَالَ: (إِذَا بَلَغَت الْحُدُودُ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ)٢٬٢٥٢مالك: (1525).؛ يَعْنِي الَّذِي يَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ» هذا هو ضابط الشَّفاعة المحرَّمة: إذا بلغ الحدُّ للسُّلطان ووصل الجاني إلى السُّلطان؛ فعندها تحرم الشَّفاعة، ويحرم على السُّلطان أن يسقطها لأجل الشَّفاعة، أمَّا أن يُشْفَع في هذا الشخص قبل أن يُرفع أمره إلى السُّلطان فهذا جائز، كما حصل هنا من الزبير رضي الله عنه حيث توسط لهذا السارق.

ص 1326

«وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ نَائِمًا عَلَى رِدَاءٍ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبيِّ ﷺ فَجَاءَ لِصٌّ فَسَرَقَهُ فَأَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَعَلَى رِدَائِي تَقْطَعُ يَدَهُ؟ أَنَا أَهَبَهُ لَهُ، فَقَالَ: (فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ٢٬٢٥٣من حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه: الحاكم: (8149)، وأبو داود: (4394)، والنسائي: (4881)، وابن ماجه: (2595) وأحمد: (15338)، ومالك: (1524)، وصححه الألباني.، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ» أي: ألا وهبته له وعفوت عنه قبل أن يصل إليَّ؟ ففي ذلك الحال يجوز لك أن تعفو عنه، وأمَّا الآن وقد تعلَّق به حقُّ الله ﷻ وهو إقامة الحدِّ على السارق، فقطع النَّبيُّ ﷺ يده؛ «يَعْنِي ﷺ أَنَّكَ لَوْ عَفَوْتُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ لَكَانَ»؛ أي لقُبل وكان عفوك وجيهًا، «فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ رُفِعَ إلَيَّ فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْحَدِّ، لَا بِعَفْوٍ، وَلَا بِشَفَاعَةٍ، وَلَا بِهِبَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ»؛ أي حتَّى لو أنَّ إنسانًا سرق مالك ثم عندما وصلت إلى القاضي أو إلى السُّلطان والحاكم، وأراد أن يقطع يده، ثم قلت له: أنا وهبت له هذا المال، فلا فائدة من هذا، إلَّا أن يكون قبل أن يصل إلى القاضي، «وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا أَعْلَمُ» وهذا غريب في شيخ الإسلام أن يقول في الاتِّفاق: «فيما أعلم»، وهنا يعني أنه قد يكون فيه خلاف أو اتفاقهم بحسب ما اطلعَ عليه، «عَلَى أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَاللِّصَّ وَنَحْوَهُمَا، إذَا رُفِعُوا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ ثُمَّ تَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْهُمْ، بَلْ تَجِبُ إقَامَتُهُ وَإِنْ تَابُوا»؛ ففرق بين المقر وجاء تائبًا، وبين من رُفع إلى القاضي؛ فالكلام هنا عمن رُفع للقاضي، كم شخص شهد عليه شاهدان أنه سرق ثم أُحضر إلى السُّلطان فقال: نعم، ولكنني أتوب إلى الله تعالى، ففي هذه الحالة لا تنفعه توبته في الدنيا، بمعنى أنَّها لا ترفع عنه إقامة الحدِّ، أمَّا إن كان صادقًا في توبته فتنفعه عند الله تعالى.

«فَإِذَا كَانُوا صَادِقِينَ فِي التَّوْبَةِ كَانَ الْحَدُّ كَفَّارَةً لَهُمْ» كفارة لذنبهم الذي ارتكبوه، «وَكَانَ تَمْكِينُهُمْ»؛ أي تمكينهم للإمام أن يقيم عليهم الحدَّ، «-وَذَلِكَ تَمَامُ التَّوْبَةِ- بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا، وَالتَّمْكِينُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ» كمن جرح آخر ثم مكنه منه لإقامة القصاص عليه «وَأَصْلُ هَذَا فِي قوله تعالى: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا﴾ [النساء: 85]. فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ إعَانَةُ الطَّالِبِ حَتَّى تَصِيرَ مَعَهُ شَفْعًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ وِتْرًا» فهو وتر فإذا انضم له الشافع صرتما شفعا أي اثنين «فَإِنْ أَعَانَهُ عَلَى بِرٍّ وَتَقْوَى، كَانَتْ شَفَاعَةً حَسَنَةً، وَإِنْ أَعَانَهُ عَلَى إثْمٍ وَعُدْوَانٍ كَانَتْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً. وَالْبِرُّ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَالْإِثْمُ مَا نُهِيتَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ»؛ أي وإن كانوا كاذبين في دعوى التَّوبة فإنهم يختانون أنفسهم، فهم يخادعون السلطان لإسقاط الحد عنهم.

ثم استدل شيخ الإسلام بآية الحرابة للتفريق بين من تاب قبل القدرة وبين من تاب بعد القدرة؛ فمن جيء به إلى الإمام وقُدر عليه، وصار في قبضة الإمام فهذا لا تنفعه توبته لإسقاط الحدِّ، وتنفعه في الآخرة إن كان صادقًا فيها، أما من تاب قبل القدرة عليه: «وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 33-34]؛ فَاسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ» فهؤلاء لهم أحكامهم في إسقاط الحدِّ، فالحدُّ يسقط عنهم إذا تابوا قبل القدرة فقط، وهذا خاص بقطَّاع الطرق فقط، وحتَّى قطاع الطرق هناك أمور إذا تابوا عنها وتتعلَّق بحقوق الله أو بحقوق العباد؛ فهذه فيها تفصيل يأتينا إن شاء الله عندما نتكلَّم عن حدود الحرابة.

ص 1327

«فَالتَّائِبُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ» بعد أن صار في يد الإمام من قطَّاع الطرق، «بَاقٍ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ» لأنه إذا كان قبل القدرة وبعد القدرة حكمهما واحد؛ فما فائدة أن يذكر الله ﷻ هذا الاستثناء ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ «لِلْعُمُومِ»؛ أي لعموم الأدلة التي توجب إقامة الحدِّ، «وَالْمَفْهُومِ» وهو قوله ﷻ: ﴿مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ فمِن هذا نفهم أنَّه إن كان بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه الحدُّ، «وَالتَّعْلِيلِ» والتعليل معناه قول الله ﷻ: ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ يعني لمن تاب قبل القدرة عليه، فأمَّا من تاب بعد القدرة عليه فإنَّ الله ﷻ لا يغفر له؛ بمعنى أنَّه لا يسقط عنه حكم الحدِّ، «هَذَا إذَا كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ» فكلامنا في عدم إسقاط الحدِّ الذي وصل إلى السُّلطان؛ إذا كان ثبوت الحدِّ على الشخص، إنَّما كان بالبيِّنة أي بالشهود.

«فَأَمَّا إذَا كَانَ بِإِقْرَارٍ، وَجَاءَ مُقِرًّا بِالذَّنْبِ تَائِبًا، فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ» فهما صورتان: الصورة الأولى: أن يثبت عند الإمام أنَّ هذا الشخص قد ارتكب موجب الحدِّ وثبت عنده بالبيِّنة؛ فإذا جيء بهذا الشخص بعد ذلك وقال: أنا أتوب إلى الله تعالى من هذا الذنب فليس للإمام أن يسقطه عنه في هذه الحالة، والصورة الثانية وهي: إذا جاء الشخص مقرًّا بذنبه تائبًا من قبل نفسه وقال: أنا جئت تائبًا إلى الله تعالى مما فعلت، «وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ» لم يقل: لا تجوز، فللسُّلطان الخيار إن رأى أن يقيم الحدَّ على هذا التائب أقامه، وإن رأى ألَّا يقيمها لم يقمها، «بَلْ إنْ طَلَبَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ أُقِيمَ» وهناك صورة ثالثة وهو إذا جاء مقرًّا تائبًا مطالبًا بإقامة الحدِّ عليه، فهنا يجب على الإمام أن يقيم عليه الحدَّ. وجمهور العلماء أنَّه لا فرق في وجوب إقامة الحدِّ بين من ثبت عليه بالبيِّنة أو ثبت عليه بالإقرار يعني في عدم إسقاطه، فخالفوا ظاهر مذهب أحمد في ذلك؛ فعندهم يجب عليه إقامة الحد على كل حال.

ولنضرب على ذلك مثالًا للمسألة:

- إنسان زنا وشهد عليه أربعة رجال عدول، وصحَّت هذه الشهادة عند القاضي؛ فهذا الزاني إذا قال للقاضي: أنا تبت مما فعلت، فهنا لا تنفعه؛ لأنَّ الزنا ثبت في هذه الحالة بالبيِّنة، وكذلك السارق لو شهد عليه اثنان فلا تنفعه التوبة.

- ولكن لو أنَّ إنسانًا زنا وجاء إلى القاضي أو الإمام وأقرَّ وقال: أنا فعلت كذا وأتوب إلى الله ﷻ، فهنا لا يجب إقامة الحدِّ عليه عند أحمد.

- إنسان زنا وجاء إلى القاضي وأقرَّ وقال: أقم عليّ الحدَّ، فهنا يُقام عليه الحدُّ.

ص 1328

«وَإِنْ ذَهَبَ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَعَلَى هَذَا»؛ أي وعلى هذا التفصيل الذي أشرنا إليه «حُمِلَ حَدِيثُ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا قَالَ: (فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ)٢٬٢٥٤من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (4439)، والحاكم: (8081)، والترمذي: (1428)، وابن ماجه: (2554)، وأحمد: (9808)، وصححه الألباني.» وذلك عندما جاء إلى النَّبيِّ ﷺ وطالب أن يُقام عليه الحدُّ، فبعد ذلك أقامه ﷺ، «وَحَدِيثُ الَّذِي قَالَ: (أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ)٢٬٢٥٥من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: البخاري: (6437)، ومسلم: (2764)، والحاكم: (7648)؛ ومن حديث أبي أمامة الباهلي: مسلم: (2765)، وابن خزيمة: (311)، وأبو داود (4381)، وأحمد: (22217)؛ ومن حديث واثلة بن الأسقع: ابن حبان: (1727)، وأحمد: (16057).» فقال له النَّبيُّ ﷺ: (أَشَهِدْتَ معنا الصلاة؟)، قال: نعم، قال: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ [هود: 114]، فالنَّبيُّ ﷺ ما أقام عليه الحدَّ مع أنَّه قال: «أصبت حدًّا فأقمه»؛ إذن يصبح حتى مسألة الإقامة ليست على سبيل الوجوب، لأنَّه طالب بإقامة الحدِّ عليه، ولذلك ذهب بعض العلماء كما بوَّب البخاري في كتاب الحدود «باب إذا أقرَّ بالحدِّ ولم يبين؛ هل للإمام أن يسْتُرَ عليه؟» وهذا هو الفقه، فالإمام البخاري قال: هذا يعتقد ذنبًا يستحق عليه الحدَّ، كأن يكون قد قبَّل امرأة أو باشر امرأة أو غير ذلك وهذا لا يُوجِب الحدُّ وإنَّما يوجب التعزير، فهذا الإنسان لم يقل «زنيت»، وقال: أصبت حدًّا، أي أصبت ذنبًا يُوجِب الحدُّ، ولكنَّه قد لا يعرف هل هذا الذنب يُوجِب الحدُّ أو لا؟ فقال البخاري: هل للإمام أن يستفصل ويقول له: ما هو؟ أو يستر عليه، والنَّبيُّ ﷺ لم يقل له: ماذا فعلت؟، وإنَّما ستر عليه ﷺ وتركه، فقد يكون هنا تُرك، لا لأنَّه تاب وجاء بإقرار من عنده، وإنَّما لأنَّه لم يثبت إلى هذا الوقت عند القاضي أو عند الإمام والسُّلطان أي عند النَّبيِّ ﷺ أنَّه أقرَّ على نفسه بما يُوجِب الحدُّ حقيقة، وهو الزنا، ولذلك ستر عليه ﷺ وتركه على حاله.

ص 1329

«مَعَ آثَارٍ أُخَرَ٢٬٢٥٦كحديث عمران بن حصين رضي الله عنه في مسلم: (1696)، وابن حبان: (4403)، وأحمد: (19917).، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (تَعَافُّوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ)؛ أي فيما بينكم أسقطوها، يعفو بعضكم عن بعض أو يتنازل بعضكم عن بعض يشفع بعضكم لبعض (فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ)٢٬٢٥٧من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: الحاكم: (8156)، وأبو داود: (4376)، والنسائي: (4886). حسنه الألباني.»؛ أي وجب إقامته.

«وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا)٢٬٢٥٨من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (4397)، وابن ماجه: (2538)، وأحمد: (8723)، وعند النسائي: (4904) (ثلاثين صباحا).» كما ذكرنا من قبل؛ فشيخ الإسلام رحمه الله عندما يقرر المسائل الشرعية يقررها على طريقة كتاب الله ﷻ، فلا يبيِّن الأحكام تبيينًا جافًا مجرَّدًا، وإنَّما يربطها بالعلاقة مع الله ﷻ، فانظر هنا: أيُّ خير حُرم منه المسلمون في هذا الزمان حيث تعطَّلت الحدود؟ فأن يقام فيهم حدٌّ واحد من حدود الله ﷻ، فهذا أفضل لهم من أن يستمر المطر أربعين خريفًا -والمطر لحياة الأرض، والحدود لحياة الدَّين-، وهذا يدلُّك على أنَّ بركة الحدود عظيمة كبيرة، «وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبٌ لِنَقْصِ الرِّزْقِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْعَدُوِّ» فكلما كثرت المعاصي كانت سببًا في نزع البركة، وهذا يؤدي إلى نقصان الرزق وإلى تسلِّط العدوِّ على المسلمين بسبب ما يصيبهم من الوهن والجبن والخور؛ لأنهم ابتعدوا عن الله فابتعد الله عنهم، «كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ» قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، فهذه سُنَّة الله ﷻ فيمن ارتكب معاصيه ولم يأمر بالمعروف وينهَ عن المنكر وتعدَّى حدود الله تعالى.

«فَإِذَا أُقِيمَتْ الْحُدُودُ، ظَهَرَتْ طَاعَةُ اللَّهِ وَنَقَصَتْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَصَلَ الرِّزْقُ وَالنَّصْرُ» فمن أسباب الرزق والنصر: الابتعاد عن معصية الله ﷻ والإكثار من طاعة الله ﷻ، فهذه معانٍ غيبية.

فمثلًا يأتي إنسان ويقول لك في الربا: «أنا أرى في عيني أنَّ الأموال تتكدس وتتضاعف فكيف ينقص الرزق؟»، ولو تأملت تجد أنَّ الإنسان الذي يكون من أصحاب الحرام الذين يكتسبون بالحرام ويتعدَّون حدود الله تجد أحيانًا مرتَّبه ثلاثة آلاف، فتجده يستدين في آخر الشهر من رجل مرتَّبه خمس مئة! لأنَّ هذا صاحب طاعة ومكسبه حلال، وذلك صاحب معصية ومكسبه حرام، فهذه أمور غيبية لا يدركها أصحاب الدنيا وإنما يعرفها من كانت علاقته مع الله ﷻ.

ص 1330

«وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الزَّانِي أَوْ السَّارِقِ أَوْ الشَّارِبِ أَوْ قَاطِعِ الطَّرِيقِ أَوْ نَحْوِهِمْ مَالٌ تُعَطَّلُ بِهِ الْحُدُودُ لَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَهَذَا الْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِتَعْطِيلِ الْحَدِّ سُحْتٌ خَبِيثٌ» لا يجوز للسلطان أو للقاضي أن يأخذ من السارق أو قاطع الطريق مالًا ليُسقِط عنه الحدَّ ويتحايل حتى يخرجه بريئًا، وقد يتأول ويقول: نحن الآن محتاجون والميزانية تحتاج إلى أموال كبيرة فيتحايل عن قاطع الطريق من هنا وهنا، أو قاطع الطريق يعرض عليه أموالًا طائلة، فيتحايل ويسقطها ويقول: نحن نحتاج إلى هذا المال لبيت المال ليصرفها في مصالح المسلمين العامة، وهو في هذه الحالة قد عطَّل أكبر مصالح المسلمين وهو إقامة الحدود؛ فلا يجوز أخذ هذا المال بأي حجَّة من الحجج، ولو بقي النَّاس يأكلون الجلود، فلا يجوز للسلطان هنا أن يأخذ أموالًا من هؤلاء الذين ثبتت عليهم الحدود من أجل أن يرفع ميزانية الدولة أو من أجل أن يرفع هذه المجاعة.

«وَإِذَا فَعَلَ وَلِيُّ الْأَمْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ جَمَعَ فَسَادَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تَعْطِيلُ الْحَدِّ، وَالثَّانِي أَكْلُ السُّحْتِ» انظر شيخ الإسلام ما قال: تبديل الحدِّ، وإنما قال: «تعطيل الحدِّ»، فهناك فرق بين تبديل الحدِّ وبين تعطيل الحدِّ؛ فتبديل الحد كفر خاصة إذا جعله قانونًا عامًا فقد صار تشريعًا من دون الله ﷻ، ولكن ماذا يفعل هذا الذي يأخذ المال لتعطيل الحدود؟ أحيانًا يأتيه الإنسان وقد سرق فيتلاعب في مقدمات الحكم فيحاول مثلًا أن يطعن في الشهود، فيدفع له مالًا من أجل أن يجعل الشهود غير عدول، أو ليقول إن المال أُخذ من غير حرزه، أو أن المال المأخوذ فيه شبهة له، وبعد ذلك يسقط الحكم ويبطله؛ فهذا المال المأخوذ من السحت الحرام، وسلك فيه مسلك اليهود الذين عُرِف عنهم ذلك، والحرام الآخر الذي فعله هو أنَّه عطَّل حدًّا واجبًا من حدود الله ﷻ.

ص 1331

فهذا القاضي أو الحاكم مقر بالحكم الشرعي ولكنه مشى بنفس طريقة الشَّرع ليسقط الحكم مع أنَّه في قرارة نفسه يعلم أنَّه يفعل خطأ؛ فهو يعرف أنَّ الشهود إذا لم يكونوا عدولًا فالحدُّ لا يُقام، ويعرف أنَّ المال إذا كان مسروقًا من غير حرز فلا يُقام، ويعلم أنَّ المال إذا كان من دون النصاب فلا يُقام الحدُّ، فهو يريد أن يثبت أنَّ حكم الشرع في هذا هو كذا، فهو لصداقة بينه وبين المتهم يُريد أن يُثبت حسب الظاهر أنَّ ما فعله هو حكم الشَّرع، وهذا الذي يطلق عليه العلماء «كفر دون كفر»، يقولون: إذا حكم في قضيَّة لرشوة أو لهوى أو لقرابة مع إقراره بأنَّه مخالف للشَّرع، وأنَّه ملتزم بالشَّرع في جميع أحكامه وقضاياه، ولكنَّه في هذه القضيَّة مالت نفسه فقَبِل فيها رشوة أو حابى فيها قريبًا فحكم فيها بغير ما أنزل الله، فهذا الذي يقولون عنه: «كفر دون كفر»، وهو أشدُّ من الزنا.

«فَتَرَكَ الْوَاجِبَ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ» أما الواجب الذي تركه فهو وجوب إقامة الحدِّ، وأما المحرَّم فهو أخذ هذا المال في مقابل إسقاط الحدِّ، «قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: 63]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْيَهُودِ: ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ﴾ [المائدة: 42]؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ السُّحْتَ مِنَ الرِّشْوَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْبِرْطِيلَ٢٬٢٥٩براطيل: «لغة الجمع، المفرد منها: برطيل، عامية، معناها: الرشوة المقدمة لأصحاب النفوذ لقاء عمل دون مراعاة لقاعدة أو قانون»، معجم المصطلحات والألفاظ التاريخية: (1 / 71).» البرطيل حجر مربع على هيئة المستطيل وأعطوا الرشوة اسم هذا الحجر؛ لأنَّ هذا الإنسان كأنَّه حينما ابتلع الرشوة قد سدَّ فمَه بهذا الحجر عن أن ينطِق بالحقِّ، فاستعاروا اسم البرطِيل وأعطوه للرَّشوة، «وَتُسَمَّى أَحْيَانًا الْهَدِيَّةَ وَغَيْرَهَا» مثل الإكرامية «وَمَتَى أَكَلَ السُّحْتَ وَلِيُّ الْأَمْرِ، احْتَاجَ أَنْ يَسْمَعَ الْكَذِبَ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَغَيْرِهَا» فإذا اعتاد أكل السحت وأخذ الرشاوى احتاج في أحكامه إلى أن يسمع إلى شهادة الزور وإلى الكذب حتى يستطيع أن يستمر في أكل الرَّشوة، وإلَّا إذا كان النَّاس كلهم عدولًا وكلهم كانوا أصحاب شهادة مقبولة عند القاضي لا يمكن له أن يُسيِّر أحكامه.

ص 1332

«وقد رُوي: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِي)؛ الدافع، (وَالْمُرْتَشِي)؛ الآخذ، (وَالرَّائِشَ) وَهُوَ الْوَاسِطَةُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا٢٬٢٦٠من حديث ثوبان رضي الله عنه: الحاكم: (7068)، وأحمد: (22452)، وضعفه الألباني، وقد ورد لعن الراشي والمرتشي في حديث ابن عمرو رضي الله عنه: ابن حبان: (5077)، والترمذي: (1337)، وأبو داود: (3580)، وابن ماجه: (2313)، وأحمد: (6532)، وصححه الألباني، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (5076)، والحاكم: (7067)، والترمذي: (1336)، وأحمد: (9019)، وصححه الألباني.، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ فَقَالَ صَاحِبُهُ -وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ- نَعَمْ يَا رَسَولَ اللهِ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وائْذَنْ لِي، فَقَالَ: (قُلْ)، فَقَالَ: إَنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا فِي أَهْلِ هَذَا -يَعْنِي أَجِيرًا- فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمئة شَاةٍ وَخَادِمٍ»؛ أي قال له: أعطيك مئة شاة وخادم وتترك ابني، وهذا جاهل لا يعرف الحكم الشَّرعي فظن أن هذا هو الشرع، «وَإِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ» من الصحابة «أَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدُ مئة وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمُ فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ: الْمئة وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ)؛ أي ترجع لك أموالك؛ لأنَّ صاحبه سوف يأخذها بغير حقٍّ، «وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مئة وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأةِ هَذَا فَاسْأَلْهَا فِإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) فَسَأَلَهَا فَاعْتَرَفَتْ؛ فَرَجَمَهَا٢٬٢٦١من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما: البخاري: (2549)، ومسلم: (1697)، وابن حبان: (4437)، والترمذي: (1433)، وأبو داود: (4445)، وابن ماجه: (2549)، وأحمد: (17079)، ومالك: (1502).»؛ فالمقصود هنا أنَّ شيخ الإسلام ساق هذا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ هذا المال الذي كان سيُسقَط به حكم من أحكام الله ﷻ، وفي هذا الحديث أيضًا دليل على جواز استفتاء العالم مع وجود الأعلم، لأنَّ هذا الرجل قال: سألت رجالًا من أهل العلم يعني من الصحابة، وهذا مع وجود النَّبيِّ ﷺ، والنَّبيُّ ﷺ لم ينكر عليه ذلك «فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ، أَنَّهُ لَمَّا بَذَلَ عَنِ الْمُذْنِبِ هَذَا الْمَالَ؛ لِدَفْعِ الْحَدِّ عَنْهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ، وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مِنَ الْمُجَاهِدِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ».

«وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ تَعْطِيلَ الْحَدِّ بِمَالٍ يُؤْخَذُ، أَوْ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ مِنَ الزَّانِي، وَالسَّارِقِ وَالشَّارِبِ، وَالْمُحَارِبِ، وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِتَعْطِيلِ الْحَدِّ، مَالٌ سُحْتٌ خَبِيثٌ» أطال شيخ الإسلام في هذه المسألة وفصَّل فيها، مما يشعرك أن زمنه كان مليئا بهذا الداء وهو انتشار أكل السحت بدل الحدود؛ فبيَّن أحكامها بيانًا لا يحتاج فيه إلى زيادة إيضاح، وقرنها بالتخويف من عقاب الله ﷻ الدنيوي والأخروي، والموعظة والتذكير إلى أولي الأمر الذين كانوا في زمانه، والذين كتب لهم هذا الكتاب -كما ذكر في -أوَّله، وذكر هنا أنَّ العلماء مجمعون على عدم جواز تعطيل الحدِّ في مقابل أخذ مال أو في مقابل شفاعة أو غير ذلك، وأجمعوا أن هذا المال المأخوذ منهم مال سحت وحرام؛ إذا أُخذ لتعطيل الحد.

ص 1333

«وَكَثِيرًا مِمَّا يُوجِدُ مِنْ فَسَادِ أُمُورِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ تَعْطِيلُ الْحَدِّ بِمَالٍ أَوْ جَاهٍ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ فَسَادُ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى وَالْأَمْصَارِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ، وَالْأَكْرَادِ، وَالْفَلَّاحِينَ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَقَيْسٍ، وَيَمَنٍ، وَأَهْلِ الْحَاضِرَةِ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّاسِ وَأَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَأُمَرَاءِ النَّاسِ وَمُقَدَّمَيْهِمْ وَجُنْدِهِمْ، وَهُوَ سَبَبُ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْمُتَوَلِّي، وَسُقُوطِ قَدْرِهِ مِنَ الْقُلُوبِ، وَانْحِلَالِ أَمْرِهِ، فَإِذَا ارْتَشَى وَتَبَرْطَلَ عَلَى تَعْطِيلِ حَدٍّ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ أَنْ يُقِيمَ حَدًّا آخَرَ، وَصَارَ مِنْ جِنْسِ الْيَهُودِ الْمَلْعُونِينَ. وَأَصْلُ الْبِرْطِيلِ هُوَ الْحَجَرُ الْمُسْتَطِيلُ، سُمِّيَتْ بِهِ الرِّشْوَةُ؛ لِأَنَّهَا تَلْقُمُ الْمُرْتَشِيَ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِّ كَمَا يُلْقِمُهُ الْحَجَرُ الطَّوِيلُ، كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «إِذَا دَخَلَتِ الرِّشْوَةُ مِنَ الْبَابِ خَرَجَتِ الْأَمَانَةُ مِنَ الْكَوَّةِ»٢٬٢٦٢مروي عن الحسن البصري، أخرجه أحمد في الزهد: (1 / 288).» وهذا مروي عن الحسن البصري رحمه الله.

وخلاصة كلام شيخ الإسلام في هذا الباب: أن تعطيل الحدود وأخذ الأموال في مقابلها يؤدِّي إلى فساد المجتمع في جميع أصنافه وطبقاته، وكذلك فإنَّ هذا الوالي تسقط مكانته، ويسقط من قلوب النَّاس؛ لأنَّهم إذا رأوه يأخذ المال في مقابل إسقاط الأحكام، فأولًا: لأنَّه لم يعظِّم الله فأهانه الله ﷻ، وكذلك لأنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى، وهذا إذا أخذ المال لنفسه.

«وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ مَالًا لِلدَّوْلَةِ عَلَى ذَلِكَ، مِثْلَ السُّحْتِ الَّذِي يُسَمَّى التَّأْدِيبَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْرَابَ الْمُفْسِدِينَ أَخَذُوا لِبَعْضِ النَّاسِ، ثُمَّ جَاءُوا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ فَقَادُوا إلَيْهِ خَيْلًا يُقَدِّمُونَهَا لَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَيْفَ يَقْوَى طَمَعُهُمْ فِي الْفَسَادِ، وَتَنْكَسِرُ حُرْمَةُ الْوِلَايَةِ وَالسَّلْطَنَةِ، وَتَفْسُدُ الرَّعِيَّةُ. وَكَذَلِكَ الْفَلَّاحُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ شَارِبُ الْخَمْرِ، إذَا أُخِذَ فَدَفَعَ مَالَهُ كَيْفَ يَطْمَعُ الْخَمَّارُونَ، فَيَرْجُونَ إذَا أَمْسَكُوا أَنْ يُقَدِّمُوا بَعْضَ أَمْوَالِهِمْ، فَيَأْخُذَهَا ذَلِكَ الْوَالِي سُحْتًا لَا يُبَارَكُ فِيهَا وَالْفَسَادُ قَائِمٌ» فهذه الأموال التي أخذها منزوعة البركة، وكذلك الفساد قائم؛ لأنَّ النَّاس لا يخافون العقوبة.

ص 1334

«وَكَذَلِكَ ذَوُو الْجَاهِ» أصحاب المكانة والشرف والقوة «إذَا أَحْمَوْا» ومعنى أحموْه كما في المصباح؛ أحميته جعلته حِمًى لا يقرب ولا يُجترئ عليه٢٬٢٦٣المصباح المنير: (1 / 153). «أَحَدًا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، مِثْلَ أَنْ يَرْتَكِبَ بَعْضُ الْفَلَّاحِينَ جَرِيمَةً، ثُمَّ يَأْوِي إلَى قَرْيَةِ نَائِبِ السُّلْطَانِ أَوْ أَمِيرٍ، فَيُحْمَى عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ»؛ لأنَّ الحدَّ الذي يُقام عليه إنَّما يقام عليه بموجب الشَّرع الذي جاء من عند الله على لسان النَّبيِّ ﷺ، «فَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي حَمَاهُ، مِمَّنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا)٢٬٢٦٤من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مسلم: (1978)، وابن حبان: (6604)، والنسائي: (4422)، وأحمد: (855).، فَكُلُّ مَنْ آوَى مُحْدِثًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُحْدِثِينَ» أصحاب الجرائم المستحقين للعقوبة بحسب الشرع، «فَقَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَالَ: (إِنَّ مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ)٢٬٢٦٥من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: الحاكم: (2222)، وأبو داود: (3597)، وأحمد: (5385)، وصححه الألباني.» فالمتوسط وقف ضد أمر الله بشفاعته «فَكَيْفَ بِمَنْ مَنَعَ الْحُدودَ بِقُدْرَتِه وَيَدِهِ»؛ أي بشوكته، فهذا لا شكَّ أنَّه أشدُّ جرمًا وأعظم مضادَّة ومشاقَّة لله ولرسوله من الشَّافع.

«وَاعْتَاضَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ بِسُحْتٍ مِنَ الْمَالِ يَأْخُذُهُ» عوضًا عن حمايتهم، «لَا سِيَّمَا الْحُدُودَ عَلَى سُكَّانِ الْبَرِّ» أهل البوادي؛ لأنَّهم إذا لم تقم فيهم الحدود ولم يلزمهم الإمام بها فإنَّهم يكونون شرًّا على أهل القرى وعلى أهل السَّبيل، لأنَّ هؤلاء يجتمع فيهم الجلافة والجهل بأحكام الله مع الفقر والجرأة؛ فإذا لم يكن هناك سلطان قوي وحدود تقام عليهم ويُلزَمون بها، فإنَّ هؤلاء قطْعًا سيكونون شرًّا على أنفسهم وشرًّا على أهل الطُّرقات والسُّبل وشرًّا على أهل الأمصار والمدن ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 97].

ص 1335

وهذا ترى في كثير من القبائل البدوية عندما تعيش من غير سلطان؛ يكون الحَكَم فيهم السِّلاح، فعلى أدنى شيء يقتل، لأنَّه ليس هناك سلطان وهو اعتاد على الجرأة والإجرام وسفك الدِّماء ونهب الأموال، فصار شيئًا عاديًا بالنِّسبة لهم، فشيخ الإسلام يتكلم عن خبرة وليس جالسًا في مدرسته ولا يعرف ما وراء الجدران، وإنَّما هو في وسط المجتمع، فكل كلمة يكتبها إمَّا رآها أو عاشها أو تيقَّنها في وسط مجتمعه هذا، وهكذا ينبغي أن يكون العالِم؛ فالعالم ليس هو الذي يقتصر فقط على كتابة الكتب ثم الترجيح بين الأحكام ترجيحًا مجرَّدًا، وإنَّما الذي يستطيع أن يوصل الأحكام التي ينتفع بها أهل زمانه؛ فتكون أحكامًا عملية مطابقة لحاله ولوضعه ولمن معه من النَّاس، وهذا هو حال شيخ الإسلام، كان يخرج إلى السوق ينكر المنكرات وكان يقاتل مع المجاهدين وكان يناظر العلماء ويناصح الأمراء؛ فما من باب من أبواب الخير إلا وطرقه وتكلم فيه، ولذلك فتح الله عليه أبواب الفهم وأعطاه الإمامة في الدِّين؛ كما قال ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال ﷻ: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، وهذا من المصائب التي نعاني منها في هذا الزمان: تجد العالم في مدرسته أو في جامعته أو في مسجده يدرس وينتفع النَّاس كثيرًا في علمه، ولكن إذا استفتي في نازلة متعلِّقة يفتيك وكأنَّه يعيش في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو يعيشُ في زمن دولة بني أمية أو دولة بني عباس؛ فكأن هذا الوضع المضطرب المختلط الذي كثرت فيه المنكرات وكثر فيه الظلم وتسلط الظلمة والكفرة وبُعدِ النَّاس عن الدين وانتشار الجهل والبدع فيما بينهم وغير ذلك، فكأنَّ هذا كلُّه لا يراه، فيصبح يتكلم لك عن ما كتبه فقط الأئمة في الكتب ولا يستطيع أن يخرج عن عبارتهم، ولا يستطيع أن ينزِّل ما قالوه على واقع المسلمين، والمقصود من العلم والفقه ما هو؟ إنما المقصود: العمل، أليس الفقهاء عندما يقولون في تعريف الفقه هو: معرفة الأحكام العملية.. تأمل: «العملية»؛ أي التي تستطيع أن تعمل بها، فما الفائدة العملية أن تقرأ كتابًا وأن تتقن حروفه وما فيه من الحواشي وما فيه من التفريعات والفصول وتردُّ على المعتزلة وتردّ على الفرق التي بعضها انتهى وتلاشى، ثم عندما تُسأل عن بعض الفرق التي نخرت الآن في جسد الأمة وأضعفتها وأنهكتها تقول: لا أعرف ما هذه الفرقة!! فمن يعرفها إذن؟ العامي.. الجاهل هو الذي يتولى الردَّ على مثل هذه الفرق وأمثال هؤلاء الزنادقة والمبتدعة وغيرهم؟!

ص 1337

فلذلك؛ يجب أن يكون العالم في داخل المجتمع ويعيش مشاكل النَّاس حقيقة وليس بمجرد السَّماع، وليس بمجرَّد أن يأتيه العامي ويشتكي له، كلا، بل لا بدَّ أن يكون في وسط المجتمع ويكون «شيخ عامة»، يعيش كحياتهم؛ فمصائبهم يراها بعينيه، ويعيشها أيضًا بنفسه، فهذا العالم عندما يفتي ترى على فتواه النُّور، لأنَّه تكلَّم بعلم الوحي وبفهم الواقع الذي يعيشه بالتفاصيل، ولا أقصد بفقه الواقع هو: معرفة مؤامرات الدُّول وسياسات الدُّول، بل علم الواقع الذي نقصده هو: معرفة واقع كلِّ نازلة تريد أن تفتي فيها، أي معرفة الواقع التَّفصيلي الجزئي؛ فقد يكون الإنسان جاهلًا بواقع معين يتعلَّق بقضية كبيرة، لكن عندما تستفتيه في نازلة محدَّدة جزئية يكون عارفًا بواقعها، فلذلك شيخ الإسلام عندما يكتب هنا أو يتكلم أو ينكر أو يغلظ القول يضع كلَّ كلمة في محلِّها، لأنَّه رأى أو سمع أو عايش بنفسه، وهكذا ينبغي أن يكون حال العلماء.

ص 1338

«فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ فَسَادِهِمْ حِمَايَةَ الْمُعْتَدِينَ مِنْهُمْ بِجَاهٍ أَوْ مَالٍ» فهذا يجَرِّئُهُم أكثر على الجرائم، «سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِبَيْتِ الْمَالِ أَوْ لِلْوَالِي سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً، فَذَلِكَ جَمِيعُهُ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِثْلُ تَضْمِينِ الْحَانَاتِ وَالْخَمْرِ»؛ يعني حال هذا المال المأخوذ في مقابل حماية هؤلاء المعتدين مِن أن تقام عليهم الحدود؛ كحال أن تفرض ضريبة على أصحاب الحانات الَّذين لهم أماكن لبيع الخمور، والله ﷻ إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنَه، فحرَّم أن تُباع الخمر، وحرَّم أن تُحمل الخمر، فجعل الضريبة على الخمر سحت وحرام «فَإِنَّ مَنْ مَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَعَانَ أَحَدًا عَلَيْهِ، بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ، فَهُوَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ عَلَى هَذَا» أي على حمايتهم «شَبِيهُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَهْرِ الْبَغْيِ» وهو ما تأخذه الزانية في مقابل زناها، والشرع سماه مهرًا وهو في الحقيقة ليس مهرًا، لأنَّ المهر إنما هو المال الذي تأخذه المرأة في عقد الزواج المباح، ولكن هنا شُبه به، «وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» أي المال الذي يأخذه الكاهن في مقابل ما يخبر به مما يزعمه من علم الغيب، وسمي حلوان لأنَّه من الحلاوة أي جاءه من غير كلفة ولا تعب، فقط كلام أخذ عليه مالا، «وَثَمَنِ الْكَلْبِ» ولا يخفى أن هناك كلاب يجوز اقتناؤها ككلب الصيد والماشية الذي يستخدم في حماية الغنم أثناء الرعي، وأمَّا الكلب الآخر الذي لغير حراسة فهذا يحرم اقتناؤه بغير حاجة، فهل الكلب الذي يحرم ثمنه هو الذي لا يجوز اقتناؤه أو حتى الكلب الآخر؟ الظاهر أنَّه حتى كلب الصيد وكلب الماشية يحرم بيعه، لأنَّ الآخر هو محرَّم في أصله؛ فلا يحتاج إلى أن ينبَّه أنَّ ثمنه محرَّم «وَأُجْرَةِ الْمُتَوَسِّطِ فِي الْحَرَامِ الَّذِي يُسَمَّى الْقَوَّادَ» الذي يقود النِّساء إلى الرجال -والعياذ بالله- أو الرجال إلى النِّساء أو الرجال إلى الرجال من أجل ارتكاب الفاحشة؛ فحال من يأخذ المال لحماية المفسدين من جنس حرمة هذه الأموال، وقد «قال النَّبيُّ ﷺ: (ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ خَبِيثٌ)٢٬٢٦٦جاء النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن في البخاري: (2122)، ومسلم: (1567)، وابن حبان: (5157)، والترمذي: (1133)، وأبو داود: (3481)، والنسائي: (4292)، وابن ماجه: (2159)، وأحمد: (17115)، ومالك: (1338)، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه من غير وصفها بالخبث، ومن حديث رافع بن خديجة رضي الله عنه في مسلم: (1568)، وابن حبان: (5152)، والحاكم: (2278)، والترمذي: (1275)، وأبو داود: (3421)، وأحمد: (15850) بلفظ: (ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث).، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَمَهْرُ الْبَغْيِ الَّذِي يُسَمَّى حُدورُ الْقِحَابِ. وَفِي مَعْنَاهُ: مَا يُعْطَاهُ الْمُخَنَّثُونَ الصِّبْيَانُ مِنَ الْمَمَالِيكِ أَوْ الْأَحْرَارِ عَلَى الْفُجُورِ بِهِمْ، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ مِثْلُ حَلَاوَةِ الْمُنَجِّمِ وَنَحْوِهِ، عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُبَشِّرَةِ بِزَعْمِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» وهذه أمراض متفشِّية بين النَّاس الآن؛ فالمجتمعات تعجُّ من أمثال هذه الأمور المحرَّمة، وكلها سحت في سحت، وخبيث في خبيث، وحرام في حرام -نسأل الله العافية لنا وللمسلمين-.

والمصيبة الأخرى أنَّ الزنا قد قُنِّنَ، فأصبح الزنا على صفة معيَّنة مُباحًا في بعض الدُّول، وفي أماكن معيَّنة مباح، فيقول لك مثلًا: إذا زنا الرجلُ بالمرأة برضاهما فهنا لا يقام عليهما الحدُّ!! ولذلك قلنا هناك: أنَّ هذا من حدود الله ﷻ وحقوقه ولا يحتاج إلى دَعوى خاصَّة؛ فهم نقلوه من كونه حقًّا عامًّا إلى أن صار حقًّا خاصًّا، وأباحوا به الزنا والعياذ بالله، وكذلك أبيح في أماكن معيَّنة فجعلت هناك دور خاصَّة بالزنا، وكذلك الخمر وُضع لها متاجر خاصَّة، ويعطى ترخيص لصاحب الحانة ويعلق هذا الترخيص عنده بمعنى: أنا مسموح لي ببيع الخمر!!، فلذلك أنت لا تستطيع أن تأتي وتنكر عليه، فالإنكار باليد معناه أنَّك معاقب بعد ذلك، لأنَّ البرلمان رخَّص له فيه!، وقس على ذلك... ظلمات بعضها فوق بعض.

ص 1339

«وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إذَا تَرَكَ إنْكَارَ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهَا، بِمَالٍ يَأْخُذُهُ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ مُقَدَّمِ الْحَرَامِيَّةِ» شيخ الإسلام يكرر الأمر في صور مختلفة ليقرر كره هذه الصورة في قلب الإنسان، فشبَّهها بمهر البغي وبحلوان الكاهن وبثمن الكلب والآن يذكر صورة أخرى، «الَّذِي يُقَاسِمُ الْمُحَارِبِينَ عَلَى الْأَخِيذَةِ»؛ يعني مقدَّم قطَّاع الطُّرق الذي يترصَّد لهم، ويقول لهم: أنا أجلس فإذا جاءت قافلة أخبركم بشرط أنَّكم إن أخذتم مالًا يكون لي فيه نصيب كذا، فهذا بدلًا من أن يكون حارسًا للمسلمين ولهذه القافلة صار مشاركًا للحراميَّة في جريمتهم ويأخذ في مقابل جريمته المال؛ فكذلك ولي الأمر هذا بدلًا من أن يكون آمرًا بالمعروف مقيمًا للحدود مؤدِّيًا للحقوق أصبح مشاركًا لهؤلاء الذين يرتكبون جرائمهم ويأخذ منهم مكافأة على تعطيل أحكام الله ﷻ، فحاله كحال هذا المقدّم الراصد، وأحيانا يكون هذا بالهاتف ولا يلزم أن يكون معهم مباشرة.

«وَبِمَنْزِلَةِ الْقَوَّادِ الَّذِي يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُهُ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى فَاحِشَةٍ. وَكَانَ حَالُهُ شَبِيهًا بِحَالِ عَجُوزِ السُّوءِ امْرَأَةِ لُوطٍ الَّتِي كَانَتْ تَدُلُّ الْفُجَّارَ عَلَى ضَيْفِهِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ﴾ [الأعراف: 83]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ﴾ [هود: 81]، فَعَذَّبَ اللَّهُ عَجُوزَ السُّوءِ الْقَوَّادَةَ» وقد خانت زوجها في الدين ولكن لم تعمل هي الفاحشة؛ فما عملت امرأة نبي الفاحشة قط «بِمِثْلِ مَا عَذَّبَ قَوْمَ السُّوءِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ الْخَبَائِثَ، وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا جَمِيعَهُ أَخْذُ مَالٍ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إنَّمَا نُصِبَ لِيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» فهنا فعل خلاف ذلك فصار تاركًا للأمر بالمعروف وآمرًا للمنكر ومُعينا عليه، «وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ» فمقصود الولاية هو أن يكون آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر بقوله وبفعله.

«فَإِذَا كَانَ الْوَالِي يُمَكِّنُ مِنَ الْمُنْكَرِ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ، كَانَ قَدْ أَتَى بِضِدِّ الْمَقْصُودِ، مَنْ نَصَّبْتَهُ لِيُعِينَكَ عَلَى عَدُوِّكَ، فَأَعَانَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ مَالًا لِيُجَاهِدَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتَلَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ» كمن أرسلته ليأتي لك بالتبرعات ثم يتسلط بها على المسلمين.

ص 1340

«يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ» هذا نفس الذي ذكرناه مرارًا وهو أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله لا يكتفي بتقرير الأحكام الشرعية تقريرًا مجرَّدًا جافًّا وإنَّما يربطه بالتذكير بالله، وأثر الطاعة في حياة النَّاس وأثر المعصية أيضًا في حياة النَّاس؛ فذكر هنا شعيرة عظيمة من شعائر المسلمين التي بها صلاحهم وصلاح دنياهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما من فروض الكفايات وقد يتعيَّن على بعض النَّاس في بعض الأحوال وفي بعض الصُّور؛ «فَإِنَّ صَلَاحَ الْمَعَاشِ وَالْعِبَادِ، فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِهِ صَارَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» فإنما نالت أمَّة الإسلام الخيريَّة والتميُّزَ عن باقي الأمم لأنَّها قامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فرَّطت في هذه الشعيرة أو ضيَّعتها فقد تركت ما مُيزَّت به عن باقي الأمم، «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ [آل عمران: 110]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ﴾ [آل عمران: 104]» وهذه الآية يستدل بها على أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، والأمة هي الطائفة والمجموعة، ومع أنَّ الدعوة إلى الخير يدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن أفرده بالذِّكر لأهميته فهو من عطف الخاص على العام، فالخير يدخل فيه كل ما أمر الله به.

«وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ [التوبة: 71]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [المائدة: 79]» فلا تكونوا مثلهم، «وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165]؛ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعَذَابَ لَمَّا نَزَلَ، نَجَّى الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ، وَأَخَذَ الظَّالِمِينَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ»؛ إذن الحفاظ على الأمَّة من داخلها وحمايتها من عقاب الله ﷻ إنَّما يكون بالاجتهاد في إحياء هذه الشعيرة بين المسلمين، ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)٢٬٢٦٧من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: مسلم: (49)، وابن حبان: (306)، والترمذي: (2172)، وأبو داود: (1140)، والنسائي: (5008)، وابن ماجه: (1275)، وأحمد: (11088).، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط وقواعد لا بدَّ للمسلم من أن يفقهها ويعرفها لأنَّه قد يفسد من حيث يريد أن يصلح.

ص 1341

«وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ» ذكر هنا أنه قد تقع شبهة لبعض النَّاس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا»؛ يعني تستدلون بها على غير وجهها الصَّحيح، وهي: «﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهـۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 105]» فيفهم منها: عليك بإصلاح خاصَّتك ولا يضرُّك من ضلَّ من النَّاس؛ فلا يعنيك بعد ذلك من فَعَل المنكرات أو تَرَك المعروف، فبين لهم أبو بكر رضي الله عنه: أنَّه ليس هذا هو معنى الآية الصَّحيح، «وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الـمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يُعِمَهُمْ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ)٢٬٢٦٨من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ابن حبان: (304)، والترمذي: (2168)، وأبو داود: (4338) وابن ماجه (4005)، وأحمد: (1)، وصححه الألباني.» فليس هناك تعارض بين الآيات وبين قول النَّبيِّ ﷺ فكلٌّ من عند الله، هذا وحي بلفظه ومعناه، وهذا وحي بمعناه، والنَّبيُّ ﷺ ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].

فما هو معنى الآية إذن؟ بعض العلماء قال: إن اشتراط القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُفهم من نفس الآية لأنَّ الله قال: ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهـۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 105]، ولن تكونوا مهتدين حق الهداية إلا إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فيكون معنى الآية: عليكم أنفسكم بإصلاحها، فإذا أمرتم النَّاس بالمعروف ونهيتموهم عن المنكر، فهذا جزء من الهداية التي تصلحون بها أنفسكم فإن أصرَّ النَّاس على باطلهم أو على منكرهم فهذا لا يضركم أي لا يقع الضرر عليكم ما دمتم قمتم بالواجب الشرعي وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك ذكر أبو بكر رضي الله عنه هذا الحديث الذي يدُلُّ على هذا المعنى؛ فالنَّاس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه وكلُّ واحد منهم قال: عليَّ بنفسي وخاصَّتي يكاد أن يقع عليهم عذابٌ بسبب تركهم للأمر بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهذا كما قال الله ﷻ: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ﴾ [الأنفال: 25]؛ يعني: احذروا وقوع فتنة تعمُّ الذين ظلموا وتعمُّ غيرهم ممن لم ينكر عليهم ظلمهم.

«وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (إِنَّ الـمَعْصِيَةَ إِذَا أُخْفِيَتْ لَمْ تَضُر إِلا صَاحِبَهَا وَلَكِنْ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتِ العَامَّةَ)٢٬٢٦٩من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: الطبراني في الأوسط: (4770)، قال الألباني: «موضوع».».

ص 1342

«وَهَذَا الْقِسْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحُكْمِ، فِي حُدُودِ اللَّهِ وَحُقُوقِهِ وَمَقْصُودِهِ الْأَكْبَرِ، هُوَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» وهذا يبيُّن لنا مكانة هذه الشعيرة في دين الله ﷻ، فإقامة الحدود المذكورة كلها، وكذلك الأمر بالواجبات كالصلاة والصيام والزكاة وإقامة الدِّين، فهذا إمَّا أن يكون من باب الأمر بالمعروف فيدخل في ذلك إقامة الحدود؛ لأنَّ هذا من المعروف وهو عقاب المعتدين والجناة، أو كالأمر بالصَّلاة لمن تركها أو تواطأ مع غيره على التهاون فيها؛ فهذا من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أجل كفِّ الجناة والمجرمين والمعتدين عن جرائمهم التي يقترفونها؛ فإذن المقصود الأول والأكبر من هذه الحدود والحقوق التي تكلمنا عنها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنَّ كلَّ ما أمر به الله تعالى أو ما أمر به النبي ﷺ إما أمر إيجاب أو أمر استحباب فهو من المعروف، وكل ما نهى عنه الله ﷻ أو نهى عنه النبي ﷺ فهو من المنكر الذي يجب أن يغير وأن ينكر.

«فَالْوَاجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِالصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» يدخل في أمره بإقامة الصَّلاة؛ بمعنى ألا يدع واحدًا تحت مِلكه تاركًا للصَّلاة، وأن يأمرهم أن يؤدُّوا الصَّلاة في جماعة، ويأمر بذلك «جَمِيعَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَمْرِهِ»؛ يعني ممن كان تحت سلطانه، ويستطيع أن يلزمه بذلك؛ لأنَّه مسؤول عنه: (وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)٢٬٢٧٠ من حديث ابن عمر رضي الله عنه: البخاري: (853)، ومسلم: (1829).، والصلاة هي عماد الدِّين وهي أهم أركانه بعد الشَّهادتين، فإذا تهاون فيها وضيَّعوها فماذا بقي بعد ذلك للدِّين؟! فلهذا ترى الفارق الكبير بين ما يريده الإسلام من الولاة والأمراء وبين ما يريده دعاة العصر!

ص 1343

فالإسلام دائمًا ينظر إلى أمر الدِّين، فلهذا ولبُعد النَّاس عن حقيقة الدِّين وعن الأمر بالمعروف وأولها الصَّلاة؛ عندما جاءت دولة طالبان وبدأت تُلزِم النَّاس بإقامة الصلاة في المساجد وتضربهم على ذلك قامت الدُّنيا! لأنَّ هذا الأمر جديد عليهم؛ حتى بعض قادة الحركات الإسلامية كتبوا في الجرائد وقالوا إن هذا -أي الذي يفعلوه- هو دين طالبان وليس الدينَ الإسلامي، وذكروا أشياءً كثيرة.. فهؤلاء النَّاس لم يتفقهوا، وإنما قرؤوا في هذه الكتب العصرية التي تُسمى بالكتب الفكرية، وكانوا بعيدين عن هذه الكتب، لأنهم لا يستطيعون الصبر عليها، ويعتبرونها كتبًا جامدة وبعيدة عن العصر والتطور والانفتاح والتعامل مع الواقع! فيُصبح يؤصِّل لك ويتكلم ويُنكر وهو بعيد عن دين الله ﷻ! ألم يقل الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 43]، ألم يَهُمَّ النَّبيُّ ﷺ بأن يحرِّق على أناس بيوتهم لأنهم لا يشهدون الصلاة في المسجد٢٬٢٧١كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (618)، مسلم: (651)، ابن خزيمة: (1484)، وابن حبان: (2098)، وأحمد: (9482)، ولفظ الحديث: (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ثم آمر رجلًا فيصلي بالنَّاس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)، وجاء هَمُّ النَّبيِّ ﷺ بأن يحرق بيوت من يتخلف عن الصلاة كذلك في حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه: ابن خزيمة: (1479)، الحاكم: (902).، فما ضرَّ طالبان إذن إذا قاموا بالاستجابة لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ وأمروا النَّاس بالصَّلاة.

فهذا الطَّاغية وهذا الحاكم إذا امتنع واحد من النَّاس من دفع دولار أو دينار مما أوجبه في الضَّرائب؛ لنُكَّل به في السجون وجُرجِرَ وعُوقِبَ من أجل دولار واحد! أما أن يضيع دين الله ﷻ وأهمه أركان الدِّين فهذا لا يعنيه! أسمعتم أن شخصًا قُتل أو عُوقب لأنه لا يصلي؟! ما سمعت بهذا من قبل.. فالمقصود من هذا أن أمر النَّاس بالصَّلاة هو من أهم واجبات الإمام، لأنَّه كما كان عمر رضي الله عنه يوصي أمراءه فيقول: «إنَّ أهمَّ أمركم عندي الصَّلاة فمن أقامها فكان لما سواها أقوم ومن ضيَّعها كان لما سواها أضيع»٢٬٢٧٢مالك: (6)، وفيه انقطاع.؛ فلا بدَّ من أن يُراعى هذا الأمر.

ص 1344

«وَيُعَاقِبُ التَّارِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ»؛ لأنه تارك لواجب من الواجبات، لكن بأيِّ شيء يُعاقب؟ هذا مختلف فيه، فاتفق العلماء على استحقاقه للعقوبة إذا كان مقدورًا عليه، كأن تدعوه للصلاة فيقول: لا أريد، هذه حرية شخصية.. الخ؛ فهذا يُعاقب، لأنه ترك واجبًا شرعيا، ثم انتقل لصورة أخرى: «فَإِنْ كَانَ التَّارِكُونَ طَائِفَةً مُمْتَنِعَةً قُوتِلُوا عَلَى تَرْكِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ» فإذا اتفقت طائفة من النَّاس فيما بينهم على ترك الصلاة، وليس من الضروري أن يكون تركهم لجميع الصَّلوات، حتى وإن قالوا نريد أن نترك صلاة العشاء أو الفجر، ومعنى الامتناع: لا يستطيع الإمام أن يلزمهم بإقامة الصَّلاة إلا بقتالهم وسفك دمائهم، فانظر: تُسفك دماؤهم من أجل الصَّلاة التي يتهاون فيها النَّاس الآن، وينصب لهم الإمام الجيش ويؤمِّر على هذا الجيش القادة ويحشد لهم الحشود بسبب أنهم تركوا -أحيانًا- ركعة من الصَّلاة كأن يتواطؤوا على أن يصلُّوا صلاة الفجر ركعة واحدة.

فكيف إذن بالطوائف المعاصرة التي تركت دين الله كاملًا أو فرَّطت في أكثر شرائع الله ﷻ؛ فامتنعوا على موالاتهم لأعداء الله ﷻ بالشَّوكة، وتواطؤوا على ترك الحكم بكتاب الله بين النَّاس، وتواطؤوا على استحلال دماء المسلمين وعلى أخذ أموال النَّاس ظلـمًا بالقوة، وهذا كله تجده صِيغَ عندهم في قوانين، وعُرِف عندهم في داخل الدَّولة، وكُوَّنت في داخل الدَّولة جيوش وطوائف وأجهزة من أجل تنفيذ هذه الأمور، وصارت ممتنعة عليها؛ أي عندها الشوكة لتلزم النَّاس بها، وهذه الأمور كلها مخالفة لدين الله ﷻ، وهذه الأمور التي يرتكبونها ليست من الأمور الخلافية، وإنما هي من الأمور المعلومة بالدِّين من الضرورة، فهؤلاء كفروا أو لم يكفروا وجب قتالهم باتفاق العلماء، فنحن نعلم أن تارك الصلاة اختلف العلماء في تكفيره فالجمهور على عدم تكفيره، ومع ذلك شيخ الإسلام يقول: لو أنَّ طائفة من النَّاس امتنعوا عن إقامة الصلاة -كفروهم أو لم يكفروهم- وجب قتالهم باتفاق العلماء؛ فوجوب القتال للطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام لا يتوقف على تكفيرها، وإنما مناط وجوب القتال هو: الامتناع عن الشريعة الظاهرة.

ففرق شيخ الإسلام بين المقدور عليه فيُعاقب تعزيرًا، وإن كان ممتنعًا يُقاتل.

ص 1345

«وَكَذَلِكَ يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِ الزَّكَاةِ» كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، «وَالصِّيَامِ، وَغَيْرِهِمَا» من شعائر الدين الظاهرة المتواترة، «وَعَلَى اسْتِحْلَالِ مَا كَانَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا» ما كان يتكلم عليه من الصَّلاة والزَّكاة إنَّما هو لترك واجب، وهنا يتكلم على فعل المحرمات التي ثبتت حرمتها باتِّفاق المسلمين، وكلمة استحلال في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ليست شرطًا في القتال، وكلمة الاستحلال قد تحمل على معنى أنهم استحلوها أي فعلوها معتقدين أنَّها حلال فهؤلاء مرتدون، مثل إنسان يتعامل بالربا، ويعتقد أنَّ الربا حلال له فهذا مرتد، فقول شيخ الإسلام هنا: «وعلى استحلال المحرمات»؛ أي ويقاتلون على استحلالهم للمحرمات، إمَّا أن يكون معنى هذا يعني فعلوها مستحلين لها، وهؤلاء يقاتلون قتال المرتدِّين، أو أنَّهم تعاملوا فيما بينهم تعامل المستحلِّ لها.

فليس المقصود أنهم استحلوها ولكن من كثرة فعلهم لهذه المحرمات حتى لا يكاد يظهر أنهم يحرِّمونها كما قال النَّبيُّ ﷺ: (يستحلون الحر والحرير والمعازف)٢٬٢٧٣من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري: البخاري: (5268).، ذكر بعض العلماء أنَّ الاستحلال هنا يعني يفعلونها فعل المستحلِّ لها، فلا ترى أدنى إنكار لمن يشرب الخمر أو فيمن يستخدم المعازف أو لمن يزني، فكلام شيخ الإسلام يحمل هذا ويحمل هذا، ولكنه ليس بقيد، فليس المقصود أنَّهم لا يقاتلون إلا إذا استحلوها.

«كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ» الفساد في الأرض شيء عام يدخل فيه الصغير والكبير ولكن لا شكَّ أنَّه يقصد الأمور المتَّفق عليها التي ليس فيها اختلاف بين العلماء. «وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنِ الْتِزَامِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، يَجِبُ جِهَادُهَا، حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ»؛ إذن هل هناك أدنى تردد أو شبهة في قتال الجيوش التي تقوم على حماية أنظمة الكفر والردَّة وتقوم على الامتناع عن كثير أو أكثر شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؟

شيخ الإسلام هنا يتكلم على قتال من امتنع، فكيف بمن ضمَّ إلى امتناعه إلزام النَّاس بأن يشاركوه فيما امتنع عليه!، فالآن هذه الأنظمة تحكم النَّاس بقوانين وضعية، وكوَّنت الجيوش لأمرين؛ الأول لحماية هذه القوانين وإبقائها وهذا مخالف لدين الله ﷻ.

والأمر الثاني: هو إلزام النَّاس لأن يكونوا تحت هذه القوانين وحتى يتحاكموا إليها.

ص 1346

فجمعوا بين أمرين: جمعوا بين أمر تعطيل الشريعة والامتناع عن الحكم، وبين الصيال على النَّاس من أجل أن يدخلوهم معهم في هذه الأمور التي خالفوا فيها الشَّرع مما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، فقتال المجاهدين لمثل هذه الطوائف يكون أيضًا من جهتين:

أولًا: من جهة قتالهم كقتال دفع الصَّائل لأن هؤلاء صالوا على الدماء والأعراض بالحكم فيها بغير ما أنزل الله وإلزام النَّاس بها.

والجهة الأخرى: يقاتلون لأنَّهم امتنعوا عن شرائع كثيرة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فما ينبغي أن يكون هناك أدنى خلاف في وجوب قتال هذه الطَّوائف الممتنعة، ولو أردنا أن نعدِّد أفراد الأمور التي امتنعوا عليها مما هو معلوم من الدِّين بالضرورة لطال المقام.

اختلف العلماء في القتال على السنن الرواتب، وشيخ الإسلام نقل الإجماع على الأمور الواجبة المتفق عليها، قال: وإنما اختلف الفقهاء في السنن مثل لو أنَّ قومًا امتنعوا عن سنَّة الفجر أو امتنعوا عن صلاة الوتر، فقال: إنَّ بعض العلماء ذهب إلى أنهم يقاتلون على أمثال هذه السنن٢٬٢٧٤مجموع الفتاوى: (28 / 358)، (28 / 503)..

«وَإِنْ كَانَ التَّارِكُ لِلصَّلَاةِ وَاحِدًا فَقَدْ قِيلَ» رجع لبيان ما نقله من أنَّ العلماء متفقون على عقوبة تارك الصَّلاة، ففصَّل هنا وذكر اختلاف العلماء في نوع العقوبة، وهنا يتكلم عن الرجل الذي يكون مقدورًا عليه، «إنَّهُ يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ حَتَّى يُصَلِّيَ»؛ أي لا يُقتل، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، «وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى، وَإِلَّا قُتِلَ» هناك خلاف كثير هل إذا أبى من صلاة واحدة أو يبقى ثلاثة أيام؟، لكنَّ المهم أنَّه هناك أصل الاستتابة وأنَّه إذا لم يرجع إلى إقامة الصَّلاة قُتل.

ص 1347

«وَهَلْ يُقْتَلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا فَاسِقًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَأَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ كَافِرًا٢٬٢٧٥«وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ كَسَلًا وَتَهَاوُنًا مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا يُدْعَى إِلَيْهَا، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهَا فَفِي عُقُوبَتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأْوَّل: يُحْبَسُ تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا لاَ كُفْرًا، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
الْقَوْل الثَّانِي: يُحْبَسُ تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِلاِسْتِتَابَةِ وَإِلاَّ قُتِل كُفْرًا وَرِدَّةً، حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَنْ جَحَدَهَا وَأَنْكَرَهَا لِعُمُومِ حَدِيثِ: (بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ)، وَهَذَا قَوْل عَلِيٍّ رضي الله عنه وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالأْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: يُحْبَسُ تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا وَلاَ يُقْتَل بَل يُضْرَبُ فِي حَبْسِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ، وَهُوَ الْمَنْقُول عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: (لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالْمَارِقِ مِنَ الدِّينِ التَّارِكِ الْجَمَاعَةَ) وَتَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا لَيْسَ أَحَدَ الثَّلاَثَةِ، فَلاَ يَحِل دَمُهُ بَل يُحْبَسُ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا»، الموسوعة الفقهية الكويتية: (16 / 302-303).
» والظاهر أن قوله: «أكثر السلف»؛ أي من غير الصحابة؛ يعني إن كان هناك خلاف فيكون بين أتباع التابعين، أما الصَّحابة فليس بينهم خلاف أنَّ تارك الصَّلاة كافر كما قال عبد الله بن شقيق: «ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصَّلاة»٢٬٢٧٦الترمذي: (2622) وصححه الألباني، وعند الحاكم: (12) عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة..

«وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا، أَمَّا إذَا جَحَدَ وُجُوبَهَا، فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ» الخلاف الذي ذكرناه في عقوبة تارك الصَّلاة هل يُضرب حتى يصلي أو يُقتل وهو مسلم فاسق؟ أو يُقتل وهو مرتد؟، هذا الخلاف إذا كان تاركًا لها مع الإقرار بوجوبها، أي يُسئل: لماذا لا تصلي أليست صلاة الظهر واجبة؟ فيقول واجبة، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف، أما إذا كان جاحدًا لوجوبها فهذا مرتد فعلها أو لم يفعلها، لأنه كذَّب خبر الله ﷻ فيقول: الصَّلاة غير واجبة وهذه حرِّية دينية، إذا أريد أن أصلي؛ أصلي، وإذا أريد أن أترك؛ أترك، فهذا جاحد لوجوبها وهو مرتد باتفاق العلماء.

«وَكَذَلِكَ مَنْ جَحَدَ سَائِرَ الْوَاجِبَاتِ الْمَذْكُورَةِ» كالصيام والزكاة ومما هو معلوم من الدين بالضرورة «وَالْمُحَرَمَاتِ التِي يَجِبُ القِتَالُ عَلَيْهَا» وهي المحرمات الظاهرة المعروفة المتفق عليها، فإذا جحدها يكون مرتدًا فعلها أو لم يفعلها، إنسان يعتقد أنَّ الزنا حلال وهو لا يزني فهذا كافر، وخير منه -والعياذ بالله- من يزني وهو يعتقد أنَّ الزنا حرام.

ص 1348

«فَالعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الـمُحَرَّمَاتِ هُوَ مَقْصُودُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فإنما يُقاتل المشركون والكفار من أجل أن يؤدُّوا الواجبات ويتركوا المحرمات، من التوحيد إلى ما دونه من الواجبات، فلذلك يقول الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5]؛ إذن تخلية سبيلهم لا يكون بمجرَّد دعواهم للتوبة. نعم إذا دُعي الكافر إلى الإسلام فنطق بالشهادتين فقد حَرُم دمُه بذلك، وعلينا أن نكفَّ عنه، لكن يلزمه التزام واجبات وترك محرمات، فقالوا: إنَّ الله تعالى ذكر الصلاة تنبيهًا على حقوق الله ﷻ، وذكر الزكاة تنبيها على حقوق العباد، فإذا لم يقمِ الصَّلاة استمر قتاله، وإذا لم يؤدِّ الزكاة استمر قتاله، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه مع مانعي الزَّكاة.

فالمقصود من الجهاد أصلًا هو: إقامة الواجبات وترك المحرمات؛ لأنَّ الجهاد أُمرنا به ليكون الدِّين كلُّه لله، ومما هو من الدِّين إقامة الواجبات وترك المحرمات، فإذا كان بعض الدِّين لله وبعضه لغير الله وجب القتال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية «وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ بِاتِّفَاقٍ»، ولكن واجب كفائي إلا في المواضع التي يتعين فيها.

«كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: (لَا تَسْتَطِيعُهُ أَوْ لَا تُطِيقُهُ)، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِهِ، قَالَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ)، قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، قال: (فَذَلِكَ الذِيِ يَعْدِلُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ)٢٬٢٧٧من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2633)، والنسائي: (3128)، وأحمد: (8521)..، وقال: (إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَمئة دَرَجَةٍ بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ)٢٬٢٧٨من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري: (2637)، وابن حبان: (7390)، وأحمد: (8455).، كِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)٢٬٢٧٩[رواه الترمذي: (٢٦١٦)، وقال: «حديث حسن صحيح» وصححه الألباني].» بدأ يذكر في فضل الجهاد؛ لأنَّ مقصوده ومؤدَّى القيام بهذه العبادة هو إقامة الدِّين، ومن هنا نفهم أنَّ الدِّين لا يمكن أن يُقام على وجهه إلا بالجهاد في سبيل الله ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39]، فمن ذلك إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة والحج وغير ذلك، وكذلك من ذلك ترك المحرَّمات المعروفة كنكاح ذوات المحارم وأكل أموال النَّاس بالباطل وغيرها.

ص 1349

«وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]»؛ يعني إنَّما المؤمنون إيمانًا كاملًا، الذين أدُّوا الواجبات وتركوا المحرمات هم الَّذين اتصفوا بهذه الصِّفات، وهم الصَّادقون بأقوالهم وأفعالهم، أولها أنَّهم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يقع في قلوبهم شكٌّ ولا ريب في هذا الإيمان، ثم بعد ذلك جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ومن علامات الصِّدق مع الله تعالى أن يكون الإنسان مجاهدًا في سبيل الله بنفسه وماله.

«وَقَالَ تَعَالَى: ﴿۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠ يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [التوبة: 19-22]»٢٬٢٨٠[انتهت المحاضرة الثانية عشرة، وشرع الشيخ في المحاضرة الثالثة عشرة]..

❖ ❖ ❖

ص 1350

فَصْلٌ: عُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ

بدأ في أول الحدود التي هي من حق الله بقطاع الطرق، وقد ورد ذكرهم في كتاب الله تعالى، فقال: «وَمِنْ ذَلِكَ»؛ أي وممَّا كنَّا نتكلم عليه ممَّا هو من حقوق الله وحدوده، «عُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ» وذلك لأن تأمين الطرق، وتأمين النَّاس فيها، منفعته عامة للمسلمين، كما أن إخافة السبيل، والسطو على أموال النَّاس، وسفك دمائهم لأجل ذلك، هو من أعظم الجرائم، ومن أعظم المفاسد التي تلحق المسلمين، ولذلك كانت عقوبته شديدة غليظة، كما جاءت في كتاب الله ﷻ، «وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ النَّاسَ، فِي الطُّرُقَاتِ وَنَحْوِهَا» فلا بدَّ أن يكون اعتراضهم للنَّاس في الطُّرقات بالسِّلاح، وليس المقصود بالسِّلاح هنا هو فقط السِّيوف أو الرِّماح أو «الكلاشن» أو المسدَّس أو نحو ذلك كما سيذكر هذا الأمر مفصَّلًا بعد ذلك، وإنِّما كلُّ شيء استخدموه لقتل النَّاس وأخذ أموالهم، أو إخافتهم لأجل أخذ أموالهم؛ فهو داخل في معنى السِّلاح.

وقوله: «ونحوها» أي لا يُشترط أن يكون ذلك في الطُّرقات فقط، وسيذكر بعد ذلك الخلاف بين العلماء: هل إذا حصل هذا الأمر في الأمصار أي في داخل المدن والأحياء هل ينطبق عليه اسم المحاربين واسم قطَّاع الطَّريق، أم يختص الأمر فقط بمن فعل هذا في البراري وفي خارج الأمصار؟

«لِيَغْصِبُوهُمْ الْمَالَ مُجَاهَرَةً»؛ أي قطَّاع الطُّرق إنما يفعلون ذلك من أجل أن يسلبوا النَّاس أموالهم «مجاهرة»؛ أي ليس على سبيل الخُفية فهم معلنون بما يفعلون، ويعتمدون في أخذهم لأموال النَّاس على أخذ أسلحتهم، وليس على اختفائهم؛ فأخذ أموال النَّاس بالخُفية هذا فعل السُرَّاق، فأمَّا قطَّاع الطَّريق فهم يفعلون هذا مجاهرة سواء بالليل أو بالنَّهار؛ فهذه ثلاثة شروط.

ص 1351

«مِنَ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ وَالْفَلَّاحِينَ وَفَسَقَةِ الْجُنْدِ أَوْ مَرَدَةِ الْحَاضِرَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 33-34]، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: «إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِّبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ»٢٬٢٨١الشافعي في مسنده: (1 / 336)، والبيهقي في الكبرى: (17313).، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ٢٬٢٨٢المجموع: (20 / 104)، الحاوي الكبير: (13 / 352)، المغني: (10 / 297)، حاشية الروض المربع: (7 / 382)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (17 / 158-162). وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله٢٬٢٨٣جاء في بدائع الصنائع: (15 / 273): «قطع الطريق أربعة أنواع:
- إما أن يكون بأخذ المال لا غير، وإما أن يكون بالقتل لا غير، وإما أن يكون بهما جميعًا.
- وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ، ولا قتل، فمن أخذ المال، ولم يقتل قطعت يده، ورجله من خلاف، ومن قتل، ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال، وقتل قال أبو حنيفة رضي الله عنه: «الإمام بالخيار إن شاء قطع يده، ورجله، ثم قتله أو صلبه، وإن شاء لم يقطعه، وقتله أو صلبه» وقيل: إن تفسير الجمع بين القطع والقتل عند أبي حنيفة رحمه الله هو: أن يقطعه الإمام، ولا يحسم موضع القطع، بل يتركه حتى يموت»، وانظر: الاختيار لتعليل المختار: (4 / 121).
» بدأ هنا الكلام على عقوبة هؤلاء المحاربين قطَّاع الطَّريق؛ فذكر اختلاف العلماء في فهم الآية التي نزلت فيهم، فقال: إنَّ العلماء في ذلك قد اختلفوا، وهذا الاختلاف راجع إلى حرف «أو» الذي في الآية ﴿أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ فبعضهم قال: «أو» هنا للتنويع، وبعضهم قال: للتخيير.

ص 1352

فالَّذين قالوا إنَّها للتنويع نقلوه عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه الشافعي، فعندما نقول إنَّ حرف «أو» للتنويع؛ يعني لتنويع العقوبة بحسب كلِّ جريمة؛ فيكون حكمهم القتل إذا قتلوا ولم يأخذوا مالًا، فإذا كانت جريمتهم أنَّهم قتلوا النَّاس فقط في الطُّرقات بالسِّلاح مجاهرة فيكون حكمهم القتل. وإذا قتلوا وأخذوا المال فقال هنا يقتَّلون ويصلَّبون، فجُمع لهم بين عقوبتي القتل والصلب. والثالثة: إذا أخذوا المال ولم يقتلوا، بمعنى أنهم أخافوا السَّبيل، وشهروا السِّلاح، وأخذوا المال مجاهرة، إلا أنهم لم يقتلوا أحدًا من المارَّة فهنا تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فلا يقتلون ولا يصلَّبون، وإنما يعاقبون على أخذهم المال، والحد هنا قطع طريق وليس سرقة فلذلك غُلظت العقوبة. والأمر الرابع: إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا المال، وإنَّما أخافوا السَّبيل فقط، وأرعبوا النَّاس وطاردوهم، ففي هذه الحال يُنفون من الأرض، وسيأتي معنى النفي، فهذا هو القول الأول أنَّ «أو» للتنويع: إنزال كلِّ عقوبة على ما يناسبها من الجريمة، وكما ذكر هنا أنَّ هذا هو قول كثير من أهل العلم كالإمام الشَّافعي وكأحمد رضي الله عنهما، وهو كذلك قريب من قول الإمام أبي حنيفة.

«وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَسُوغُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِمْ، فَيَقْتُلَ مَنْ رَأَى قَتْلَهُ مَصْلَحَةً» بأي جريمة فعلها ولكنه قطع الطريق «وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَئِيسًا مُطَاعًا فِيهِم، وَيَقْطَعَ مَنْ رَأَى قَطْعَهُ مَصْلَحَةً، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ فِي أَخْذِ الْمَالِ» هذا هو القول الثاني: أنَّ «أو» للتخيير؛ يعني أنَّ الإمام مخيَّر في أيٍّ من العقوبات شاء عاقبهم بها، والتخيير هنا ليس تخيير تَشَهٍّ وهوى، وإنَّما هو تخيير اجتهاد ونظر وتحرِّي، فهنا قد يقتل الإمام مَن أخذ مال النَّاس بالسِّلاح، وقد يقطع اليد والرجل مِن خلاف ممن أخاف السَّبيل فقط وهكذا، يعني أنَّ هذه العقوبات جعلها الشَّرع للإمام يختار منها ما يراه مناسبًا، وهذا هو مذهب الإمام مالك رحمه الله٢٬٢٨٤جاء في بداية المجتهد (2 / 455): «قال مالك: «إن قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف، وأما إذا أخاف السبيل فقط فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه»»، وانظر: (المدونة الكبرى: (4 / 552-556)، مواهب الجليل: (8 / 427-432)..

«كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُمْ إِذَا أَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَقُطِعُوا وَصُلِبُوا»؛ فهذا قول آخر يرى أنهم إذا أخذوا المال فقط، ولو لم يقتلوا: جاز أن تَجمع لهم جميع العقوبات بأن تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم تصلِّبهم ثم تقتلهم بعد ذلك، فيكون «أو» في الآية بمعنى الواو، وهذا موجود في العربيَّة، «وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ»؛ أي القول بأنَّ كلَّ عقوبة بحسب الجريمة، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الإمام مالك هو الرَّاجح، لأنَّ الأصل في «أو» أن تكون للتخيير بحسب مصلحة المسلمين لا بالتشهي، وإخراجها عن هذا الأصل يحتاج إلى دليل، وقول ابن عباس ضعيف٢٬٢٨٥المقصود هنا ضعف الإسناد، والله أعلم..

ص 1353

«فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ قَدْ قَتَلَ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ الْإِمَامُ حَدًّا لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ بِحَالٍ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ٢٬٢٨٦جاء في المغني: (10 / 302): «إذا قتل وأخذ المال فانه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو، أجمع على هذا كل أهل العلم، قال ابن المنذر: «أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم روي عن عمر وبه قال سليمان ابن موسى والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي»».» يذكر هنا أن المحاربين إذا قتلوا مسلما ثم أخذهم الإمام؛ فأمره لا يرجع لأولياء الدم، مع أننا نعلم أنَّ من قتل مؤمنًا متعمِّدًا، فأمْرُ المقتول راجع إلى أولياء الدَّم، إن شاؤوا اقتصُّوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية، وأمَّا في هذا الموطن فيجب قتل هذا القاتل من قطَّاع الطُّرق سواء عفى ولي الدم أو لم يعفُ؛ لأنَّ الأمر هنا صار متعلقًا بحقوق الله التي ليس لأحد أن يُسقطها، فضرره هنا مُتعدٍّ؛ لأنَّه يُخيف المسلمين من أجل أخذ أموالهم.

أمَّا في القِصاص فإنَّه يقتل إمَّا لعداوة بينهما، وإمَّا لأمر خاص يتعلق بشخص القاتل أو حميَّة أو غير ذلك، أمَّا هنا فإنَّه لا يهمه مَن الذي يكون عنده المال، فليس بينه وبين شخص عداوة معيَّنة، وإنما يقف في الطَّريق فحيثما رأى المال أخذه وقاتل من يمانعه من أخذه، فهنا إذن يتعدَّى قاطع الطريق على الحقِّ العامِّ للمسلمين، ولا يتعدَّى على حقِّ شخص معيَّن، فهذا المسلم الذي قُتل وأُخذ ماله هذا جزء ممن شملهم الفساد العامُّ الذي يرتكبه قاطع الطَّريق، والحفاظ على المصلحة العامَّة للمسلمين، ودفع الفساد العامِّ عنهم، إنما يرجع إلى الإمام الذي يقيم الحدود، فإذن هذا هو الفرق بين القصاص وبين إقامة الحد على قاطع الطريق الذي قَتَل.

ص 1354

«وَلَا يَكُونُ أَمْرُهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ» فلا يكون أمر العفو عنه أو قبول الديَة أو إقامة القصاص راجع إلى أولياء المقتول، فهنا لا تعلَّق لهم، فهذا الحقُّ صار متعلقًا بالحقِّ العامِّ، وهو الذي يرجع للمسلمين، «بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ خُصُومَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْخَاصَّةِ، فَإِنَّ هَذَا دَمُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا عَفَوْا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِغَرَضٍ خَاصٍّ، وَأَمَّا الْمُحَارِبُونَ فَإِنَّمَا يُقْتَلُونَ لِأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ فَضَرَرُهُمْ عَامٌّ بِمَنْزِلَةِ السُّرَّاقِ» فالسَّارق لا يهمُّه سَرَقَ مِن هذا أو من ذاك؛ فحيث ما وجد الفرصة سانحة لأن يأخذ مالًا سرقه، ولذلك فإنَّ السَّارق تُقطع يده، وقطع يده حدٌّ من حدود الله التي لا تصحُّ فيها الشَّفاعة، ولا يمكن إسقاطه بأي حال من الأحوال حتى ولو عفا صاحب المال، كما ذكرنا في قصَّة صفوان بن أمية رضي الله عنه، فكما أنَّ من سُرق ماله إذا تنازل عن هذا المال لا يقود إلى إسقاط الحدِّ عن السَّارق، فكذلك من قُتل له قتيل وقد تعلَّق هذا بالحقِّ العامِّ فلا يصحُّ أن يعفو عنه، فهي كلها من حدود الله ﷻ؛ «فَكَانَ قَتْلُهُمْ حَدًّا للَّهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ مُكَافِئِ لِلْقَاتِلِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، أَوْ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا، وَالْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: هَلْ يُقْتَلُ فِي الْمُحَارَبَةِ؟ وَالْأَقْوَى أَنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ قُتِلَ لِلْفَسَادِ الْعَامِّ حَدًّا، كَمَا يُقْطَعُ إذَا أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَكَمَا يُحْبَسُ بِحُقُوقِهِمْ» السبيل تمشي فيها العبيد والنساء وأهل الذمَّة والمستأمنون، فإذا كانوا هؤلاء الذين أغاروا على هذه القافلة أو على هذه الطائفة قتلوا واحدًا من أهل الذمة، ونحن نعرف أنَّ المسلم لا يُقتل بالكافر لعدم المكافأة، ولكن في هذا الموطن اختلف العلماء فذهب الأكثرون إلى أنهم يقتلون٢٬٢٨٧قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: (20 / 382): «مسألة قتل المسلم بالكافر والذمي والحر بالعبد للناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقتل به بكل حال؛ كقول أبي حنيفة وأصحابه، والثاني: لا يقتل به بحال كقول الشافعي وأحمد في أحد القولين، والثالث: لا يقتل به إلا في المحاربة؛ فإن القتل فيها حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة بل يقتل فيه الحر وإن كان المقتول عبدًا، والمسلم وإن كان المقتول ذميًا، وهذا قول أهل المدينة والقول الآخر لأحمد وهو أعدل الأقوال».؛ لأنَّنا لا نقتله على سبيل القصاص، وإنما نقتله لتأمين الحقِّ العامِّ للنَّاس، فهذا كأنَّه تجرأ على هيبة الدَّولة، وأخاف النَّاس وسلب أموالهم، فلا يهمُّه إن مرَّ مسلم أو ذميٌّ أو رجل أو امرأة، وإنَّما يهمُّه أن يأخذ المال، وإذا لم يستطع أن يصل إليه إلا بالقتل قتل. ولذلك ذهب الأكثرون لقتله حتى ولو كان القتيل كافرًا أو عبدًا؛ فوجب أن يقتل حدًّا لله ﷻ.

ص 1355

«وَإِذَا كَانَ الْمُحَارِبُونَ الْحَرَامِيَّةُ جَمَاعَةً»؛ أي طائفة كخمسة أو عشرة أو عشرين أو نحو ذلك، «فَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ بَاشَرَ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ، وَالْبَاقُونَ لَهُ أَعْوَانٌ وَرِدْءٌ لَهُ» المباشر إذا ثبت عليه فإنه يُقتل بالإجماع وهذا الذي كنَّا نتكلم عنه، وأمَّا طائفته الذين أعانوه على ذلك وساعدوه وقووه، بعضهم يترصد وبعضهم يسلب المال وبعضهم كذا، اجتمعوا وتعاونوا حتى قتل هذا الشخص، «فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُقْتَلُ الْمُبَاشِرُ فَقَطْ٢٬٢٨٨وهو قول الإمام الشافعي، قال النووي في روضة الطالبين: (7 / 367): «وفيما يعاقب به الردء وجهان، أصحهما: يعزره الإمام باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي، والثاني: يغربه بنفيه إلى حيث يرى».»؛ أي ذهب بعض العلماء أنَّ القتل إنَّما يستحقه الشخص الذي تولَّى القتل بنفسه وأمَّا الآخرون فلا يقتلون، وجاء بلفظ «قيل» لتضعيف هذا القول.

«وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ يُقْتَلُونَ٢٬٢٨٩المبسوط للسرخسي: (9 / 351)، الاختيار لتعليل المختار: (4 / 122)، الذخيرة: (12 / 133)، المدونة الكبرى: (4 / 554)، الإنصاف: (10 / 223)، المغني: (10 / 313)، حاشية الروض المربع: (7 / 378)، الموسوعة الفقهية الكويتية: (17 / 158).، وَلَوْ كَانُوا مئة وَأَنَّ الرِّدْءَ وَالْمُبَاشِرَ سَوَاءٌ» وهذا يبين لك عظم هذه الجريمة عند الله ﷻ، ولذلك سمَّاهم الله تعالى محاربين لله ولرسوله، وليس شرطًا أن يكونوا كفارًا، ومع ذلك استحقوا هذه الصِّفة أن يُوصفوا بأنهم محاربون لله ﷻ، «وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَتَلَ رَبِيئَةَ الْمُحَارِبِينَ. وَالرَّبِيئَةُ هُوَ النَّاظِرُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَى مَكَان عَالٍ، يَنْظُرُ مِنْهُ لَهُمْ مَنْ يَجِيءُ» والآن تطورت هذه الصِّفة فيمكن للإنسان أن يقولها بالهاتف فليس شرطًا أن يكون واقفًا معهم، وإنما أن يشاركهم في هذه الجريمة بالدلالة على المعلومة المعينة في الجريمة فيكون جزءًا منها بخبر أو رصد أو مباشرة.

«وَلِأَنَّ الْمُبَاشِرَ إنَّمَا يُمَكَّنُ مِنْ قَتْلِهِ بِقُوَّةِ الرِّدْءِ وَمَعُونَتِهِ» استدلَّ أولًا بسيرة الخلفاء الرَّاشدين، ثم بعد ذلك استدلَّ بالتعليل، وهو أنَّ هذا الحرامي الذي باشر القتل لو كان لوحده لما استطاع من قتْلِ هذا، ولكن بسبب من يعضده ويعينه، ومن كان ردءًا له، ومن كان ربيئة له، استطاع أن يتقوَّى وأن يتجرأ على قتل هذا الإنسان، فإذن الجميع عضد بعضهم بعضًا، وقوَّى بعضهم بعضًا، حتى اشتركوا بقوَّتهم في قتل هذا الإنسان، فكما اشتركوا في الجريمة يشتركون أيضًا في العقوبة.

ص 1356

«وَالطَّائِفَةُ إذَا انْتَصَرَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ حَتَّى صَارُوا مُمْتَنِعِينَ فَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ» والعبرة في الاشتراك أن يكونوا معينين على هذا القتل الذي حصل، لا أنهم جميعا قطاع طرق؛ فيُنظر لكل وقعة بحسبها، فبعدما ذكر أن المباشر إنَّما تمكَّن من قتله بقوَّة الردء والمعين، ذكر قاعدة عامَّة وهي أنَّ الطَّائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب؛ فإذا كانت هناك مجموعة من النَّاس وانتصر بعضهم لبعض فهذا يعين ذاك، وذاك يعين هذا، فيكون هناك أمر فيما بينهم اجتمعوا على مناصرته وتقويته، فهذه الطَّائفة التي صارت فيما بينها متعاضدة متناصرة على هذا الأمر وممتنعة عليه وعندها قوة الشَّوكة هذه الطَّائفة تشترك في العقاب، كما تشترك في الثواب أي في الغنيمة والعطاء كما يشترك كل الجيش فيه؛ «كَالْمُجَاهِدِينَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ)؛ يعني إذا قتل الشريفُ الوضيعَ أو العكس فكلهم حكمهم القصاص (وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)؛ فإذا أمَّن مسلم وضيعٌ كافرًا فيجب على الشَّريف أن يُراعي ذمَّته ولا يخفرها، (وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) هم أمَّة واحدة: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]، (وَيَرُدُّ مُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ)٢٬٢٩٠من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أبو داود: (2751)، حسنه الألباني.» وهذا هو الذي ساق لأجله الحديث.

«يَعْنِي أَنَّ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَسَرَّتْ مِنْهُ سَرِيَّةٌ فَغَنِمَتْ مَالًا، فَإِنَّ الْجَيْشَ يُشَارِكُهَا فِيمَا غَنِمَتْ لِأَنَّهَا بِظَهْرِهِ وَقُوَّتِهِ تَمَكَّنَتْ لَكِنْ تُنَفَّلُ عَنْهُ نَفَلًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ إذَا كَانُوا فِي بِدَايَتِهِمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَإِذَا رَجعُوا إِلَى أَوْطَانِهِمْ وَتَسَرَّتْ سَرِيَّةٌ نَفَّلَهُمْ الثُلُثَ بَعْدَ الخُمُسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ غَنِيمَةً شَارَكَتْهُ السَّرِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُمَا فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، فَأَعْوَانُ الطَّائِفَةِ الْمُتَمَتِّعَةِ، وَأَنْصَارُهَا مِنْهَا، فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ» السَّرية هي جزء من الجيش، وخرجت عنه من أجل مصلحة تتعلق بالجيش، إمَّا أن ترى وتفتح له الطَّريق، وإمَّا أن تحمي ظهره في الرجوع، فهذه الطَّائفة -وهي السَّرية والجيش- ينصر بعضها بعضًا، ويقوِّي بعضها بعضًا، فلذلك اشتركوا في الثواب، فعندما تغنم هذه السَّرية شيئًا فلا تقول: أنا أختصُّ به فليس للجيش فيه حقًّا، وإنَّما تأخذ النفل كما ذكرنا من قبل ثم باقي الغنيمة هي والجيش فيها سواء، فلماذا أخذ الجيش مع أنه لم يُقاتل؟ لأنَّ السَّرية إنَّما أخذت بقوته وبظهره وبعونه لها.

ص 1357

وكذلك الذي يرسله الإمام جاسوسًا على الكفَّار في هذه المعركة فهذا يستحق من الغنيمة ولو لم يُقاتل بنفسه، لأنَّه مناصر لهذه الطَّائفة.

فالقاعدة العامَّة أنَّ الطَّائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين بالشَّوكة فهم مشتركون في الثواب والعقاب، ولهذا نحن نقول: إنَّ الجيوش الموجودة الآن هذه طائفة انتصر بعضها ببعض وهذا لا شكَّ فيه، ولأنَّ هذه الجيوش اجتمعت على أمر ما، فكلُّ جيش في دولة من الدُّول وُضعت له مهام محدَّدة، فهناك قانون يبين مهام هذا الجهاز الاستخباراتي أو الجيش أو الشُّرطة، وهذه المهام هو موكل بالقيام بها وبالدِّفاع عنها أيضًا، فكلُّ فرد من هؤلاء الجيش هو معين للفرد الآخر، وكوَّنوا بمجموعهم عندما اجتمعوا على هذه المهام: طائفة ينتصر بعضها ببعض؛ فهم مشتركون في الثواب -وليس لهم ثواب- ومشتركون في العقاب، فكما يُقتل هذا يُقتل هذا، فلا تقول: هذا ضعيف مسكين ليس له علاقة... لا! هو جزء من هذه الطَّائفة وهو مناصر لها، فيوم أن تقاتل هناك هذا سيُستدعى ويكون مناصرًا للطَّائفة التي هناك.

ولذلك ترى في الدَّولة الفرق بين أن تقتل واحدًا من عامَّة النَّاس، وبين أن تقتل عسكريًّا باعتباره عسكريًّا؛ فأنت الآن حتى لو قتلت رجلًا شرطيًّا لعداوة بينك وبينه في المزرعة فهنا كأنَّك قتلت واحدًا من النَّاس، ولكن لو قتلته باعتباره شرطيًّا أو باعتباره عسكريًّا فهنا الدَّولة مباشرة تعتبرها تعديًّا على حرمة الدَّولة، إذن هذا الشخص متلبس بصفة المناصرة لهذه الدَّولة حتى عدَّته واحدًا من الطَّائفة التي ينصر بعضها بعضًا، فلذلك نقول: هم سواء في الثواب وفي العقاب.

«وَهَكَذَا الْمُقْتَتِلُونَ عَلَى بَاطِلٍ» استطرد شيخ الإسلام في مسألة أنَّ من يعين الآخر على أمر ما، فإنَّ الثواب والعقاب يشمل الجميع من باشر ومن لم يباشر؛ وهذا دليل على أن «الشخصية الاعتبارية» لها أصل في الشريعة.

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

ص 1358

‌ومَا ‌أنَا ‌إِلَّا ‌من ‌غَزِيَّةَ ‌إنْ ‌غوَتْ

غويتُ وإن تَرْشَدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ٢٬٢٩١ديوان دريد بن الصمة: (1 / 62).

فما دامت قبيلته قد فزعت وقامت قام معها، وكذلك القبيلة الأخرى، فهذا قتال عصبية وجاهلية.

«كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِذَا التَقَى الـمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)؛ أي في غير وجه الحقِّ، (فَالقَاتِلُ وَالـمَقْتُولُ فِي النَّارِ)» أما إذا التقى المسلمان بسيفيهما على وجه الحقِّ، فهذا قد يكون مجاهدًا وهذا قد يكون ظالـمًا، كما نتكلم عن قطَّاع الطَّريق، فقاطع الطَّريق قد يكون مسلـمًا، ومع ذلك تقاتله، فأنت مجاهد محسن، وهو ظالم لنفسه، فالمقصود بالحديث: إشهار السيفين على غير وجه الحقِّ. «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ الـمَقْتُولِ؟، قَالَ: (إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ)٢٬٢٩٢من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: البخاري: (31)، ومسلم: (2888)، وابن حبان: (5981)، وأبو داود: (4268)، والنسائي: (4120)، وأحمد: (20456)، ومن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: النسائي: (4124)، وابن ماجه: (3964)، وأحمد: (19605).».

ص 1359

وَتَضْمَنُ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا أَتْلَفَتْهُ الْأُخْرَى مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ» فهذه القبيلة قتلت عشرة من هذه القبيلة، وأخذت من أموالهم مئة ألف مثلًا، وهذه القبيلة قتلت عشرة من هذه القبيلة، وأخذت مئة ألف، فهنا يوجد تكافؤ في عدد القتلى، وفي عدد الأموال التي أُخذت، فهنا يتساقطان، وإذا قتلت هذه من هؤلاء خمسة، وقتلت هذه من هؤلاء عشرة، وهذه أخذت مئة وخمسين، وهذه أخذت مئة ألف؛ ففي هذه الحالة تضمن هذه الطَّائفة، وتدفع ديَّة الخمسة الباقين، وكذلك تدفع من الأموال ما يكافئ ما أخذته. «وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ الْقَاتِلِ» فهذه القبيلة لا نسألهم: من الذي قتل منكم هؤلاء الخمسة، فهذا لا يهمُّنا، وإنما يهمنا أنَّ هذه القبيلة التي نصر بعضها بعضًا على الباطل؛ فصارت كالشيء الواحد، فإذن هذه القبيلة بمجموعها تضمن ما أتلفته للأخرى من نفس ومال، «لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدَةَ الْمُتَمَنِّعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ» كشخص واحد قام بقتل خمسة مثلًا فهو الذي يدفع ديَّتهم ويتحملهم، وكذلك فيما لو أخذ أموالًا فهو الذي يتحمل ضمانها، فلا نكلِّف شخصًا آخرَ، فكما أنَّ هذا الشخص هو الذي بنفسه تولَّى، فنتخيَّل هذا الجسم الذي ينصر بعضه بعضًا، نتخيَّله شخصًا واحدًا فنُضَمِّنَه ما أتلفه، فما يُقال من الشخصيَّة الاعتباريَّة قد يكون له معنى هنا، فالقبيلة هم أفراد كونَّوا القبيلة، وهذه القبيلة كلُّها أعان بعضها بعضا، ثم بعد ذلك ضمنَّاها، فما الذي ضمنَّاه؟ هو المجموع، هذا المجموع أنزلناه منزلة الشخص الواحد فالعقوبة نزلت على المجموع، وقد يكون فيهم من شارك مباشرة وقد يكون فيهم من لم يشارك مباشرة، ولكن جعلناهم شخصًا واحدًا.

«وَفِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ﴾ [البقرة: 178]، وَأَمَّا إذَا أَخَذُوا الْمَالَ فَقَطْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا -كَمَا قَدْ يَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ كَثِيرًا- فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ الْيُمْنَى، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ، أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ﴾ [المائدة: 33]» هنا مشى على القول بالتنويع، وقلنا إن هذا مذهب الإمام أحمد والشافعي وقريب من مذهب الإمام أبي حنيفة، ﴿مِّنۡ خِلَٰفٍ﴾ يعني ليس في اتجاه واحد، فلا تُقطع يده اليمنى ورجله اليمنى، وإنما تُقطع يده اليمنى من الكف ورجله اليسرى من العقب، قال العلماء: إنَّما قُطعت اليد اليُمنى لأنَّها غالبًا هي التي تباشر الأخذ والضرب وغير ذلك؛ فيستعملها أكثر في جرائمه، والجزاء من جنس العمل، وقطعت رجله اليُسرى حتَّى لا يحصل عليه ضرر، أي حتَّى لا تكون العقوبة في جهة واحدة، فيكون هناك توازن بين اليد والرجل.

ص 1360

«تُقْطَعُ الْيَدُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَالرِّجْلُ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْهَا، وَتُحْسَمُ يَدُهُ بِالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَنَحْوِهِ؛ لِيَنْحَسِمَ الدَّمُ فَلَا يَخْرُجُ فَيُفْضِي إلَى تَلَفِهِ، وَكَذَلِكَ تُحْسَمُ يَدُ السَّارِقِ بِالزَّيْتِ»؛ المقصود هنا فقط هو إيقاف الدَّم، فبأيِّ طريقة أمكن أن يوقف هذا الدَّم أُوقف، إما بالخياطة أو بأيِّ نوع من الأدوية فعل هذا، ذكر هنا الشيخ العثيمين مسألة وقال: هل يمكن عندما نقطع يد السَّارق أو يد ورجل المحارب أن نستعمل له البنج قبل القطع؟ فقال: الظَّاهر أنه يجوز، إلَّا إذا كان على سبيل القصاص؛ يعني إلَّا إذا كان قد قطع يد مسلم فنريد أن نقطع يده؛ لأنَّ القِصاص لا يكتمل إلَّا بوجود الألم الذي أوجده في أخيه المسلم؛ ففي هذه الحالة لا يُبَنَّج، ولكن لو كان سارقا أو قاطع طريق فلا بأس بذلك، وذكر كذلك أنَّه لو أمكن أن نرد اليد بعد قطعها هل يجوز أو لا يجوز؟، فقال: الظَّاهر أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ من مقاصده أن يبقى عبرة للنَّاس كما قال الله ﷻ ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ [المائدة: 38]٢٬٢٩٣شرح السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 238)..

«وَهَذَا الْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ أَزَجَرَ مِنَ الْقَتْلِ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ، وَفَسَقَةَ الْجُنْدِ وَغَيْرَهُمْ إذَا رَأَوْا دَائِمًا مَنْ هُوَ بَيْنَهُمْ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، ذَكَرُوا بِذَلِكَ جُرْمَهُ فَارْتَدَعُوا، بِخِلَافِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُنْسَى، وَقَدْ يُؤْثِرُ بَعْضُ النُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ قَتْلَهُ عَلَى قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ؛ فَيَكُونُ هَذَا أَشَدَّ تَنْكِيلًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ» إذن فليس القتل دائمًا هو الأزجر، فيكون القطع أشد تنكيلا به.

«وَأَمَّا إذَا شَهَرُوا السِّلَاحَ وَلَمْ يَقْتُلُوا نَفْسًا، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا، ثُمَّ أَغْمَدُوهُ، أَوْ هَرَبُوا أَوْ تَرَكُوا الْحِرَابَ، فَإِنَّهُمْ يُنْفَوْنَ قِيلَ: نَفْيُهُمْ تَشْرِيدُهُمْ فَلَا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ فِي بَلَدٍ، وَقِيلَ: هُوَ حَبْسُهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ أَصْلَحَ مِنْ نَفْيٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ» اختلف العلماء في معنى النفيِّ من الأرض:

1- فبعض العلماء قال: يشرَّدون؛ فلا يتركهم الإمام يستقرُّون في موطن ما؛ فاليوم في هذه القرية وغدًا يطردهم في القرية الأخرى، وبعدها ينقلهم إلى أقاصي المدينة الأخرى، وهكذا لا يستقرُّ بهم الحال حتى تظهر توبتهم، ودولة الإسلام كانت دولة واحدة فيُنفى لبد مسلمة أخرى من خراسان للأندلس مثلا، ولكن لا يُنفى إلى بلد الكفار فيفسد بذلك دينهم ويُحاسب الإمام على هذا شرعًا.

2- وبعض العلماء قال: المقصود بالنفيِّ هو الحبس، فهؤلاء صاروا في حكم المنفيِّين لأنَّهم مقطوعون عن النَّاس.

ص 1361

3- وبعض العلماء قال: الإمام مخيَّر بين الصُّورة الأولى من النفيِّ وبين الصُّورة الثَّانية وهي الحبس؛ فما رأى فيه أصلح لزجر هؤلاء وكفِّهم وأدعى إلى الإسراع في توبتهم فَعله؛ فربَّما يُشرَّد بعضُهم في الأرض فلا يزيدهم ذلك إلا عتوا وفسادًا، وبعضهم يكون الحبس خيرًا له، وهذا هو الراجح -والله تعالى أعلم- أنَّ الإمام مخيَّر في صورة النفيِّ بما يراه أصلح وأنفع لزجرهم ولكفِّ شرهم عن النَّاس٢٬٢٩٤قال في المغني: (10 / 307): «والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلدا، ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري، عن ابن عباس أنه ينفى من بلده إلى بلد غيره، كنفي الزاني، وبه قال طائفة من أهل العلم، قال أبو الزناد: كان منفى النَّاس إلى باضع من أرض الحبشة، وذلك أقصى تهامة اليمن، وقال مالك: يحبس في البلد الذي ينفى إليه، كقوله في الزاني، وقال أبو حنيفة: نفيه حبسه حتى يحدث توبة، ونحو هذا قال الشافعي فإنه قال: في هذه الحال يعزرهم الإمام، وإن رأى أن يحبسهم حبسهم، وقيل عنه: النفي طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود الله تعالى، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال ابن شريح: يحبسهم في غير بلدهم، وهذا مثل قول مالك، وهذا أولى لأن تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق ويؤذون به النَّاس، فكان حبسهم أولى، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى معناها أن نفيهم طلب الإمام لهم، فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم».، ثم إن رجعوا لفعلهم فيُنظر لجريمتهم مرة أخرى ويعاقبوا من جديد.

«وَالْقَتْلُ الْمَشْرُوعُ هُوَ ضَرْبُ الرَّقَبَةِ بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْحَى أَنْوَاعِ الْقَتْلِ»؛ أي أسرع أنواع القتل، «وَكَذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ قَتْلَ مَا يُبَاحُ قَتْلُهُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ»؛ أي أن يكون من العنق، «قال النَّبيُّ ﷺ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)٢٬٢٩٥من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: مسلم: (1955)، وابن حبان: (5883)، والترمذي: (1409)، وأبو داود: (2815)، والنسائي: (4405)، وابن ماجه: (3170)، وأحمد: (17154).، رواه مسلم».

يوجد حديث (لا قَوَدَ إلا بالسَّيف)٢٬٢٩٦من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: ابن ماجه: (2668)؛ ومن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: (2667)، ضعفهما الألباني.، ولكنه حديث ضعيف، ولذلك -كما سيأتينا في القصاص- أنَّ الراجح أن القاتل يُقتصُّ منه بحسب ما قَتَل، «وَقَالَ: (إِنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ)٢٬٢٩٧من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ابن حبان: (5994)، وأبو داود: (2666)، وابن ماجه: (2681)، وأحمد: (3728)، ضعفه الألباني.»؛ أي لا يُنكِّلون ولا يمثِّلون وإنَّما يقتلون ويسرعون في قتل من أرادوا قتله.

ص 1362

«وَأَمَّا الصَّلْبُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ رَفْعُهُمْ عَلَى مَكَان عَالٍ لِيَرَاهُمْ النَّاسُ، وَيَشْتَهِرَ أَمْرُهُمْ وَهُوَ بَعْدَ الْقَتْلِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُصْلَبُونَ ثُمَّ يُقْتَلُونَ، وَهُمْ مُصَلَّبُونَ٢٬٢٩٨«﴿أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ﴾، والكلام فيه في ثلاثة أمور: أحدها: في وقته، ووقته بعد القتل، وبهذا قال الشافعي، وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف: يُصلب حيًّا، ثم يقتل مصلوبًا، يطعن بالحربة، لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة، فيشرع في الحياة كسائر الأجزية، ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه فلا يجوز. ولنا أن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظًا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف، فيجب تقديم الأول في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ﴾، ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع، كان قتلًا بالسيف، ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله ليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتل، وأحسن القتل هو القتل بالسيف، وفي صلبه حيًّا تعذيب له)، وقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، وقولهم: إنه جزاء على المحاربة، قلنا: لو شرع لردعه لسقط بقتله، كما يسقط سائر الحدود مع القتل، وإنما شرع الصلب ردعًا لغيره، ليشتهر أمره، وهذا يحصل بصلبه بعد قتله، وقولهم: يمنع تكفينه ودفنه قلنا: هذا لازم لهم لأنهم يتركونه بعد قتله مصلوبًا» المغني: (10 / 303-304).» الصلب؛ يعني أن يرفعوا في مكان عالٍ كمئذنة مسجد مثلًا، واختلف العلماء هل الصلب يكون قبل القتل أو بعد القتل؟، فهل يُقتل ثم بعد قتله يُصلب أي يُرفع ويُشهر حتى يراه النَّاس؟ أو يُصلب أولًا وهو حيٌّ ثم بعد ذلك يُقتل؟ فكأنه يميل إلى قول جمهور العلماء على أنَّ الصلب يكون بعد القتل.

«وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَتْلَهُمْ بِغَيْرِ السَّيْفِ، حَتَّى قَالَ: يُتْرَكُونَ عَلَى الْمَكَانِ الْعَالِي، حَتَّى يَمُوتُوا حَتْفَ أُنُوفِهِمْ بِلَا قَتْلٍ»؛ أي عطشًا وجوعًا ومن شدَّة حرِّ الشَّمس، وقد يستدل هؤلاء العلماء بحديث النَّبيِّ ﷺ في قصة «الْعُرَنِيِّينَ»٢٬٢٩٩من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: البخاري: (231)، ومسلم: (1671)، وابن حبان: (1386)، والترمذي: (72)، وأبو داود: (4364)، والنسائي: (306)، وابن ماجه: (2578)، وأحمد: (12061). الذين جاءوا إلى المدينة ثم استوخموا حرَّها ومرضوا بسبب جوِّ المدينة؛ فالنَّبيُّ ﷺ أمرهم أن يخرجوا إلى إبل الصَّدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما شربوا وصحُّوا قتلوا راعيَ النَّبيِّ ﷺ واستاقوا الإبل، وهذا في حكم قطع الطَّريق؛ لأنَّهم قتلوه لأجل المال وأشهروا السِّلاح، فعند ذلك جاء الصارخ إلى النَّبيِّ ﷺ فأرسل النَّبيُّ ﷺ في طلبهم فجيء بهم، فأمر النَّبيُّ ﷺ بأن تُكحَّل أعينهم بالمسامير المحمَّاة بالنَّار؛ لأنَّهم فعلوا هذا براعي النَّبيِّ ﷺ ثم قطع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف، ثم ألقاهم في الحَرَّة -موطن في المدينة- يَستسقون فلا يُسقون، وبقوا على هذا حتى ماتوا؛ فهذا قد يستدل به مَن قال بأنَّه لا يُشترط في القتل أن يكون بالسَّيف، لأنَّ هؤلاء لم يقتلهم النَّبيُّ ﷺ بالسَّيف، وإنَّما تُركوا حتى ماتوا عطشًا ونزيفًا وحرًّا وغير ذلك، وهؤلاء كما جاء في حديث أنس أنهم فعلوا بالراعي ما فعله النَّبيُّ ﷺ بهم.

ص 1363

فكأنَّ شيخ الإسلام -بعدما ذكر أنَّ بعض العلماء جوَّز أن يقتل هؤلاء بغير السيف وأنَّ بعض العلماء جوَّز أن يُتركوا في المكان العالي حتى يموتوا- فهم أو علم أنَّ هؤلاء يَستدلُّون بحديث «العرنيين» فلذلك قال: «فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ»؛ لأنَّ «العرنيين» قد مُثَّل بهم، فهذا من أعظم التمثيل أن تكحَّل أعينهم بالمسامير المحمَّاة وأن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فكأنَّ شيخ الإسلام يقول: فأمَّا ما حصل للعرنيين فكان تمثيلًا وهو على سبيل القصاص؛ لأنَّهم فعلوا براعي النَّبيِّ ﷺ ما فعله النَّبيُّ ﷺ بهم، فلا يصلح الاستدلال بحديثهم على جواز القتل بهذه الصِّفة مُطلقًا. «فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ» أي إلا على وجه المعاقبة بالمثل؛ إن فعلوا هذا فُعل بهم هذا، كما حصل مع هؤلاء «العرنيين».

«وَقَدْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما: (مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ خُطْبَةً إِلا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ)٢٬٣٠٠من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: ابن حبان: (5616)، والحاكم: (7843)، وأبو داود: (2667)، وأحمد: (19923)، وصححه الألباني.» أي: كان النَّبيُّ ﷺ يكرر النَّهي عن المثلة، والمثلة هي: قطع شيء من أعضاء الآدمي حيًّا أو ميتًا؛ كأن تقطع أنفه أو أذنه أو أصبعه أو يده أو نحو ذلك، سواء فعلت هذا وهذا الإنسان ما زال حيًّا أو فعلته بعد أن قُتل أو مات؛ فهذا كلُّه منهيٌّ عنه من حيث الأصل، وأمَّا إذا كان على سبيل القِصاص؛ أي المجازاة بالمثل فهذا جائز.

فالمثلة إذا كانت على سبيل الابتداء؛ يعني أن يمثِّل المسلمون بأسرى الكفار أو بقتلاهم من غير أن يكون ذلك معاقبة بالمثل، فهذا محرَّم لأحاديث النَّبيِّ ﷺ ونقل غير واحد من العلماء الاتِّفاق على حرمة المثلة، ومن هؤلاء الإمام الشوكاني رحمه الله٢٬٣٠١[تتبعتُ كلام الشوكاني فلم أجده نقل الاتفاق على حرمة المثلة، بل ذكر خلافهم في عدة مواضع من: نيل الأوطار، مثلا (13/406)، وقد نقل الشيخ مرعي الشهري اتفاقهم على حرمة المثلة لغير مصلحة شرعية أو تعامل بالمثل. أحكام المجاهد بالنفس (2/395)].؛ هذه هي الصورة الأولى.

ص 1364

الصورة الثانية: إذا كان الكفَّار قد مثَّلوا بقتلى أو بأسرى المسلمين، فهذه هي الحالة التي ذكر شيخ الإسلام أنَّها تجوز لأنَّها على سبيل القصاص، ذكر شيخ الإسلام في موضع آخر من كتبه -ولعله في هذا الكتاب- أنَّ المثلة هي حق للمجاهدين، وهي ليست من حقوق الله ﷻ التي كنَّا نتكلم عليها؛ فلذلك لهم أن يسقطوها ولهم أن يطالبوا بها، أي لهم أن يعفو عنها، ولهم أن يقيموها؛ لأنَّها من حقوقهم٢٬٣٠٢لعل الشيخ يشير إلى كلام شيخ الإسلام هذا: «وإن مثل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ولهم تركها، والصبر أفضل وهذا حيث لا يكون في التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان وحرز لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد ولم تكن القضية في أحد كذلك، فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حق الله تعالى فالصبر هناك واجب كما يجب حيث لا يمكن الانتصار ويحرم الجزع» الفتاوى الكبرى: (5 / 540).؛فذكر هنا شيخ الإسلام حالة أنَّه إذا كان على سبيل القصاص يجوز لهم أن يمثِّلوا ولكنَّ الصبر أفضل، فإذا تركوا التمثيل وصبروا على ما فعله الكفَّار بهم قال: هذا أفضل.

والصورة الثالثة: ثم ذكر شيخ الإسلام في بعض كتبه الأخرى قال: هذا إن لم يكن في المثلة كفٌّ لهم عن العدوان ولا دعوة لهم للإيمان؛ فإذا كان تمثيلنا بالكفَّار يؤدِّي إلى كفِّ عدوانهم عنا، وإلى دعوتهم للإيمان، فقال: يصبح هذا من باب الجهاد وإقامة الحدود، فيصبح مفروضًا أو مستحبًا.

إذن الصور عندنا ثلاثة: محرَّمة، وجائزة، ومستحبَّة، حسب تقسيمات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هذا كلُّه إذا كان هؤلاء الكفَّار الذين يُمثَّل بهم مقدورًا عليهم، أو كانوا قتلى وصرعى في ساحة المعركة، وأمَّا في حال امتناعهم، وفي حال مدافعتهم، ففي هذه الحالة يجوز قطع أيِّ شيء من أعضاءهم ولو تعمُّدًا، ولو لم يقصد المقاتل من المجاهدين أن يقتلهم، يعني يجوز لك أن تضربه بالسَّيف على يده فتقطعها، ويجوز لك أن تضربه على أذنه فتقطعها؛ فلا يجب عليك أن تقتله لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ [الأنفال: 12]، وضرب البَنان يعني الأطراف وهذا لا يؤدِّي إلى القتل، وهو إن كان مقدورًا عليه نوع من المثلة بلا شكٍّ.

ص 1365

«حَتَّى الْكُفَّارَ إذَا قَتَلْنَاهُمْ، فَإِنَّا لَا نُمَثِّلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ، وَلَا نَجْدَعُ آذَانَهُمْ وَأُنُوفَهُمْ، وَلَا نَبْقُرُ بُطُونَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا، فَنَفْعَلُ بِهِمْ مَا فَعَلُوا، وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦ وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ﴾ [النحل: 126-127]، قِيلَ: إنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِحَمْزَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ -رضي الله عنهم- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِضِعْفَيْ مَا مَثَّلُوا بِنَا)؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ٢٬٣٠٣من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: الحاكم: (4894) بلفظ: (والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك)، وضعفه الألباني، وسبب نزول الآية المذكورة في هذه الحادثة صحيح ففي ابن حبان: (487)، والحاكم: (3368) والترمذي: (3129)، وأحمد: (21267) من حديث أبي بن كعب: «لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وسبعون، ومنهم ستة فيهم حمزة، فمثلوا بهم فقالت الأنصار: «لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم»، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله: (﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦﴾، فقال رجل: «لا قريش بعد اليوم»، فقال رسول الله ﷺ: (كفوا عن القوم غير أربعة)»، وحسنه الألباني.» بعدما رأى النبي ﷺ عمَّه حمزة وقد مُثِّل به، غضب غضبًا شديدًا ورؤي ذلك في وجهه، وأقسم ليمثلَّن بسبعين منهم، فعندما رأت الأنصار غضب النَّبيِّ ﷺ وما وجده على عمِّه، قالوا: والله لئن أشهدنا الله مشهدًا لنُرْبِيَنَّ عليهم؛ يعني لنزيدن عليهم في المثلة كمًّا ونوعًا، فعند ذلك في يوم فتح مكة أراد الأنصار أن يُوَفُّوا بقسمهم فأنزل الله هذه الآية ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦ وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ [النحل: 126-127].

ولذلك قال بعض العلماء: إنَّ المثلة جائزة في حقِّ المسلمين المجاهدين، محرَّمة في حقِّ النبي ﷺ؛ لأنَّ هؤلاء المسلمين قال الله لهم: ﴿وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ﴾ [النحل: 126]، وأمَّا النَّبيُّ ﷺ قال الله له: ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ [النحل: 127]، «وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ»؛ لأنَّ هذه الآية في سورة «النحل» وهي مكية، فكيف تكون نزلت عند فتح مكة؟ وغزوة أحد إنما كانت في السَّنة الثَّالثة للهجرة، فقال شيخ الإسلام: إنَّ الآية قد تنزل أكثر من مرَّة، تكون قد نزلت في مكَّة ثم جاء سبب يقتضي إنزالها مرَّة أخرى فينزلها الله ﷻ بناء على هذا السبب؛ «مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ [هود: 114]، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

ص 1366

ثُمَّ جَرَى بِالْمَدِينَةِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْخِطَابَ، فَأُنْزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (بَلْ نَصْبِرُ)، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عن بُرَيْدَةَ بن الْحُصَيْبِ رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ يَقُولُ: اغْزُوا بِسْمِ اللهِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَلاَ تَغْلُوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا)٢٬٣٠٤من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه: مسلم: (1731)، وابن حبان: (4739)، والترمذي: (1617)، وأبو داود: (2612)، وابن ماجه: (2858)، وأحمد: (23028).»؛ قال الشيخ العثيمين: «والصبر أفضل، ولكن إذا كان يترتب على فعلنا بهم كما فعلوا بنا مصلحة أعظم من فضل الصبر؛ فإنَّنا نتبع هذه المصلحة، يعني لو كان فعلنا بهم فيه إغاظة للمشركين وذل لهم فإننا نفعله، لا من أجل الانتقام لأنفسنا ولكن من أجل إغاظة أعدائنا فيكون هذا نوعًا من الجهاد في سبيل الله، لأنَّ المؤمنين قد لا يحتملون أنَّ الكافرين إذا أخذوا واحدًا منَّا مثَّلوا به ونحن إذا أخذنا واحدًا منهم ونحن لا نمثل به؛ فقد يرون في ذلك ذلًا وإعزازًا لهؤلاء الكفَّار، ولا سِيَّما إذا عُلم عين الممثِّل بنا؛ أي إذا عُرف الشَّخص الذي كان يتولى التمثيل بنا، فإنَّ أخذه والتمثيل به أحسن بكثير من العفو عنه، أمَّا إذا كانوا مثَّلوا ولا يُعلم عين الممثل، فهذا لا شكَّ أنَّ العفو أفضل؛ لأنَّه قد نمثل بمن لم يمثل بنا، ولكن وإن مثلنا بمن لم يمثل بنا فإنَّهم أمَّة واحدة متساعدة متعاونة والمعين كالمباشر»٢٬٣٠٥ شرح كتاب السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 244)..

ص 1367

حكم قتل النساء والصبيان مماثلة: هذا الدليل من أقوى الأدلة مع الآية على أنَّه يجوز قتل نسائهم وصبيانهم إذا قتلوا نساءنا وصبياننا على سبيل المعاملة بالمثل، إذا كان قتل صبيانهم ونسائهم فيه ردع لهم، وكفٌّ لهم عن قتل نساء وصبيان المسلمين، فهنا قد نمثِّل بمن لم يباشر التمثيل، فقد يكون هذا الإنسان قد قتل، والتمثيل قد وقع بعده، ومع ذلك إذا كان على سبيل المعاملة بالمثل يجوز التَّمثيل به. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والمثلة حقٌّ لهم -يعني للمجاهدين- فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر عنها أفضل، وهذا حيث لا يكون في التَّمثيل بهم زيادة في الجهاد، أو يكون نكالًا لهم عن نظيرها، وأمَّا إذا كان فيه دعاء لهم إلى الإيمان، وزجر لهم عن العدوان، فإنَّه هنا نوع من إقامة الحدود والجهاد المشروع المندوب إليه»٢٬٣٠٦ [المستدرك على مجموع الفتاوى (3/224)].، وكذا قال الخطابي وغيره.

«وَلَوْ شَهَرُوا السِّلَاحَ فِي الْبُنْيَانِ -لَا فِي الصَّحْرَاءِ- لِأَخْذِ الْمَالِ» هل يشترط في وصف هؤلاء بكونهم قطَّاعًا للطُّرق ومحاربين، بأن يكون قطعهم في الصَّحراء والبراري؟ أي خارج المدن والقرى؟ أم حتَّى لو فعلوا هذا بين الأحياء وفي داخل البيوت وبين البنيان؟ «فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ لَيْسُوا مُحَارِبِينَ، بَلْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يُدْرِكُهُ الْغَوْثُ، إذَا اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ -فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ- وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ».

إذن بعض العلماء: يقول لا يكون قاطع الطَّريق قاطعًا تجري عليه الأحكام، وينزل عليه الحدُّ الذي جاء في كتاب الله، إلَّا إذا قطع الطَّريق في الصَّحراء أي في الأماكن البعيدة، وأمَّا إذا فعل هذا بين البنيان وفي داخل الأمصار وبين البيوت؛ فهذا لا يكون قاطعًا للطَّريق: يعاقب ولكن عقوبته ليست على سبيل الحدِّ كما هو قاطع الطَّريق، هذا هو القول الأول.

ص 1368

والقول الثاني -وهو الذي عليه أكثر العلماء وهو الذي رجَّحه شيخ الإسلام وقوَّاه-: أنَّ حكمهم في الصَّحراء والبنيان واحد؛ فهؤلاء فعلوا هذا في الصَّحراء أو فعلوه في البنيان وفي داخل المدن بهذه الطَّريقة، وهي: إشهار السِّلاح وأخذ المال مجاهرة؛ فحكمهم واحد، ثم ذكر سبب الترجيح فقال: «بَلْ هُمْ فِي الْبُنْيَانِ أَحَقُّ بِالْعُقُوبَةِ مِنْهُمْ فِي الصَّحْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ مَحَلُّ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ تَنَاصُرِ النَّاسِ وَتَعَاوُنِهِمْ» فلو صرخ الناس على رجل أنه لص في المدينة فسيهاجمه الجميع «فَإِقْدَامُهُمْ عَلَيْهِ يَقْتَضِي شِدَّةَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، وَلِأَنَّهُمْ يَسْلُبُونِ الرَّجُلَ فِي دَارِهِ جَمِيعَ مَالِهِ، وَالْمُسَافِرُ لَا يَكُونُ مَعَهُ -غَالِبًا- إلَّا بَعْضُ مَالِهِ» فذكر شيخ الإسلام أنَّه من جهة النَّظر؛ يستحق هؤلاء العقوبة في البنيان أولى من الصَّحراء، لأنَّ هؤلاء عندهم زيادة جرأة؛ ففي داخل البنيان، ومع وجود المغيث، ونحو ذلك؛ فهؤلاء لا يبالون، فهم عندهم من القوَّة والجرأة على أخذ الأموال ما تجرَّؤوا به على هذا الإنسان وعلى بقية النَّاس، وأما الصَّحراء فإنما يختارها هؤلاء ليستطيعوا أن يفرُّوا إذا جاء المعين لهؤلاء، «وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ» فلا فرق بين أن يكون أخذ المال بالسِّلاح على سبيل المجاهرة في الصَّحراء، أو في البنيان، وفي داخل القرى والأمصار؛ لأنَّ المقصودَ تأمين النَّاس، والمحافظة على المصلحة العامَّة، ودفع الفساد العامِّ الذي يعمُّ المسلمين «لَا سِيَّمَا هَؤُلَاءِ الْمُحْتَرِفُونَ الَّذِينَ تُسَمِّيهِمْ الْعَامَّةُ فِي الشَّامِ وَمِصْرَ: الْمَنْسِرَ٢٬٣٠٧المَنْسِر: على وزن مسجد، خيل عددها المئة إلى المئتين. قال الفارابي: «الجماعة من الخيل، وقيل الجيش الذي لا يمر بشيء إلا اقتلعه»، واشتهر المنسر في العهد المملوكي بجماعة اللصوص الذين كانوا يدخلون البلدة شاهرين ورافعين للسلاح إلى الأسواق الغنية فيسلبونها وينهبونها ثم يخرجون سالمين. معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي: (1 / 145). وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ بِبَغْدَادَ: الْعَيَّارِينَ٢٬٣٠٨عيَّار: بتشديد الياء مفرد، جمعه: عيارون، وهم في التاريخ الإسلامي طائفة من الرعاع واحدهم لا يهتم بأمور عيشه ولا يتقيد بالدين ولا بالمتعارف عليه بين النَّاس. معجم المصطلحات والألفاظ التاريخية: (1 / 328).»؛ فهذه كانت عصابات محترفة لقطع الطريق والفساد علنًا غير مبالين بالناس معتمدين على السلاح، فكل هجوم على مكان بقوة السلاح علنًا فهذا قطع طريق، وأما السرقة فتكون خفية فقط.

«وَلَوْ حَارَبُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَةِ الْمَقْذُوفَةِ بِالْأَيْدِي، أَوْ الْمَقَالِيعِ وَنَحْوِهَا، فَهُمْ مُحَارِبُونَ أَيْضًا..». هنا بدأ يذكر بعض الضوابط لقطع الطرق؛ فذكر قبل قليل ضابط المكان، وهنا ذكر نوع السلاح السِّلاح الذي يُشهرونه فقال: إنَّ السِّلاح لا يُشترط أن يكون سيفًا أو رمحًا أو مسدَّسًا أو غير ذلك بل كل شيء استخدمه واعتمد عليه كالعصيِّ والمقاليع، فخوَّف السَّبيل وأخذ بسببه المال.

«وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ» ذكرها بصيغة التضعيف، «لَا مُحَارَبَةَ إلَّا بِالْمُحَدَّدِ» كالموس والسِّكين وكالسَّيف ونحو ذلك، وطبعًا يدخل في هذا الآن الأدوات القاتلة بالرَّصاص، «وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ: عَلَى أَنَّ الْمُحَارَبَةَ تَكُونُ بِالْمُحَدَّدِ وَالْمُثقَّلِ» المثقل هو ما لو أوقع على الإنسان قتل غالبًا، وقع الإجماع أنَّ المحدَّد والمثقل إذا حصل به المحاربة فهي محاربة، ولكن هذا الإجماع ليس على نفي ما سواها، فليس المقصود أنَّ الإجماع انعقد أنَّه لا محاربة إلَّا بمثقل وبمحدد، وما سوى ذلك كالعصي والحجارة التي ترمى بالمقاليع؛ فهذه ليست محدَّدة وليست مثقلة، وهذه فيها الخلاف، وقد رجَّح شيخ الإسلامُ أنَّهم محاربون أيضًا.

ص 1369

«وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ؛ فَهُوَ مُحَارِبٌ قَاطِعٌ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ، بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، وَمَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِسَيْفٍ، أَوْ رُمْحٍ، أَوْ سَهْمٍ، أَوْ حِجَارَةٍ أَوْ عِصِيٍّ، فَهُوَ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» إذن هذه الصفة، وهي نوع السِّلاح المستخدم في أخذ المال كله يُعتبر محاربةً.

«وَأَمَّا إذَا كَانَ يَقْتُلُ النُّفُوسَ سِرًّا؛ لِأَخْذِ الْمَالِ»؛ يعني يتحايل لقتل النفوس، ولكن هذا القتل ليس لعداوة خاصة بينه وبين القتيل، وإنَّما لأجل أخذ المال، «مِثْلَ الَّذِي يَجْلِسُ فِي خَانٍ يُكْرِيهِ» أي دكان يؤجره «لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، فَإِذَا انْفَرَدَ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ، قَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ يَدْعُو إلَى مَنْزِلِهِ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ لِخِيَاطَةٍ، أَوْ طِبٍّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَقْتُلُهُ، وَيَأْخُذُ مَالَهُ» هنا اجتمع فيه القتل، والقتل لأجل المال، وفُقد شرط المجاهرة؛ فعمله إنَّما يفعله على سبيل الخُفية، واجتمع فيه أنَّ هذا لا يفعله لعداوة خاصَّة، وإنَّما مقصوده تحصيل المال، ولذلك ضرره عامٌّ على المسلمين كلِّهم، «وَهَذَا القَتْلُ يُسَمَّى الْقَتْلَ غِيلَةً٢٬٣٠٩«وقَتَلَهُ غِيلَةً: خدعَهُ فذَهَبَ به إلى مَوضِعٍ فقتلَه، نقله الجَوْهَرِيُّ، وقد اغْتِيلَ. وقال أَبو بَكرٍ: الغِيلَةُ في كلامِ العربِ: إيصالُ الشَّرِّ أَو القَتلِ إليه من حيث لا يعلَمُ ولا يَشعُرُ، وقال أَبو العَبّاسِ: قتلَهُ غِيلَةً: إذا قتلَه من حيثُ لا يَعلَم»، تاج العروس: (30 / 138): ولسان العرب: (11 / 510).»؛ أي اغتيالًا «وَيُسَمِّيهِمْ بَعْضُ الْعَامَّةِ: الْمُعَرِّجِينَ؛ فَإِذَا كَانَ لِأَخْذِ الْمَالِ، فَهَلْ هُمْ كَالْمُحَارِبِينَ؟، أَوْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْقَوَدِ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ».

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَالْمُحَارِبِينَ» فالمالكية من البداية قالوا: هذا يُقتل -وهم متساهلون في الدماء كما يُقال- ويكون حكمه حكم قاطع الطَّريق، ولا يجوز العفو عنه بأيِّ حال من الأحوال إذا عُرف عنه هذا؛ فليس لورثة القتيل حقُّ الإسقاط بل يجب إقامة الحدِّ تمامًا كما يقام على قطَّاع الطُّرق، «لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالْحِيلَةِ كَالْقَتْلِ مُكَابَرَةٍ، كِلَاهُمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ضَرَرُ هَذَا أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِهِ»؛ يعني هذا الذي قُتل أو أُخذ ماله إذا كان في الطريق قد يكون مسلَّحا يستطيع الدفاع عن نفسه، أمَّا هنا فقد جاء وهو مطمئن، وذهب إلى بيت الرَّجل وهو مطمئن، وهذا وجدها لقمة سائغة فيكرر هذا العمل، فهذا لا شكَّ أن ضرره أكبر.

ص 1370

«وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُحَارِبَ هُوَ الـمُجَاهِرُ بِالْقِتَالِ، وَأَنَّ هَذَا الـمُغْتَالَ يَكُونُ أَمْرُهُ إِلَى وِلِيِّ الدَّمِ٢٬٣١٠قال في المغني (9 / 336): «قتل الغيلة وغيره سواء في القصاص والعفو، وذلك للولي دون السلطان، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وقال مالك: (الأمر عندنا أن يُقتل به، وليس لولي الدم أن يعفو عنه وذلك إلى السلطان، والغيلة عنده أن يخدع الإنسان فيدخل بيتًا أو نحوهن فيقتل أو يؤخذ ماله»، وانظر: المدونة الكبرى: (4 / 653).» فإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا أقادوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية.

«وَالأَوَّلُ أَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ ضَرَرُ هَذَا أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى بِهِ» كأنَّ شيخ الإسلام يميل إلى القول الأوَّل وهو أنَّ حكمه هو حكم قاطع الطَّريق، والله أعلم، «وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِيمَنْ يَقْتُلُ السُّلْطَانَ: كَقَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَقَاتِلِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: هَلْ هُمْ كَالْمُحَارِبِينَ، فَيُقْتَلُونَ حَدًّا، أَوْ يَكُونُ أَمْرُهُمْ إلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ -عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ- لِأَنَّ فِي قَتْلِهِ فَسَادًا عَامًّا»٢٬٣١١[انتهت المحاضرة الثالثة عشرة هنا، وشرع الشيخ في المحاضرة الرابعة عشرة بعدها].

«وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ» فهذا الذي تكلمنا عنه، وهو عقوبة المحاربين قطَّاع الطُّرق فيما لو قُدِر عليهم أي فيما لو وقعوا في أيدي السُّلطان، وصاروا تحت قبضته، فحكمه هو ما كنَّا نذكره إمَّا التخيير في العقوبة، وإمَّا التنويع فيها بحسب الجناية، إذن كلامنا السابق فيمن قدر عليه أي فيمن كُسرت شوكته ثم بعد ذلك يعاقب بمثل هذه العقوبة.

ص 1371

الممتنعون وغير المقدور عليهم من المحاربين: «فَأَمَّا إذَا طَلَبَهُمْ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ، لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بِلَا عُدْوَانٍ فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ»؛ إذن هنا انتقل إلى الحالة الثانية لقطَّاع الطُّرق وهي: إذا ما امتنعوا عن الانقياد للحكم وهو إقامة الحدِّ عليهم؛ حيثُ طالبهم الإمام بأن يسلِّموا أنفسهم ليجري عليهم حكم الله ﷻ فرفضوا وأبَوا؛ ففي هذه الحالة يجب على الإمام أن يقاتلهم، ويجب على المسلمين أن يعينوه على قتالهم، حتى ولو لم يكونوا قتلوا أحدًا من المارَّة، فبمجرد إخافتهم للسَّبيل أو حتى بمجرد أخذهم للمال، فإذا دُعوا لأن يكونوا تحت حكم الله ولتجري عليهم الحدود التي شرعها في حقِّهم، فإن انقادوا صار مقدورًا عليهم وحكمهم ما كنَّا نتكلم عليه، وأمَّا إذا أبوا وامتنعوا بالشَّوكة والقوَّة ففي هذه الحالة على السُّلطان أن يستعين بالله ويقاتلهم، وعلى المسلمين أن يعينوه في ذلك، قال شيخ الإسلام: وهذا باتفاق العلماء، وهذا من فروض الكفايات.

«حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَمَتَى لَمْ يَنْقَادُوا إلَّا بِقِتَالٍ يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ كُلِّهِمْ: قُوتِلُوا»؛ أي يكون مقصود القتال ابتداءً كسر شوكتهم حتى يقعوا تحت يد السُّلطان، وإذهاب القوَّة التي يمتنعون بها، فإذا حصل هذا المقصود وصاروا تحت يد السُّلطان أجرى عليهم الأحكام التي كنا نتكلم عليها، وأمَّا إذا أصرُّوا وتمادوا ولم يُذعنوا وبقيت شوكتهم وقوتهم، فهنا قال: يقاتَلون في هذه الحالة حتى لو أدَّى القتالُ إلى قتلهم جميعًا «وَإِنْ أَفْضَى إلَى ذَلِكَ»؛ يعني إلى قتلهم كلِّهم «سَوَاءٌ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا أَوْ لَمْ يَقْتُلُوا»؛ يعني لا نقول: إنَّما نقاتلهم إذا قتلوا أحدًا من المارَّة، لا؛ ما داموا صاروا ممتنعين يخيفون السَّبيل، أو يأخذون الأموال، أو قتلوا، فالحكم فيهم ما داموا ممتنعين سواء، وهذا كما ذكرنا فإن الشَّريعة تفرِّق بين حال الممتنع، وبين حال المقدور عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام هنا: قَتلوا أو لم يَقتلوا، «وَيُقْتَلُونَ فِي الْقِتَالِ كَيْفَمَا أَمْكَنَ، فِي الْعُنُقِ وَغَيْرِهِ» هناك قال: لا يُقتلون إلا بالسَّيفِ، أمَّا في هذه الحالة فما دام المقصود هو كسر شوكتهم وهم ممتنعون، ويأبَون أن يكونوا تحت قبضة السُّلطان؛ فأيُّ طريقة استطاع السُّلطان أن يقتلَهم بها قتلَهم بها.

«وَيُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُمْ مِمَّنْ يَحْمِيهِمْ وَيُعِينُهُمْ»؛ يعني ولو لم يكن في الأصل من قطَّاع الطُّرق؛ فإذا كانت هناك قبيلة يخرج منها عصابة تقطع الطَّريق، فطلب الإمام هذه العصابة من الحراميَّة ليُقيم عليهم الحدَّ فأبوْا وامتنعوا، فقاتلهم السُّلطان فأوَوْا إلى هذه القبيلة وامتنعوا بها وتولَّت حمايتهم، فصارت ممتنعة معهم، فهنا يُقاتَل قطَّاع الطُّرق ومن يحميهم أيضًا حتى لا يبقى لهم ملجًا يؤوون إليه ليواصلوا فسادهم، «فَهَذَا قِتَالٌ، وَذَاكَ إقَامَةُ حَدٍّ»؛ يعني هنا نتكلم عن القتال لامتناعهم، وذاك الذي كنا نتكلم عليه سابقًا إنما هو إقامة حدٍّ عليهم لأنَّهم تحت قبضة السُّلطان.

ص 1372

«وَقِتَالُ هَؤُلَاءِ أَوْكَدُ مِنْ قِتَالِ الطَّوَائِفِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ»؛ أي قتال هؤلاء أولى من قتال مانعي الزَّكاة مثلًا، ومن البغاة، ومن قتال الطَّائفة التي امتنعت على تأويل، «فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَحَزَّبُوا لِفَسَادِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَهَلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ إدَامَةَ دِينٍ وَلَا مُلْكٍ» فهؤلاء ليس لهم أيُّ مقصد إلا الفساد في الأرض؛ فلا يريدون إقامة دين ولا دنيا، ولا يسعون إلى إقامة مُلك ولو كان ملكًا دنيويًا يأمن النَّاس فيه، وينالون فيه شيئًا من الأمن، وإنَّما مقصدهم الوحيد هو إخافة السَّبيل والفساد في الأرض، فلا أقاموا دينا ولا دنيا؛ فَلِعَظَمِ هذا الفساد وضياع أمر الدِّين والدُّنيا بوجودهم قال: إنَّ قتالهم أوكد من قتال الطَّوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام.

«وَهَؤُلَاءِ كَالْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ يَأْوُونَ إلَى حِصْنٍ، أَوْ مَغَارَةٍ أَوْ رَأْسِ جَبَلٍ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» هذه صور من صور الامتناع فيهم، وإذا تولَّى أهل الحصن حمايتهم والدِّفاع عنهم ومنعهم من إقامة الحدود عليهم قوتل جميع الحصن، «يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ، وَإِذَا جَاءَهُمْ جُنْدُ وَلِيِّ الْأَمْرِ تَطْلُبُهُمْ لِلدُّخُولِ فِي طَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، قَاتَلُوهُمْ وَدَفَعُوهُمْ مِثْلَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْحَاجِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُقَاتِ أَوْ الْجُبْلَةُ الَّذِينَ يَعْتَصِمُونَ برؤوس الْجِبَالِ أَوْ الْمَغَارَاتِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ» فهذه حالات وأمثلة على قطاع الطرق المعتصمين بمكان لهم فيه شوكة ومنعة «كَالْأَحْلَافِ الَّذِينَ تَحَالَفُوا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ النَّهِيضَةَ، فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا ذَكَرْنَا؛ لَكِنَّ قِتَالَهُمْ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الْكُفَّارِ، إذَا لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا»؛ لأنَّ قاطع الطَّريق قد يكون كافرًا أو مرتدًّا، وقد لا يكون؛ فأحكام قتال المسلمين من قطَّاع الطُّرق لا تكون كأحكام قتال الكفَّار من قطَّاع الطُّرق، «وَلَا تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ»؛ أي الأموال الخاصَّة التي يملكونها، وليست الأموال التي أخذوها من المسلمين، وأمَّا المحاربون الكفَّار فتؤخذ أموالهم.

ص 1373

«إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَهَا»؛ أي إذا قوتلوا وكانوا من قبل قد أخذوا أموال النَّاس بغير حقٍّ، ثم انكسرت شوكتهم، وصاروا تحت قبضة الإمام، ففي هذه الحالة عليهم أن يضمنوا الأموال التي أخذوها، ويردُّوها إلى أهلها إذا كانت موجودة بعينها، «فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا أَخَذُوا»؛ أي لا يُظلمون فلا تُؤخذ منهم أموالهم الخاصَّة التي يملكونها، «وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْآخَذِ»؛ يعني يؤخذ المال حتى وإن لم نعرف من الذي باشر أخذ المال من المسلمين؛ لأنَّهم -كما قلنا- طائفة صاروا كالشَّخص الواحد، فالمال الذي عندهم يُنسب إلى جميعهم، ولأنَّهم تعاونوا أصلًا فيما بينهم من أجل أن يأخذوا المال، ليكون كلُّ واحد منهم له نصيب في هذا المال، فكما أنَّه جعل لنفسه نصيبًا في الأخذ يكون عليه نصيب في الضَّمان.

«وَكَذَلِكَ لَوْ عُلِمَ عَيْنُهُ، فَإِنَّ الرِّدْءَ وَالْمُبَاشِرَ سَوَاءٌ كَمَا قُلْنَاهُ»، فحتى ولو عَرَفنا عين الآخذ، أي الشَّخص الذي تولَّى الأخذ من بين الطائفة؛ فإنَّ الضَّمان يكون على جميعهم، «لَكِنْ إذَا عُرِفَ عَيْنُهُ كَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ» فإذا عُرف عين الشَّخص ولم تستطع الطَّائفة أن تضمن المال لعدم وجود هذا المال معهم أو لعدم بقاء جماعتهم بعد قتالهم؛ فإن هذا المال يبقى في ذمَّة هذا الآخذ.

إذن فرَّق شيخ الإسلام بين بعض الأحكام المتعلِّقة بقتالهم فيما لو كان قطَّاع الطَّريق كفَّارًا أو مسلمين؛ فإذا كانوا مسلمين فإنَّ أموالهم الخاصَّة التي يملكونها محرَّمة فلا تُغْنَم، وأمَّا الأموال التي أخذوها من المسلمين فإنَّهم يضمنونها، فإذا وُجد عين المال المأخوذ رُدَّ إلى صاحبه إذا عُرفَ صاحبه، وإذا لم يوجد عين المال ضمنوا ما أخذوه، فيُقَدَّر عليهم المال أو الأمور التي أخذوها، ثم يؤخذ من أموالهم ما يعادلها ويُرَّدُ إلى أصحابها، والضمان هنا يكون على مجموع الطَّائفة.

«وَيُرَدُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ كَانَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ» إذا كنَّا نعلم أنَّهم أخذوا أموالًا للمسلمين، ولم نعرف ممن أخذوه -الذي يُرَّد إليه هذا المال لا نعرفه- فإنَّ المال الذي يؤخذ منهم يُصرف في مصالح المسلمين، «مِنْ رِزْقِ الطَّائِفَةِ الْمُقَاتِلَةِ لَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ»؛ يعني يجعل منه مرتَّب للذين قاتلوهم، ولا يكون هذا من باب الغنيمة، وقد حدث هذا عندما قاتل المجاهدون قرية قطاع الطرق وكانوا قد أخذوا أموالا طائلة من الناس بنوا فيها بيوتًا وصار لهم أملاكًا وأموالًا، ولا يمكن معرفة من أُخذ منه؛ فهنا استفتى المجاهدون العلماءَ في الداخل وأباحوا لهم صرفَ هذه الأموال في مصالح المسلمين العامة، وإذا عُرف صاحب مال بعينه وأن له حقًّا ثبت بالبينة أخذ بقدر هذه الأموال، وقد ترك المجاهدون عوام المسلمين أن يأخذوا من القرية ما شاؤوا ليعوضهم عن الضرر الحاصل بهم، واختص المجاهدون بالسلاح والذخائر.

ص 1374

ثم ذكر بعض الفروق الأخرى التي بينهم وبين قتال الكفَّار فقال: «بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ قِتَالِهِمْ التَّمَكُّنُ مِنْهُمْ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَمَنْعُهُمْ مِنَ الْفَسَادِ» هذا هو المقصود من هذا القتال كسر شوكتهم ليقعوا في قبضة الإمام ليجري عليهم الحدود، «فَإِذَا جُرِحَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جَرْحًا مُثْخَنًا، لَمْ يُجْهَزْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ» وإنَّما يؤخذ إلى بلاد المسلمين لينظر في حاله، «إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ»؛ بأن يكون قد استحق القتل بالحدِّ، كأن تكون هذه الطَّائفة قد قتلوا شخصًا، فقلنا أنَّه إذا باشر أحدهم القتل وأعانه الآخرون فكلهم يُقتلون، فقال: إذا كان هذا الشَّخص بالنظر إلى نوع القطع الذي استخدمه للطَّريق استحق القتل، فبهذه الحالة وبإذن الإمام يُجهز عليه؛ لأنَّه إقامة للحدِّ عليه.

«وَإِذَا هَرَبَ وَكَفَانَا شَرَّهُ لَمْ نَتْبَعْهُ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَدٌّ، أَوْ نَخَافَ عَاقِبَتَهُ» فإذا انكسرت شوكتهم وهربوا وتشتتوا وتركوا هذا الأمر؛ فهنا نتركهم لأنَّه قد حصل المقصود، إلا في حالتين:

- الحالة الأولى: أن يكونوا قد استحقُّوا إقامة حدٍّ عليهم؛ كأن يكونوا أخذوا أموال النَّاس أو أن يكونوا قتلوا مسلـمًا، فبهذه الحالة إمَّا أن يكون حدُّهم القتل، وإمَّا أن يكون حدُّهم القطع -قطع اليد والرجل من خلاف-، فبهذه الحالة لا يُتركون فإذا هرب أحدهم يُتبع.

الحالة الثانية: أن تكون له فئة يلجأ إليها؛ كأن يكون قد لجأ إلى طائفة ذات شوكة يتقوَّى بها، فهو ما زال على حاله؛ يعني لم يتمكن السُّلطان منه ليقيم عليه الحدَّ، فيتبع ولا يُترك.

«وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي يُقَامُ عَلَى غَيْرِهِ» إذا أُسر واحد منهم فهذا يؤخذ إلى السُّلطان لينظر أي الحقوق التي يستحقها هل هو القتل أو هو الصلب مع القتل أو هو قطع اليد والرجل من خلاف «وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُشَدِّدُ فِيهِمْ حَتَّى يَرَى غَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ وَتَخْمِيسَهَا» كما يُفعل بالكفار تمامًا «وَأَكْثَرُهُمْ يَأْبُونَ ذَلِكَ»؛ أي أكثر الفقهاء يأبون الأخذ بهذا القول لدخول أموالهم في عموم قول النبي ﷺ: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)٢٬٣١٢من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: مسلم: (2564)، والترمذي: (1927) وأبو داود: (4882)، وابن ماجه: (3933)، وأحمد: (7713).، وهذه أموال يملكها مسلم؛ فما زالت الحرمة باقية.

مسألة: إذا قتل قطاع الطريق أحدًا من المسلمين في أثناء المقاتلة؟

ص 1375

الظاهر أنه يجري عليه الحدُّ في هذه الصُّورة؛ لكن المقصود إذا قاتلوا ولم يُقتل أحد من المسلمين وفرُّوا وانكسرت شوكتهم، أو نقول: في هذه الحالة قد لا يكون مستحقًّا لإقامة الحدِّ؛ لأنَّ هذا المجاهد يقاتل في سبيل الله، كما قال عمر رضي الله عنه في حقِّ الصَّحابة الذين قاتلوا المرتدين عندما أراد أبو بكر أن يأخذ ديَّتهم، فقال: «أمَّا قتلانا فقد قُتلوا في سبيل الله فلا ديَة لهم»٢٬٣١٣مصنف ابن أبي شيبة: (33400)، والطبراني في الأوسط: (1953)، والبيهقي في الكبرى: (17632)..

«فَأَمَّا إذَا تَحَيَّزُوا إلَى مَمْلَكَةِ طَائِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَعَانُوهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» الضمير في «أعانوهم» يحتمل الاثنين، يعني أعان المحاربون الطَّائفة الخارجة، أو أعانت الطَّائفة الخارجة المحاربين، والحكم واحد «قُوتِلُوا كَقِتَالِهِمْ»؛ يعني أخذوا حكم الطَّائفة الممتنعة عند ذلك؛ فإن كانت مرتدة صار حكمهم مثلها، وهكذا.

ثم انتقل إلى مسألة أخرى، وهي مسألة قد تشتبه ويدخلها البعض في صورة الممتنعين؛ قال: «وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ خَفَارَةً أَوْ ضَرِيبَةً مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ عَلَى الرؤوس وَالدَّوَابِّ وَالْأَحْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ»؛ يعني من كان عنده مثلًا أغنام فيأخذ منه على كلِّ غنمةٍ خمسين أو مئة درهم، أو يقول له مثلًا: تدفع لنا العشر، وهذا ليس بالسِّلاح ولكنه يأخذ ضرائبَ منظمة، كحال أصحاب الجمارك الذين يأخذون أموال النَّاس بغير حقٍّ.

ولكن نقول: إنه أحيانًا يكون للدَّولة حاجة شديدة ومرَّت بظرف من الظُّروف؛ فهذه الضرائب لا تُؤخذ إلا لمصلحة عامَّة مثل الضَّرائب التي اختلف العلماء في فرضها على الأغنياء عند حاجة بيت المال للجهاد مثلًا، فهذا فيه خلاف بين العلماء والراجح جوازه، ولكن نتكلم هنا في أن يكون قانونًا عامًا لا يتعلق بظرف خاصٍّ تمرُّ به الدَّولة في حالة من الحالات؛ فالقانون ماشي على كل حال، أو قبيلة وضعت حاجزًا على الطريق وتأخذ من كل مار؛ فهذا محرم وهو من المَكس.

ص 1376

«فَهَذَا مَكَّاسٌ، عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الْمَكَّاسِينَ»؛ يعني ليس قاطع طريق وإنَّما هو مكَّاس يعاقب عقوبة تعزيرية بحسب ما يرى الإمام، «وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ قَتْلِهِ» ذكر بعض الفقهاء أنَّ المكاس يُقتل كيفما أمكن وهذا يقوله الأحناف، وذكر هذا الإمام أبو بكر الجصاص في تفسيره عند قول الله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]٢٬٣١٤قال ابن الجصاص في تفسيره (2 / 192-193): «وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد اللّه عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها، وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه، وقوتلوا حتى ينتهوا، وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة، وكذلك حكم من يأخذ أموال النَّاس من المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب، واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا ممتنعين، وهؤلاء أعظم جرما من آكلي الربا، لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة المسلمين جميعًا، وآكل الربا إنما انتهك حرمة اللّه تعالى في أخذ الربا، ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة، لأنه أعطاه بطيبة نفسه، وآخذو الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي اللّه تعالى، وحرمة المسلمين، إذ كانوا يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة، فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال النَّاس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال»..

«وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ» فالنَّاس يذهبون ويرجعون ويدفعون، أمَّا القاطع الذي يشهر السِّلاح ويأخذ المال بالقوَّة ويقتل، فلن يمرَّ أحدٌ حينها؛ فتنقطع الطَّريق في هذه الحالة، «مَعَ أَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْغَامِدِيَّةِ» التي زنت وتابت «(لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ)٢٬٣١٥من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه: مسلم: (1695)، وأبو داود: (4442)، وأحمد: (22999).»؛ يعني أن ذنبه أعظم من ذنبها.

وما يقع في بعض المناطق هنا ويتركه الطلبة؛ فإنهم لم يُمكنوا بعد، وإنهم حين تمكنوا أزالوا هذا الفساد، والمنكرات لا يمكن أن تُزال دفعة واحدة، فما دمتَ في طريقك للإصلاح فلا يكلف الله نفسًا إلا وُسعها، وهم قد يتركون بعض هؤلاء لئلا يُستدرجوا لمعارك جانبية يفتعلها العملاء.

«وَيَجُوزُ لِلْمَطْلُوبِينَ الَّذِينَ تُرَادُ أَمْوَالُهُمْ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ» إذا أراد قطَّاع الطُّرق أن يأخذوا شيئًا من أموال النَّاس، فأبى هذا الرجل المسافر أن يُعطيهم هذا المال، فهنا جاز له في هذه الحالة ألَّا يعطيهم شيئًا، ولو أدَّى إلى قتالهم، فجاز له أن يقاتلهم دون ماله ولا يعطيهم شيئًا.

ص 1378

«وَلَا يَجِبُ أَنْ يَبْذُلَ لَهُمْ مِنَ الْمَالِ لَا قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، إذَا أَمْكَنَ قِتَالُهُمْ، قال النَّبيُّ ﷺ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)٢٬٣١٦من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: البخاري: (2348)، ومسلم: (141)، والترمذي: (1419)، والنسائي: (4087)، وأحمد: (6522)؛ ومن حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه: ابن حبان: (3194)؛ والترمذي: (1418)، وأبو داود: (4772)، والنسائي: (4090)، وابن ماجه: (2580)، وأحمد: (1628).» سواء كان المال الذي طلبوه منه قليلًا أو كثيرًا؛ أي ولو قاتل دون درهم واحد من ماله جاز له ذلك، وإذا قُتل دون ذلك فهو شهيد، وهذا على سبيل الجواز وليس على سبيل الوجوب، فإن شاء دفع لهم ما يريدون من المال، وإن شاء قاتلهم دون ماله حتى ولو قتل منهم من قتل أو قُتل هو دون ذلك المال، فليس عليه مؤاخذة وهو شهيد كما ذكر النَّبيُّ ﷺ.

«وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ: الصَّائِلَ، وَهُوَ الظَّالِمُ، بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا وِلَايَةٍ»؛ يعني ليس عنده شبهة اعتمد عليها في مطالبته لهذا المال، فأحيانًا الإنسان يكون له ديْن عند إنسان آخر فيطالبه بهذا الدَّيْن، فالآخر معسر أو ما عنده أو أن هذا الإنسان يظن أنَّه قد قضى هذا الدَّيْن، فهذا الذي يريد أن يأخذ ليس على سبيل قطع الطَّريق، وإنَّما يريد أن يأخذ المال بتأويل، وكذلك مثلًا عند البُغاة الذين يريدون أن يأخذوا الزَّكاة ويرون أنفسهم مثلًا ولاة حقيقيين، هؤلاء يريدون أن يأخذوا هذا المال على سبيل التَّأويل، فهؤلاء غير قطَّاع الطُّرق ولا يجوز مقاتلتهم.

وكذلك من كانت له ولاية يعني السُّلطان الأكبر إذا أراد أن يأخذ مال الإنسان فهنا دفعًا للفتنة لا يقاتل السُّلطان كما ورد: (وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ)٢٬٣١٧من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: مسلم: (1847)، والحاكم: (8533)، وأبو داود: (4244)، وأحمد: (23476)..

إذن المقصود بالصَّائل الذي يقصده الفقهاء هو: الذي يقصد النَّاس ليأخذ أموالهم بغير شبهة؛ فقط يريد أن يصل إلى هذا المال ولو أدَّى إلى قتل صاحبه، فهذا يجوز لك أن تقاتله وأن تمنعه مالك، فإن قُتلت فأنت شهيد، وإن قَتلت فهو في النَّار؛ كما جاء في حديث النَّبيِّ ﷺ.

ص 1379

«فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْمَالَ، جَازَ مَنْعُهُ بِمَا يُمْكِنُ، فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقِتَالِ قُوتِلَ٢٬٣١٨«قال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك. وقال عطاء في المحرم يلقى اللصوص قال: يقاتلهم أشد القتال، وقال ابن سيرين: ما أعلم أحدا ترك قتال الحرورية واللصوص تأثمًا إلا أن يجبن، وقال الصلت بن طريف: قلت للحسن: إني أحرج في هذه الوجوه أخوف شيء عندي يلقاني اللصوص يعرضون لي في مالي، فإن كففت يدي ذهبوا بمالي، وإن قاتلت اللص ففيه ما قد علمت؟ قال: أي بني من عرض لك في مالك فإن قتلته فإلى النار، وإن قتلك فشهيد. ونحو ذلك عن أنس والشعبي والنخعي» المغني: (10 / 374)، وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: (32 / 319): «وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُدْوَانِ عَلَى الْمَال فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنِ الْمَال بِالْقِتَال إذَا لَمْ يُمْكِنْ سِوَى ذَلِكَ، قَال أَحْمَدُ فِي اللُّصُوصِ يُرِيدُونَ نَفْسَكَ وَمَالَكَ: قَاتِلْهُمْ تَمْنَعْ نَفْسَكَ وَمَالَكَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنِ الْمَال، لأِنَّ الْمَال يَجُوزُ بَذْلُهُ وَإِبَاحَتُهُ لِلْغَيْرِ».»؛ فيتدرج معه، إذا أمكن أن يدفعه بالكلام دفعه به، وإذا أمكن أن يدفعه بالتَّهديد دفعه بالتَّهديد، وإذا أمكن أن يدفعه بإصابته دفعه بإصابته، وإذا لم يمكن إلا بقتله قتله، وأحيانًا التَّدرج يؤدِّي إلى إسراعه في قتلك، فهنا التَّدرج لا معنى له لأنَّه لا فائدة تُرجى من وراءه، «وَإِنْ تَرَكَ الْقِتَالَ وَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ: جَازَ».

«وَأَمَّا إذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْحُرْمَةَ مِثْلُ أَنْ يَطْلُبَ الزِّنَا بِمَحَارِمِ الْإِنْسَانِ، أَوْ يَطْلُبَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ الصَّبِيِّ الْمَمْلُوكِ أَوْ غَيْرِهِ الْفُجُورَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يُمْكِنُ، وَلَوْ بِالْقِتَالِ، وَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ بِحَالٍ، بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ جَائِزٌ، وَبَذْلَ الْفُجُورِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ» فلا يجوز له في هذه الحالة أن يمكنه بأيِّ حال من الأحوال بخلاف الأموال فهو بالخيار، إن شاء أعطى وإن شاء قاتل، ولكن في العِرض والحرمة لا يجوز تركه مُطلقا.

«وَأَمَّا إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ، قَتْلَ الْإِنْسَانِ، جَازَ لَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ٢٬٣١٩«أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُدْوَانِ عَلَى النَّفْسِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُ نَفْسِهِ إلاَّ بِالْقِتَال فَإِنَّهُ يُقَاتِلُهُ، وَفِي الأْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجِبُ الدَّفْعُ، وَيَجُوزُ الاِسْتِسْلاَمُ إذَا لَمْ يَكُنِ الْمُعْتَدِي مُهْدَرَ الدَّمِ، فَإِنْ كَانَ مُهْدَرَ الدَّمِ كَالْكَافِرِ وَجَبَ قِتَالُهُ، وَمَا سَبَقَ مِنَ الْحُكْمِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْفِتْنَةِ، أَمَّا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ فَلاَ يَجِبُ الْقِتَال، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الاِسْتِسْلاَمُ» الموسوعة الفقهية الكويتية: (32 / 319).»؛ فالآن ذكر شيخ الإسلام ثلاثة مطلوبات: الأول هو المال؛ فالإنسان هنا إن جاز أعطى وإن جاز قاتل، والمطلوب الثاني هو الحرمة يعني الزنا أو غيره؛ ففي هذه الحالة لا يجوز لهذا الإنسان أن يمكِّن نساءه، ولا يجوز للمرأة أن تمكِّن نفسها، ولا للصبي أن يمكِّن نفسه لهذا المجرم بأيِّ حال من الأحوال وليقتله، والمطلوب الثالث هو النفس؛ فهذه هي التي قال فيها شيخ الإسلام اختلف العلماء.

ص 1380

وأما جواز الدَّفع عن نفسه فهو جائز بالاتِّفاق، يعني ألا تُسلَّم نفسك له وتقاتل دون نفسك ولا تتركه هو الذي يتولى قتلك هذا جائز، ولكن هل يجب أو لا يجب؟ هل يجب أن تقاتل وألا تسلَّم نفسك له، أو أن تقول له: تفضل واقتلني ولا تقاتل دون ذلك؟، والشيخ العثيمين هنا رجَّح الوجوب٢٬٣٢٠شرح السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 254).، وهذا في غير حال الفتنة -كما سيذكر شيخ الإسلام-، وهذا فيمن ظهر إجرامه، وعُرف أنه رجل مجرم يريد فقط قتل النُّفوس.

ولا يلزم التدرج هنا في قتله إذا عُلم أن التدرج معه سيؤدي لأن يُبادرَ ويسرع لقتلك، فهنا لا معنى للتدرج في دفعه؛ لأنه لا فائدة تُرجى من ورائه، فقد وضع نفسه في موضع استحقاق القتل مباشرة.

«وَهَذَا إذَا كَانَ لِلنَّاسِ سُلْطَانٌ» هذا الكلام الذي كنا نتكلم عليه من التقسيم والمقاتلة إذا كان للنَّاس سلطان قائم يضبط الأمور ويقاتل لأجل إقامة الحدود عليهم، «فَأَمَّا إذَا كَانَ -وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ- فِتْنَةً، مِثْلُ أَنْ يَخْتَلِفَ سُلْطَانَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَقْتَتِلَانِ عَلَى الْمُلْكِ» فهذا القتال لا هو لإعلاء كلمة الله ولا هو لتأمين النَّاس، وإنَّما هو لتحصيل الـمُلك وهذا قتال على الدُّنيا، وهو أول صور قتال الفتنة، فهنا: «فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ، إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمَا بَلَدَ الْآخَرَ، وَجَرَى السَّيْفُ، أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْفِتْنَةِ، أَوْ يَسْتَسْلِمَ فَلَا يُقَاتِلَ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ»؛ يعني إذا دخل أحد هذين السُّلطانيْن بلد الآخر بالقوَّة وعاث في الأرض فسادًا، فهل في هذه الحالة للإنسان إذا أريد قتله من قبل هذا السُّلطان هل له أن يقاتل عن نفسه؟ أو أن يكفَّ يده؛ لأنَّ هذا القتال قتال فتنة، والنَّبيُّ ﷺ عندما سُئل عن قتال الفتنة قال: (فَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْقَاتِلَ)٢٬٣٢١من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه: (أحمد: (21101)، ومن حديث خالد بن عرفطة رضي الله عنه: الحاكم: (8578)، وأحمد: (22552)، وحسنه الأرناؤوط لغيره..

ص 1381

«فَإِذَا ظَفِرَ السُّلْطَانُ بِالْمُحَارِبِينَ الْحَرَامِيَّةِ» أي انكسرت شوكتهم وصاروا تحت يده «وَقَدْ أَخَذُوا الْأَمْوَالَ الَّتِي لِلنَّاسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْهُمْ الْأَمْوَالَ الَّتِي لِلنَّاسِ، وَيَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ مَعَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى أَبْدَانِهِمْ» فلا بد من استخراج الأموال وردها للناس أولا؛ بان يحبسهم ويضربهم قبل أن يقيم عليهم الحدود؛ حتى يستخرجوا منهم هذه الأموال التي أخذوها، «وَكَذَلِكَ السَّارِقُ، فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ إحْضَارِ الْمَالِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِمْ، عَاقَبَهُمْ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ»؛ فإذا سرق مالًا وثبت عليه بالبيِّنة، فإذا أبى أن يستخرج هذا المال، فإنه يُعاقب بالضَّرب ليس عقوبة على السَّرقة، وإنما عقوبة على ردِّ المال واستخراجه، فلا يُقال هنا: جُمع للسَّارق بين حدِّ القطع وبين حدِّ الجلد؛ فهذا ليس حدًّا، ولا يُقال: إنَّنا زدنا على الحدِّ، وإنما هذا عقوبة على جريمة زائدة على مجرد السَّرقة، فإنَّه لو ردَّ المال مباشرة لقطعت يده من غير ضرب، يمكن ضربه بعد أن تقطع يده ويشفى، ويمكن يطالب باستخراج المال ثم تقطع يده، المهم في النِّهاية أن يرجع المال إلى صاحبه.

«حَتَّى يُمَكِّنُوا مِنْ أَخْذِهِ بِإِحْضَارِهِ أَوْ تَوْكِيلِ مَنْ يُحْضِرُهُ، أَوْ الْإِخْبَارِ بِمَكَانِهِ»؛ يعني نحن نعرف أنَّ عندهم مالًا ولكن لا نعرف مكانه، فيضربون كما ضُرب سَعْية اليهودي الذي دلَّ على خربة حيي بن أخطب، «كَمَا يُعَاقَبُ كُلُّ مُمْتَنِعٍ عَنْ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ لِلرَّجُلِ فِي كِتَابِهِ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ إذَا نَشَزَتْ، فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، حَتَّى تُؤَدِّيَهُ؛ فَهَؤُلَاءِ أَوْلَى وَأَحْرَى» قال الله ﷻ: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهـۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ﴾ [النساء: 34] فهذه عقوبة متدرجة: تُوعظ؛ فإن لم يُجد فالهجران، فإن لم يُجدِ فتُضرب، حتى ترجع إلى الطاعة.

ص 1382

«وَهَذِهِ الْمُطَالَبَةُ وَالْعُقُوبَةُ حَقٌّ لِرَبِّ الْمَالِ، فَإِنْ أَرَادَ هِبَتَهُمُ الْمَالَ، أَوْ الْمُصَالَحَةَ عَلَيْهِ، أَوْ الْعَفْوَ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَلَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْعَفْوِ عَنْهُ بِحَالٍ» المطالبة بهذه العقوبة لاستخراج المال حقٌّ لربِّ المال وليست حقًّا إلى السُّلطان، والمقصود بالعقوبة: المتعلِّقة بإحضار المال وليس الحد؛ فرَبُّ المال هو الذي يطلب من السُّلطان أن يستخرج له المال من هذا السَّارق أو من هذا القاطع للطَّريق، فإن شاء قال: أنا سأترك له هذا المال، وإن شاء قال: أنا أعفو له عن النِّصف، وإن شاء قال: إذا ردَّها من غير عقوبة فبها، وإن اضطررتَ إلى معاقبته فلا أريد هذا المال، فإذن أمر المطالبة بالعقوبة لاستخراج المال راجع إلى صاحب المال، وأمَّا إقامة الحدِّ عليه فلا دخل لربِّ المال فيها؛ لأنَّها تتعلق بالحقِّ العامِّ، «وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ رَبَّ الْمَالِ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ» فالسُّلطان ليس له أن يقول لربِّ المال: اعفُ عن النِّصف، أو لن نعاقبه، فما دام ربُّ المال يطالب به فيجب على السُّلطان أن يستخرجه له من قاطع الطريق أو من السَّارق٢٬٣٢٢[هنا تنتهي المحاضرة الرابعة عشرة، وشرع الشيخ بعدها في المحاضرة الخامسة عشرة، وفي مطلعها قال الشيخ: إنه بسبب ضيق الوقت لن نستطيع إكمال كل الكتاب، مع أن هذه الفصول مهمة، ونحتاجها في حياتنا الجهادية، واعتذر عن إكمال الشرح كله، وذكر أنه سيكمل شرح حد قطاع الطريق، وأما بقية الحدود فحاليا لا نحتاج لدراستها حتى يمكن لنا الله فندرسها حين ذلك، والله الموفق]..

«وَإِنْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ قَدْ تَلِفَتْ بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ أَوْ عِنْدَ السَّارِقِ فَقِيلَ: يَضْمَنُونَهَا لِأَرْبَابِهَا، كَمَا يَضْمَنُ سَائِرُ الْغَارِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رضي الله عنهما. وَتَبْقَى مَعَ الْإِعْسَارِ فِي ذِمَّتِهِمْ إلَى مَيْسَرَةٍ وَقِيلَ: لَا يَجْتَمِعُ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. وَقِيلَ: يَضْمَنُونَهَا مَعَ الْيَسَارِ فَقَطْ دُونَ الْإِعْسَارِ، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رحمه الله»، أي إذا كانت الأموال التي أخذها السَّارق أو أخذها قطَّاع الطُّرق، قد أكلوها واستهلكوها، فلم يكن حالهم حال المخفيِّ لها، ففي هذه الحالة اختلف العلماء في ضمانهم لها على ثلاثة أقوال:

القول الأوَّل: أنهم يضمنونها مع الإعسار ومع اليسار؛ سواء كانوا موسرين أي أغنياء عندهم أموال يمكن أن يدفعوها بدل ما أكلوه أو أنفقوه، أو كانوا معسرين أي فقراء ليس عندهم مال يمكن أن يقضوا به ما أكلوه، وهذا قول الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمه الله؛ فلا يسقط هذا المال بحال؛ فإن كانوا موسرين دفعوها، وإن كانوا معسرين بقي في ذمتهم كما يبقى الدَّيْن في ذمة المدين٢٬٣٢٣المجموع: (20 / 102)، الحاوي الكبير: (13 / 342)، المغني: (10 / 274)، الإنصاف: (10 / 218)..

القول الثاني لأبي حنيفة رحمه الله، قال: لا يجتمع القطع والغُرم، أي لا يجتمع عليهم القطع الذي هو الحدُّ والتضمين، فإذا قطعوا ليس عليهم الضَّمان إذا أكلوها أو استهلكوها٢٬٣٢٤بدائع الصنائع: (15 / 245)، الاختيار لتعليل المختار: (4 / 118)، أحكام القرآن: (4 / 83)..

ص 1383

القول الثالث: للإمام مالك رحمه الله قال: يضمنون مع اليسار، ويسقط عنهم مع الإعسار؛ فإن كانوا موسرين عندهم مال يمكن أن يدفعوه بدل ما أكلوه أو أنفقوه ضمنوا، وإن كانوا معسرين ليس عليهم شيء فيسقط عنهم٢٬٣٢٥الذخيرة: (12 / 188)، بداية المجتهد: (2 / 452)..

والظاهر أنَّ القول الأوَّل هو القول الصَّحيح؛ لأنَّها أموال غُصِبت وأُخذت بغير حقٍّ، فلا تسقط بالتَّقادم ولا بالإعسار كالدَّيْن، وإنما تبقى في الذِّمة فحيث ما حصلت الميسرة فعندها يجب عليه أن يردَّها٢٬٣٢٦الموسوعة الفقهية: (24 / 346-247)..

ص 1384

«وَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ جُعْلًا عَلَى طَلَبِ الْمُحَارِبِينَ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَارْتِجَاعِ أَمْوَالِ النَّاسِ مِنْهُمْ: وَلَا عَلَى طَلَبِ السَّارِقِينَ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِلْجُنْدِ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ فِي طَلَبِهِمْ بَلْ طَلَبُ هَؤُلَاءِ مِنْ نَوْعِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَخْرُجُ فِيهِ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَخْرُجُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْغَزَوَاتِ الَّتِي تُسَمَّى الْبَيْكَارَ٢٬٣٢٧بيكار: «اصطلاح عسكري أطلق في العصر السلجوقي على الحملات العسكرية المؤلفة من المماليك الأتراك، الذين تم شراؤهم وهم صغار بقيادة أميرهم الذي اشتراهم، من مزايا هذا النوع من الحملات أنها كانت محدودة الزمن، كثيرة المغانم، مأمونة النتائج». معجم المصطلحات والألفاظ التاريخية: (1 / 96).»؛ يعني لا يجوز للسُّلطان أو الأمير أن يأخذ جُعلًا من أرباب الأموال من أجل إقامة الحدِّ أو ارتجاع أموالهم أو حتى على طلب السَّارقين؛ فلا يأتي لمن أُخذ ماله إمَّا بقطع الطَّريق أو بالسَّرقة ويقول له: أنا أستطيع أن أقبض لك على هؤلاء السُّراق، أو أن أحضر هؤلاء القُطَّاع، وأن أقيم عليهم الحدَّ، ولكن لا بدَّ أن تدفع لي كذا من الأموال، فهذا لا يجوز له؛ لأنَّ السُّلطان إنَّما هو وكيل، وهذه مهمته: أن يؤمِّن النَّاس في أنفسهم وفي أموالهم. فلا يجوز له أن يأخذه لنفسه ولا لبيت المال؛ لأنَّ هذا ليس من مصادر بيت المال، وإنَّما هي أموال للمسلمين محترمة ومحرَّمة؛ فلا يجوز له أن يأخذها بغير وجه حقٍّ. ولا يجوز أن يأخذها للجند الذين يرسلهم السُّلطان من أجل القبض على السُّراق وقطَّاع الطُّرق؛ لأنَّ هؤلاء الجند هم مجاهدون في سبيل الله، ونفقتهم تكون من بيت مال المسلمين، ولا تكون ممن أوكل الشَّرع للسُّلطان أن يردَّ إليهم أموالهم؛ فالشَّرع أوجب على السُّلطان أن يرسل جنودًا من عنده يطاردون المحاربين ويلاحقونهم ويقبضون عليهم ويقيمون عليهم الحدَّ، فليس له أن يأخذ من النَّاس أموالًا من أجل أن يعطيها للجند، «وَيُنْفِقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ فِي هَذَا مِنَ الْمَالِ الَّذِي يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ الْغُزَاةِ»؛ يعني من مال الفيء ومن أموال المصالح العامَّة؛ «فَإِنْ كَانَ لَهُمْ إقْطَاعٌ أَوْ عَطَاءٌ يَكْفِيهِمْ، وَإِلَّا أَعْطَاهُمْ تَمَامَ كِفَايَةِ غَزْوِهِمْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ»؛ فإن كان لهم مرتَّب يكفيهم من بيت المال اكتفيَ بذلك، وإن كان عندهم عطاء ولكن لا يكفيهم فيأخذ من أموال الصدقات ويجعلها لهم؛ فإنَّ هذا من سبيل الله، «وفي سبيل الله» مصرف من مصارف الزَّكاة.

«فَإِنْ كَانَ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ الْمَأْخُوذِينَ» الذين قُطعت عليهم الطريق من المحاربين «زَكَاةٌ، مِثْلُ التُّجَّارِ الَّذِينَ قَدْ يُؤْخَذُونَ فَأَخَذَ الْإِمَامُ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَأَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَنَفَقَةِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْمُحَارِبِينَ جَازَ»؛ فإن وُجد تجار في سفر، فقطع المجرمون عليهم الطَّريق، وأُخِذَ من أموالهم، فإن كان هؤلاء قد وجبت عليهم زكاة يعني ملكوا النِّصاب وقد بلغ حولًا كاملًا، فإذا كان السُّلطان قد أخذ زكاة أموالهم ثم ردَّها على الذين يخرجون لقتال المحاربين ففي هذه الحالة يجوز؛ فلم يكن هذا الأخذ لأجل أن يعطى لهؤلاء المقاتلين الذين خرجوا على المحاربين، وإنَّما هو أخذ لحقٍّ وصرفه في مصرفه وهو في سبيل الله.

ص 1385

«وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ قَوِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفٍ، فَأَعْطَى الْإِمَامُ مِنَ الْفَيْءِ أَوْ الْمَصَالِحِ، أَوْ الزَّكَاةِ لِبَعْضِ رُؤَسَائِهِمْ؛ يُعِينُهُمْ عَلَى إحْضَارِ الْبَاقِينَ أَوْ لِتَرْكِ شَرِّهِ فَيَضْعُفُ الْبَاقُونَ وَنَحْوُ ذَلِكَ: جَازَ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» فإذا لجأ قطَّاع الطُّرق إلى قرية أو حصن وهذه القرية في الأصل ليسوا قطاعًا للطَّريق، ولكن عندما جاءوهم ولجئوا إليهم واستجاروا بهم أخذت الحميَّة أولئك، وقالوا: نحن لا نُسلِّم من استجار بنا كما هو معروف عند القبائل، فقال شيخ الإسلام: في الأصل هؤلاء إذا لم يمكن الوصول إلى قطَّاع الطُّرق إلا بقتالهم جميعًا قوتلوا، هذه هي الصُّورة الأصلية، ولكن قال: إذا كانت لهم شوكة قوية، وكانت هذه القرية لها شوكة ولها قوَّة ولها عدد ولهم جَلَدٌ في القتال؛ ففي هذه الحالة -مع أنهم آووا مجرمين واستجار بهم هؤلاء القطَّاع، والذي فعلوه هو حرام يقينًا؛ لأنَّه إعانة للقطَّاع على الإثم والعدوان، وإعانة لهم على ظلم النَّاس- يجوز للإمام أن يبحث عن رؤوس وأعيان هؤلاء الذين لجأ إليهم قطَّاع الطُّرق؛ فيعطيهم من أموال الفيء أو الصَّدقات أو أموال المصالح العامَّة ليُعينوه على إحضار الباقين؛ فهذا إذا وجد المال يتخلى عن هؤلاء، وأقلُّه أن يقول لهم: أنا الآن لا أستطيع أن أجيركم، وابحثوا لكم عن جهة أخرى، وأحيانًا هو بنفسه فقط يخلِّي بينه وبينهم لا يقاتل معهم؛ فالمقصود أن ننظر إلى أي مدى تُصرف الأموال من أجل تأليف النَّاس، فهذا دُفعت له الأموال، وهو مرتكب لمحرَّم لا شكَّ فيه، وهو إعانة قُطَّاع الطُّرق وهم من أكثر النَّاس فسادًا في الأرض كما وصفهم الله ﷻ بأنهم يحاربون الله ورسوله؛ فإذن يجوز في مثل هذه الحالة أن يصرف من أموال المصالح العامَّة أو من أموال الصَّدقات لأنَّهم عَدُّوهم من المؤلفة قلوبهم، أو من أموال الفيء لأنَّ الفيء يصرف لمصالح المسلمين العامَّة.

وأما رؤساء المحاربين؛ فلا يجوز بذل الأموال لهم لإسقاط الحد عنهم، وكذلك لا يجوز تأمين المحاربين، فالأمان لا يصح لمن عيَّن الشرع قتلَه.

«وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ» فهذه الصُّورة إذا تمعَّن الإنسان في كثير من المواطن التي يتعامل فيها مع النَّاس في ساحات الجهاد؛ يجد لها نظائرَ كثيرة، بل يجد بعض الصُّور يكون فيها التأليف أولى من مثل هذه الحالات، وهذه تحتاج إلى تأمل ونظر وبحث.

«وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ الْإِمَامُ، مَنْ يَضْعُفُ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْحَرَامِيَّةِ،» إما ضعيف في شجاعته، أو أنه متورع تورعًا فاسدًا لا يحصل بسببه المقصود، «وَلَا مَنْ يَأْخُذُ مَالًا مِنَ الْمَأْخُوذِينَ التُّجَّارِ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ» كذلك لا يرسل من يأخذ مالًا من التُّجار المأخوذين الذين سُلبوا فتجتمع عليهم مصيبتان: مصيبة أخذ المال من قبل قطاع الطرق، ومصيبة أخذ أموالهم من قبل هؤلاء المقاتلين، «بَلْ يُرْسِلُ مِنَ الْجُنْدِ الْأَقْوِيَاءِ الْأُمَنَاءِ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَيُرْسِلَ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ»؛ كما ذكرنا في أول الرسالة.

ص 1386

«فَإِنْ كَانَ بَعْضُ نُوَّابِ السُّلْطَانِ أَوْ رُؤَسَاءِ الْقُرَى وَنَحْوهمْ؛ يَأْمُرُونَ الْحَرَامِيَّةَ بِالْأَخْذِ فِي الْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ، حَتَّى إذَا أَخَذُوا شَيْئًا قَاسَمَهُمْ وَدَافَعَ عَنْهُمْ وَأَرْضَى الْمَأْخُوذِينَ ببَعْضِ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ لَمْ يُرْضِهِمْ»؛ فأحيانًا يكون هناك بعض نواب السُّلطان يتفق مع قطَّاع الطُّرق «حاميها حراميها»، فإذا أخذوا شيئًا جاء على أساس أنَّه يتوسَّط؛ فإمَّا أن يقاسم قطَّاع الطُّرق ثم يتلاعب في الحد، أو أن يردَّ بعض المال لهؤلاء المسلوبين فيرضون ويقنعون ويحمدون الله أن أرجع لهم شيئًا من أموالهم، فهم يَظهر لهم أنَّه سعى وتوسَّط واجتهد حتى استطاع أن يردَّ لهم ما استطاع من الأموال، «فَهَذَا أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ مُقَدَّمِ الْحَرَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِدُونِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ هَذَا» فهذا أعظم جرمًا من قائد الحراميَّة؛ لأنَّ ذلك يمكن كفُّه ويمكن أن يُقاتَل، أمَّا هذا فهو من نواب السُّلطان له شوكته وجاهه ومكانته، فمن الذي يستطيع أن يقيم عليه الحدَّ؟!

«وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَا يُقَالُ فِي الرِّدْءِ، وَالْعَوْنِ لَهُمْ، فَإِنْ قَتَلُوا، قُتِلَ هُوَ عَلَى قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، وَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ، وَعَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُقْطَعُ وَيُقْتَلُ وَيُصْلَبُ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ، لَكِنْ لَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمْ، قَاسَمَهُمْ الْأَمْوَالَ، وَعَطَّلَ بَعْضَ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ فَإِنَّهُ لا يَحِّلُ لَهُ» فنائب السُّلطان أو بعض رؤساء القرى إذا تصرَّف بما ذكره هنا؛ فهذا حكمه حكم الردء والمعين، وقلنا أنَّ الردء والمباشر سواء، فأيُّ حدٍّ أقيم على قطَّاع الطُّرق استحقه هو.

ص 1387

«وَمَنْ آوَى مُحَارِبًا، أَوْ سَارِقًا، أَوْ قَاتِلًا وَنَحْوَهُمْ»؛ يعني أمَّنَه وحماه، «مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَمَنَعَهُ مِمَّنْ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْوَاجِبَ بِلَا عُدْوَانٍ»؛ أي طلبه السُّلطان والسُّلطان عادل، وأراد أن يستوفي هذا الحقَّ أو أن يقيم هذا الحدَّ على هذا السَّارق أو المجرم أو القاتل فمنعه هذا المؤوي، «فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الْجُرْمِ. وَلَقَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَوَى مُسْلِمٌ في صحيحه عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ ﷺ: (لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أو آوَى مُحْدِثًا)٢٬٣٢٨من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مسلم: (1978)، وابن حبان: (6604) والنسائي: (4422)، وأحمد: (855).، وَإِذَا ظُفِرَ بِهَذَا الَّذِي آوَى الْمُحْدِثَ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ إحْضَارُهُ، أَوْ الْإِعْلَامُ بِهِ» إمَّا أن يحضره بنفسه، وإمَّا أن يدُلَّ على مكانه ليتمكن السُّلطان من إحضاره، «فَإِنِ امْتَنَعَ عُوقِبَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ»؛ أي لا يتوقف الضَّرب عند حدٍّ معيَّن، بل كلَّ مرة يُطلب بالإعلام عن مكانهم فإن أبى ضُرِبَ، «حَتَّى يُمَكِّنَ مِنْ ذَلِكَ الْمُحْدِثِ» حتى يمكن أن يُقبض على ذلك المحدث ليُستَوفَى منه الحقُّ.

«كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ، فَمَا وَجَبَ حُضُورُهُ مِنَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، يُعَاقَبُ مَنْ مَنَعَ حُضُورَهَا» كما أنَّ الإنسان إذا منع المال، وعلمنا أنَّه عنده، وقد وجب عليه الشَّرع أن يدفعه يعاقب حتى يحضره أو يدُلَّ عليه، فكذلك من آوى هذا المحدِث فعليه أن يُعاقب وأن يُضرب حتى يدُلَّ عليه أو أن يحضره، هذا كلُّه إذا علمنا أنَّ الذي يُطالبُ بالمحدِث سيعاقبه بالعدل.

«وَلَوْ كَانَ رَجُلًا يَعْرِفُ مَكَانَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ بِحَقٍّ، أَوْ الرَّجُلَ الْمَطْلُوبَ بِحَقٍّ، وَهُوَ لَمْ يَمْنَعُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ كِتْمَانُهُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَذَلِكَ وَاجِبٌ» فأحيانًا لا يكون الإنسان قد آوى المحدث ولكن يعرف مكانه، ففي هذه الحالة إذا ثبت أنَّ هذا المحدِث قد ثبت عليه حقٌّ بموجب الشَّرع إمَّا يتعلق بالأموال أو بالدِّماء، فإذا طولب ليُقام عليه الحدُّ؛ فمن عرف مكانه يجب عليه أن يُعلم به، لأنَّ هذا من باب التعاون على البرَّ والتَّقوى، فإذن هناك صورتان:

- الصُّورة الأولى: أن يؤويه بنفسه.

- والصُّورة الثَّانية: أن يعلم مكانه، فيعرف أين يختفي أو يعرف من الذي آواه، فإذا سُئل عنه هنا فعليه أن يُخبر عن مكانه ليعين على إقامة الحقِّ الواجب عليه؛ فإذا عرف أنه يعرف وأبى يُعاقب؛ لأنَّ العقوبات التعزيرية إنَّما تكون على ترك واجب أو ارتكاب محرَّم، وهذا تَرَك واجبًا.

ص 1388

«بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ النَّفْسُ أَوْ الْمَالُ مَطْلُوبًا بِبَاطِلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِعْلَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» وأمَّا إذا كان مطلوبًا على وجه الظلم والتَّعدي؛ ففي هذه الحالة لا يجوز الدلالة عليه لمن عرف عينه أو مكانه، ففي هذه الحالة يحرم على الإنسان أن يدُلَّ عليه لأن في هذا إعانة للظالم على ظلمه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: 2]، «بَلْ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ، وَفِي الصَّحِيحَيْن عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: (تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُكَ إيَّاهُ)٢٬٣٢٩من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: البخاري: (2312)، وابن حبان: (5166)، والترمذي: (2255)، وأحمد: (11967).» ومن المنع من الظلم ألا تدلَّ الظالم على مكان من يريد أن يظلمه.

وهنا قال الشيخ العثيمين: «أمَّا إيواء السَّارق بقصد النصح رجاء التوبة فلا بأس إذا عُلم صدق التَّوبة عنده، ومن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ما كان حقًّا لله من قطع أو غيره أما حقّ الآدميين فيبقى»٢٬٣٣٠شرح السياسة الشرعية لابن عثيمين: (1 / 262)..

«وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهَ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: (أَمَرَنَا النَّبِيُّ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الـمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ -أَوْ الـمُقْسِم-، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَة، وَنَصْرِ الـمَظْلُومِ» وهو الشاهد من الحديث «وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ، وَنَهَانَا عَنْ: خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالفِضَّةِ، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَالقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ)٢٬٣٣١من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: البخاري: (1182)، ومسلم: (2066)، والترمذي: (2809)، والنسائي: (1939)، وأحمد: (18527).».

«فَإِنِ امْتَنَعَ هَذَا الْعَالِمُ بِهِ مِنَ الْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ، جَازَتْ عُقُوبَتُهُ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ، حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ. فَعُوقِبَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ»؛ فالعقوبة التي نتوصل بها لمعرفة إن كان عالـمًا به أو لا: لا تجوز، وإنَّما تجوزُ العقوبة إذا عرفنا أنه يعلم مكانه ويمتنع عن الدلالة عليه، «وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي مَا يَتَوَلَّاهُ الْوُلَاةُ وَالْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ، فِي كُلِّ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ وَاجِبٍ، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ» فهذا ليس خاصا بهذه الصُّورة؛ بل كل من امتنع عن واجب شرعيٍّ من قول أو فعل فإنَّه يُعاقب.

ص 1389

«وَلَيْسَ هَذَا مُطَالَبَةً لِلرَّجُلِ بِحَقٍّ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا عُقُوبَةً عَلَى جِنَايَةِ غَيْرِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ﴾ [الأنعام: 164]، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ)٢٬٣٣٢من حديث عمرو بن الأحوص رضي الله عنه: (الترمذي: (2159)، وابن ماجه: (2669)، وأحمد: (16108)، وصححه الألباني.، وَإِنَّمَا ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يُطْلَبَ بِمَالٍ قَدْ وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ لَيْسَ وَكِيلًا وَلَا ضَامِنًا وَلَا لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ، أَوْ يُعَاقَبَ الرَّجُلُ بِجَرِيمَةِ قَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَذْنَبَ، لَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ، وَلَا بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فَهَذَا الَّذِي لَا يَحِلُّ» ذكر شيخ الإسلام هنا أنَّ معاقبة هذا الرجل الذي يأبى أن يدلَّ على مكان الجاني؛ هذا ليس من قبيل العقوبة على جناية الغير ولا هو عقوبة الرجل أو مطالبة الرجل بحقٍّ وجب على غيره، فلا أحد يقول: لماذا يُضرب هذا والجاني غيره؟ ليس هذا الأمر من هذه الصُّورة، لأنَّ ما تعلق بهذا الشَّخص ليست المطالبة بالحقِّ، وإنَّما الدلالة على الذي وجب عليه الحقُّ، فهنا الذي أخفاه هو ما وجب عليه وهو الدلالة.

فمثلًا: هذا الرجل سرق مئة ألف، ثم اختفى في بيت، وهذا الرجل يعرف مكانه، ونحن علمنا أنَّه يعرف مكانه؛ فنعاقبه، فلا يحق له أن يقول: لماذا تعاقبونني وأنا لم أسرق؟ فنقول له: نحن لا نعاقبك من أجل أن تردَّ لنا المئة ألف، وإنَّما نعاقبك لأنَّك تعلم مكان الذي سرق، ثم ضرب شيخ الإسلام لذلك مثالًا فقال: مثل أن يُطالب رجلٌ بمال قد وجب على غيره، كأن يُطالبك النَّاس بديْن ليس عليك، وتُعَاقب أنا على هذا الديْن! فهذه صورةٌ لا تجوز.

«فَأَمَّا هَذَا» أي الذي يعاقب من أجل أن يدلَّ على مكان الجاني الذي عرفه، «فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِ نَفْسِهِ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مَكَانَ الظَّالِمِ، الَّذِي يُطْلَبُ حُضُورُهُ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَ الْمَالِ الَّذِي قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْمُسْتَحِقِّينَ»؛ يعني إمَّا أن يعرف مكان الظالم أو يعرف المكان الذي أُخفِي فيه المال الذي يُطالِب به هؤلاء المستحقون؛ فإذن الذنب هنا تعلَّق بشخصه وهو إخفاء وكتمان مكان الظالم؛ فصار كأنَّه يُعِين هذا الظالم الممتنع على ما فيه من الظلم والامتناع.

ص 1390

«فَيَمْتَنِعُ مِنَ الْإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ الْوَاجِبَةِ» للسُّلطان أو للمطالِبين «عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، إمَّا مُحَابَاةً» أي مجاراةً «وَحَمِيَّةً لِذَلِكَ الظَّالِمِ؛ كَمَا قَدْ يَفْعَلُ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ» والعصبية والقبائل «بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِمَّا مُعَادَاةً أَوْ بُغْضًا لِلْمَظْلُومِ»؛ يعني الدوافع إمَّا أن تكون محاباة، وإمَّا أن تكون عصبية وحميَّة للظالم لأنَّه قريبه، أو بينه وبينه صداقة أو جاه أو غيرها، وأحيانًا يفعلها نكاية بالمظلوم، مثل أن يكون بينهما عداوة أو شحناء؛ فنكاية به لا يدله على هذا الظالم.

«وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 8]»؛ أي ولا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا، «وَإِمَّا إعْرَاضًا عَنِ الْقِيَامِ لِلَّهِ بِالْقِسْطِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ»؛ أي لا يهمه أنُفِّذَ أمر الله بهذا الرجل أم لم يُنَّفذ «وَجُبْنًا وَفَشَلًا وَخِذْلَانًا لِدِينِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ التَّارِكُونَ لِنَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَدِينِهِ وَكِتَابِهِ، الَّذِينَ إذَا قِيلَ لَهُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلُوا إلَى الْأَرْضِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا الضَّرْبُ» من الممتنعين؛ سواء الذي آوى المحدِث المطالِبَ بالحقِّ أو الذي امتنع من الدلالة على عينه أو على مكانه؛ فإنه «يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ» ما دام ممتنعًا؛ لأنَّه متلبِّس بترك واجب باتِّفاق العلماء أيضًا.

«وَمَنْ لَمْ يَسْلُكْ هَذِهِ السَّبِيلَ» وهو معاقبة المؤوي أو معاقبة من يمتنع من الدِّلالة على الظَّلَمة المختفين تحت أيِّ حجة من الحجج، كأن يقول: أنا لا أريد أن أعاقب هذا لأنَّه ليس له ذنب في ذلك، أو يظنُّ أنَّ هذا من الورع؛ «عَطَّلَ الْحُدُودَ وَضَيَّعَ الْحُقُوقَ، وَأَكَلَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ»؛ لأنَّ القويَّ له من يؤويه وله من يلجأ إليه، وأما المسكين فدائما يُظلم، فهذا من باب السِّياسة الشَّرعية.

«وَهُوَ يُشْبِهُ مَنْ عِنْدَهُ مَالُ الظَّالِمِ الْمُمَاطِلِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ، وَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ لِحَاكِمٍ عَادِلٍ، يُوفِي بِهِ دَيْنَهُ، أَوْ يُؤَدِّي مِنْهُ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ لِأَهْلِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ أَوْ مَمَالِيكِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ. وَكَثِيرًا مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ حَقٌّ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِسَبَبِ حَاجَةِ قَرِيبِهِ، وَكَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ التَّعْزِيرِ عُقُوبَةٌ لِمَنْ عُلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَالًا أَوْ نَفْسًا يَجِبُ إحْضَارُهُ، وَهُوَ لَا يُحْضِرُهُ كَالْقُطَّاعِ وَالسُّرَّاقِ وَحُمَاتِهِمْ أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ خَبِيرٌ بِهِ، وَهُوَ لَا يُخْبِرُ بِمَكَانِهِ».

ص 1391

«فَأَمَّا إنِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِخْبَارِ وَالْإِحْضَارِ؛ لِئَلَّا يَتَعَدَّى عَلَيْهِ الطَّالِبُ أَوْ يَظْلِمَهُ، فَهَذَا مُحْسِنٌ» فأحيانًا يمتنع عن الدلالة على هذا الـمُطالَب لأنَّ الـمُطالِب سيظلمه، فهنا إن امتنع عن ذلك فهو محسن وهو مأجور على امتناعه. «وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَيَجْتَمِعُ شُبْهَةٌ وَشَهْوَةٌ» فمثلًا: من جهة يكون هذا الـمُطالَب قريبًا له؛ فهو يريد حمايته، ومن جهة أخرى يكون هذا المطالِب لأنَّه جائر في الأصل لكن في هذه القضية بعينها لن يظلمه، فهو يقول: كيف أدلُّه على هذا الظالم؟ فتجتمع الشبهة مع الشهوة، يعني المناصرة للقريب مع شبهة أنَّ هذا يظلم، فيترك هذا الحقَّ، فالإنسان عليه أن يتَّقي الله وأن يضع الأمور في مواضعها، وأن يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه.

«وَالْوَاجِبُ تَمْيِيزُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ» الحقُّ حقٌّ وإن فعله من فعله، والباطل باطل وإن فعله من فعله؛ فالنَّاس لا يُبطلون حقًّا ولا يحقُّون باطلًا، فما ثبت بالشَّرع أنَّه حقٌّ فيجب القيام له ونصرته، وما ثبت بالشَّرع أنَّه باطل فيجب إهداره والابتعاد عنه، «وَهَذَا» الاشتباه بين الحقِّ والباطل «يَقَعُ كَثِيرًا فِي الرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ، إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ مُسْتَجِيرٌ» أي آوى إليهم شخص «أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ صَدَاقَةٌ» بين هؤلاء الرؤساء وبين من آوى إليهم، «فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَالْعِزَّةَ بِالْإِثْمِ، وَالسُّمْعَةَ عِنْدَ الْأَوْبَاشِ٢٬٣٣٣«الأَوْشابُ الأَخْلاطُ من النَّاس والأَوْباشُ واحدُهم وِشْبٌ يقال بها أَوباشٌ من النَّاس وأَوْشابٌ من النَّاس وهم الضُّروبُ المُتَفَرِّقون»، لسان العرب: (1 / 796)، «قَالُوا: والأَوْبَاشُ: الأَخْلاط من السِّفلة فهو أَخص»، تاج العروس: (3 / 161).»؛ يعني ماذا يقول عنِّي النَّاس؟ يقولون: إنِّي سلَّمت فلانًا وقد استجار بي؟ فيجعل هذا هو الميزان الذي يدفعه إلى إيواء هذا الشَّخص «أَنَّهُمْ يَنْصُرُونَهُ وَيَحْمُونَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا مُبْطِلًا عَلَى الْمُحِقِّ الْمَظْلُومِ» فهم من جهةِ أنَّهم لن يسلِّموا المستجير يحسبون أنه حقٌّ، ولكنهم من جهة أخرى يبطلون الحقَّ الذي يطالب به الضعيف المسكين.

ص 1392

«لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَظْلُومُ رَئِيسًا يُنَاوِئَهُمْ وَيُنَاوِئُونَهُ فَيَرَوْنَ فِي تَسْلِيمِ الْمُسْتَجِيرِ بِهِمْ إلَى مَن يُنَاوِئُهُمْ ذُلًّا أَوْ عَجْزًا، وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ جَاهِلِيَّةٌ مَحْضَةٌ» أي خاصَّةً إذا كان المظلوم الذي يُطالِب بهذا المستجير بهم؛ بينه وبين المجيرين عداوة، فيروْن تسليم المستجير بهم إلى عدوِّهم يرونه نوعًا من العجز والذلِّ، فتأخذهم العزَّةُ بالإثم فيأبون ذلك، «وَهذا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا» وهذا كثير في القبائل: إذا كان هناك بين قبيلتين عداوة؛ فآوى واحدٌ من هذه القبيلة إلى الأخرى -ولو كان ظالـمًا وسيُطالب بالحقِّ وينصف عند القبيلة الأخرى-، فإنَّ القبيلة المُؤوِيَة المجيرة ترى هذا من العجز: كيف أسلِّم هذا لهذه القبيلة وهي عدوَّة لها؟! فيرون هذا من العجز والضعف والخور والجبن إلى غير ذلك، فيأبون من تسليم هذا الظالم للمظلوم فتضيع الحقوق بذلك.

«وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ سَبَبَ حُرُوبٍ مِنْ حُرُوبِ الْأَعْرَابِ كَحَرْبِ الْبَسُوسِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ إلَى نَحْوِ هَذَا، وَكَذَا سَبَبُ دُخُولِ التُّرْكِ الْمَغُولِ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى مُلُوكِ مَا وَرَاءِ النَّهَرِ وَخُرَاسَانَ، كَانَ سَبَبُهُ نَحْوَ هَذَا» قلنا دائمًا: شيخ الإسلام بعدما يقرِّر المسائل الشَّرعية يربطها بالله ﷻ، وبأمور الدِّين والآخرة؛ فقال هنا: «وَمَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ لِلَّهِ فَقَدْ أَعَزَّهَا»؛ يعني كلما ازداد الإنسان ذُلًّا لله ﷻ، ازداد عزة بين الخلق، كما قال النَّبيُّ ﷺ: (مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ)٢٬٣٣٤من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أبو نعيم في الحلية: (8/46)، وصححه الألباني.، «وَمَنْ بَذَلَ الْحَقَّ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ أَكْرَمَ نَفْسَهُ»؛ يعني إذا أعطى الإنسان الحقَّ من نفسه أي قدَّم نفسه ليُنتصف منه أو قدَّمها بطيب من نفسه من غير إجبار ولا قهر ولا إكراه؛ فقد أكرم نفسه، لأنَّ أعظم الإكرام أن يقدِّم الإنسان نفسه للحقِّ «فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ».

ص 1393

«وَمَنْ اعْتَزَّ بِالظُّلْمِ مِنْ مَنْعِ الْحَقِّ، وَفِعْلِ الْإِثْمِ، فَقَدْ أَذَلَّ نَفْسَهُ وَأَهَانَهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ [فاطر: 10]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]» فانظر: ما قال الله ﷻ والله هو الأعزُّ ورسوله والمؤمنون، بل قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ فالمنافقين لو قال: الأعز؛ يكون عندهم عزَّة، ولكنَّ العزَّة الأكبر إنَّما هي لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكنه لما قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ﴾ وقدَّم الجار والمجرور التي هي الخبر على لفظ «العزة» الذي هو المبتدأ فهذا يدلُّ على الحصر؛ فلا عزَّة إلا لله ولرسوله وللمؤمنين؛ إذن فمن كان يريد العزَّة فلا يطلبها في معصية الله ﷻ ولا يطلبها في الظلم ولا يطلبها في منع نفسه من الانتصاف وفي منع الحقِّ الذي وجب عليه، وإنما يطلب العزَّة عند الله ﷻ، في أوامره، في طاعته، في اتباع شرعه في الخضوع له في التذلل بين يديه.. هذا هو باب العزِّة في الدنيا والآخرة.. ولذلك نرى خير القرون هو قرن النَّبيِّ ﷺ وخير الخلق هم الأنبياء؛ لأنَّهم أذلُّوا أنفسهم لله ﷻ، وما معنى أذلُّوا أنفسهم؟ يعني أعطوا العبودية حقَّها؛ فكانوا بحق عبيدًا لله ﷻ ظاهرًا وباطنًا، فلذلك رفعهم الله ﷻ أعلى الدرجات، فكل من اقترب منهم وتعمَّق في معنى العبودية ظاهرًا وباطنًا كلما ارتقت مكانته وكان عزيزًا بعزَّة الله ﷻ أو بإعزاز الله ﷻ له.

«وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ هَذَا الضَّرْبِ: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206]» الله ﷻ يقول في صفة هذا النَّوع الذي كنا نتكلم عنه وهم ممن تأخذه العزَّة بالإثم، فيقول: كيف أسلِّم هذا المستجير بي إلى ذلك... مع أنَّ الـمُطالِب محقٌّ والـمُطالَب ظالم.

إذن بعد ما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنَّ هناك عدة صور:

أولُّها: أن يؤوي محدثًا إمَّا أن يكون قاتلًا أو سارقًا أو قاطع طريق.

والصُّوَرة الثَّانية: أن يسكت أو أن يُخفي أو أن لا يدلَّ على مكان الظالم، ولا أن يدلَّ على عينه مع علمه به، ثم هذا المستجير أو الـمُحدث إمَّا أن يكون مظلومًا، وإمَّا أن يكون ظالـمًا، فإذا كان ظالـمًا فيحرم عليه أن يؤويه أو أن يسكت عليه، وإن كان مظلومًا وجب عليه نصرته بأن يمنعه من ظالمه، فذكر هنا: «وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ اسْتَجَارَ بِهِ مُسْتَجِيرٌ»؛ يعني إذا آوى إنسان إلى قرية أو إلى قبيلة أو إلى بيت واستجار بهم وادَّعى أنَّه مظلوم، فعندها ينظرون في حاله: «إنْ كَانَ مَظْلُومًا يَنْصُرُهُ» ونصرته لا تكون فقط باليد، فكذلك إيواؤه نصرة له، ولكنه قال: «وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ» فليس بمجرد أن يأتي إليك ويقول لك: أنا مظلوم وفلان يريد أن يقتلني ويريد كذا؛ فتقول: أنت في حِماي ولن يصل إليك وتتعصَّب له، لا! فلا بدَّ أن تبحث عن حاله وتتثبت في أمره، فقد يثبت بعد ذلك ويظهر أنَّه هو الظالم، وقد ارتكب من الظلم أضعاف أضعافَ ما يطالب به من الحقِّ؛ فعندها لا يجوز لك أن تؤويه ولا أن تجيره.

ص 1394

«فَطَالَمَا اشْتَكَى الرَّجُلُ، وَهُوَ ظَالِمٌ» مثلُ قصَّةِ إخوة يوسف عليه السلام ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ﴾ [يوسف: 16]، جاءوا يبكون! حتى قيل: أنَّه كان هناك قاضٍ فجاءته امرأة تبكي أنَّ زوجها ضربها وفعل وفعل، فكان بجانب القاضي رجلٌ فقال الرجل: والله لا أراها إلَّا مظلومة، فقال له: يا رجل إنَّ إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون؛ فلا تحكم حتى تسمع من الآخر، كما لو جاءك رجل وقد فُقئت عينه فلا تتعجَّل في الحكم له، فقد تكون عينا الآخر قد فُقئتا، «بَلْ يَكْشِفُ خَبَرَهُ مِنْ خَصْمِهِ وَغَيْرِهِ»؛ فيبحث عن حاله ويتفحَّص ويدقِّق ولا يستعجل في التعصُّب له والحكم عليه.

«فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا رَدَّهُ عَنِ الظُّلْمِ بِالرِّفْقِ إنْ أَمْكَنَ» فإذا بحث وثبت أنه ظالم رده؛ لأنَّه آوى إليه فينصحه بردِّ الحقوق إلى أهلها بالرفقِّ وبالتي هي أحسن، «إمَّا مِنْ صُلْحٍ أَوْ حُكْمٍ بِالْقِسْطِ» فيقول له مثلًا: أنت الآن ثبت عليك هذا الحقُّ، فما رأيك أن أصلح بينك وبين الذين يطالبونك؟ أوْ ما رأيك أن أبحث لك عن رجل يُنصفك يعني لا يحكم عليك بالظلم فالمقصود ألا يعينه على تعطيل أداء الحقِّ ولا على ظلمه، وإنَّما عليه أن يعينه على ردِّ الحقوق، وأن يردَّه عن ظلمه، «وَإِلَّا فَبِالْقُوَّةِ»؛ يعني أن يستعين عليه لردِّ الظلم بأهل القوَّة ممن يمكنهم أن ينتصفوا للمظلوم، هذا إذا كان ظالـمًا.

ص 1395

«وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْا ظَالِمًا مَظْلُومًا»؛ يعني قد يكون الإنسان ظالـمًا من جهة، ومظلومًا من جهة أخرى، هذا كالقتال الذي يحصل بين القبائل، فهي مظلومة من جهة قتال القبيلة لها، وهي ظالمة من جهة قتالها لهذه القبيلة على غير وجه الحقِّ، وإنَّما عصبية وحميَّة جاهلية، فهذا يكون الإنسان من جهة مظلومًا ومن جهة ظالـمًا «كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، مِنْ قَيْسٍ وَيَمَنٍ وَنَحْوِهِمْ، وَأَكْثَرِ الْمُتَدَاعِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي، أَوْ كَانَا جَمِيعًا غَيْرَ ظَالِمَيْنِ؛ لِشُبْهَةٍ أَوْ تَأْوِيلٍ، أَوْ غَلَطٍ وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا»؛ يعني قد يقع من هذا شيء على هذا ومن هذا شيء على هذا، إمَّا لتأويل وإمَّا لشبهة وإمَّا على غير وجه العمد، وإنما وقع خطأ وغلطًا: «سَعَى بَيْنَهُمَا بِالْإِصْلَاحِ أَوْ الْحُكْمِ»؛ يعني إذا كان بينهما تأويل أو شبهة أو غلط ففي هذه الحالة عليه أن يسعى للإصلاح بينهما، فإن لم يمكن الإصلاح؛ فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، واستدلَّ بقول الله ﷻ في هذه الآية: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، وهذه الآية يستدلُّ بها العلماء على قتال البُغاة، وهم الذين خرجوا على الإمام بتأويل أو شبهة، هذا هو تعريف البغاة؛ أي عندهم حجة اعتمدوا عليها ورأوا أنَّه عليهم أن يسقطوا هذا الحاكم مع إسلامه ومع قيامه بأمر الدِّين.

فهؤلاء البغاة: أول شيء أوجبه الشَّرع هو السَّعي للإصلاح، ولذلك لا يجوز للإمام أن يباشر قتالهم قبل أن يدعوهم وقبل أن ينظر ما هي شبهتهم التي تعلَّقوا بها؟ فإن كانت هناك مظلمة ادَّعوها ردَّها، وإن كانت عندهم شبهة تعلَّقوا بها أزالها؛ فإن أصرُّوا بعد ذلك استعان بالله وقاتلهم، ولهذا ترى أنَّ الآية ذكرت قتاليْن، قتال منهيٌّ عنه، وقتال مأمور به؛ «كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ﴾» هذا هو القتال المنهي عنه الذي حصل بينهما من غير سعي للصلح ابتداء، ﴿فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾ والإصلاح إمَّا بإيقاف القتال بينهما، يعني وقَعَ القتال فنسعى لإيقافه، أو لكفِّ وقوعه، يعني يوشك أن يقع القتال فيسعى المسلمون لإيقافه قبل أن يقع، ثم بعد ذلك ﴿فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ﴾ أي بعد حصول المصالحة والإنصاف بغت إحدى الطَّائفتين على الطَّائفة الأخرى، والبغي قال العلماء: إمَّا أن يكون بعد أن وقع الصلح فنقضته إحداهما وأغارت على الأخرى وقاتلت الأخرى، فهذا النَّوع الأوَّل من البغي، والنَّوع الثَّاني هو أن تأبى إحداهما الإصلاح مع إمكانه ومع وجود الإنصاف لها، فتقول: أنا ما أريد الإصلاح وتستمر في القتال، فهنا جاء الأمر بقتال هذه الفئة البَاغية فقال الله ﷻ: ﴿فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾؛ أي حتى ترجع إلى أمر الله تعالى، ﴿فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩ إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾.

ص 1396

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 114]، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ فِي الحَقِّ؟ قَالَ: (لَا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ فِي البَاطِلِ)٢٬٣٣٥من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: أبو داود: (5119)، وابن ماجه: (3949)، وأحمد: (17030)، ضعفه الألباني.» الحديث معناه صحيح ولكنَّه ضعيف، «وَقَالَ: (خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ قَوْمِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ)٢٬٣٣٦من حديث عبد الله بن حرملة رضي الله عنه: البيهقي في شعب الإيمان: (7975)، وبلفظ: (عن عشيرته) من حديث سراقة بن مالك رضي الله عنه: أبو داود: (5120)، قال الألباني: «موضوع».» ضعيف أيضًا.

«وَقَالَ: (مَثَلُ الَّذِي يَنْصُرُ قَوْمَهُ فِي البَاطِلِ كَبَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ، فَهُوَ يَجُرُّ بِذَنَبِهِ)٢٬٣٣٧من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ابن حبان: (5942)، وأبو داود: (5117)، وأحمد: (3726)، وصححه الألباني.»؛ يعني حال الذي ينصر قومه بالباطل والعصبية كحال جمل سقط في بئر منكَّسًا؛ فأراد الإنسان أن يخرجه من ذنبه... هل يستطيع ذلك؟ لا يستطيع، وذلك للعصبية ولأنَّه حمل وزرًا ثقيلًا، ولأنَّه مشى على غير وجه الحقِّ، فصار رأسه أسفل وذنبه أعلى.

«وَقَالَ: (مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ)؛ أي يتقوَّى بقومه ويناديهم بالعصبية وجاهلية (فَأَعْضُوهُ بِهَنِ أَبِيهِ) هَنَ هذا تكنية للذَكَر، كما قال أبو بكر رضي الله عنه يوم صلح الحديبية قال: «امصص بظر اللات»٢٬٣٣٨زاد المعاد: (3 / 292)، البداية والنهاية: (4 / 190)، تاريخ الإسلام: (2 / 369)، الكامل في التاريخ: (2 / 88)، تاريخ دمشق: (57 / 227).، وهذا يدلُّنا على قبح التعزِّي بعزاء الجاهلية، (وَلاَ تُكَنُّوا)٢٬٣٣٩من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: ابن حبان: (3153)، وأحمد: (21274)، وصححه الألباني.»؛ أي قولوها له صريحة هكذا؛ أي لا تحاولوا أن تُوَرُّوا وتؤتوه بالمعاني... لا لا، بل قولوها له صريحة؛ لأنَّ ما يفعله هو أقبح مما يُقال له.

ص 1397

ثمَّ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنَّ هذه الأمَّة أمَّة واحدة، لا فضل فيها لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتَّقوى والعمل الصالح، هذا هو ميزان الشرع: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: 13]، والمسلمون تتكافأُ دماؤهم وهم يد على من سواهم؛ فحالهم على نَسَق وطريقة واحدة، «وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ» فحاد عنها ومال عنها وقدَّم عليها غيرها إمَّا «مِنْ نَسَبٍ أَوْ بَلَدٍ، أَوْ جِنْسٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ طَرِيقَةٍ فَهُوَ مِنْ عَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ»؛ أي كلُّ من جعل واحدة من هذه الأمور مقدَّمة على السَّير على طريقة القرآن والسُّنة؛ فقد تعزَّى بعزاء الجاهلية.

فمثلًا: الشُّرع لم يُلْغِ القَبَلِيَّة، فالله تعالى قال: ﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾ [الحجرات: 13] والقبائل لا تزال موجودة في زمن النَّبيِّ ﷺ ويُستفاد منها فيما لا يكون فيه عصبية جاهلية، ولذلك النَّبيُّ ﷺ في الحروب يجعل للأوس راية، وللخزرج راية، وللمهاجرين راية، وليس هذا من باب العصبيَّة الجاهليَّة، فالشَّرع لم يُلْغِ هذه الأمور، لم يُلْغِ مسألة النَّسب، ولم يلغ مسألة القبليَّة ولم يُلغِ مسألة البلد، ولكنَّ الذي نهى عنه الشَّرع أن يُجعل الانتساب لهذه الأمور هو المعيار في التعصُّب والنُّصرة وإحقاق الحقِّ والإنصاف للنَّاس؛ فمن كان من بلدك أو جنسك أو مذهبك أو جماعتك فأنت تنصفه وتعينه وتكون معه، وأمَّا من كان خلاف ذلك فهو منبوذ وكأنَّه ليس من أهل الإسلام، هذا ليس ميزان الشَّرع وإنَّما هو ميزان جاهليٌّ.. إذن هذه الأمور إنَّما هي وسائل يستعان بها على نصرة الدِّين ولإقامته، ولا تُقصد لذاتها؛ فأيُّ موضع تعارضت فيه بالحقِّ مع الكتاب أو السنَّة فلا قيمة لها، وإذا مال لها الإنسان وقدَّمها وتعصَّب إليها فقد تعزَّى بعزاء الجاهليَّة.

أَكرَمُ وأشرف صفتين هي صفة المهاجرين وصفة الأنصار اللتان ذكرهما الله ﷻ في كتابه في مواطن كثيرة، أمَّا المهاجرون فقد استحقُّوا هذه الصِّفة السَّامية؛ لأنَّهم تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم وأوطانهم ينصرون الله ورسوله فسُمُّوا بالمهاجرين، وأمَّا الأنصار فلأنَّهم نصروا دين الله ورسوله وأصحابه ﷺ ورضي الله عنهم كما دافعوا عن أبنائهم وأموالهم وبلادهم، إذن هذه الصِّفة هي صفة مدح، ولذلك يذكرهم الله تعالى بها ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100]، فعندما استخدمت هذه الصِّفات في غير وجهها عدَّها النَّبيُّ ﷺ من عزاء الجاهلية.

ص 1398

«بَلْ لَمَّا اخْتَصَمَ رَجُلانِ مِنَ الـمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ» فصفة المهاجرين لا تُستخدم في هذا الموطن، «وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ» وصفة الأنصار لا تُستخدم في هذا الموطن، «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ)٢٬٣٤٠من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: البخاري: (3330)، ومسلم: (2584)، وابن حبان: (5990)، وأحمد: (14507) دون جملة (وأنا بين أظهركم).، وَغَضِبَ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا» فسمَّى التنادي باسم الأنصار والمهاجرين لهذا الأمر؛ يعني المهاجريَّ ينصر أخاه لمجرَّد أنَّه مهاجر، والأنصار ينصر أخاه لمجرَّد أنَّه أنصاري، فالنَّبيُّ ﷺ سمَّاها دعوى الجاهليَّة.

إذن ليس العيب أن يتسمَّى الإنسان أو تتسمَّى الطَّائفة باسم معيَّن، وإنَّما العيب أن يُوالى ويُعادى وفقًا لذلك الاسم، وأن يتعصَّب لهذا الاسم ويُجعل هو الميزان الذي يُقاس به النَّاس وتُعطى به الحقوق ويُنصف به المظلوم إلى غير ذلك٢٬٣٤١[يأتي بعد هذا الباب: حد السرقة، والقذف، والزنا، والخمر.. فذكر الشيخ أنه سيتجاوزها في الشرح، وينتقلُ إلى الكلام عن التعزير؛ لأن الحاجة في ساحة الجهاد إلى التعزير أكثر منها لغيرها من الحدود، مع ضيق الوقت فلا يتسع شرحها كلها في هذه الدورة الشرعية]..

❖ ❖ ❖

ص 1399

ص 1400

فَصْلٌ: الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ

قلنا سابقًا إنَّ العقوبات على قسمين: عقوبات مقدَّرة لا يجوز تجاوزها ولا الزيادة عليها ولا النقصان منها؛ وهي التي تُسمَّى بالحدود، وعقوبات يرجع أمرها إلى اجتهاد الإمام أو من ينوب عنه، أمَّا العقوبات المقدَّرة فهي التي اصطلح الفقهاء على تسميتها بالحدود، كحدِّ قطَّاع الطُّرق، وكحدِّ الزِّنا، وكحدِّ السَّرقة، وكحدِّ القذف، وفي شرب الخمر خلاف هل هو حدٌّ أو عقوبة تعزيرية، فهذه العقوبات المقدَّرة أخذنا منها حدَّ قاطع الطَّريق؛ لأنَّ فيه بعض المسائل المتعلقة بحياتنا في ساحات الجهاد أو لها نظائر يُمكن أن نستفيد منها كثيرًا، وأمَّا باقي الحدود فنسأل الله أن ييسر لنا وقتًا آخرًا حتى ندرسها.

أمَّا التَّعزير فمعناه في اللغة: المنع، والتَّوقير، والتَّعظيم، والتَّأديب؛ هذه كلُّها من معاني التعزير في اللُّغة٢٬٣٤٢تاج العروس: (13 / 20-24)، لسان العرب: (4 / 561-562).، وأمَّا في اصطلاح الفقهاء فهو: العقوبة على المعصية التي لا حدَّ فيها ولا كفَّارة، أمَّا ما كان فيه حدٌّ كالزِّنا هو: جريمة له عقوبة مقدَّرة، والسَّرقة جريمة ومعصية ولها عقوبة مقدَّرة، وهلَّم جرًّا... وأمَّا ما فيه الكفَّارة كالجماع في نهار رمضان؛ فهذا له كفَّارة في الشَّرع، فلا عقوبة فيه.

وأمَّا باقي المعاصي وهي التي ليس فيها حدود أو عقوبات مقدَّرة، وليس فيها كفَّارات، فهي التي تُشرع فيها العقوبة التَّعزيرية.

ص 1401

وقد بدأ شيخ الإسلام رحمه الله بتعريف التَّعزير والموطن الذي تُشرع فيه هذه العقوبة فقال: «وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ وَلَا كَفَّارَةٌ» إذن هذا هو الشَّرط في المعصية التي نريد أن نعاقب فيها بالتَّعزير، ألَّا يكون فيها حدٌّ مقدَّر من جهة الشَّرع، وألَّا يكون فيها كفَّارة، ثمَّ عدَّد شيخ الإسلام صورًا كثيرة لهذه المعاصي تفصيلًا فقال: «كَاَلَّذِي يُقَبِّلُ الصَّبِيَّ»؛ أي تقبيل الشَّهوة، «وَالْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ، أَوْ يُبَاشِرُ بِلَا جِمَاعٍ، أَوْ يَأْكُلُ مَا لَا يَحِلُّ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ، أَوْ يَقْذِفُ النَّاسَ بِغَيْرِ الزِّنَا» لأنَّ القذف بالزِّنا له حدٌّ مقدَّر، كأن يقول: يا فاسق، يا فاجر، يا مجرم.. أو أيُّ شيءٍ من هذه الأمور التي دون الزِّنا، فيشرع فيها التَّعزير «أَوْ يَسْرِقُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ شَيْئًا يَسِيرًا» فَفُقِد شرط من شروط إقامة حدِّ السَّرقة، كأن تكون السَّرقة من غير حرز، أو يكون ما سَرَقه دون ما يجب فيه القطع، فيُشرع فيه أيضًا التَّعزير، «أَوْ يَخُونُ أَمَانَتَهُ، كَوُلَاةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْوَقْفِ» كأن يؤمَّن الرجل على مال بيت المال فيخون ويأكل منه بغير حقٍّ، «وَمَالِ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إذَا خَانُوا فِيهَا، وَكَالْوُكَلَاءِ وَالشُّرَكَاءِ، إذَا خَانُوا، أَوْ يَغُشُّ فِي مُعَامَلَتِهِ» في البيع والشراء «كَاَلَّذِينَ يَغُشُّونَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يُطَفِّفُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، أَوْ يَشْهَدُ بالزُّورِ، أَوْ يُلَقِّنُ شَهَادَةَ الزُّورِ» إمَّا أن يأتي هو بنفسه ويشهد شهادة زور كذبًا أنَّ على فلان حقًّا على فلان، أو يُلقِّن من يشهد شهادة الزَّور فيقول له: قل كذا وكذا لتشهد لي؛ فكلاهما يعاقبان؛ الـمُلَقِّن والـمُلَقَّن.

«أَوْ يَرْتَشِي فِي حُكْمِهِ، أَوْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ» والمقصود هنا بالحكم الذي يكون دون الكفر فلا يصل إلى الكفر، أي حينما يحكم ويكون حاله حال كفر دون كفر، «أَوْ يَعْتَدِي عَلَى رَعِيَّتِهِ»؛ يعني يظلمهم ويأكل أموالهم ويسفك دماءهم ونحوه «أَوْ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ يُلَبِّي دَاعِيَ الْجَاهِلِيَّةِ» يعني فزع وتعصب لمن دعا بدعوى الجاهلية «إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَرَّمَاتِ فَهَؤُلَاءِ يُعَاقَبُونَ تَعْزِيرًا وَتَنْكِيلًا وَتَأْدِيبًا»؛ يعني عقوبة لهم وكفًّا لغيرهم.

«بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْوَالِي» إذن أولُّ الفوارق بين الحدود والتَّعازير أنَّ الحدود مقدَّرة والتَّعازير ترجع إلى اجتهاد الإمام، «عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي النَّاسِ وَقِلَّتِهِ» وهذا فارق أيضًا؛ فالزِّنا حكمه هوَ هو، وأمَّا هذه المعاصي فإذا فشت في النَّاس وكثرت، كأن يكون النَّاس كثر بينهم الغش في الأطعمة والبيع والشِّراء؛ ففي هذه الحالة إذا ثبت على واحد منهم هذه المعصية فيُضاعِف له العقوبة؛ لأنَّها تعزيرٌ وتأديبٌ له وتنكيلٌ به، حتى يكفَّ الآخرون عن فعلهم، فكلَّما ازدادت المعصية وفشت بين النَّاس وانتشرت ضوعفت العقوبة، وإذا قلَّت فهذا يؤدِّي إلى تقليل العقوبة.

ص 1402

«فَإِذَا كَانَ كَثِيرًا زَادَ فِي الْعُقُوبَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَلِيلًا وَعَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُذْنِبِ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُدْمِنِينَ عَلَى الْفُجُورِ، زِيدَ فِي عُقُوبَتِهِ، بِخِلَافِ الْمُقِلِّ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى حَسَبِ كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ» إذن عقوبة التَّعزير لها مؤثرات تؤدِّي إلى زيادتها أو تنقيصها، وأمرها كلُّه راجع إلى اجتهاد الإمام، وهنا قاعدة مهمة وهي أنَّ: المَواطِن التي أوكل الشَّرع النظر فيها إلى الإمام فإنَّ نظره فيها نظر مصلحة واجتهاد وتحرٍّ، وليس نظر شهوة وهوًى؛ فلا يعاقب هذا مثلا بخمسين جلدة وهذا بعشر جلدات بحسب هواه، فهناك أمور لا بدَّ أن يراعيها وأن يعتبرها في التغليظ بالعقوبة أو التقليل فيها:

وقد قلنا: من الأمور كثرة الذَّنب وقلَّته في النَّاس، فإذا كثر الذَّنب ضاعف العقوبة، وإذا قلَّ الذَّنب نقصت العقوبة، وكذلك أن ينظر إلى حال المذنب فيفرِّق بين من أدمن على هذا الفعل وتكرر منه وتجرأ عليه باستمرار، وبين من وقعت منه الفلتة أو الفلتتان، فعقوبة هذا ليسن كعقوبة هذا.

وينظر إلى الذَّنب نفسه أي نوع الذَّنب؛ فإن كان الذَّنب عظيمًا ضاعف له العقوبة، وإذا كان الذَّنب أقل قلَّل معه العقوبة.

وكذلك إذا كان الذَّنب مما يتعلق بحقوق النَّاس يُنظر في حق المطالب يعني في حقِّ من وقع الذَّنب عليه؛ فمثلًا: إنسان يسب النَّاسَ؛ الذي يسب عاميًّا أو يسب فاسقًا ليس كمن يسب عالـمًا موقَّرًا بين المسلمين.. فهذه الأمور كلُّها لا بدَّ من اعتبارها والنظر إليها قبل أن يختار الإمام العقوبة المناسبة لهذا الشَّخص.

«فَيُعَاقَبُ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِنِسَاءِ النَّاسِ وَأَوْلَادِهِمْ، مَا لَا يُعَاقَبُ مَنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِامَرْأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ وَاحِدٍ» هذا مثال ذكره شيخ الإسلام رحمه الله؛ يعني الذي عُرف بوقوفه في الطُّرقات والتَّعرض لنساء النَّاس ولأبنائهم، هذا تكون عقوبته أشدّ ممن لم يتعرض إلا لامرأة واحدة أو صبي واحد.

وبعد أن تكلمنا أنَّ العقوبة ليس لها حدٌّ مقدَّر من جهة الشَّرع، وأنَّ أمرها يرجع لاجتهاد الإمام، فيأتي السؤال: هل لهذه العقوبة مستوى أقل ومستوى أعلى؟ يعني ما هو مجال اجتهاد الإمام؟ فالآن شيخ الإسلام سيتكلم على العقوبة بالنظر إلى أقلِّها فقال: «وَلَيْسَ لِأَقَلِّ التَّعْزِيرِ حَدٌّ» فلا نقول: لا بدَّ أن يجلده عشر جلدات أو خمس جلدات، فليس هناك حدٌّ مقدَّر من جهة الأقلِّ، فله أن يعاقبه بالضَّرب وسيأتي الخلاف في مقدار الضَّرب، وله أن يعاقبه بالزَّجر، وله أن يعاقبه بالتوبيخ، وله أن يعاقبه بالإقامة في المجلس، وله أن يعاقبه بالحبس، وله أن يعاقبه بالفصل والعزل من الولاية، وله أن يعاقبه بالهجر وترك السَّلام إذا كان في هذا الهجر مصلحة.

ص 1403

«بَلْ هُوَ بِكُلِّ مَا فِيهِ إيلَامُ الْإِنْسَانِ، مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَتَرْكِ قَوْلٍ، وَتَرْكِ فِعْلٍ، فَقَدْ يُعَزَّرُ الرَّجُلُ بِوَعْظِهِ وَتَوْبِيخِهِ وَالْإِغْلَاظِ لَهُ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِهَجْرِهِ وَتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتُوبَ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَصْلَحَةَ» وما هي المصلحة في الهجر؟ وهي أن يقع المقصود من وراء العقوبة، لماذا خصَّ ترك السَّلام بالتقييد إذا كان فيه مصلحة؟ لأنَّ الأصل هو النهي عن هجران المسلم (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ)٢٬٣٤٣من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: مسلم: (2561)، ومن حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: البخاري: (5727)، ومسلم: (2560)، وابن حبان: (5669)، والترمذي: (1932)، وأبو داود: (4911)، وأحمد: (23575)، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: البخاري: (5718)، ومسلم: (2558)، وابن حبان: (5660)، والترمذي: (1935)، وأبو داود: (4910)، وأحمد: (12094).؛ فإذا كان في هذا الهجر مصلحة ولو زادت على ثلاثة أيام فيجوز وتكون من باب العقوبات التَّعزيرية، وأمَّا إذا لم يكن فيه مصلحة كأن يؤدِّي هجر الجَاني إلى تماديه فيما فعل ويفعل، ففي هذه الحالة لا يجوز معاقبته بالهجر، «كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا٢٬٣٤٤من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: البخاري: (4156)، ومسلم: (2769)، وأحمد: (15827).» هجروهم خمسين يومًا عندما تخلَّفوا عن غزوة تبوك.

إذن التَّعزير يرجع إلى اجتهاد الإمام في مقداره -كمه- وفي نوعه أيضًا، في نوعه مثل الضَّرب أو الهجر أو العزل من الولاية... وفي مقداره: يعني أراد أن يضربه، فكم تكفيه من الضَّربات؟

«وَقَدْ يُعَزَّرُ بِعَزْلِهِ عَنْ وِلَايَتِهِ» إما أن يكون عزلًا تامًّا وإما أن يكون عزلًا مؤقَّتًا لمدة شهر مثلا، «كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُعَزِّرُونَ بِذَلِكَ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِتَرْكِ اسْتِخْدَامِهِ فِي جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجُنْدِيِّ الْمُقَاتِلِ، إذَا فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ، فَإِنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ»؛ يعني يقول له: أنت لن تخرج معي في هذه العملية، لماذا؟ لأنَّه في العملية الماضية هرب أو ما سمع وما أطاع أو فعل شيئًا من غير إذن الأمير؛ فيجوز أن يعاقب المجاهد بعدم استخدامه في الجند بأن لا يكون معه في الجيش، وليس هو طرد من الجهاد طردًا كاملًا، وإنَّما يعاقب في بعض العمليات أحيانًا فيُقال له: سنة كاملة لا نريدك أن تخرج معنا ولا أي عملية، فقط تشتغل في المضافات تنظِّف وتأتي بالماء... إلخ، ولا بدَّ أن يُراعى فيه حال الذَّنب كأن يكون الذَّنب كبيرًا، وحال المذنب كذلك.

ص 1404

«وَقَطْعُ أَجْرِهِ نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ» بأن يقطع مرتَّبه، ولكن هذا يكون قطعًا مؤقَّتًا بما يحصل به الزَّجر.

«وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ إذَا فَعَلَ مَا يُسْتَعْظَمُ فَعَزْلُهُ مِنَ الْإِمَارَةِ تَعْزِيرٌ لَهُ»؛ يعني كما أننا عاقبنا الجندي الذي تولَّى يوم الزحف بسبب ارتكابه لكبيرة من الكبائر فعزلناه من الجند فكذلك بعض الأمراء قد يفعلون ما يكون قبيحًا في الشرع فيعزل من إمارته تعزيرًا له كما يُعزل الجندي ويُبعد من الجيش؛ كذلك قد يُعزل الأمير ويُبعد عن إمارته.

«وَكَذَلِكَ قَدْ يُعَزَّرُ بِالْحَبْسِ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ، وَقَدْ يُعَزَّرُ بِتَسْوِيدِ وَجْهِهِ وَإِرْكَابِهِ عَلَى دَابَّةٍ مَقْلُوبًا» أي يُحَمَّمُ على وجهه بأن يُجعل على وجهه الفحم ويكون وجهه إلى ذنب الدَّابة وظهره إلى رأسها ويُطاف به في السُّوق، «كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فِي شَاهِدِ الزُّورِ٢٬٣٤٥قال عبد الرزاق في مصنفه (15392): «قلت لمحمد بن راشد: سمعت مكحولا يحدث عن الوليد بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله بالشام في شاهد الزور: أن يجلد أربعون جلدة، وأن يسخم وجهه، وأن يحلق رأسه، وأن يطال حبسه، فقال: لا، ولكن الحجاج بن أرطاة ذكر عنه»، وعند عبد الرزاق أيضًا (15394): «أن عمر بن الخطاب أمر بشاهد الزور أن يسخم وجهه، ويلقى في عنقه عمامته، ويطاف به في القبائل، ويقال: (إن هذا شاهد الزور فلا تقبلوا له شهادة»، «يُسَخَّم وجهه أي يُسَوَّد»، انظر: تاج العروس: (32 / 355)، لسان العرب: (12 / 282)، قال ابن فارس: «ويُقال سَخَّم اللهُ وجهَه، وهو من السُّخام، وهو سواد القِدْر»، معجم مقاييس اللغة: (3 / 146).، فَإِنَّ الْكَاذِبَ سَوَّدَ الْوَجْهَ، فَسُوِّدَ وَجْهُهُ، وَقَلَبَ الْحَدِيثَ، فَقُلِبَ رُكُوبُهُ» والجزاء من جنس العمل.

وأنواع التعزير كثيرة جدا حتى ذكروا منها نزع العمامة كأن يكون عالـمًا موقَّرًا فتُنزع عمامته في السُّوق، وكالإقامة في مجلس، يعني مجلس ناس محترمين فيقول لك قم واقفًا، وبعض النَّاس الضَّرب أهون عليهم من هذه، فكل إنسان يعاقب بحسب حاله وبحسب ذنبه٢٬٣٤٦[انتهت المحاضرة الخامسة عشرة، وشرع الشيخ بعدها في المحاضرة السادسة عشرة قبل الأخيرة]..

ص 1405

ثم بعد ذلك بدأ يتكلم على أعلى التَّعزير، فما هو القدر الأعلى الذي يتوقَّف عنده الإمام في العقوبة، ثم بعد ذلك طرح مسألة وهو هل يصحُّ أن يصل التَّعزير إلى القتل؟ يعني هل يجوز أن يعاقبَ الإمام على جريمة من الجرائم إلى أن يصل إلى أن يقتل هذا الجاني، مع أن القتل ليس حدًّا وليس قصاصًا وإنَّما على سبيل التَّعزير: «وَأَمَّا أَعْلَاهُ» بدأ الكلام على أعلى التَّعزير، والمقصود هنا الضَّرب لورود حديث في ذلك عن النَّبيِّ ﷺ وهو حديث صحيح متَّفق على صحته (لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)٢٬٣٤٧من حديث أبي بردة رضي الله عنه: البخاري: (6456)، ومسلم: (1708)، وابن حبان: (4453)، والحاكم: (8107)، والترمذي: (1463)، وأبو داود: (4491)، وابن ماجه: (2601)، وأحمد: (15870).، فذكر شيخ الإسلام اختلاف العلماء في مقدار الضَّرب في التَّعزير، وذلك مبنيٌّ على فهم هذا الحديث مع بعض الأحاديث الأخرى مع بعض أفعال الصَّحابة رضي الله عنهم.

«فَقَدْ قِيلَ:» جاء بكلمة «قيل» للتَّضعيف «(لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ)»، القول الأوَّل: ذهب بعض العلماء -وهي رواية عن الإمام أحمد- إلى أنَّه لا يجوز أن يزيد الإمام في الضَّرب على عشرة أسواط، وأخذوا بما يظهر أنَّه ظاهر حديث النَّبيِّ ﷺ؛ يعني في أي ذنب من الذُّنوب يجوز له أن يعاقبه بغير الضَّرب كالحبس مثلًا وأن يطيل حبسه، ولكن إذا اختار الإمام أن يعاقب هذا العاصي بالضَّرب فلا يجوز له أن يزيد على عشرة أسواط؛ اعتمادا على هذا الحديث.

«وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَا يُبْلَغُ بِهِ الْحَدُّ ثُمَّ هُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: (لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ): لَا يَبْلُغُ بِالْحُرِّ أَدْنَى حُدُودِ الْحُرِّ، وَهِيَ الْأَرْبَعُونَ أَوْ الثَّمَانُونَ؛ وَلَا يَبْلُغُ بِالْعَبْدِ أَدْنَى حُدُودِ الْعَبْدِ، وَهِيَ الْعِشْرُونَ أَوْ الْأَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: بَلْ لَا يَبْلُغُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدَّ الْعَبْدِ» هذا القول الثَّاني، وهو قول كثير من العلماء: يجوز أن يزيد على العشرة، ولكن لا يجوز له أن يتجاوز به أقل الحدود، عندنا حدود مقدَّرة كالزِّنا مئة جلدة، وحدُّ القاذف ثمانون جلدة، وحدُّ شارب الخمر اختلف فيه هل هو أربعون أو ثمانون؟ فيكون ما زاده الصحابة رضي الله عنهم بعدما اجتمعوا وتشاوروا داخلًا في الحدِّ فيجب على من يجلد في الخمر أن يجلد ثمانين على هذا القول، وبعض العلماء ذهب إلى أنَّ الحدَّ المقدَّر هو أربعون، والأربعون الأخرى إنَّما هي عقوبة تعزيرية عندما أَكْثَر النَّاس من شرب الخمر في زمن عمر رضي الله عنه فتشاور مع الصَّحابة فزادوهم أربعين جلدة؛ إذن حدُّ الخمر إمَّا أربعون وإمَّا ثمانون، فأقلُّ الحدود على هذا إذا كان المجلود حُرًّا أربعون على القول الأوَّل.

ص 1406

فقال بعض هؤلاء العلماء: لا يبلغ بالضَّرب في التَّعزير أدنى الحدود يعني يجوز لك أن تضرب تسعًا وثلاثين جلدة -أقصى شيء- هذا إذا كان المجلود حرًا، وإذا كان المجلود في التَّعزير عبدًا، فإنَّ حدَّ العبد نصف حدِّ الحرِّ، فيكون لا تتجاوز به التسعة عشر جلدة.

وبعض العلماء قال: لا يتجاوز به أدنى الحدود إمَّا بالنَّظر إلى حدِّ الحرِّ أو بالنظر إلى حدِّ العبد؛ يعني أدنى الحدود مطلقًا، فلا يجوز أن يُجلد الحرُّ أكثر من تسعة عشر جلدة، لأنَّ أقلَّ الحدود عشرون جلدة وهو حدُّ العبد، استدلوا بحديثٍ أنَّه لا يبلغ بما ليس حد حدًّا ولكنَّه حديث ضعيف رواه البيهقي وغيره٢٬٣٤٨ من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: البيهقي في السنن الكبرى: (17584)، بلفظ: (من بلغ حدًا في غير حد؛ فهو من المعتدين)، وضعفه الألباني. أو كما قال النَّبيُّ ﷺ، إذن عندما نقول: «ذهب كثير من العلماء إلى أنَّه لا يجوز له أن يبلغ به أدنى الحدود»؛ فهذه تحتها صور، هناك لا يبلغ بالحرِّ أدنى حدِّه فيكون تسعًا وثلاثين، ولا يبلغ بالعبد أدنى حدِّه وهو تسعة عشر، أو لا يبلغ بالمجلود عبدًا كان أو حرًّا أدنى الحدود مطلقًا وهو حدُّ العبد يعني تسعة عشر. هذا هو القول الثَّاني وفيه شيء من التَّفصيل.

«وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَبْلُغُ بِكُلِّ ذَنْبٍ حَدَّ جِنْسِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ جِنْسٍ آخَرَ، فَلَا يَبْلُغُ بِالسَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ قَطْعَ الْيَدِ، وَإِنْ ضُرِبَ أَكْثَرَ مِنْ حَدِّ الْقَاذِفِ، وَلَا يَبْلُغُ بِمَنْ فَعَلَ مَا دُونَ الزِّنَا حَدَّ الزَّانِي، وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ». القول الثالث: ينظر إلى هذه المعصية فإذا شُرع في جنسها عقوبة مقدَّرة، فلا يجوز له أن يتجاوز الحدَّ المقدَّر؛ فمثلًا: الزِّنا شُرعت فيه عقوبة مقدَّرة وهو أن يُجلد مئة جلدة، فإذا فعل الإنسان ما هو من جنسه ومما يتعلَّق به كمقدماته كالتَّقبيل والمباشرة وغير ذلك فهذا لا يجوز أن يُجلد مئة جلدة، وإنَّما أقصى ما يوصل إليه هو تسع وتسعون حتَّى ولو تجاوز حدًّا في غيره؛ لأنَّه تجاوز حدَّ القذف وتجاوز حدَّ شارب الخمر، فإذن تنظر إلى جنس هذه المعصية؛ لأنَّه لا ينبغي أن نتجاوز عقوبة الشرع، فما دام الشرع قد عاقب على ما هو من جنس هذه المعصية؛ فمعنى هذا أنَّ هذا هو أكثر ما يمكن أن يُتوصل إليه، فكل ما ارتكب من غيره فهو من دونه.

ص 1407

مثال آخر: لو أنَّ شخصًا سرق، ولكنَّه سرق من غير حرز أو سرق شيئًا يسيرًا لم يبلغ النِّصاب الذي يجب فيه القطع، فهذا يجوز أن تجلده مئة وخمسين جلدة، ولكن لا يجوز أن تقطع يده، لأنَّه لم تتوفر الشروط، ولو أنَّ شخصًا قذف بغير الزِّنا فقال لإنسان مثلًا: يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا حمار؛ فيجوز أن يُعاقب ولكن لا يتجاوز به حدُّ القذف، وإنَّما أقصى شيء تصل إليه هو تسعًا وسبعين جلدة، وهذا هو الراجح؛ لأنَّه ثبت في أحداث كثيرة في مسائل عينية كثيرة أنَّ الصحابة رضي الله عنهم قد تجاوزوا في الضَّرب العشر جلدات بحيث لا يمكن أن يُقال: إنَّ الصَّحابة لم يصلهم هذا الحديث، وإنما يُقال: إنَّهم فهموا من هذا الحديث فهما مغايرًا لمن استدل به على تحديد الجلدات بعشر.

إذن؛ فمما هو وجه مخالفة حديث النَّبيِّ ﷺ المتَّفق عليه؟ نقول: إنَّه لا مخالفة بينما رُجِّحَ هنا وبين حديث النَّبيِّ ﷺ (لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)، قال العلماء: لأنَّ حدود الله لها إطلاق شرعيٌّ ولها إطلاق اصطلاحيٌّ، أمَّا الإطلاق الشَّرعيُّ فهو إمَّا نهاية الحلال وبداية الحرام، لذلك الله ﷻ يقول: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]؛ يعني: ابقوْا في دائرة ما أحلَّ الله لكم ولا تتجاوزوها، أو يُطلق على الدُّخول في الحرام فيقول: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]؛ يعني: لا تقربوا السِّياج الذي حرَّم الله ما بداخله، ولا تتجاوزوا الحدَّ الذي أباح لكم ما بداخله لا تقربوها ولا تعتدوها، إذن هو الحدُّ الفاصل بين الحلال وبين الحرام، هذا إطلاق شرعيٌّ.

وورد في الشَّرع أيضًا أنَّ الحدود تُطلق على العقوبات المقدَّرة ولكن لا يختص اللَّفظ بها، فرقٌ بين أنَّ الشَّرع يطلق لفظ الحدود ولا يريد منها إلا الحدود المقدَّرة وبين أن يطلقها تارة على الحدود المقدَّرة وتارة على أيِّ معصية من معاصي الله ﷻ، أمَّا إطلاقها في الحدود المقدَّرة كقول النَّبيِّ ﷺ: (أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ)٢٬٣٤٩من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أبو داود: (4375)، وأحمد: (25513)، وصححه الألباني.؛ المقصود هنا بالحدود الحدود المقدَّرة.

ص 1408

إذن الكتاب والسنُّة وفهم الصَّحابة يطلقون لفظ الحدود تارة على مطلق المعاصي، ويطلقونها تارة على المعاصي التي شرعت بها عقوبات مقدَّرة، وأما في اصطلاح الفقهاء فإنَّهم إذا أطلقوا لفظ الحدود؛ فإنَّهم يقصدون به الحدود المقدَّرة كالزِّنا والقذف وقطع يد السَّارق وكحدِّ قاطع الطَّريق.

إذن الآن عندنا معنى شرعيّ ومعنى اصطلاحي، وعندنا حديث عن النَّبيِّ ﷺ: (لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)، فالذي قال: إنَّه لا يتجاوز بها الحدود المقدَّرة حملها على المعنى الاصطلاحي وترك المعنى الشرعيَّ أو أنه حملها على بعض المعنى الشرعيِّ، وأما من حملها على المعنى الشرعيِّ؛ فأدخل فيها الحدود وغيرها؛ فيكون معناها: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا إذا كان الجلد لأجل معصية تتعلَّق بحقوق الله أو بحقوق النَّاس؛ فعندها تجاوزوا العشر جلدات، هكذا يكون معنى الحديث.

إذن ماذا بقي من الاستثناء وما هو الذي لا يجوز فيه الزِّيادة؟ لأنَّ كلَّ شيء يُعصى به الله ﷻ على هذا فهو حدٌّ من حدود الله؛ فقال العلماء: يبقى المستثنى -الذي لا يجوز فيه أن يتجاوز العشر جلدات- إذا كان تأديبًا يتعلَّق بالشَّخص نفسه؛ كأن يضرب الرَّجل امرأته أو يضرب عبده أو يضرب ابنه أو يضرب دابَّته؛ فهذا لا يجوز له أن يتجاوز فيه العشر جلدات، إذن الصَّحابة رضي الله عنهم رووا هذا الحديث وانتشر بينهم وتجاوزوا في الضَّرب عشر جلدات، فلا بدَّ أن يكون فهمهم للحديث مغايرًا لما فهمه منهم الذي حدَّها بالعشر جلدات، وإلا لا يُحمل فعل الصَّحابة رضي الله عنهم على مخالفة أمر النَّبيِّ ﷺ مخالفة صريحة، ولذلك فسنَّتهم وفهمهم أولى بالاتِّباع من كلِّ من جاء بعدهم.

ص 1409

ولذلك ذكر شيخ الإسلام مثالًا لتجاوز الصَّحابة العشر جلدات في التعزير فقال: «كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مئة ضَرْبَةٍ ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مئة ضَرْبَةٍ ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مئة ضَرْبَةٍ)٢٬٣٥٠قال ابن القصار: وقد روى أن معن بن زائدة زوّر كتابًا على عمر ونقش مثل خاتمه، فجلده مئة، ثم شفع له قوم، فقال: أذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، فجلده مئة أخرى، ثم جلده بعد ذلك مئة أخرى ثلاث مرار بحضرة الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فثبت أنه إجماع. شرح صحيح البخاري لابن بطال: (8 / 486).»؛ يعني أنَّه زوَّر ختم عمر رضي الله عنه ثم ذهب إلى صاحب بيت المال وقال له: أنا عندي ورقة من عمر بأن تعطيني من هذا المال فأعطاه صاحب بيت المال، فعندما اكتُشِف أمرُه جَلدَه عمر رضي الله عنه، إذن هذا لم يسرق؛ لأنَّ هناك شبهة وهو أنَّ له حقٌّ في بيت المال، ولأنَّه لم يسرق سرقة صحيحة وإنَّما بالحيلة، فجلده عمر رضي الله عنه مئة جلدة في اليوم الأوَّل ثم تركه في السِّجن، فعمر قيل له: ألا تترك فلانًا أو كذا، فقال: ذكَّرْتني الطَّعن وكنت ناسيًا، فدُعي به فجلد مئة جلدة في اليوم الثَّاني ثم تركه في السِّجن، ثم جلده مئة جلدة في اليوم الثَّالث، إذن جلده ثلاث مئة جلدة.

وورد أيضًا أنَّ رجلًا اسمه صَبِيغُ بن عِسْلٍ كان يسأل عن المتشابه في القرآن يقول: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١﴾ [الذاريات: 1].. ما الذاريات؟ وهكذا يسأل عن المتشابهات، فبلغ أمره إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فطلبه، وهذا الرَّجل كان في الكوفة في العراق، فعندما جيء به كان عمر جالسًا مع عدد من أصحابه فقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ بن عسل، فقال: وأنا عبد الله عمر بن الخطاب، فقام وعلاه بالدِّرَّة وضربه على رأسه فما زال يضربه ثم أمر به ووضع في السِّجن، ضربه أكثر من مئة، ثم بعد ذلك أخرجه في اليوم الثَّاني فضربه أيضًا، ثمَّ ردَّه وأخرجه في اليوم الثَّالث فضربه؛ حتى أدمى رأسه فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلي فاقتلني، وإن كنت أن تصرف عني ما كان فيَّ فقد ذهب، فردَّه عمر رضي الله عنه إلى الكوفة وأمر النَّاس أن يقاطعوه؛ إذن جمع له بين عقوبة الضَّرب والسِّجن والهجر، ثمَّ بقي هذا الرَّجل فكلما مرَّ عليه اثنان فأراد أحدهما أن يكلِّمه فيقول له: عَزمَةُ أمير المؤمنين! -انتبه فإنَّ عمر قال لنا: لا تكلِّموه؛ فانظر كيف كانت التَّقوى في قلوب النَّاس-؛ فكان المجتمع يُحبس عن الشَّخص، وليس الشخص هو الذي يحبس عن المجتمع؛ يعني يعيش بينهم وهو في سجن كما فعل النَّبيُّ ﷺ بكعب بن مالك ومن معه سُجنوا وهم في المدينة ويتحركون في الأسواق، كما قال الله ﷻ: ﴿وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ﴾ [التوبة: 25]، هو في الأرض ولكنه مسجون... وقصَّة صَبيغٍ بعد ذلك طويلة٢٬٣٥١فضائل الصحابة للإمام أحمد: (717)، ومسند الدارمي: (146)، (150).؛ حتى جاءه الخوارج ودَعُوه، ولكن ضربات عمر بقيت في رأسه فأبى أن يذهب معهم؛ فهذا كذلك تجاوز فيه الضَّرب.

ص 1410

وكذلك جاء رجل وكان يطالب أمَّ المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بدين فأغلظ القول وأحرجها؛ فأخذه عمر وضربه ضربًا مبرحًا، وقال له: تفعل ذلك لأمِّك! فضربه عمر حتى أدمى رأسه وتجاوز فيه الضرب العشر جلدات٢٬٣٥٢جاء في مصنف ابن أبي شيبة: (29474): «أن رجلا كتب إلى أم سلمة في دين له قبلها، يحرج عليها فيه، فأمر عمر بن الخطاب أن يضرب ثلاثين جلدة، قال بعض أصحابنا: كلها يبضع ويحدر».، وهكذا نُقل عن أكثر من واحد من الصَّحابة، إذن تَجَاوُزِ الضَّرب بعشر جلدات: مشتهر ومعروف بين الصَّحابة رضي الله عنهم؛ فيُحمل الأمرُ على هذه الصُّور.

«وَرُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» ولعلَّه عن علي رضي الله عنه، «فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُجِدَا فِي لِحَافٍ: «يُضْرَبَانِ مئة»٢٬٣٥٣قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إذا وجد الرجل مع المرأة، جلد كل واحد منهما مئة» مصنف ابن أبي شيبة: (28920)، وفي مصنف عبد الرزاق (13635): عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا وجد الرجل والمرأة في ثوب واحد جلدهما مئة كل إنسان منهما.» وهذا مشكل إذا كانا بِكرين؛ لأنَّه قد بلغ بهما الحدَّ مع أنَّه لم يثبت عليهما الزِّنا، وإنَّما فعلا ما هو من جنس الزِّنا، ولذلك يُحمل على أنَّهما كانا مُحصَنَيْن، لأنَّ حدَّ المحصَن هو الرجم، أو أن يكون قد جمعَا بين معاصٍ شتَّى؛ فعاقبهما على كل واحدة منها، وهذا يصحُّ؛ يعني أن يكون الإنسان قد جمع بين عدِّة معاصي من جنسِ ما فيه حدٍّ، فيعاقبه على كلِّ معصية من المعاصي، ففي هذه الحالة إذا أخذتَ مجموع الضَّربات التي عوقب بها على كلِّ واحدة قد تتجاوز الحدَّ، مثلًا إنسان قبَّل وباشر، ولكنَّه لم يزْنِ، فتعاقبه على التَّقبيل وعلى المباشرة وعلى ما كان منه؛ فمثلًا: على التَّقبيل ثمانين وعلى المباشرة خمسين وعلى الأخرى تعاقبه ثلاثين مثلا فتتجاوز المئة جلدة؛ فهذه لا بأس بها، ولكن تنظر إلى كلِّ واحدة بعينها، وهذا كلُّه يُنظر فيه بالاجتهاد.

«وَرُوَيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الذِي يَأْتِي جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ: (إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ: جُلِدَ مئة وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ؛ رُجِمَ)٢٬٣٥٤من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: (الترمذي: (1451)، وأبو داود: (4459)، والنسائي: (3360)، وابن ماجه: (2551)، وأحمد: (18467)، وضعفه الألباني.» الرجل إذا زنا بجارية امرأته -وليست جاريته التي يملكها هو؛ فإنَّما يجوز له أن يطأ أمته التي يملكها، أمَّا هذه فهي ملك لزوجته-، فإن كانت زوجته أحلَّتها له فهنا يُجلد مئة، وأمَّا إن لم تحلَّها له فهنا يُرجم، وهذا الحديث ضعيف.

ص 1411

«وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ»؛ أي هذه الأقوال التي ذكرناها من الجلد عشر جلدات أو ألا يبلغ به حدَّ الحرِّ، أو حدَّ العبد، أو ألا يبلغ بما كان في جنسه عقوبة، هذه الأقوال كلُّها في مذهب الإمام أحمد وغيره، والقولان الأولان في مذهب الشَّافعي وغيره.

والراجح كما قلنا: ينظر إذا كانت هذه المعصية في جنسها عقوبة مقدَّرة فلا يتجاوز بها الحدَّ.

«وَأَمَّا مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، فَحُكِيَ عَنْهُ: (أَنَّ مِنَ الْجَرَائِمِ مَا يُبْلَغُ بِهِ الْقَتْلُ)، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فِي مِثْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ، إذَا تَجَسَّسَ لِلْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ يَتَوَقَّفُ فِي قَتْلِهِ، وَجَوَّزَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كابْنِ عَقِيل قَتْلَهُ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ الحَنَابِلَةِ كالقَاضِي أَبِي يَعْلَى٢٬٣٥٥يُنظر: كتاب المُعلِم في حكم الجاسوس المسلم؛ للشارح رحمه الله، [في هذا المجموع (ص 742)].»، ذكر هنا أن مالكًا رحمه الله جوَّز أن يبلغ التَّعزير إلى عقوبة القتل، ووافقه ابن عقيل، مثل الجاسوس المسلم فحكمه عند الإمام مالك يرجع إلى اجتهاد الإمام؛ فيجوز عنده أن يبلغ به القتل، ولكن هذا بالاجتهاد.

ص 1412

«وَجَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا: قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» تجويزهم هنا على سبيل التَّعزير، قالوا إنَّ البدع على قسمين؛ إمَّا أن تكون بدعًا مكفِّرة؛ يعني يكون صاحبها خارجًا من الملة فهذا تكون عقوبته عقوبة المرتد، وإمَّا أن تكون البدع ليست مكفِّرة، ولكنَّها مغلَّظة تؤدِّي إلى إفساد عقائد النَّاس، فإذا كان هذا داعية إلى بدعته يضل النَّاس ويثير بينهم الشُّبهات ويشككهم في أمور دينهم وعقائدهم؛ فجوَّز طائفة من أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم أن يعاقب هذا بالقتل كفًّا لشره، وأما مالك فمن باب أولى أن يُجوز ذلك «وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَالُوا: إنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ قَتْلَ الْقَدَرِيَّةِ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، لَا لِأَجْلِ الرِّدَّةِ» القدرية الذين ينفون القدر وهذه نسبة عكسية يعني ليس الذين يثبتون القدر وإنَّما الذين ينفونه، فالإمام مالك رحمه الله إنَّما جوَّز قتلهم لا لكونهم مرتدين، ولكن لإفسادهم في الأرض، إذن شيخ الإسلام يقول: وإن كان الإمام مالكٌ قد نصَّ على الجاسوس المسلم وخالفه أصحاب المذاهب الأخرى في خصوص الجاسوس المسلم؛ فإنهم ذهبوا إلى جواز القتل تعزيرًا في بعض الحالات الأخرى٢٬٣٥٦[انظر فروع هذه المسألة في بحث الشيخ الشارح رحمه الله المسمى: منة الخبير في حكم إقامة الحدود في دار الحرب والتعزيز، حكم التعزير بالقتل، في هذا المجموع (ص 426) فقد أفاد فيه الشيخ وأجاد، أجزله الله الفردوسَ الأعلى من الجنة].، هذا معنى كلامه.

«وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ»، ولكنَّ الخلاف في صفة قتله أيقتل تعزيرًا أم يقتل حدًّا، والسحر على قسمين: سحر يكون بالأدوية والعقاقير فهذا لا يصل إلى حدِّ الكفر وإن جوَّز قتله، والثاني: السحر الذي يكون بالشرك والتعامل مع الجن، فهذا مكفِّر ويكون صاحبه كافرًا، كما قال الله ﷻ: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ﴾ [البقرة: 102]، وقد ذكر بعض العلماء هذا التَّقسيم، ولكن بعض العلماء جعل كلَّ ساحر كافرًا، فإذن بالنسبة للنوع الأوَّل فهذا يجوز قتله تعزيرًا لكفِّ شرِّه، وبالنِّسبة للثَّاني فإنَّه يقتل ردة لأنَّه كافر.

«وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جُنْدُبٍ رضي الله عنه مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا أَنَّ (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ)٢٬٣٥٧من حديث جندب الخير رضي الله عنه: الحاكم: (8073)، والترمذي: (1460)، وضعفه الألباني.، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَحَفْصَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم قَتْلُهُ» وقد ثبت أنَّ عمر رضي الله عنه قد كتب إلى أصحابه في الأمصار أن اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة؛ فقُتلت ثلاث سواحر٢٬٣٥٨مصنف عبد الرزاق: (18745)، مسند الشافعي: (1 / 383)، مصنف ابن أبي شيبة: (29585)..

«فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِأَجْلِ الْكُفْرِ»؛ يعني مطلقًا أي ساحر.

ص 1413

«وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، لَكِنَّ جُمْهُورَ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ قَتْلَهُ حَدًّا٢٬٣٥٩«عُقُوبَةُ السَّاحِرِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَل فِي حَالَيْنِ: الأْوَّل أَنْ يَكُونَ سِحْرُهُ كُفْرًا، وَالثَّانِي إِذَا عُرِفَتْ مُزَاوَلَتُهُ لِلسِّحْرِ بِمَا فِيهِ إِضْرَارٌ وَإِفْسَادٌ وَلَوْ بِغَيْرِ كُفْرٍ، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَال: السَّاحِرُ إِذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ يُقْتَل، وَلاَ يُسْتَتَابُ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَقِيل: لاَ يُقْتَل إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ قَتْلَهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّعْزِيرِ، لاَ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَجِبُ قَتْل السَّاحِرِ وَلاَ يُسْتَتَابُ، وَذَلِكَ لِسَعْيِهِ فِي الأْرْضِ بِالْفَسَادِ لاَ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، لَكِنْ إِنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْل أَنْ يُؤْخَذَ قُبِلَتْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قَتْل السَّاحِرِ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّمَا يُقْتَل إِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَدَى الإْمَامِ، فَإِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ قُتِل وَمَالُهُ فَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ، وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَهُوَ كَالزِّنْدِيقِ يُقْتَل وَلاَ يُسْتَتَابُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ سِحْرُ السَّاحِرِ لَيْسَ مِنْ قَبِيل مَا يَكْفُرُ بِهِ، فَهُوَ فِسْقٌ لاَ يُقْتَل بِهِ مَا لَمْ يَقْتُل أَحَدًا وَيَثْبُتُ تَعَمُّدُهُ لِلْقَتْل بِهِ بِإِقْرَارِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَل حَدًّا وَلَوْ لَمْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ أَحَدًا، لَكِنْ لاَ يُقْتَل إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ:
الأْوَّل: أَنْ يَكُونَ سِحْرُهُ مِمَّا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ كُفْرًا مِثْل فِعْل لَبِيدِ بْنِ الأْعْصَمِ، أَوْ يَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ السِّحْرِ، بِخِلاَفِ مَا لاَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ كُفْرًا، كَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْجِنَّ فَتُطِيعُهُ، أَوْ يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ، وَسَقْيِ شَيْءٍ لاَ يَضُرُّ. ثُمَّ قَال بَعْضُهُمْ: وَيُعَاقَبُ بِالْقَتْل أَيْضًا مَنْ يَعْتَقِدُ حِل السِّحْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقْتَل كُفْرًا؛ لأِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا لَمْ يُقْتَل؛ لأِنَّهُ أُقِرَّ عَلَى شِرْكِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ السِّحْرِ، وَلأِنَّ لَبِيدَ بْنَ الأْعْصَمِ الْيَهُودِيَّ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، قَالُوا: وَالأْخْبَارُ الَّتِي وَرَدَتْ بِقَتْل السَّاحِرِ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ لأِنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ.
وَالذِّمِّيُّ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ فَلاَ يُقْتَل بِهِ، لَكِنْ إِنْ قُتِل بِسِحْرٍ يَقْتُل غَالِبًا، قُتِل قِصَاصًا. وَشَرْطٌ آخَرُ أَضَافَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَهُوَ أَنْ يَعْمَل بِالسِّحْرِ، إِذْ لاَ يُقْتَل بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِهِ» الموسوعة الفقهية الكويتية -باختصار يسير-: (24 / 266-267).
»؛ فحتَّى الذين قالوا: يقتل لأجل الفساد في الأرض لا لأجل كفره؛ قالوا: يُقتل حدًّا؛ أي يَجب قتله لأنَّ الحدود لا تسقط بأي حال من الأحوال، فهؤلاء أنزلوه منزلة قاطع الطَّريق؛ لأنَّه يُفسد أديان النَّاس وأبدانهم وإن لم يقطع الطَّريق.

إذن من قال: يُقتل كفرًا، فلا إشكال لأنَّه مرتد، ومن قال: لأجل فساده في الأرض فأنزلوه منزلة قاطع الطَّريق؛ لأنَّ فساده بيِّن في أديان النَّاس وفي أبدانهم؛ فجمهور العلماء يقولون بقتل الساحر.

«وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعَزِّرُ بِالْقَتْلِ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنَ الْجَرَائِمِ، إذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْلَ» قلنا: الإمام أبو حنيفة رحمه الله يجيز القتل تعزيرًا، ويسمَّى عندهم بالقتل سياسة فيما تكرر من الجرائم؛ يعني: قد لا تكون الجريمة قد شُرع في جنسها القتل، ولكن تكررت جريمة هذا الإنسان؛ فلم يُردع بالضَّرب ولا بالحبس ولا بغيره، فقال: هذا يقتل؛ لأنَّه صار بمنزلة الصَّائل الذي وجب دفعه، أو يقتل كذلك من ارتكب جريمة أو معصية شرع في جنسها القتل، «كَمَا يُقْتَلُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ» فعندهم أنَّ اللوطية لا يُقتل، وإنَّما يجلد، ولكن إذا تكرر منه هذا الفعل فقد شرع في جنسه القتل كرجم الزَّاني؛ لأنَّ هذا تعدٍّ على الأعراض، فيقتل عندهم لكفِّ شرِّه. «أَوْ اغْتِيَالُ النُّفُوسِ؛ لِأَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ» فهذا إذا تكرر منه اغتيال النفوس؛ فيقتل تعزيرًا.

ص 1414

ثم إنَّ شيخ الإسلام بدأ يرجح جواز القتل تعزيرًا، وذلك أنَّ التعزير يُتدرج فيه؛ فلا ينتقل الإمام أو الأمير إلى عقوبة وهو يعلم أنَّ ما دونها يؤدي الغرض ويزجر هذا الجاني، فلا بدَّ فيه من التدرُّج؛ لأنَّه كما قلنا: مبنيٌّ على الاجتهاد والنظر، فلا ينتقل إلى عقوبة أعلى وهو يعلم أنَّ ما دونها من العقوبات يؤدي المقصود، «وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ، مَتَى إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَرْفَجَةَ الأَشْجَعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ» يعني فتن «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ)٢٬٣٦٠من حديث عرفجة بن شريح رضي الله عنه: مسلم: (1852)، وابن حبان: (4406)، والحاكم: (2665) وأبو داود: (4762)، والنسائي: (4020)، وأحمد: (19021).» فهنا في حالة كون المسلمين متفقون مجتمعون، ومدينون بالطَّاعة لرجل واحد؛ فجاء رجل وأراد أن يفرِّق هذه الجماعة؛ يعني أراد أن يخرج على هذا الإمام وأن يفرِّق جماعة المسلمين فهذا رجل مفسد، فقال النَّبيُّ ﷺ: إذا جاء رجل على هذه الصِّفة بشرط أن تكونوا متَّفقين على جماعة واحدة وعلى إمام واحد، ولم يمكن دفعه وكفُّ شرِّه إلا بالقتل قُتل لأنه مفسد، إذن شيخ الإسلام يستدل بهذا الحديث على معنى عام؛ فالجاسوس فساده عام وكذلك الساحر وكذلك من تكرَّرت جرائمه، فهؤلاء قال شيخ الإسلام: قد يستدل أنَّهم متى لم يمكن دفع فسادهم وكفُّه إلا بقتله قتل لأنَّه صار بمنزلة دفع الصَّائل، فكما أنَّ الصَّائل يُتدرَّج معه يقال له: كفَّ يدك، ابتعد عني.. فإذا لم يمكن كفُّ شرِّه إلا بالقتل؛ قُتل.. فكذلك هذا.

وهذان الحديثان ونحوهما مما ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تتعلق بالإمامة العظمى أي بخليفة المسلمين أو من نزل منزلته، كأن يكون إمامًا على قُطر واحد اتَّفق المسلمون على إمامته وعلى السَّمع والطَّاعة له؛ فلا يُنزَّل هذا الحديث على الجماعات التي اتَّفقت على أمرٍ خاصٍّ كالجماعات التي اتفقت على الجهاد في سبيل الله أو على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُنَزَّل هذا الحديث عليها، إنَّما المقصود فقط بهذا الحديث هو الإمام العام.

ص 1415

سؤال: إذا كانت هناك جماعة مقاتلة وقائمة بالجهاد وهي جماعة كبيرة، وخرج أحدهم من هذه الجماعة وبدأ يطعن في أمرائهم ويدعو النَّاس إلى تنظيمه الجديد... إلخ، فهذا ما حكمه؟

يُعاقب، ولكن لا تصل عقوبته إلى القتل، إلا إذا شهر السِّلاح وأصبح يقاتل، فبعد ذلك يُصبح دفعُه من باب دفع الصَّائل وكفِّه، أمَّا أن يُقتل بمجرد ذلك فهذا لا يجوز، فأحاديث البيعة مثل: (وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)٢٬٣٦١من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: مسلم: (1851).، حملها بعض النَّاس المعاصرين على الجماعات الخاصَّة، وأنزلوها على بيعات الجماعات التي اتَّفقت على أمور خاصَّة من أمور الدِّين؛ والصواب أن هذه الأحاديث تنزل على البيعة العامَّة التي يكون فيها الإمام إمامًا للمسلمين جميعًا أو في قطر من الأقطار؛ بحيث يؤمن السُّبل ويقيم الحدود وغير ذلك.

وأمَّا هذه الجماعات الخاصَّة فلا تُحمل هذه الأحاديث على حالها، ولا يعني هذا أنَّ الشرَّ لا يُدفع وأنَّ الفساد لا يُكف، ولكن لا يصلح الاستدلال بهذه الأحاديث على هذه الجماعات.

ص 1416

ولكن لو أن قُطرًا من الأقطار -أفغانستان مثلًا- صارت دولة إسلامية وهناك بعض المسلمين في الدُّول التي في جوارها ليسوا تحت هذه الإمارة يعني لا يجري عليهم حكم سلطان المسلمين؛ لأنَّ السُّلطة ليست لهم في تلك الأقطار، أمَّا المسلمون الذين في داخل أفغانستان وأهل الحل والعقد قد بايعوا هذا الإمام، ورأوا أنَّه أمير للمسلمين ويسمعون ويطيعون له؛ فمن خرج عليه في ذلك الوقت وأمرهم جميع هذا هو الذي يجري عليه مثل هذه الأحاديث، وإن كان ليس خليفة عامًّا؛ لأنَّ الخليفة العامَّ الذي تدين له كلُّ الأمَّة الإسلاميَّة فهذا انقطع منذ زمن بعيد، فمنذ عثمان رضي الله عنه ما دانت الأمُّة لأمير واحد إلا في قليل من أيام معاوية رضي الله عنه، فإذا عطَّلنا مثل هذه الأحكام؛ فمعنى ذلك لا يمكن أن نجريها، والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله نقل الإجماع على أنَّ الإمام في قطر من الأقطار يأخذ حكم الإمام العامِّ في هذه الأحكام، ومن خرج عليه لخلعه يأخذ حكم البغاة٢٬٣٦٢قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «الأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام، لا يصح إلا بالإمام الأعظم»، الدرر السنية: (9 / 5)..

ذكرت في بحث «منة الخبير»٢٬٣٦٣[انظر فقرة: الراجح في التعزير بالقتل، من بحث: منة الخبير، ضمن هذا: المجموع (ص 454) حيث ذكر الشيخ هذين الشرطين]. أن الذي ظهر عندي -والله تعالى أعلم- أنَّ التَّعزير يصل إلى القتل ولكن بشرطين:

الشرط الأوَّل: أن تكون مفسدة الجريمة عامَّة كجنس هذه الأعمال التي ذكرناها.

الشرط الثاني: هو ألا يصل إلى القتل، وهو يعلم أن ما دونه يكفي في الزجر، فلا بد أن يتدرج معه إذا استطاع أن يضربه أو أن يحبسه أو أن يقيده، فإذا لم تجد معه هذه العقوبات مع بقاء فساده واستمرار جريمته فصار هذا في حكم الصائل كما سيذكر شيخ الإسلام هنا.

والصحيح أن العقوبات التعزيرية لا تُقنَّنْ؛ لأن من الفروق بينها وبين الحدود أنها ليست ثابتة، وإنما يرجع أمرها إلى اجتهاد الإمام، فإذا قننتَها جعلتها من جنس العقوبات المقدرة، وذهب أكثر المعاصرين -الذين كتبوا في العقوبات- إلى جواز تقنينها.

ص 1417

«وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ فِي أَمْرِهِ بقَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ» قال النَّبيُّ ﷺ: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ)٢٬٣٦٤من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ابن حبان: (4447)، والحاكم: (8112)، وأبو داود: (4484)، والنسائي: (5662)، وابن ماجه: (2572)، وأحمد: (10740)، ومن حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: ابن حبان: (4446)، والحاكم: (8117)، والترمذي: (1444)، وأبو داود: (4482)، وأحمد: (16905)، ومن حديث قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه، وأبو داود: (4485)، ومن حديث شرحبيل بن أوس رضي الله عنه: الحاكم: (8121)، وأحمد: (18082)، ومن حديث جرير رضي الله عنه: الحاكم: (8113)، ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: الحاكم: (8114)، وأحمد: (6197)، ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ابن حبان: (4445)، ومن حديث الشريد بن سويد رضي الله عنه: الحاكم: (8118)، ومن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: الحاكم: (8119)، وصححه الألباني.، هذا الحديث جماهير العلماء على أنه منسوخ٢٬٣٦٥قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: (11 / 217): «وأما الخمر... وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها وإن تكرر ذلك منه، هكذا حكى الإجماع فيه الترمذي وخلائق، وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات للحديث الوارد في ذلك، وهذا القول باطل مخالف لإجماع الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يقتل وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات، وهذا الحديث منسوخ قال جماعة دل الإجماع على نسخه، وقال بعضهم نسخه قوله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)»، وانظر: فتح الباري لابن حجر: (12 / 78).، وهذا كما ذكر الإمام الترمذي: حديثان في كتابه لم يعمل بهما أحد من أهل العلم منها حديث قتل شارب الخمر في الرابعة٢٬٣٦٦[سنن الترمذي (4/48)، فقد نقل إجماع أهل العلم على أن العمل على عدم قتل من شرب الخمر في الرابعة]..

والذي رجحه شيخ الإسلام وتبعه ابن القيم وكذلك من المعاصرين الذين رجحوه العلامة أحمد شاكر رحمهم الله، وذهب مذهبهم الشيخ الألباني رحمه الله؛ إلى أن عقوبته هنا تعزيرية٢٬٣٦٧قال الألباني في التعقيب على حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الأمر بقاتل شارب الخمر في الرابعة: «وقد قيل إنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك بل هو محكم غير منسوخ كما حققه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند»: (9 / 49 - 92)، واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنا نرى أنه من باب التعزيز، إذا رأى الإمام قتل، وإن لم يره لم يقتل، بخلاف الجلد فإنه لا بد منه في كل مرة وهو الذي اختاره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى»، السلسلة الصحيحة: (3 / 347).، وكذلك رجحه الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله٢٬٣٦٨قال بكر أبو زيد: «فالأحاديث بقتله حدًّا منسوخة، والإجماع على نسخ الحد بالقتل لم ينخرم في عصره، والذي وقع فيه الإجماع على ترك الحد بالقتل للشارب بعد الرابعة، ولكن إذا أدمن النَّاس شربها وانهمكوا فيها، وتهالكوا في شربها، ولم يكن الحد بالجلد زاجرًا لهم، فإن للإمام أن يعزر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد، وردعا للفساد، وذلك تطبيقا لمبدأ سياسة الراعي للرعية سياسة شرعية فيما ظهرت فيه المصلحة، كما قرر ذلك أهل العلم في مدوناتهم، وذكروا له الأمثلة والنظائر كما في قتل الداعية إلى البدعة إذا افتتن به النَّاس ونحو ذلك، والله أعلم»، الحدود والتعزيرات عند ابن القيم؛ دراسة وموازنة: (1 / 320).، هؤلاء كلهم قالوا: إن قتل شارب الخمر في الرابعة ليس منسوخًا وإنما عقوبته تعزيرية؛ فلا تتحتم إن رأى الإمام أن يقتله قتله، وإن رأى أن يعاقبه بالجلد مرة أخرى جلده.

ص 1419

«بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ نُعَالِجُ بِهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ الْقَمْحِ، نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلاَدِنَا، قَالَ: (هَلْ يُسْكِرُ؟)، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاجْتَنِبُوهُ)، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَاقْتُلُوهُمْ)٢٬٣٦٩من حديث ديلم الحميري رضي الله عنه: أبو داود: (3683)، وأحمد: (18064)، وصححه الألباني.».

بعد أن ذكر شيخ الإسلام ما يُمكن أن يُستدل به على جواز قتل من لم ينكف فساده إلا بذلك، استدل بالتعليل أيضًا فقال: «وَهَذَا لِأَنَّ الْمُفْسِدَ كَالصَّائِلِ فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعِ الصَّائِلُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ»، لكن هذه القواعد لا بدَّ من فهمها فهمًا دقيقًا، ولا بدَّ أن تطبَّق باحتراز تامٍّ، وإلا فهي مزلة أقدام؛ فقد يتهاون الإنسان في قتل من لم يكن فساده عامًا، أو قد يتهاون في قتل من يمكن أن يكفَّ شره بدون القتل، وقد يتهاون فيمن يظنُّ أنَّ فعله فساد، وهذه العبارة «من لم يندفع فساده إلا بالقتل؛ قُتل» هي التي تسلَّط بها غلاة «الجماعة الإسلامية المسلَّحة في الجزائر» لقتل من خالفهم، فقتلوا خلقا كثيرًا، فلذلك لا بدَّ أن يكون الإنسان دقيقًا في فهم كلام العلماء، وأهمُّ الضوابط هو أن نعلم أنَّ الإمام أو السُّلطان لا يجوز له أن ينتقل إلى عقوبة مهما كانت -فضلًا عن القتل- وهو يعلم أنَّ ما دونها يكفي؛ لأنَّه إذا تجاوز ما يكفي فقد تعدَّى وظلم.

فالمقصود من العقوبة هو: معاقبة الجاني على فعله، ثم ردعه عن أن يعود إليه، ثم بعد ذلك ليرتدع غيره عندما يرونه قد عوقب، فإذا حصل المقصود بالتوبيخ؛ فلا يجوز له بعد ذلك أن يتجاوزه إلى الحبس، وإذا حصل المقصود بأن يُضرب خمس جلدات فليس له أن يضربه ست جلدات، وهكذا... فإذن على الإمام أن يجتهد في جنس العقوبة وفي قدر العقوبة، وحيثما اجتهد في الجنس أو في القدر، وعلم أن هذا يكفي لزجر الجاني وهو المناسب والملائم لجريمته؛ فلا يجوز له أن يتعداه بحال، والمقصود هنا أن الحاكم يجتهد بحسب معرفة حال الشخص إلا إذا ضُرب عشرين جلدة أو حُبس شهرًا؛ فهذه العقوبة تكفي لئلا يعود لفعل هذا المحرم مرة أخرى، فهذا هو معنى تقدير العقوبة فلا يُزاد عليها، فإن عُلم أن في هذا مبالغة وزيادة كان ذلك غير جائز.

ص 1420

فائدة: فيما يتعلق بِحدِّ شرب الخمر خاصة فإن كثيرا من العلماء ذهبوا إلى أنه لم يكن له عقوبة مقدرة في أصل التشريع أيام النبي ﷺ فلذلك كان يُضرب بالنعال والأيدي ثم ضُرب أربعين، ثم جعله الصحابة ثمانين؛ فلذلك لا زال الخلاف قائما هل حد الخمر أربعين أم ثمانين.

«وَجِمَاعُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ جَزَاءً بِمَا كَسَبَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، كَجَلْدِ الشَّارِبِ وَالْقَاذِفِ، وَقَطْعِ الْمُحَارِبِ وَالسَّارِقِ. وَالثَّانِي: الْعُقُوبَةُ لِتَأْدِيَةِ حَقٍّ وَاجِبٍ» ما زال مُتلبسًا بتركه، كالذي يكون عليه دين ويأبى أن يقضيه مع يساره ومع وجود المال الذي يقضي به، فإنه يعاقب ما دام ممتنعًا عن قضاء الدين، «وَتَرْكِ مُحَرَّمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ» ما زال مُتلبسًا بفعله، «كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْلِمَ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا فَقُتِلَ» يريد أن يقول: كما أنَّ المفسد يُتدرج معه حتى تصل إلى القتل ما لم ينكف، فكذلك قال: حاله كحال الذي يترك واجبًا فيُعاقب ما دام تاركًا لهذا الواجب تمامًا كحال المرتد، فإنَّ المرتدَّ يتدرج معه فيستتاب، ويُطلب منه أن يرجع إلى الإسلام ثم إذا أصرَّ وبقي متلبسًا بهذا الذنب وهو الردة قُتل، فكذلك من ترك واجبًا نتدرج معه حتى يفعله.

«وَكَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يُؤَدَّيهَا، فَالتَّعْزِيرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ»؛ يعني في القسم الثَّاني التعزير يكون أشد من التعزير في القسم الأول الذي يكون في معصية فعلها وانتهت، «وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) قَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُدُودِ اللَّهِ مَا حَرُمَ لِحَقِّ اللَّهِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يُرَادُ بِهَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، مِثْلُ آخِرِ الْحَلَالِ وَأَوَّلِ الْحَرَامِ، فَيُقَالُ فِي الْأَوَّلِ: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229] وَيُقَالُ فِي الثَّانِي: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْعُقُوبَةِ الْمُعَزَّرَةِ حَدًّا، فَهُوَ عُرْفٌ حَادِثٌ، وَمُرَادُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ ضَرَبَ لِحَقِّ نَفْسِهِ، كَضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ».

ص 1421

والآن يريد أن يتكلم على صفة الجَلد، والآلة التي يُجلد بها: «وَالْجَلْدُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ: هُوَ الْجَلْدُ الْمُعْتَدِلُ بِالسَّوْطِ الوَسَطِ» السَّوط يكون من الجِلدِ المفتول المحكم، «فَإِنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ»٢٬٣٧٠. قال ابن الملقن: وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ، وَابْن الصّباغ ذكره مَرْفُوعا، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: لم أره عنه هكذا. وجاء عند البيهقي في سننه الكبرى (17574) وابن أبي شيبه في مصنفه (13516) وعبد الرزاق في مصنفه (13516): «أتي عمر بن الخطاب رحمه الله برجل في حد، فأتي بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا، ثم أتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشد من هذا، فأتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه».، وَلَا يَكُونُ الْجَلْدُ بِالْعِصِيِّ وَلَا بِالْمَقَارِعِ، وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالدِّرَّةِ» الدِّرة هي عصا صغيرة، «بَلْ الدِّرَّةُ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّعْزِيرِ» والسوط من جلد يكون للحدود، والضرب يكون ضربًا وسطًا ليس ضربًا قاتلًا ولا ضربًا خفيفًا لا تأثير فيه، ويذكرون في زمن الإمام مالك رحمه الله قالوا: وجدوا على سطح بيت رجلًا مع صبي وقد تجردا، فأمر مالك رحمه الله أن يُجلد الرجل خمس مئة جلدة؛ فجُلد فانتفخ فمات فأُخبر مالك فلم يستعظم ذلك.

«أَمَّا الْحُدُودُ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْجَلْدِ بِالسَّوْطِ؛ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يُؤَدِّبُ بِالدِّرَّةِ، فَإِنْ جَاءَتْ الْحُدُودُ دَعَا بِالسَّوْطِ وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ كُلُّهَا، بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ مَا يَمْنَعُ أَلَمَ الضَّرْبِ، مِنَ الْحَشَايَا وَالْفِرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يُرْبَطُ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يُضْرَبُ وَجْهُهُ. فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ)٢٬٣٧١بهذا اللفظ عند أبي داود: (4493)، وأما لفظ البخاري (2420)، ومسلم (2612): (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه). وَلَا يَضْرِبُ مَقَاتِلَهُ»؛ يعني المواطن التي لو ضرب عليها لأدى إلى مقتله، «فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَأْدِيبُهُ لَا قَتْلُهُ، وَيُعْطَى كُلُّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنَ الضَّرْبِ، كَالظَّهْرِ وَالْأَكْتَافِ وَالْفَخِذَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ٢٬٣٧٢قال ابن عبد البر في التمهيد (5 / 334): «واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود، فقال مالك: الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر، قال: وكذلك التعزير لا يضرب إلا في الظهر عندنا، وقال الشافعي وأصحابه: يتقي الوجه والفرج، ويضرب سائر الأعضاء، وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل قول الشافعي أنه كان يقول اتقوا وجهه ومذاكيره، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن تضرب الأعضاء كلها في الحدود إلا الفرج والوجه والرأس، وقال أبو يوسف: يضرب الرأس أيضًا وروى عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: لا يضرب الرأس، قال ابن عمر رضي الله عنه: لم نؤمر أن نضرب الرأس».
وقال في الروض المربع: (1 / 434): «وسن أن يفرق الضرب على بدنه، ليأخذ كل عضو منه حظه، ولأن توالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى القتل، ويكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين، ويضرب من جالس ظهره وما قاربه، ويتقي وجوبا الرأس والوجه والفرج والمقاتل كالفؤاد والخصيتين، لأنه ربما أدى ضربه على شيء من هذه إلى قتله أو ذهاب منفعته».
».

❖ ❖ ❖

فَصْلٌ: وُجُوبُ اتِّخَاذِ الْإِمَارَةِ

«يجبُ أن يعرف أن وِلاَيَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ، بَل لاَ قِيَامَ لِلدِّينِ إِلاَّ بِهَا، لِأَنَّ بَنِي آدَمَ لاَ تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إِلاَّ بِالاِجْتِمَاعِ، لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ، حَتَّى قَال النَّبِيُّ ﷺ: (إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)٢٬٣٧٣من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أبو داود: (2608)، وصححه الألباني.، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (وَلَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ إِلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ)٢٬٣٧٤من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أحمد: (6647) وضعفه الألباني.، فَأَوْجَبَ ﷺ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ القليل العارضِ في السفر، تنبيهًا بذلك عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ٢٬٣٧٥قال الشوكاني في نيل الأوطار: (9 / 157): «وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى».، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةٍ وَإِمَارَةٍ»؛ يعني لا يتم ذلك على الوجه المطلوب شرعًا؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يفعلون المنكرات مع وجود الشوكة عندهم، فإذا لم يكن هناك إمارة لها قوة وشوكة فلا ينفع مجرد النهي باللسان.

ص 1422

«وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَوْجَبَهُ مِنَ الْجِهَادِ وَالْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحَجِّ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقُوَّةِ وَالْإِمَارَةِ»؛ يعني أمور الدِّين كلها لا تتم إلا بالقوة والإمارة، وهذا يُشعرنا بمدى الواجب الملقى على المسلمين بتنصيب إمام لهم، فهذا ليس من نوافل الأعمال؛ لأن الدين لا يمكن أن يقوم على الوجه الذي جاء به النبي ﷺ إلا بوجود هذه الإمارة، فإذا زالت أو ضاعت فإن كثيرًا من أمور الدين ستضيع مع ضياعها، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، «وَلِهَذَا رُوِيَ: (أَنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ)٢٬٣٧٦من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: البيهقي في شعب الإيمان: (7373)، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: البيهقي في شعب الإيمان: (7375)، ومن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: البزار: (5383)، البيهقي في شعب الإيمان: (7369) وضعفه الألباني. وَيُقَالُ: «سِتُّونَ سَنَةً مِنْ إمَامٍ جَائِرٍ أَصْلَحُ مِنْ لَيْلَةٍ واحدة بِلَا سُلْطَانٍ»، وَالتَّجْرِبَةُ تُبَيِّنُ ذَلِكَ» فهذا ليس حديثا لكن الواقع والتجربة تثبت أن الإمام الجائر؛ خير للناس من عدم السلطان بالكلية.

وَقَالَ : (ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الـمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُم تُحِيطُ مَنْ وَرَائَهُمْ)٢٬٣٧٧من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: ابن حبان: (67)، وابن ماجه: (230)، وأحمد: (21630)، ومن حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه: الحاكم: (294)، وابن ماجه: (231)، وأحمد: (16800)، ومن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الترمذي: (2658)، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أحمد: (13374)، ومن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: الحاكم: (297)، وصححه الألباني.، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَن، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ)، قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)٢٬٣٧٨من حديث تميم الداري رضي الله عنه: مسلم: (55)، وابن حبان: (4574)، وأبو داود: (4944)، والنسائي: (4197)، وأحمد: (16982).، فَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْإِمَارَةِ دِينًا وَقُرْبَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ فِيهَا بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ»؛ يعني أنَّ الإنسان إذا ابتلي بإمارة صغيرة كانت أو كبيرة؛ فعليه أن يتخذها طاعة لله ﷻ يخلص فيها النية، ويجتهد أن يؤدي واجباتها، فإذا اجتهد في ذلك وتقرَّب إلى الله ﷻ، ووجد في داخل قلبه أن يقوم بواجب شرعي ويؤدي طاعة من طاعات الله؛ﷻ فإنَّ هذا من أفضل القربات؛ لأنَّ كثيرًا من أمور الدِّين إنَّما تقوم على هذه الإمارة، فنفعها متعد ولا شك.

ص 1423

«وَإِنَّمَا يَفْسُدُ فِيهَا حَالُ أَكْثَرِ النَّاسِ» أي الإمارة «لِابْتِغَاءِ الرِّيَاسَةِ أَوْ الْمَالِ بِهَا»؛ فإمَّا أن يتخذها الإنسان طلبًا للجاه والترفع والتميز على النَّاس، وإما لطلب المال بأن يجعل منصبه محلًا لتحصيل المال، «وَقَدْ رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)٢٬٣٧٩من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: وابن حبان: (3228)، والترمذي: (2376)، وأحمد: (15832)، وصححه الألباني.، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَأَخْبَرَ أَنَّ حِرْصَ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ يُفْسِدُ دينَه، مثل أو أكثر من إفساد الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعِينَ لِزَرِيبَةِ الْغَنَمِ»؛ يعني: إفساد المرء لدينه بطلب الشرف والرياسة والعلو والجاه أو بطلب المال عن طريقها هذا أفسد لدين المرء من إفساد الذئاب التي تُطلق على زريبة غنم.

إذن؛ الإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر فعليه أن يتخذه طاعة يعرف واجباتها وحقوقها، وأن يراعي الله ويراقب الله تعالى في ذلك، وأن يراعي حقوق النَّاس، وأي فساد حصل في ولاية من الولايات فمرجعه إما لطلب الرياسة يعني الجاه والعلو وطلب الشهرة وحظ النفس، أو لطلب المال والغنى.

«وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى عن الذي يؤتَى كتابه بشماله أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ﴾ [الحاقة: 28-29]»؛ يعني لم ينفعه لا جاهه وسلطانه ولا ماله، «وَغَايَةُ مُرِيدِ الرِّيَاسَةِ أَنْ يَكُونَ كَفِرْعَوْنَ، وَجَامِعِ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ كَقَارُونَ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حَالَ فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿۞أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ﴾ [غافر: 21]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]» فكل واحد له قدوة: من طلب الرياسة والجاه والعلو فليقتد بفرعون الذي قال: ﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ [القصص: 38]، وقال: ﴿أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ﴾ [الزخرف: 51].

وإن كان يريد برئاسته المال فليقتد بقارون الذي قال: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ﴾ [القصص: 78].

«فَإِنَّ النَّاسَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:

ص 1424

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يُرِيدُونَ العُلُوَّ عَلَى النَّاسِ، وَالفَسَادَ فِي الأَرْضِ»؛ لأنَّهم لا بد أن يراعوا حظوظهم ويضيعوا حقوق النَّاس، وكل ما وقف في طريق علوهم على النَّاس سيزيلونه ولو كان شيئًا أوجبه الله ﷻ، وهذا هو الذي يدعو إلى الفساد في الأرض «وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ وَالرُّؤَسَاءُ الْمُفْسِدُونَ، كَفِرْعَوْنَ وحزبه. وهؤلاء هم شرارُ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 4]» فهذا هو حال من أراد العلو والتميز على الناس «وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ)، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنًا أَفَمِنَ الكِبْرِ ذَاكَ؟ قَالَ: (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)٢٬٣٨٠من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مسلم: (91)، وابن حبان: (5466)، والترمذي: (1999)، وأحمد: (3789).، فَبَطَرُ الْحَقِّ دَفْعُهُ وَجَحْدُهُ، وَغَمْطُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ، وَهَذَا حَالُ مَنْ يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَالْفَسَادَ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْفَسَادَ، بِلَا عُلُوٍّ، كَالسُّرَاقِ وَالـمُجْرِمِينَ مِنْ سَفَلِةِ النَّاسِ» فقط يريد أن يفسد في الأرض، ولا يهمه تميز أم كان حقيرًا أو وضيعًا؛ هذا لا يهتم به.

والقسم الثالث: يريدون الْعُلُوَّ بِلَا فَسَادٍ، كَاَلَّذِينَ عِنْدَهُمْ دِينٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْلُوَا بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ»؛ يعني عندهم ورع وخوف، ولكن داخَلتهم حب الرئاسة والعلو على النَّاس.

وأما الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ؛ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ»؛ يعني موضعهم هو التميز والعلو والشرف إلا أنَّ هذا لم ينالوه بطلب منهم وحرص عليه، «كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: 35]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].

ص 1425

فَكَمْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْعُلُوَّ، وَلَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلَّا سُفُولًا، وَكَمْ مِمَّنْ جُعِلَ مِنَ الْأَعْلَيْنَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَلَا الْفَسَادَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إرَادَةَ الْعُلُوِّ عَلَى الْخَلْقِ ظُلْمٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَإِرَادَةُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَعْلَى وَنَظِيرُهُ تَحْتَهُ ظُلْمٌ. وَمَعَ أَنَّهُ ظْلمٌ فَالنَّاسُ يُبْغِضُونَ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَيُعَادُونَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادِلَ مِنْهُمْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَقْهُورًا لِنَظِيرِهِ» يحب أن يكون مساويًا له، ولا يحب أن يكون دونه، «وَغَيْرُ الْعَادِلِ مِنْهُمْ يُؤْثِرُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَاهِرَ»؛ يعني يكون هو الأعلى الظالم، «ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هذا لا بد لهم -فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ- مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ» فالنَّاس لا يمكن أن يكونوا متساوين، «كَمَا قَدَّمْنَاهُ، كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِرَأْسٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ [الأنعام: 165]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ﴾ [الزخرف: 32]؛ فَجَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِصَرْفِ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالسُّلْطَانِ وَالْمَالِ هُوَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ وَإِقَامَةَ دِينِهِ وَإِنْفَاقَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِهِ، كَانَ ذَلِكَ صَلَاحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَإِنْ انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَنِ الدِّينِ، أَوْ الدِّينُ عَنِ السُّلْطَانِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ» إذن لا بد أن يكون الدين والسلطان مجتمعين كما ذكرنا هذا في أول الكتاب؛ فلا بد في هذا الدين من كتاب يهدي، وسيفٍ يحمي.

«وَإِنَّمَا يَمْتَازُ أَهْلُ طَاعَةِ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)٢٬٣٨١من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: مسلم: (2564)، وابن حبان: (394)، وابن ماجه: (4143)، وأحمد: (7814).»؛ يعني ينظر إلى قلوبكم وما فيها من الإخلاص والنية الصادقة، وينظر إلى أعمالكم وما فيها من الصلاح والموافقة لدين الله ولسنة النبي ﷺ، «وَلَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إِرَادَةُ الـمَالِ والشَّرَفِ، صَارُوا بِمَعْزَلٍ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمَانِ فِي وِلَايَتِهِمْ»؛ لأنهم أبعدوا أنفسهم عن حقيقة الولاية والتي هي التقرب إلى الله ﷻ «رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الإِمَارَات تُنَافِي حَقِيقَةَ الإِيمَانِ وَكَمَالَ الدِّينِ»؛ يعني النَّاس قاسوا الأمر لا بميزان الشرع ولا بالنظر إلى الأدلة الشرعية، وإنما بأحوال الأمراء، فعندما رأوا كثيرًا من الأمراء كلما نُصبوا أو طلبوا المنصب، إنما طلبوه لأجل الشرف ولأجل المال؛ فظن النَّاس أن حقيقة الإيمان لا يمكن أن تجتمع مع الإمارة.

ص 1426

«ثُمَّ مِنْهُمْ» من الناس «مَنْ غَلَّبَ الدِّينَ وَأَعْرَضَ عَمَّا لَا يَتِمُّ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ ذَلِكَ»؛ يعني من أمر الولايات مثل الذي يقول لك: أنا ما أدخل نفسي في السياسة وليس لي أي علاقة فيها، لماذا؟ يظن أنه لا يمكن أن يحصل على حقيقة الإيمان إذا أدخل نفسه في هذا الباب، من أين خرج بهذه الحقيقة؟ مما يراه من حال الأمراء الذين يطلبون بإمارتهم الشرف والمال فاعتزل كما هو حال بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة التي تقول: نحن لا نتكلم في أمراض الأمة، وليس لنا علاقة بالسياسة، واعتزلوا كل شيء له علاقة بالسياسة والإمارة؛ فغلَّبوا جانب الدين، وظنوا أنه لا يمكن أن يجتمع ما يريدونه من حقيقة الدين مع وجود الإمارات والولايات.

«وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ» الإمارة، «فَأَخَذَهُ مُعْرِضًا عَنِ الدِّينِ»؛ يعني يقول: لا يمكن أن أجمع بين حقيقة الدين والقيام بأموره مع الولاية، وأنا لا بد لي من أمور دنياي؛ فأعرض عن دينه وذهب إلى الإمارة، وعلى رأس هؤلاء من المعاصرين هم العَلمانيون الذين فصلوا الدين عن السياسة، وقالوا: لا يمكن أن تصلح حال الدول مع وجود الدين، وهؤلاء كفرة زنادقة، «لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ» يعني وجود الدين مع تحصيل مقاصد الشرع من خلال الإمارة «وَصَارَ الدِّينُ عِنْدَهُ فِي مَحَلِّ الرَّحْمَةِ وَالذُّلِّ، لَا فِي مَحَلِّ الْعُلُوِّ وَالْعِزِّ»؛ يعني أصبح عنده أمر الدين يتعلق ببر الوالدين والإنفاق على المساكين يعني يتعلق بأمور الرحمة، أما ما يتعلق بأمور العلو والقوة الشوكة والعز وما يقام به الحدود وتؤمن به السبل وتقسم به الأموال وينتصف به من الظالم فهذا يقول: لا يمكن أن يجتمع مع الدين فطلب الولاية من غير دين.

«وَكَذَلِكَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أهل الدينين» اليهود والنصارى «العجز عن تَكْمِيلِ الدِّينِ، وَالْجَزَعُ لِمَا قَدْ يُصِيبُهُمْ فِي إقَامَتِهِ مِنَ الْبَلَاءِ» فخاف من البلاء في هذا الباب «اسْتَضْعَفَ طَرِيقَتَهُمْ وَاسْتَذَلَّهَا مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُ وَمَصْلَحَةُ غَيْرِهِ بِهَا» فانفرد بالولاية وبالإمارة، «وَهَاتَانِ السَّبِيلَانِ الْفَاسِدَتَانِ -سَبِيلُ مَنِ انْتَسَبَ إلَى الدِّينِ وَلَمْ يُكْمِلْهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنَ السُّلْطَانِ وَالْجِهَادِ وَالْمَالِ، وَسَبِيلُ مِنْ أَقْبَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمَالِ وَالْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إقَامَةَ الدِّينِ- هُمَا سَبِيلُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، الأولى للضالين النصارى، الثانية لِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الْيَهُودُ»؛ لأن اليهود عرفوا الحق وتركوه، والنصارى عبدوا الله على جهل.

ص 1427

«وَإِنَّمَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، هِيَ سَبِيلُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَسَبِيلُ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ، وَهُمْ: ﴿ٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]؛ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي ذَلِكَ بِحَسْبِ وُسْعِهِ؛ فَمَنْ وَلِيَ وِلَايَةً يَقْصِدُ بِهَا طَاعَةَ اللَّهِ، وَإِقَامَةَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ دِينِهِ، وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقَامَ فِيهَا مَا يُمْكِنُهُ مِنَ الوَاجِبَاتِ واجْتَنَبَ ما يُمْكِنُهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ: لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ» قد يكون الإنسان واليًا في جهة أو على أمر من الأمور، أو يكون قاضيًا، فيستطيع أن يقيم بعض الدين ويعجز عن الباقي فيجتهد في أداء ما أمكنه من الواجبات، ويترك المحرمات، ويسعى لتكميل النقص الذي عنده، فهذا لا يؤاخذ على ما عجز عنه لأنه ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]؛ «فَإِنَّ تَوْلِيَةَ الْأَبْرَارِ خَيْرٌ لِلْأَمَةِ مِنْ تَوْلِيَةِ الْفُجَّارِ».

«وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إقَامَةِ الدِّينِ بِالسُّلْطَانِ وَالْجِهَادِ؛ فَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، مِنَ النَّصِيحَةِ بِقَلْبِهِ، وَالدُّعَاءِ لِلْأُمَّةِ، وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ وَأَهْلِهِ، وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ: لَمْ يُكَلَّفْ مَا يعجزُ عنه؛ فإن قِوَام الدِّينِ بِالْكِتَابِ الْهَادِي، والْحَدِيدِ النَّاصِرِ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى» فالإنسان مُطالب بما يطيقه من الأعمال، ومن رحمة الله بهذه الأمة أنه رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الذين من قبلها فلذلك ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ﴾ [الطلاق: 7]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286].

إذن هنا ذكر صورتين:

الصورة الأولى: هي أن يكون الإنسان في موطن واليًا أو سلطانًا؛ فيمكنه أن يقوم بسلطانه وقوته بعض الدين ويعجز عن بعضه، فما أمكنه أن يقيمه وهذا هو غاية جهده وغاية ما يصله سعيه فلا يُؤاخذ ولا يُسأل عما عجز عنه.

الصورة الثانية: وقد يكون في الطرف الآخر رجل ليس عنده لا سلطان ولا قوة ولا جهاد ولا شوكة؛ ففي هذه الحالة هذا الإنسان جانب القوة والسلطان يعجز عنه، ولكنه يمكنه أن يدعو للمسلمين، ويمكنه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالتي هي أحسن، ويمكنه أن يناصح بقلبه، فإذن يجب عليه هذا الجانب.

ص 1428

أما الكمال هو أن يجتمع السلطان والدين، والسلطان من الدين فلذلك قال فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر.

«فَعَلَى كُلِّ أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى، وَلِطَلَبِ مَا عِنْدَهُ، مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ فِي ذَلِكَ؛ ثُمَّ الدُّنْيَا تَخْدِمُ الدِّينَ كَمَا قَالَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: «يَا ابْنَ آدَمْ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى نَصِيبِكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ إِلَى نَصِيبِكَ مِنَ الآخِرَةِ أَحْوَج؛ فِإِنْ بَدَأْتَ بِنَصيبِكَ مِنَ الآخِرَةِ مُرَّ بِنَصِيبِكَ مِنَ الدُّنْيَا فانْتَظِمْهَا انْتِظَامًا وَإِنْ بَدَأْتَ بِنَصِيبِكَ مِنَ الدُّنْيَا فَاتَكَ نَصِيبَكَ مِنَ الآخِرَةِ وَأَنْتَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى خَطَرٍ»٢٬٣٨٢عبد الرزاق في مصنفه: (20300)، وابن أبي شيبة في مصنفه: (35840).، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ أَصْبَحَ وَالآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ؛ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ؛ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ)٢٬٣٨٣من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: الترمذي: (2465)، وصححه الألباني.، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]».

«فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا، وَجَمِيعَ الـمُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ لَنَا وَيَرْضَاهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دائمًا إلى يوم الدين»٢٬٣٨٤[انتهت هنا المحاضرة السادسة عشرة، وكان الشيخ فيها ينوي إنهاء الدورة؛ لكنه قرر بعدها شرح باب الشورى في المحاضرة الأخيرة]..

❖ ❖ ❖