ابن الشيخ.. القبْرُ ولا الحَوْر
[رجب 1430 هـ /7 - 2009م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
أمة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقد عزَّ عليَّ أن أرى صفحة من صفحات التاريخ المضيئة المعاصرة تطوى طيًا خفيًا، وتُؤَبَّن في دهاليز الظلمات لتكون نسيًا منسيًا وخبرًا مزويًا، في زمن تحكم فيه الظلم ورتع في أرجائه السفلة، واستنسرت البغاة؛ فأُهين الكرام وأُكرم اللئام، وقُرِّب الدنيء وأقصي التقي، وكبل الناصحون الصادقون وساح الفاسدون المفسدون، وقُتِّل الأخيار الأبرار واستعلى الأشرار الفجار، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢ مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ﴾ [إبراهيم: 42-43].
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
وَأَخُو أُمُورٍ عَاشَ فِي سَرَّائِهَا | فَتَغَيَّرَتْ فَتَوَقَّعَ الضَّرَّاءَ | |
الأُسْدُ تَزْأَرُ فِي الْحَدِيدِ، وَلَنْ تَرَى | فِي السِّجْنِ ضِرْغَامًا بَكَى اسْتِخْذَاءَ | |
وَأَتَى الْأَسِيرُ يَجُرُّ ثِقْلَ حَدِيدِهِ | أَسَدٌ يُجَرْجِرُ حَيَّةً رَقْطَاءَ | |
عَضَّتْ بِسَاقَيْهِ القُيُودُ وَلَمْ يَنُؤْ | وَمَشَتْ بِهَيْكَلِهِ السُّنُونُ فَنَاءَ | |
حَرَمُوا الْمَمَاتَ عَلَى الصَّوَارِمِ وَالْقَنَا | مَنْ كَانَ يُعْطِي الطَّعْنَةَ النَّجْلَاءَ٣٬٢٩٧[قاله: أحمد شوقي. انظر: الشوقيات (ص 158)]. |
وقبل ثلاثة عشر عامًا أقدم زبانية الإجرام السفاحون القتلة من جنود مسيلمة العصر القذافي شانئ رسول الله ﷺ بقتل أكثر من ألف وثلاث مئة أسير من شباب الإسلام الركع السجود رميًا عشوائيًا بالرصاص في ظلمات سجن «أبي سليم» بطرابلس؛ في مشهد إجرامي يعجز المرء عن وصفه مما لم نسمع مثله في جرائم العصر مع كثرتها؛ ففاضت تلك الأرواح الزكية إلى بارئها بعد رحلة عناء في زنازين القهر والظلم والمشاقة لله ولرسوله.
نعم، فاضت تلك الأرواح وبقيت أجسادهم الطاهرة تكتظ بها الزنازين، وقد تضمخت جدرانها البائسة بدماء لم يجرِ معها إلا الولاء لله ولرسوله والمؤمنين، لتبقى تلك الحادثة المنسية شاهدة على الحقد الدفين الذي يفيض به قلب الطاغية المتجبر القذافي وزبانيته المرتدين، وليعطي درسًا عمليًا في العداء الصارخ للإسلام والمسلمين، وليعلن بفعلته النكراء أن الشعب الليبي المسلم برمته لا يزن عند هذا العميل وجنوده الخاطئين مثقال ذرة، وأن قتل خيارهم أهون عليه من قتل الذباب.
قال الله ﷻ عن مشهد بشع من مشاهد تجبر الطغاة القساة واحتقارهم لشعوبهم مما يشبه هذه الواقعة: ﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥ إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧ وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾ [البروج: 4-10].
طويت تلك الصفحة، ولكن لم تطو أحزانها وآلامها، ولم يؤخذ بثأرها بعد؛ فقد انتصر أولئك الأبطال وإن كانوا مكبلين، انتصروا بعلو إيمانهم ورسوخ عقيدتهم وقوة ثباتهم، وما نرجو لهم من الفوز العظيم والمساكن الطيبة أعظم وأكبر في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وانحدر الطاغية وزبانيته بأفكارهم الهزيلة وتبجحهم الموهوم وانتفاشتهم الخاوية ومخازيهم المتوالية ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، فما كادت تنقضي فصول هذه الجريمة، وتجف دماء أصحابها الأبرار حتى ألحقها بأختها بقتل أخينا البطل ابن الشيخ رحمه الله تعالى؛ لأن الفطام عن المألوف شديد وعسير، وقد أَلِفَ هذا النظام المرتد اقتراف الجرائم والعبث بالأرواح وإزهاق الأنفس والتنكيل بكل من يشتم منه رائحة الاعتراض، رافعًا لواء سلفه وسلف أمثاله: ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهـًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29].
فلقد عرفت أفغانستان ابن الشيخ رحمه الله مهاجرًا صابرًا مرابطًا مربيًا بأخلاقه الرفيعة وحيائه الشديد وتواضعه الجم، وشهامته النادرة، ومواقفه الفذة، وكثرة عبادته ودوام تلاوته لكتاب ربه، ورفقه ومحبته لإخوانه، وقد كتب الله ﷻ له القبول في قلب من رآه ومن لم يره ممن سمع به وعرف مآثره، كما منَّ الله ﷻ عليه بأن يسد ثغرة قل ما يصبر عليها إلا أهل الاحتساب، وانتصب لإحياءِ ونشرِ علم غابت معالمه، وهانت الأمة عندما فرطت فيه وطمع فيها أعداؤها لما تخلت عنه، واستعلى عليها الأراذل بعدما تنكرت له، إنها عبادة الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى الذي فرضه الله ﷻ في كتابه بقوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ﴾ [الأنفال: 60].
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
هَوَى فَهَوَتْ أَرْكَانُ عِزٍّ وَأَعْوَزَتْ | ثُغُورٌ بِهِ كَانَتْ أَوَامِنُ لِلذُّعْرِ٣٬٢٩٨[قاله: عبد العزيز بن عبد الرحيم. انظر: التعازي، للمبرد (ص 265)]. |
ولما بدأ عباد الصليب هجمتهم على إمارة أفغانستان الإسلامية وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم؛ كان ابن الشيخ رحمه الله ممن شمروا عن ساعد الجد وقاموا في وجهها بما في وسعهم وصبروا وصابروا في قتالهم والتصدي لهم؛ فبقي مع إخوانه في «تورا بورا» إلى آخر لحظة، فلما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبدأت رياح الخيانة والردة تهب عليهم من قبل عملاء أمريكا اتجه مع عدد من إخوانه صوب باكستان التي كان طاغيتها المنبوذ قد تعهد بوقوفه جنبًا إلى جنب مع حامية الصليب العالمي أمريكا في حربها على الإسلام والمسلمين، وهناك بدأت رحلته في سجون الحملة الصليبية فتم اعتقاله هو وعدد من رفقائه، فبقي مدة في سجن «كوهات»، ثم تم تسليمه لحامية الصليب؛ فنقل إلى «قندهار»، وبعدها إلى «كابل» التي بقي فيها مدة قصيرة مع التعذيب والتنكيل.
فلما لم يفلحوا في أخذ شيء من المعلومات منه هددوه بالتسليم إلى إسرائيل أو الأردن أو مصر، وبالفعل تم نقله في تابوت تمامًا كما ينقل الموتى في رحلة طويلة بين كابل والقاهرة، فبقي في سجون فرعون مصر، وما أدراك ما سجون مصر! سنة كاملة، أخذت منه اعترافات كاذبة قهرًا وقسرًا ثم أعيد إلى سجن الظلام في كابل، فبقي فيها عدة أشهر؛ أصبح معها وزنه يتناقص شيئًا فشيئًا، حتى حذر أحد دكاترة السجن من أن بقاءه على هذه الحال سيؤدي قطعًا إلى وفاته فتم نقله بعد ذلك إلى سجن يقع في وادي «بانشير» في شمال أفغانستان في يونيو عام «2003م»، فهناك كان أول لقائي به داخل السجن فرأيته ضعيفًا نحيفًا مع نحافته أصلًا قد انحنى ظهره، ولكنه والله كان غايةً في الصبر وقمة في الثبات وحسن الظن بالله ودوام التلاوة لكتابه بصوته الندي مع التصبير لإخوانه، بل وحثهم على اغتنام الوقت لحفظ القرآن الكريم الذي ملك حبه شغاف قلبه بمعنوياته العالية ونفسه الراقية، وما أكثر ما كنت أقول له وهو على تلك الحال: كيف المعنويات يا ابن الشيخ؟ فكان يجيبني: «عشرة على عشرة»!
وقد قال لي مرة: «إن الله إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه، وإن أمريكا قد تورطت بالدخول إلى بلدين ما أفلح من دخلهما أبدًا: أفغانستان والعراق، وستكون نهايتها فيهما بإذن الله».
نعم؛ يقول هذا الكلام وهو في تلك السجون المغيبة في أودية بانشير في غرف مظلمة طولها متران وعرضها متر واحد، وليس هناك من علامات فرج ولا مخرج ولا بصيص أمل إلا في قلوب الواثقين بوعد الله، المستيقنين بلطف تدبيره سبحانه، التالين لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 2-3].
فبقي في هذا السجن مدة خمسة أشهر تحسن فيها حاله واستعاد شيئًا من صحته وقوته، ثم أعيد مرة أخرى إلى سجن الظلام، وذلك بعد أن تراجع عن كل الاعترافات التي أخذت منه في سجون مصر، وقال للأمريكان بصريح العبارة: «إن كل ما أخذ مني قد كان تحت الضغط والإكراه والتعذيب بما في ذلك العلاقة المزعومة بين نظام صدام البعثي الكافر وتنظيم القاعدة»، فسقط في أيدي الأمريكان حينها حيث كانت الحرب في العراق على أشدها، وكان أبطالها قد سعروا نارها ونكلوا بجنودها بقيادة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله، مع العلم أن القرار النهائي لدخول الأمريكان للعراق كان بناء على المعلومات التي انتزعت قسرًا وقهرًا من ابن الشيخ رحمه الله.
فعندها هدده الأمريكان بأنهم سيرجعونه إلى سجن الظلام فقال: «افعلوا ما شئتم، ولكن هذه هي الحقيقة»، وبالفعل تمت إعادته إلى سجن التعذيب في «كابل» في أكتوبر عام «2003م»، وكان هذا آخر عهدي به في السجن؛ فبقي في سجن التعذيب أو سجن الظلام عدة أشهر وهو مع ذلك صابر ثابت شامخ مستعلٍ بإيمانه مزدرٍ للطغاة الذين لم يستطيعوا أن ينالوا من رسوخه وعقيدته شيئًا.
وبعدها نقل إلى سجون طاغية ليبيا ليدفن فيها وينسى وراء جدرانها مع المنسيين هناك، بعد أن افتضح أمر الأمريكان في قرار الحرب على العراق، فابن الشيخ رحمه الله لم ينقل إلى «باجرام» ولا إلى «جوانتانامو» أبدًا، وإنما كانت كل تنقلاته عبر السجون السرية للنصارى والمرتدين؛ فوقف هذا الجبل الأشم في وجههم جميعًا متحديًا لهم بإيمانه وصامدًا أمامهم بيقينه مرددًا قول نبي الله موسى عليه السلام الذي وقف في وجه إمام الطغاة: ﴿إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ [غافر: 27]، وقائلًا للذين عذبوه ونكلوا به وهددوه وتوعدوه ما قاله سحرة فرعون بعد إيمانهم ويقينهم: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾ [طه: 72].. وهكذا يفعل الإيمان بأهله الذي يأخذون الكتاب بقوة، وتتصل قلوبهم بربهم وتتعلق أفئدتهم بحبه وابتغاء مرضاته، ولا يرون الدنيا إلا كطيف خيال يوشك أن يتلاشى.
فلله أنت يا ابن الشيخ يا فخر ليبيا وشامة شرقها ودرة مدينة «جدابيا» مخرجة الأبطال ومُنجبة الرجال، حيث أبيت أن تعطي الدنية في دينك وتحطمت على جسمك النحيل معاول مؤامرات الطغيان اليائسة، وتبددت أمام عزمك وحزمك إغراءاته البائسة التي عجزت أن تأخذ منك كلمة واحدة تقر بها حكم طاغوت واخترت الموت على ذلك قائلًا لهم في إزراء وازدراء: ﴿إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥ إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [هود: 54-56].
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
رَكَزُوا رُفَاتَكَ فِي الرِّمَالِ لِوَاءَ | يَسْتَنْهِضُ الْوَادِي صَبَاحَ مَسَاءَ | |
يَا وَيْحَهُمْ نَصَبُوا مَنَارًا مِنْ دَمٍ | يُوحِي إِلَى جِيلِ الْغَدِ الْبَغْضَاءَ٣٬٢٩٩[قاله: أحمد شوقي. انظر: الشوقيات -قصيدة عمر المختار- (1/157)]. |
فمتى يعقل الطغاة أصحاب القلوب الغلف أن تلك الدماء الفوارة هي الوقود الذي تتقوى به قافلة الجهاد وتدفع الحياة في أوصاله وصدق الله: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 171].
من مواقفه النادرة رحمه الله؛ حينما قُبض عليه في باكستان وأُودع سجن كوهات وحيث كان هو أمير تلك المجموعة التي أُسرت معه استحوذ الجشعون من الشرطة والاستخبارات الباكستانية على مبلغ من المال كان معه؛ فقالوا له: نحن مستعدون لإطلاق سراحك بشرط واحد أن تتنازل لنا عن المبلغ الذي معك كاملًا، فأجابهم قائلًا: «لا أقبل هذا إلا إذا وافقتم على إطلاق جميع الأسرى الذين معي»، فأبوا ذلك، مع علمه أن المبلغ سيأخذونه شاء أم أبى، ولكن رفض أن تنكت في صفحته البيضاء الناصعة اللامعة نكتة سوداء فينجو بنفسه ويتخلى عن إخوانه الذين لا يتأخرون في أن يفدوه بأرواحهم ودمائهم.
ومن مواقفه أيضًا رحمه الله؛ أن الأمريكان سألوه وهو في السجن إن كان عضوًا في تنظيم القاعدة أم لا، فأجابهم بكل صراحة: «نعم، أنا عضو في تنظيم القاعدة»، ولم يكن آنذاك كذلك، فسأله بعض الإخوة السجناء: لِمَ تقول هذا وأنت تعرف ماذا تعني هذه الكلمة وما هي تبعاتها؟! فأجابه ببساطته وسجيته المعهودة: «إن هذا شرفٌ لي»، وصدق الشاعر: إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه.
فحينما كان الناس يتبرؤون من المجاهدين عامة ومن تنظيم القاعدة خاصة، وعندما كان مجرد الميل إلى هذا الاسم يؤخذ عليه بالنواصي والأقدام، وحينما كان الأمريكان في غاية غليانهم وقمة هيجانهم أبى هذا الليث الصابر أن يفوته هذا الشرف -وإنه والله لشرف- فأعلنها في وجه جلاديه: «نعم أنا من تنظيم القاعدة».
فرحمك الله أيها البطل الأشم، فنم هنيئًا بعد طول عناء، وطب نفسًا وقد حكم القضاء، فعند الصباح يحمد القوم السرى، فقد كانت غمرات ثم انجلت ورحلة قد انقضت بإذن الله، ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠ يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [التوبة: 20-22].
أما أنت أيها الأفاك الأثيم العتل الزنيم طاغية ليبيا، فقد بقيت حينًا من الدهر وأنت تلعن أمريكا وتتبجح بالتصدي لها، وقد خدرت الشعب وأسكرته بدعاوى عداوتها، ولطالما قتلت الأخيار بتهمة العمالة لها والارتباط بها، واليوم وقد أسفر الصبح عن وجهه ظهرتَ على حقيقتك في غير حياء وأبنت عن عمالتك ونذالتك من دون خجل؛ فقتلت وسجنت ونكلت بشباب الإسلام وشيوخه؛ طاعةً لأمريكا ومناصرةً لرايتها النصرانية، ودعمًا لحملتها الصليبية، وأصبحت أعلامها ترفرف في سماء طرابلس التي دفنت أهل الإيمان والتوحيد والاستقامة في ظلمات سجونها الظالمة، فاخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك فقد طال تجبرك واستفحل شرك وانفضح لؤمك واقترب يومك بإذن الله.
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
يَا أَيُّهَا الْوَغْدُ اللَّئِيمُ مُعَمَّرُ | لِلْحَقِّ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يُحْجَبُ | |
مَهْمَا سَعَيْتَ لِحَرْبِهِ فَبَرِيقُهُ | يُجْلِي الْعَمَى وَطَرِيقُه لَا يُقْضَبُ | |
يَا ذَا الخَنَا أَتُرِيدُ أَنْ نَحْيَا عَلَى | أَقْذَارِ فِكْرٍ لِلْهُدَى مُتَنَكِّبُ | |
فَاخْسَأْ، سَتَعْلَمُ أَنَّ وَقْعَ سُيُوفِنَا | نَارٌ بِهَا هَامَاتِكُم تَتَكَبْكَبُ | |
وَلَتَشْرَبَنَّ مِنَ الْمَهَانَةِ أَكْأُسًا | قَدْ خَابَ مَنْ كَأْسَ الْمَهَانَةِ يَشْرَبُ | |
لَا تَحْسَبِ ابْنَ الشَّيْخِ فَرْدًا قَدْ مَضَى | كَلَّا، فَإِنَّ جُنُودَهُ لَمْ يَذْهَبُوا | |
يَتَسَابَقُونَ إِلَى الْوَغَى وَوَقُودُهُمْ | غَيْظٌ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَتَصَبَّبُ٣٬٣٠٠[هذا من شعر الشيخ أبي يحيى؛ كما صرَّح به، وهو ضمن قصيدته: يمضي الخيار، تجدها كاملة في قسم القصائد (ص 2952)]. |
فانتظروا إنا منتظرون، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: ابن الشيخ.. القبْرُ ولا الحَوْر
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا