رسالةٌ للذين منَّ الله عليهم بالنفير
[ربيع الآخر 1431 هـ / 3 - 2010م]
۞
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد...
فهذه بعض الوصايا المختصرة للإخوة المجاهدين الذين منَّ الله عليهم بالنفير إلى ساحة الجهاد، وأنقذهم ربهم مما كانوا فيه من الضيق والشدة فهداهم سبيل الرشاد، وحررهم من ربقة تسلط الطغاة، ويسَّر لهم عبادته وهم في سعةٍ من أمرهم، فعاينوا ما وعد الله به المهاجرين حيث قال سبحانه: ﴿۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء: 100]، وقال ﷻ: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56] نسأل الله أن ينفع بها.
أولًا: حتى تعرف نعمة الله عليك بما أنت فيه اليوم، ولا يطول عليك الأمد فيقسو قلبك وتنسى الفضل الذي وفَّقك إليه، تذكَّر ما كنت فيه وأنت في بلدك وبين أهلك، فالضد يُظهر حسنه الضدُّ، وما من نعمة إلا ولها ما يقابلها، واستحضِر ما عانيته من الشوق الكبير للحوق بركب الجهاد والمجاهدين، وبكائك بين يدي ربِّك أن ينجيك من القوم الظالمين، وإلحاحك عليه آناء الليل وأطراف النهار بأن يجعل لك وليًا ويجعل لك نصيرًا، فاستجاب لك ربُّك سبحانه وآتاك من كل ما سألته وزادك من فضله، فجعل لك من همك مخرجًا ومن ضيقك فرجًا، وأرشدك إلى سبيلٍ ميسَّر، وأوصلك إلى مأوىً آمنٍ وركنٍ شديد، وجمعك بمن كنتَ تستبشر برؤيتهم نائمًا، وصرت واحدًا منهم وصدق الله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النحل: 18].
ثانيًا: احذَر أن تبدِّل نعمة الله كفرًا فيحل بك البوار: ﴿وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِمَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [البقرة: 211]، وأكثِر من ذكرها وشكرها، ولا يكن حالك كحال أولئك القوم الذين استقلوا البحر فاضطرب عليهم فلجأوا إلى ربهم متضرعين خاضعين مخلصين حتى إذا نجَّاهم ربهم وآمن روعهم نَسوا ما كانوا فيه من قبل فراحوا يعيثون بالفساد وقد أمنوا مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، كما قال ﷻ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧ أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨ أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا﴾ [الإسراء: 67-69].
فاعلم أن مَن أخرجك قادرٌ على أن يرَّدك، ومَن نجَّاك لا يعجزه إعادتك، فكن مخلصًا صادقًا وجِلًا في السراء والضراء، وإن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنفال: 53]، فإذا تغيَّر عليك قلبُك، ونفرت مما كنت تحب من الحقِّ فراجع نفسَك وتفحّص حالكَ فاستخرِج الداء ولو كان دفينًا.
ثالثًا: لا تنسَ الإخلاص في أعمالكَ كلِّها، واجعل جهادكَ لتكون كلمة الله هي العليا، وسخِّر دنياكَ لدينك، ولا تستعمل دينكَ لدنياك، فإياك إياك وخطوات الشيطان التي يُفسِد بها عليك عملك، بالرياء، أو طلب السمعة، أو الشهرة، أو الذِّكر، أو الشرف، ولتجتهد في سدِّ منافذه التي يلج منها، واستعذ بالله منه واستعن به عليه: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200]، وعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)٢٬٩٤٩متفق عليه، [وسبق في: (ص 1069)].، وقال رسول الله ﷺ: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)٢٬٩٥٠رواه أحمد والترمذي وغيرهما، [وسبق في: (ص 1419)].، فاحفظْ حظيرتَك واحذر الذئابَ الخفية.
رابعًا: عليكَ بحسن الخُلق، فإنه أثقل شيءٍ في الميزان، وهو كما قال بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، وعامِل إخوانك بما تحب أن يعاملوك به، فلا تكن معهم فظًا، ولا غليظًا، ولا قاسيًا، ولا مسيئًا، ولا فحَّاشًا، ولا سبَّابًا، ولا بذيئًا، ولا عبوسًا، بل كن معهم هينًا، لينًا، سهلًا، طلقًا، بشوشًا، واقتدِ بنبيك ﷺ في خُلُقه كما تقتدي به في صلاته وجهاده، فهو في كلٍّ أسوةٌ حسنةٌ لنا، فبذلك تكون له حبيبًا ومن منزلته قريبًا، فقد زكَّاه ربه سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4]، وقال له: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128].
وقال ﷺ: (إن أحبكم إليَّ وأقرَبكم مني في الآخرة مجالس أحاسنُكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقًا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون)٢٬٩٥١رواه أحمد [١٧٧٣٢]، وابن حبان [(٧٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (٢٦٦٢)]..
خامسًا: لا تكنْ مُفلسًا، ولا تُنفِق حسناتك على غيرك وتستجلب سيئاتهم، فتكون كالذي يكد ليله ويكدح نهاره حتى إذا استلم أجرته أعطاها لغيره بالمجَّان وأهلك نَفسَه، فتجنَّب البهتان، وأذية المسلمين جميعهم بلسانك ويدك، فلا تكن لهم مغتابًا ولا نمامًا ولا قتَّاتًا، ولا همَّازًا لـمَّازًا، واعلم أنك إنما هاجرت وجاهدت لتحفظ بنحرك دماءهم وتذب بسيفك عن أعراضهم فلا تمزقها بلسانك، فالمسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (أتدرونَ مَنِ المفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتَاع، فَقَالَ: إنَّ الـمُفْلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ، ويأتي وقَدْ شَتَمَ هَذَا، وقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ)٢٬٩٥٢رواه مُسلم [٢٥٨١]..
وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (لأعلمنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمالٍ أمثال جبال تِهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورًا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جَلِّهم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قومٌ إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)٢٬٩٥٣رواه ابن ماجه [(٤٢٤٥)، وصححه الألباني]..
سادسًا: عليك بطاعةِ أمرائكَ في المعروف، واتخذ طاعتهم طاعةً لربِّك، ولا تجعلها آصارًا ألقيت على كاهلك، واعلم أنهم لم يتميّزوا عنك إلا بثقل الأمانة التي يحملونها، وكلهم يودُّ أن لو كُفوا أمرها ووقوا شرَّها، فإنها كما قال النبي ﷺ: (ستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة)٢٬٩٥٤رواه البخاري [7148]، ومسلم [ولم أجده فيه بهذا اللفظ].، واعلم أن قيام الجهاد بالجماعة، وقيام الجماعة بالإمارة، وقيام الإمارة بالسمع والطاعة، ولا تستنكف عن طاعة أميرك ولو كان أصغر منك سنًا، وأقلَّ علـمًا، وأضعف جسمًا، وأحدثَ تجربةً، وأرثَّ هيئةً، فإن استقام فأعِن، وإن أخطأ فانصح، واحذر مسلكَ مَن: ﴿قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ﴾ [البقرة: 247]، وليكن همُّكَ إرضاءَ ربِّك لا اتِّباعَ هوى نفسِك، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ أطاعني فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصاني فقد عَصى اللهَ، ومَنْ يُطعِ الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَني، ومَنْ يَعصِ الأمِيرَ فَقد عَصَانِي)٢٬٩٥٥متفقٌ عليه، [البخاري: (٢٩٥٧)، ومسلم: (١٨٣٥)]..
سابعًا: احرص على الاجتماع والائتلاف، وانبذ أسباب الفُرقة والاختلاف، وكن لإخوانك عونًا لهم لا عبئًا عليهم، فما يؤلف بين القلوب ويجمع كلمة المجاهدين ويجعلهم صفًّا كالبنيان المرصوص فاستمسك به، وادعُ إليه، وحُضَّ عليه، ورغِّب فيه، وما يحرِّش بين المجاهدين، ويشتت كلمتهم، ويثير العداوة والبغضاء بينهم، ويُشعِل الضغينةَ في صدورهم، ففِرَّ عنه، وحذِّر منه، وناصِح مَن يقترفه أو يَقْرَبُه، فلا تكن عدوًا للجهاد وأنت تزعم حبَّه، ولا بابًا موصدًا أمام النصر وأنت تبغي بلوغه، فإن الفرقة سببُ الفشل، والتنازع آفة الاجتماع، والنار توقَدُ بشرارةٍ، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46]، وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِمَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [آل عمران: 105].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (إن الله يرضى لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا وأن لا تتفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)٢٬٩٥٦رواه مسلم [(١٧١٥) بدون (وأن تناصحوا ولاة أموركم)، وإنما وردت هذه العبارة في غير صحيح مسلم، كمسند أحمد: (8799)، وغيره].، واطلب البركةَ والرحمة فإنها في الجماعة، واترك العذابَ فإنه في الفُرقة، وإنما يأكل الذئب من الشاة القاصية.
ثامنًا: تجنَّب المراء في الدين، وضربَ أحكامِ الله بعضها ببعضٍ، ولا تتكلم فيها -صغيرها وكبيرها- إلا بعلمٍ، واعلم أن صاحب الكلمة يملكها ما لم تخرج منه، فإن خرجت طارت فصارت له أو عليه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36].
ودعْ عنك قِيلَ وقال، وكثرةَ السؤال، وأسبابَ الجدال، وسِّلم للحقِّ يَسلَم لك، ولا تفتح عليك وعلى إخوانك بابًا من الشرِّ تعجز أن تُغلقه، وكُن لهم مطاوِعًا لا منازعًا، وموافقًا لا مشاقِقًا، ومياسرًا لا معاسرًا، ومشاركًا لا مشاكسًا، فمن وصية النبي ﷺ لمعاذٍ وأبي موسى رضي الله عنهما: (وتطاوعا ولا تختلفا)٢٬٩٥٧رواه البخاري [٣٠٣٨] ومسلم [١٧٣٣].، وعن جُندَب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه)٢٬٩٥٨متفق عليه، [البخاري: (٥٠٦٠)، ومسلم: (2667)]..
وفي الحديث دلالة على أن الاختلاف لا يُقطَع دائمًا بالمباحثة والمناقشة للوصول إلى ما يُتَّفق عليه، بل قد يكونُ رفعه بالسكوتِ وعدم التمادي، وإذا كان هذا في كتابِ الله تعالى فكيف بغيره من مسائل الاجتهاد التي لم يزل جهابذة العلماء مختلفينَ فيها.
ومِن عقوبات الله لِمَن حادوا عن سبيله إنزال الجدَل بينهم وهو ماحقٌ للبركة، مُهلِكٌ للعُمُرِ، مكدِّرٌ للنفوس، مفسدٌ للطِّباع، كما قال ﷺ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)٢٬٩٥٩رواه الترمذي [(٣٢٥٣)، وحسنه الألباني] وابن ماجه [٤٨]..
ولا تكن سببًا في حرمان أمَّتك وإخوانك من الخير العظيم وأنت لا تشعر، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: (إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْر، ِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ، وَالتِّسْعِ، وَالْخَمْسِ)٢٬٩٦٠رواه البخاري [٤٩]..
قال البدر العيني في فوائد الحديث: «أن الملاحاة والمخاصمة سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، فإن الأمة حرمت إعلام هذه الليلة بسبب التلاحي بحضرته الشريفة»٢٬٩٦١[عمدة القاري: (1/281)]..
وحُزْ بترككَ المخاصمة وبُعْدِكَ عن المجادلة بيتًا مضمونًا في الجنةِ تكفَّل لك به رسولك ﷺ الذي قال: (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا)٢٬٩٦٢رواه أبو داود [(٤٨٠٠)، وحسنه الألباني]..
تاسعًا: اجتهد أن تملأ وقتك بالطاعة، وعليك من العمل بما تُطيق، فساحةُ الجهاد سوقٌ توشك أن تنفض، فيربح فيها من يربح، ويخسر من يخسر، فاغتنم ساعتها، واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا تتكِل على مجرَّد جهادِك ولا تغترَّ بغزوك ورِباطك، وارفده بأنواع الطاعات، وآزره بكثرة القُربات، فحاوِل أن تجعل لك وردًا من القرآن، وحظًا من قيام الليل، وشيئًا من الصيام، وحافظ على أذكارك، وليكن لسانك رطبًا بذكر ربك، واقرأ ما يتيسر لك من كتب أهل العلم النافعة، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، فلا تدري لعلك تُدعى من كل أبواب الجنة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم)٢٬٩٦٣متفق عليه [البخاري: (١٨٩٧)، ومسلم: (١٠٢٧)]..
واخلُ بنفسك بين الحين والحين لتعرف عيوبها وتقوِّم عوجها وتخوِّفها ربَّها، واخدِم إخوانك بما تستطيع من غسلٍ، أو طبخٍ، أو تمريضٍ، أو تنظيفٍ، أو نصيحةٍ، أو حراسةٍ، واحتسب في ذلك الأجر، واصبر عليهم وكن في حاجتهم يكن الله في حاجتك، ومن كان الله في حاجته أفلح، ولا تكن متواكلًا كسلانَ بطَّالًا، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: 2].
واقضِ ما استطعت من وقتك في المراكز، والمعسكرات، ومواطن الرِّباط، وحاول الارتقاء بنفسك بما يتيسر لك من الدورات، ولا تهدر أوقاتك في الذهاب والإياب، والولوج والخروج، والولائم والمطاعم، والمشي في الأسواق وذرْعِها، وتتبُّعِ دكاكِينها وتقليبِ بضائِعها، فإنك ما هاجرت لتكون صخّابًا فيها، وأنت تاجرُ آخرةٍ لا تاجرَ دنيا، وصفقتكَ مع الله لا مع الناس، ولم تقصد بهجرتك الفنادق وإنما أردت الخنادق فها هي ذي فالزمها، وهل ذلك إلا كمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فأين مواطن الطاعة ورياض الذكر ومجامع الخير من أبغض البلاد إلى الله وهي أسواقها، فاقتصر منها على ما تضطر إليه ولا تزد، واعلم أن ما يمضي من عمرك فلن يعود أبدًا فانظر فيما قضيتَه وفيما تقضيه، واجعل سؤالك دائمًا: ماذا استفدت منذ أن هاجرت، وهل يومي كأمسي؟ فمَن وجد خيرًا في جوابه فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه!
عاشرًا: اعرف للأنصار حسنتهم، بل حسناتهم، فوالَوا عندما عادى الناسُ، وآووا حينما طردَ الناس، ونصروا يوم أن خذلَ الناس، وأنفقوا وقد شحَّ الناس، وعادَوا القريب من أجلك، وقد عاداك القريب من أجل عدوك، هذا مع أنه لا يجمعك بهم حسبٌ ولا نسبٌ ولا لغةٌ ولا مالٌ، ولم يزالوا يرتقون في مدارج الولاء والنصرة والإيواء حتى بذلوا مهج نفوسهم ذبًّا عن المهاجرين، وتحمَّلوا أنواع الأذى في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وحرثهم وديارهم من أجلهم فصبروا، فنرجو أن يكون لهم نصيبٌ ممن قال الله فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
فكن محسنًا لِمُحسنهم مُتجاوزًا عن مُسيئهم، مُحبًّا لهم، رفيقًا بضعفائهم، معلِّمًا بلطفٍ ولينٍ وتواضعٍ وحكمةٍ لجاهلهم، توقِّر كبيرهم، وترحم صغيرهم، وتعزِّر أمراءهم، وتعرف لعالمهم حقَّه، ولا تُهِن كبراءهم ووجهاءهم، ولا تتبع عثراتهم ولا تتقصى أخطاءهم، وتعرَّف ما استطعت على أبواب قلوبهم لتحسن الدخول إليها، وإياك ثم إياك واحتقارهم أو الترفُّع عليهم فتهلك، فإن كان ثمةَ منِّة فهم أحقُّ بها علينا، وبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.
قال النبي ﷺ في الأنصار السابقين: (اقْبلوا من مُحْسِنِهم، وتجاوزوا عن مُسِيئهم)٢٬٩٦٤متفق عليه، [البخاري: (٣٧٩٩)، ومسلم: (٢٥١٠)].، وقال أيضًا فيهم: (اللهم اغفِرْ للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناءِ أبناءِ الأنصار)٢٬٩٦٥رواه البخاري [٤٩٠٦]، ومسلم [٢٥٠٦]..
الحادي عشر: وأخيرًا اعلم أن التوفيق كله بيد الله تعالى، والعون من عنده، فالجأ إليه ولُذْ ببابه، فإنه لا يخيِّب من رجاه، ولا يردُّ مَن سأله، ولا يطرد من أناب إليه، فأظهر فقرك بين يديه، وأكثر من الدعاء لك ولوالديك ولأهلك وللمؤمنين أجمعين، وادعُ لإخوانكَ في ظهر الغيب، وتخيّر لدعائك أوقات الإجابة، واعلم أن الفتن اليوم تُطل علينا في موجٍ كالجبال ولا عاصم من أمرها إلا من رحم اللهُ، وتتوالى كقطع الليل المظلم سوداء نكداء صماء عمياء لا نجاة منها إلا بتثبيت الله لعبده: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: 27]، وها أنت ترى كم من إخوانك الذين ذابت قلوبهم شوقًا إلى ساحات الجهاد، وما طاب لهم عيشٌ ولا تلذذوا بدنيا، وشعروا أن الأرض ضاقت عليهم بما رحبت، وغامروا وخاطروا حتى إذا وصلوا إلى ما كانوا يؤمِّلون ونالوا البغية التي سعوا إليها بكل ما يستطيعون انقلبت عليهم قلوبهم وتبدلت نفوسهم وضاقت صدورهم فإذا بهم يطلبون المخرج مما هم فيه بأي شيءٍ فرجعوا من حيث أتوا لا بل بمنّة الطغاة عليهم بعد أن كانوا بعيدين عنهم حتى وهم في ديارهم، فاعتبر بذلك ولا تشمت، واتَّعِظ ولا تَسخَر، وقل: اللهم سلِّم، سلِّم! واحذر أن يصيبك ما أصابهم وأكثر من دعاء الصالحين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]، وادعُ بما دعا به نبيك ﷺ: (اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك)٢٬٩٦٦رواه مسلم [٢٧٣٩].، واصدق مع الله، وابتغِ رضاه واتَّبع هداه ثم امضِ ولا تخف: ﴿وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [هود: 115].
والحمد لله رب العالمين..
وكتبه خادم المجاهدين/ أبو يحيى الليبي
«السبت 2/ ربيع الآخر / 1431هـ»
❖ ❖ ❖
لقد أتممت قراءة كتاب: رسالةٌ للذين منَّ الله عليهم بالنفير
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا