المقدمة
۞
الحمد لله الذي أعطى فأجزل العطاء، واتخذ من عباده المؤمنين شهداء، فأكرمهم واصطفاهم خير اصطفاء، وقال: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ﴾ [آل عمران: 169]، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء، وإمام الحنفاء، محمد بن عبد الله وآله وأصحابه النجباء، وبعد...
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا | إنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ١٬٧٨٠[قاله: أبو العتاهية. انظر: أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص 119)]. |
بلى! ومنهم من أخلدَ إلى الدنيا فحُقَّ أن يقال فيه: ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]، يطلُب بخلودِه الخلودَ في غيرِ دارِ الخلود وهيهات، يودُّ أحدهم لو يعمُّر ألف سنةٍ -ولو نالها- فما بعدها إلا الممات، وكم للموت على الفُرُش من شدائدَ وسكرات، وفي الشهادةِ كمسِّ القرصةِ بلا غُصَصٍ ولا كُرُبات، فيا غافلين!: ﴿أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ﴾ [البقرة: 61]، وقد علمتم أن أرواح الشهداء في أجوافِ الخُضْر من الطير، تسرح في الجنان، ومأواها قناديل تحت عرش الرحمن، فلئن شككتم فالشكُّ داء عضال، ولئن استيقنتم فلِمَ التلفُّت ذات اليمين وذات الشمال، تمنى خيرُ البرية نيلَها مراتٍ ومرات إعلامًا بشرفها، فهلَّا ائْتَسَيتم به فابتغيتموها في مظانِّها وسبُلها!
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
تَهُونُ عَلَيْنَا فِي الْمَعَالِي نُفُوسُنَا | وَمَنْ يَخْطُبِ الْحَسْنَاءَ لَمْ يُغْلِهَا الْمَهْرُ١٬٧٨١[قاله: أبو فراس الحمداني. انظر: التمثيل والمحاضرة (ص 109)]. |
وإنها لَكلماتٌ نيِّراتٌ من مشكاة النبوةِ تسري إلى القلب فتبعث فيه الشوق إلى المنازل الأولى وخيامها، وحورها وقصورها، ومسكها وزعفرانها، وتحضه على الانفكاك من سبي الدنيا والتخلص من علائقها وعوائقها لينطلق إلى أبواب الجنان ولسان حاله يقول: واهًا لريح الجنةِ إني لأجد ريحها دونَ أُحُد!، فلا يميله عنها إغراء ولا يحرِّفه إغواء، كيف وما بينه وبين الجنة إلا أن يقتله هؤلاء فيكون من أهلها، فلذا يشق طريقه نحوها واقر الجَنان رابط الجأش جريء الصدر، حتى إذا خرَّ في مصرعه قال: فزتُ وربِّ الكعبة!
فهو منتخَبٌ لكلِّ قارئٍ، لا سيما من يسلكون طريق الجهادِ أهل غربة الزمان، النّزاع من القبائل، فيقوي عزيمتهم كلما فترت، ويشحذ همتهم إذا ضعفت، ويحدو قافلتهم إذا كلَّت، ويؤملهم بقرب اللقاء ودنوِّ الهناء وانقطاع العناء وإنما النصر صبر ساعة، فيذلل به الصعب ويبدد النصب، فما هي إلا لحظاتٌ من عمر الدنيا حتى يَحمدَ القومُ السُرى، وتحط ركابُهم في رياض الجنات حيث لا صخبَ ولا وصب: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24].
هذا وقد بوَّبتُ على الأحاديث المنتقاة بما بدا لي مما يناسبها، وصغت الباب بناءً على معنى صرَّح به الحديث، أو ألمح إليه.
وحاولتُ أن يكون تسلسلها في الترتيب والتبويب؛ يجري وفق سير المجاهد وما يلزمه فيه إلى أن يكتب الله له الشهادة، ثم ما يكرمه الله به في عالم البرزخ وما بعده حتى يستقر حاله في جناتٍ ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وأتبعتها ببعض الفوائد التي اجتهدت في استنباطها أو أفدتها من أقوال بعض الأئمة؛ فتارةً أنشطُ فأعزو، وتارةً أذكرها وأغدو١٬٧٨٢[وقد مررنا على ما ذكره الشيخ بلا عَزوٍ فأكلمناه، وتمَّ بذلك مقصود الكتاب ومراده، والحمد لله على توفيقه]..
ثم أردفت ذلك بمتفرِّقاتٍ متناثرات؛ أذكر في جُلِّها ما بوَّب به بعض الأئمة على ذلك الحديث إشارةً إلى فقههم وتعريفًا بفضلهم، وأحيانًا أدوِّن بعض المسائل الأخرى من غير استطرادٍ ولا تطويلٍ، راجيًا أن يكون أنيسًا للمجاهدين في مراكزهم ومعسكراتهم ومضافاتهم وأسفارهم وقُبيل عملياتهم.
وقد سميته: «الأربعون في فضل الشهادة وطلب الحسنى وزيادة»
وإني لأرجو من كلِّ مطالعٍ له ألا ينساني من دعوةٍ صالحةٍ له من نفعها نصيب فيقال له فيها: ولك بمثلٍ.
والحمد لله أولًا وآخرًا..
❖ ❖ ❖