أصل انقسام العالم إلى دار الكفر ودار الإسلام
أرسل الله ﷻ الرسل مبشرين ومنذرين، وجعلهم هداة مهتدين، وبعث في كل أمة رسولًا يدعو أمته لعبادة الله وحده، ونبذ ما سواه من الآلهة؛ فآمن من وفقه الله ﷻ للهداية، وكفر من غرق قلبه في بحر الغواية، فكان الناس بذلك فريقين: فريقًا هدى، وفريقًا حق عليه الضلالة.
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا﴾ [الكهف: 56]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36]، وقال ﷻ: ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ [الأنعام: 48-49].
فلما أرسل الله نبيه وصفيه محمدًا ﷺ، جعله خاتم الرسل، ورسالته آخر الرسالات، وشريعته ناسخة الشرائع، فكانت رسالته للناس كافة؛ كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، وقال ﷺ: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)٢٥٣متفق عليه عن جابر رضي الله عنه، [البخاري: (335)، واللفظ له، ومسلم: (521)].، وعموم رسالته وكونه خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة وأتم التسليم مما هو معلوم بالضرورة من دين الله، فلما قامت دعوته على أساس: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وهو دين ودعوة إخوانه الرسل من قبله.
وعلى أساس قوله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)٢٥٤متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه، [البخاري: (392)، ومسلم: (21)].، وأنه لا خيار للثقلين في اتباعه والإيمان به وبما جاء به من الحق والهدى والإذعان لشريعته والخضوع لأحكامها، ناصَبَه من لم يرض بما جاء به العداوة والبغضاء، وجاهروا بمحاربته ومحاربة أتباعه، وشمروا عن سواعدهم للصد عن سبيل دعوته، والحيلولة دون تبليغ شريعته، وكان هذا أمر لا بد منه بين دينين؛ يدعو أحدهما إلى عبادة الله وحده ونبذ ما سواه من الآلهة، وبين دين أشرك أهله بالله فاتخذوا من دونه أو معه آلهة أخرى، فألفت قلوبهم ذلك الكفر، واستمرأت تلك الضلالات، واعتادت سبيل الظُلُمات؛ فصارت ترى الحق عجبًا عجابًا، ولذا لم يتمالكوا أن نطقوا في استغراب واندهاش قائلين: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهـٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥ وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾ [ص: 5-6]، وكما قال ﷻ: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ﴾ [الأنعام: 112].
وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا﴾ [الفرقان: 31]، فاقتضت هذه العداوة العقدية بين الفريقين أن يتدافعا، وأن يسعى كل منهما لإزالة الآخر ليقيم ويبقى وينشر ما يعتقد، وهي سنة كونية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير منذ أن أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال سبحانه: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: 251] «البقرة: 251»، وقال سبحانه: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ﴾ [الحج: 40].
ولهذا فإن القاعدة العامة، والأصل الثابت، والمسلك المطَّرد الذي سار عليه الكفرة مع رسلهم وأتباعهم هو: مطالبتهم إياهم بالرجوع إلى ملتهم أو الخروج من أرضهم، بل وقتل كثير من الرسل على أيدي أقوامهم لما أبوا أن ينقادوا لهم، ويدخلوا في ملتهم بعد إذ نجاهم الله منها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣ وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 13-14].
والتهديد بالنفي من الأرض، والإخراج من القرى هو من الأساليب الثابتة المتكررة والمشتهرة من الكفرة تجاه رسلهم؛ كما قال سبحانه عن قوم لوط عليه السلام: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]، وقال عن قوم شعيب عليه السلام: ﴿۞قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ﴾ [الأعراف: 88]، وقال ﷻ لنبيه ﷺ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 76]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ﴾ [الممتحنة: 1].
وكما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ: (يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ أو مخرجيَّ هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي)٢٥٥متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها، [البخاري: (3)، ومسلم: (160)]..
بل مما يتهم به الرسل غالبًا من قبل أقوامهم الكافرين أن مما جاءوا لأجله هو إخراجهم من أرضهم، كما قال تعالى عن قوم موسى عليه السلام: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ١٠٩ يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ﴾ [الأعراف: 109-110]، وقال سبحانه: ﴿قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ﴾ [طه: 63]، وقال سبحانه: ﴿قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 57]، وقال الذين كفروا للنبي ﷺ: ﴿وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ﴾ [القصص: 57].
وهذه الآيات وما في معناها تدلنا دلالة واضحة على أن الحق والباطل لا يمكن أن يتعايشا في مكان، ويتآلفا ويتوادّا ويجتمعا باستقرارٍ في موضع، وذلك لما يحمله الحق من موانع ذاتية تحول بينه وبين الرضى بقبول شيء من الباطل، ولما يضمه الباطل أيضًا من مثل تلك الموانع التي تجعله يتدافع مع الحق تدافعًا تلقائيًا متواصلًا؛ فبقاء الحق والباطل في موطن دون عداوة ومدافعة وسعي للتمايز أمر لا يمكن أن يكون، فالحق يجِدُّ في محو الباطل أو إبعاده عن مواطنه أو إخضاعه لحكمه وإدراجه تحت سلطانه، والباطل يسعى أيضًا لإزالة الحق أو إقصائه عن أماكن وجوده٢٥٦ومن هنا نرى هشاشة وبطلان دعوات الخضوع التي تنافح وتكافح من أجل التعايش السلمي، والابتعاد عن صدام الحضارات، وقيام الجميع (المسلمين والكفار) تحت عباءة الاحترام المتبادل، وهذه الدعوات إن كانت من الكفرة فحسب فالأمر هين، فهو لا يعدو عند العقلاء النبهاء أن يكون أسلوبًا جديدًا مبتكرًا ماكرًا للحد من قوة الإسلام المتصاعدة يومًا بعد يوم، ولوضع حدود مؤقتة يضمنون بها استمرارهم في الكيد والدس والإفساد المبطن، ولكن أن تلقى هذه الأفكار المفضوحة من أمة الإسلام بل من كبرائها دعاة وأنصارًا يقعدون لها ويدللون عليها وينكرون على مخالفها فهذا هو العجب العجاب..
ووفق هذه القاعدة المطردة والثابتة تتكون دار ينفرد الحق بحكمها وأخذ مقاليدها، وضبط أمورها، وبسط نفوذه عليها، وتوجد دار يتميز فيها الباطل فيقرر عليها أحكامه ويجري شرائعه ويحكم قبضته.
ولذلك لم يزل الكافرون على إيذاء النبي ﷺ ومن اتبعه من أصحابه حتى خرج مهاجرًا إلى المدينة؛ لتكون له ملاذًا وملجأ يبلغ منه دين الله تعالى، بعد أن بايع الأنصار على حمايته والذب عنه وتقديمه على أموالهم وأنفسهم وأبنائهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9]، وقال سبحانه: ﴿أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ﴾ [التوبة: 13].
فصارت تلك البقعة التي رضيت بشريعة الله، واستسلمت لأحكامه، وأمن المسلمون فيها على أنفسهم وأهليهم وأموالهم «دارًا للإسلام»، وذلك بعد تميزها عما سواها بما يعلوها من أحكام وشرائع؛ فوجب آنذاك على كل مسلم قادر أن يهاجر إليها، ليكون لمن فيها عونًا ونصيرًا، ولينعم بما علاها من الإيمان والأمان، وليخرج من دائرة الاضطهاد والتنكيل والإيذاء التي اصطبغت بها كثير مما عداها من الديار كما قال سبحانه ممتنًّا على المؤمنين ومذكّرًا إياهم بعظيم نعمته: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26]، وبهذا انقسم العالم إلى دارين لا ثالث لهما: دار صار الإسلام فيها هو الحَكَم وله السلطان والقوة والغلبة، ودار بقيت تحت سطوة الكفر؛ تجري عليها أحكام أهله، ولهم فيها السلطان والقوة والغلبة.
إذن فانقسام الديار إلى دارين: «دار إسلام» و«دار كفر»؛ هو نتيجة حتمية وقطعية لانقسام الناس إلى مؤمن وكافر؛ تبعًا لانقسام الشرائع والأديان إلى دين حق وهدى، ودين باطل وضلال، وكما أشرنا قبل من أن الحق والباطل لا يتعايشان في محل، ولا يتصافيان في موطن، فذلك اقتضى أن يكون لكل منهما دار وملاذ يقيم فيه أحكامه ويدير شؤونه ويحفظ أهله وأنصاره وليكون قاعدة ومنطلقًا لنشر عقائده وشرائعه، ومن هذه المقدمة ندرك أن انقسام العالم إلى دارين لا مناص منه وأن التدافع بينهما سيبقى قائمًا ودائمًا إلى أن تزيل إحداهما الأخرى.
دار الكفر كما عرفها الفقهاء
أولًا: عند علماء الأحناف
قال الكاساني رحمه الله: «لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، واختلفوا في دار الإسلام؛ بماذا تصير دار الكفر؟ قال أبو حنيفة: إنها لا تصير دار الكفر إلا بثلاث شرائط:
أحدهما: ظهور أحكام الكفر فيها.
الثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر.
الثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنًا بالأمان الأول وهو أمان المسلمين، وقال أبو يوسف ومحمد رحمه الله: إنها تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، وجه قولهما أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام، والنار دار البوار لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر، فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، والله ﷻ أعلم.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله؛ أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف، ومعناه أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام، وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر»٢٥٧بدائع الصنائع: (7/130)..
قال العلامة التهانوي: «ودار الإسلام عندهم ما يجري فيه حكم إمام المسلمين من البلاد، ودار الحرب عندهم ما يجري فيه أمر رئيس الكفار من البلاد كما في «الكافي»، وفي «الزاهدي» أنها ما غلب فيه المسلمون وكانوا فيه آمنين، ودار الحرب ما خافوا فيه من الكافرين، ولا خلاف في أنه يصير دار الحرب دار إسلام بإجراء بعض أحكام الإسلام فيها»٢٥٨موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون: (1/779)..
فهذه بعض النقولات من كلام علماء السادة الأحناف تبين حقيقة دار الإسلام وحقيقة دار الكفر في مذهبهم، وخلاصة قولهم في تحديد مفهوم دار الكفر أو «دار الحرب» أن لهم في ذلك قولين: الأول: وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله إن الدار إنما تصير دار حرب أو يحكم عليها بأنها صارت دار حرب بثلاثة شروط، ومتى فُقِد شرط منها فهي دار إسلام.
الشرط الأول: أن تكون متصلة بأرض الكفر، فلا يفصل بينها وبين أرض الكفر دار للمسلمين، أما إذا كانت دار الإسلام محيطة بها من كل جانب أو فصلت بينها وبين دار الكفر فإنها لا تصير بذلك دار حرب.
الشرط الثاني: ألا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه، ولا ذمي آمن بأمانه، بمعنى أن لا يكون خوف المسلمين والذميين من الكافرين هو سمة ذلك البلد، إضافة إلى ذلك فإن كان هناك أمان للمسلم والذمي فهو بالنظر إلى الأمان الأول الذي استحقوه واكتسبوه من الإسلام أصلًا ولهذا يكررون في عباراتهم «لا يبقى آمنًا بالأمان الأول»، فظاهره أن الأمان إن كان من جهة الكافرين المتغلبين لأي أمر كان فالشرط يعتبر مختلًا والأمان الظاهر في حكم العدم.
الشرط الثالث: أن تعلوها أحكام الكفر بحيث تكون هي الظاهرة في تلك الدار والمسيطرة عليها والحاكمة لأهلها، قال ابن قدامة رحمه الله حاكيًا مذهب الإمام أبي حنيفة: «وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء، أن تكون متاخمة لدار الحرب لا شيء بينهما من دار الإسلام، الثاني: ألا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن، الثالث: أن تجري فيها أحكامهم»٢٥٩المغني: (9/25)..
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله إنما ينصب على الدار التي حكمها الإسلام، وعَلَتها أحكامه وصارت يومًا ما دار إسلام بذلك، ثم بعد هذا غلب عليها الكافرون وأجروا فيها أحكامهم فهي التي يشترط لتحولها دار حرب ما ذكر، وهذا ما يشير إليه قول الكاساني: «واختلفوا في دار الإسلام بماذا تصير دار الكفر»، وليس المقصود من كلامه أن كل دار كان المسلم آمنًا فيها بإيمانه والذمي بأمانه ولم تكن متاخمة لدار العدو فهي دار إسلام، حتى ولو لم ترَ نوره وتعلها أحكامه قط؛ فكلام العلماء المنقول آنفًا يبين أن هذا ليس هو المقصود، إذ الصيرورة هي بمعنى التحول من حال إلى حال، والمعنى هنا هو: تحول دار الإسلام إلى دار الكفر، وهذا الأمر وإن كان في غاية الوضوح إلا أن التنبيه عليه مهم لا سيما في هذا العصر الذي ميعت فيه الحقائق وحرفت النصوص واتُّبِع المتشابه لأدنى مناسبة.
القول الثاني: وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة رحمهم الله، حيث يجعلانها دار حرب بمجرد علو أحكام الشرك عليها، فهما يوافقان إمامهما في الشرط الثالث فقط، وقد نقلنا من كلام علماء المذهب ما يبين كلًا من القولين.
ثانيًا: مذهب الجمهور
ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الدار تكون دار حرب حيث غلب عليها الكفار وأجروا فيها أحكامهم، كما أن الدار التي يغلب عليها المسلمون ويجرون فيها أحكام الإسلام تصير دار إسلام بذلك؛ فالعبرة عندهم في الحكم على الدار تكون بالغلبة وما يجري فيها من الأحكام، فقول الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن موافق لمذهب الجمهور، كما جاء في المدونة في المذهب المالكي: «ألا ترى أن بلالا أسلم قبل مولاه فاشتراه أبو بكر فأعتقه وكانت الدار يومئذ دار حرب لأن أحكام الجاهلية كانت ظاهرة يومئذ»٢٦٠المدونة الكبرى: (3/ 22).، وقال ابن قدامة: «ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة»٢٦١المغني: (9/25).، وقال الإمام ابن القيم r: «قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت فيها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة من مكة جدا لم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل»٢٦٢أحكام أهل الذمة: (2/728)، قال القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله: «وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الإسلام دون أحكام الكفر فهي دار إسلام، وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر»٢٦٣المعتمد في أصول الدين: (276)..
وقال عبد القادر البغدادي الشافعي رحمه الله: «كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهلها بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي، ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة؛ فهي دار الإسلام، وإذا كان الأمر على ضد ما ذكرناه في الدار؛ فهي دار الكفر»٢٦٤أصول الدين: (270).، وكلام العلامة البغدادي بالنسبة لغلبة الكافرين وإجراء أحكامهم حتى يحكم على الدار بأنها دار كفر ظاهر، ولكن قوله: «ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة»، لم يظهر لي وجه إضافة هذا القيد؛ لأن هناك حقبة من التاريخ قهر فيها أهل البدعة -وهم الجهمية- أهل السنة وامتحنوهم وألزموهم بمذهبهم وولوا المناصب من وافق قولهم، وكانوا هم أولي الأمر وذوي السلطان وأصحاب الشوكة، وذلك كما وقع زمن محنة الإمام أحمد رحمه الله في القول بخلق القرآن، ومع ذلك لم يشتهر عن أحد من العلماء المعاصرين للمحنة أو غيرهم القول بأن الدار انقلبت دار كفر، فينظر ما وجه زيادة ما قاله العلامة البغدادي٢٦٥[هذا الإشكال مدخلٌ يُعترض به على هذا التقسيم العلمي المشهور في أحكام الدور، وهو ما جعل الشيخ الطريفي يخالفه في التفسير والبيان (2/979) فقال: «الفرق بين بلد الإسلام وبلد الكفر: الأصل أنه يرجع إلى دين الناس، لا إلى حكامهم، فالشعوب والمحكومون إن غلب عليهم الإسلام وهم سواد أهل البلد، ويقيمون شعائر الدين فيها، فبلدهم بلد مسلم، ولو كان الحاكم كافرا.. فقد يكون البلد مسلما، وحاكمه كافرا، كبعض دول الإسلام في القرون الخالية التي وقع بعض حكامها في مكفر ظاهر؛ كالدولة البويهية في العراق، والعبيدية في مصر والقيروان، وغيرهما؛ فالناس فيها يظهرون الإسلام وشرائع الدين، ولم يفت أحد من علمائها عموم الناس بالهجرة لأجل حاكمها... وقد يكون الحاكم مسلما، والمحكومون كفارا؛ فيكون البلد بلد كفر؛ كالحبشة بعد إسلام النجاشي؛ فهو مسلم، ومحكوموه نصارى...
ويخرج من هذا إنْ حكم حاكم مسلم بلدا أكثره كفار بحكم الله، وأجرى للمسلمين الظهور، ولو كانوا أقل من غيرهم، فغلبت شوكة المسلمين شوكة الكافرين، وظهور المسلمين ظهور الكافرين، فيحل الظهور هنا محل الكثرة، ويأخذ البلد حكم بلد الإسلام وقد نص على اعتبار الظهور والغلبة غير واحد من الأصحاب؛ كأبي يعلى وابن مفلح؛ فقد تكون بلدة أو قرية أهلها على الكفر، وهي داخلة في دولة المسلمين، محكومة بحكمهم، فلا تأخذ حكم بلد الكفر؛ كخيبر؛ فقد كان جل أهلها يهود، ولكنها تحت حكم المسلمين ودولتهم، وخراجها لهم، وقد جعل النبي ﷺ عليها عماله، فلم يكن يسكنها الصحابة كما يسكنون المدينة، وإنما يعاملون أهلها ويبايعونهم، ولو أقام فيها أحد، لم يكن مقيما في بلد كفر، وإنما جاور كافرين؛ لأن الأرض للمسلمين، وحكمهم عليها نافذ وظاهر؛ كظهور الكثرة على القلة، وخراجها لهم، فالنبي حينما أخرجهم منها، لم يعطهم قيمة أرضهم؛ لأنها للمسلمين لا لهم، وهذا يختلف عن بلد أهلها كفار، ويملكونها، ويظهرون فيها ما يشاؤون من دينهم ودنياهم» اهـ، وهو تحريرٌ مهم أظن الشيخ أبا يحيى لو أدركه لقال به. والله أعلم]..
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله: «وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم أو لتجارة بينهم كافرًا ولا مسيئًا، بل هو مسلم محسن، ودارهم دار إسلام لا دار شرك؛ لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها»٢٦٦المحلى: (11/200)..
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: «الاعتبار بظهور الكلمة فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا لكونه مأذونًا له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها؛ لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس»٢٦٧السيل الجرار: (4/757)..
❖ ❖ ❖
وبهذا يظهر -والله أعلم- وحسب مذهب الجمهور ومن وافقهم من علماء الأحناف أن الدار يحكم عليها باعتبار الأحكام التي تعلوها والتي لأهلها القوة والغلبة؛ فإن كانت أحكام الإسلام هي الجارية حكم على الدار بأنها دار إسلام، ولو لم يكن أكثر أهلها مسلمين، وإن كانت القوة والغلبة لأحكام الكفر حكم على الدار بأنها دار كفر وإن كان أكثر سكانها مسلمين.
وهذا الذي ذهب إليه الجمهور هو الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم-، وذلك لأن الشارع قد رتب بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بدار الحرب ودار الإسلام وإن لم ترد هذه التسمية بعينها (دار الحرب) في الكتاب أو السنة، وإنما وردت السنة بتسميتها أرض العدو كما في صحيح مسلم٢٦٨[صحيح مسلم: (1869)، وقد جاء في صحيح البخاري: (2990)، بلفظ «نهى أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو» فقط]. وغيره عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ: «أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو».
ومن خلال الاستقراء لسيرة النبي ﷺ يظهر التغير المباشر لتلك الأحكام بمجرد غلبة الإسلام على دار من الديار التي كانت تحت سلطان المشركين وشوكتهم؛ فمثلًا الهجرة من مكة إلى المدينة كانت أمرًا واجبًا لم يُستثن منه إلا المستضعفون كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا﴾ [النساء: 97-98].
قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ﴿ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ يعني مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه... ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ﴾ يقول: قالت الملائكة لهم فيم كنتم في أي شيء كنتم من دينكم؟ ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾؛ يعني قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: كنا مستضعفين في الأرض يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله، معذرة ضعيفة وحجة واهية، ﴿قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾، يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحدوا الله فيها، وتعبدوه وتتبعوا نبيه. يقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ﴾؛ أي فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم مأواهم جهنم؛ يقول: مصيرهم في الآخرة جهنم وهي مسكنهم، ﴿وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾؛ يعني وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرًا ومسكنًا ومأوى، ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركين من الرجال والنساء والولدان، وهم العجزة عن الهجرة بالعسرة وقلة الحيلة وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم أن تكون جهنم مأواهم للعذر الذي هم فيه على ما بينه تعالى؛ يقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ﴾ [النساء: 99]؛ يعني هؤلاء المستضعفين يقول: لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فيتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة إذ لم يتركوها اختيارًا ولا إيثارًا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النقلة عنها، وكان الله عفوا غفورا يقول ولم يزل الله عفوا يعني ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بترك العقوبة عليها غفورا ساترا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها»٢٦٩تفسير الطبري: (2/ 233)..
فلما فتحت مكة وأجريت عليها أحكام الإسلام وكان السلطان والغلبة فيها لأهل الإيمان تغير هذا الحكم وقال النبي ﷺ: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا)٢٧٠متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنه، [البخاري: (2783)، ومسلم: (1864)].، وللبخاري عن مجاشع بن مسعود: (لا هجرة بعد فتح مكة)، وذلك لأن مكة بعد الفتح دخلت تحت سلطان المسلمين وقوتهم، فوجوب الهجرة من مكة كان بسبب غلبة المشركين عليها وبسط سلطانهم على أهلها وقهرهم وظلمهم لمن آمن بها، فلما تغلب عليها المسلمون وأزالوا عنها أحكام الشرك وأمن من فيها من المسلمين بسبب ما آتهم الله من القوة رفع حكم الهجرة الذي كان متعلقًا، بها لأنها صارت من هذه الجهة كالمدينة تمامًا، وبهذا يتبين أن المعتبر في الحكم على الديار هو غلبة من يحكمها ونوع الأحكام التي تسري عليها والله تعالى أعلم.
ونسوق في هذا المعنى كلامًا جيدًا -مع طوله- للدكتور محمد خير هيكل يقول فيه:
«دار الإسلام: هي البلاد التي يكون نظام الحكم فيها هو النظام الإسلامي، وفي الوقت نفسه يكون الأمن الداخلي والخارجي فيها هو بيد المسلمين من أبنائها، بمعنى أن القوة العسكرية التي تقر الأمن في الداخل، وتحمي حدود البلاد من العدو في الخارج، هذه القوة يسيطر عليها المسلمون، بحيث لو شاركهم فيها غير المسلمين تكون مشاركتهم فيها ثانوية، وتبقى السيطرة للمسلمين.
هذا؛ وتُستنبط ضرورة وجود هذين الشرطين معا، أي: الحكم بالإسلام، والقوة الإسلامية الحامية للبلاد وأهلها، في الداخل والخارج؛ تستنبط ضرورة وجود هذين الشرطين معا لصحة وصف البلاد بكونها دار إسلام من واقع مكة، وواقع المدينة بعد الهجرة، فقبل الهجرة كانت مكة وغيرها من بلاد الدنيا دار كفر ما في ذلك شك؛ فلما هاجر الرسول ﷺ والمسلمون إلى المدينة، وأقام فيها الدولة الإسلامية وجدت أول دار إسلام في تاريخ المسلمين، وبقيت مكة على حالها دار كفر، ومن هنا نستطيع من إدراك واقع مكة، وغيرها التي هي دار كفر، وواقع المدينة التي كانت هي وحدها دار الإسلام؛ نستطيع من إدراك هذين الواقعين، وما بينهما من مفارقات أن نستنبط المقومات التي على أساسها تكون الدار دار كفر، أو دار إسلام، فماذا كان واقع مكة وغيرها من بلاد الدنيا؟ وما هي المتغيرات التي حصلت في واقع المدينة بعد أن أقيمت فيها دار الإسلام؟ من الواضح أن الواقع الذي كان في مكة وغيرها بالنسبة للإسلام والمسلمين قد تحول من النقيض إلى النقيض في المدينة بعد الهجرة.
في مكة وغيرها لم يكن الإسلام على مستوى البلاد هو الذي تنفذ أحكامه -بطبيعة الحال- وإن كان قد ظهر شيء من شعائره كصلاة بعض المسلمين في ظل الكعبة أحيانا، فلم يكن ذلك بقوة ذاتية من المسلمين يفرضون فيها هذا الشعار بشكل دائم، وإنما كان ذلك بإذن من أصحاب القوة من الكفار، أو بسكوتهم عن ذلك على مضض، ولو أرادوا حسم هذا الأمر لفعلوا، ومن جهة أخرى لم يكن المسلمين آمنين على أنفسهم إلا بقدر ما يمنحهم الكفار ذلك الأمان، إما بالحماية المباشرة كما كانت الحال مع البعض، وإما بالسكوت عنهم ذلك السكوت الذي تقطعه صرخاتهم حين تنهال عليهم سياط الفتنة والتعذيب متى أراد الكفار ذلك، كما كان كثير من المسلمين يعيشون تحت الاضطهاد الدائم، والتهديد المقيم، هذا ما كان عليه واقع مكة حيث يعيش المسلمون، لا لظهور للإسلام فيها، وإن ظهر شيء من شعائره فبإذن من الكفار، ولا أمان للمسلمين فيها، وإن حصل الأمان فبحماية من الكفار...
هذا؛ ولما هاجر المسلمين إلى المدينة اختلف الواقع، فقد ظهر الإسلام على مستوى البلاد، وصار في موقع الحكم والسلطان، بقوة المسلمين الذاتية، حتى صار الكفر في المدينة إذا ظهر شيء من شعائره إنما يظهر بإذن من المسلمين وذمة منهم -في الحدود المشروعة بطبيعة الحال- على عكس ما كان عليه الحال في مكة وغيرها، وكذلك الأمان الذي تمتع به المسلمون في المدينة كان أمانا يستند إلى القوة الإسلامية التي تحميهم في الداخل والخارج حتى صار أمان الكفار في المدينة أمانا ممنوحا من قبل المسلمين بالذمة العهد، على عكس ما كانت عليه الحال في مكة وغيرها، وهكذا ندرك من المفارقات بين واقع مكة وغيرها قبل الهجرة، وبين واقع المدينة بعد الهجرة أن هناك أمرين اثنين بتوافرهما معا أصبحت المدينة دار إسلام:
أولًا: ظهور الإسلام بمعنى أن النظام العام الحاكم في البلاد هو النظام الإسلامي.
ثانيًا: تمتع المسلمين بالأمن الذي يستند إلى قوة المسلمين الذاتية.
والخلاصة أن كون المدينة بعد ما هاجر النبي ﷺ إليها كانت هي وحدها دار الإسلام، دون سائر أنحاء الأرض، وأنها تميزت عن سائر بلاد الدنيا بالحكم الإسلامي، وبـأمان المسلمين الذاتي، هذا الأمر يكفي دليلا على أن أي بلد لا تصير دار إسلام ولا توصف بكونها دار إسلام إلا بما صارت به المدينة دار إسلام، وهي لم تصر كذلك إلا بهذين الشرطين وهما: الحكم بالإسلام، والقوة الذاتية للمسلمين، تلك القوة التي يتمكنون بها من شيئين:
الشيء الأول: فرض الحكم بالإسلام على هذه الدار.
الشيء الثاني: بسط الحماية عليها، وتوفير الأمن فيها... ومعنى هذا أنه إذا تخلف أحد الأمرين لا تكون البلاد دار إسلام»٢٧١الجهاد والقتال في السياسة الشرعية (1/669- 671)..
ومن هنا يتبيّن كما ذكرنا من قبل أن الحكم على الدار بكونها دار إسلام، أم دار كفر؛ لا تعلق له بعدد سكان المسلمين أو نسبتهم، ولا ينظر في ذلك إلى قلتهم أو كثرتهم، بل المعتبر هو القوة التي تسيطر والأحكام التي تجري.
ولكن ننبه إلى أن حرمة المسلم في نفسه وعرضه وماله وأهله باقية حيثما كان، سواء في دار إسلام أم دار كفر، لا يختلف في حقه من ذلك شيء، وذلك لعموم الأدلة القاضية بحرمة المسلم كقول النبي ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)٢٧٢رواه مسلم [2564]، وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه.، وقوله ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)٢٧٣متفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه، [البخاري: (6878)، بلفظ (المارق من الدين) بدل (المفارق لدينه)، ومسلم: (1676)، واللفظ له].، وقوله ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)٢٧٤رواه أحمد [٢٠٦٩٥] والبيهقي [(11654)، واللفظ له] وغيرهما عن حنيفة الرقاشي، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع: 7662).، وقوله ﷺ: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)٢٧٥متفق عليه عن أبي بكرة رضي الله عنه، [البخاري: (67)، ومسلم: (1218)].، وهذه الأحاديث وغيرها لم تخص حرمة دمه أو عرضه أو ماله بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان، ولا يحل ترك هذه النصوص الصريحة الجازمة الواضحة والاعتماد في ردها على ظنون وأوهام لا تقوى أن تكون بمجردها أدلة معتمدة فضلًا عن معارضة الأدلة الشرعية القاطعة، ولهذا فقد هون الإمام الشوكاني من أثر التعرض لذكر دار الإسلام أو دار الكفر لأن أصل الأحكام لا تتعلق بوصفهما؛ فقال في هذا الشأن: «واعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر قليل الفائدة جدا لما قدمنا لك في الكلام على دار الحرب، وأن الكافر الحربي مباح الدم والمال على كل حال ما لم يؤمن من المسلمين، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الإسلام في دار الحرب وغيرها»٢٧٦السيل الجرار: (4/576)..
وكلام الإمام الشوكاني إنما سقناه فقط لأجل تنصيصه على ثبوت عصمة دم ومال المسلم حيثما كان سواء في دار الإسلام أو في دار الحرب، أما ما ذكره من قلة فائدة التعرض لذكر دار الإسلام ودار الحرب فغير مسلم على هذا الإطلاق، وفي بيان بقاء عصمة دم المسلم وماله حيثما كان.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله عندما سُئل: «عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، دماء السلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب أو تعريض، أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت، ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم، وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»٢٧٧مجموع الفتاوى: (28/240-241)..
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
إِذَا مَا تَغَلَّبَ كَافِرٌ مُتَغَلِّبٌ | عَلَى دَارِ إِسْلَامٍ وَحَلَّ بِهَا الوَجَلْ |
وَأَجْرَى بِهَا أَحْكَامَ كُفْرٍ عَلَانِيًا | وَأَظْهَرَهَا فِيهَا جَهَارًا بِلَا مَهَلْ |
وَأَوْهَى بِهَا أَحْكَامَ شَرْعِ مُحَمَّدٍ | وَلَمْ يُظْهِرِ الْإِسْلَامَ فِيهَا وَيُنْتَحِلْ |
فَذِي دَارُ كُفْرٍ عِنْدَ كُلِّ مُحَقِّقٍ | كَمَا قَالَ أَهْلُ الدِّرَايَةِ بِالنِّحَلْ |
وَمَا كُلُّ مَنْ فِيهَا يُقَالُ بِكُفْرِهِ | فَرُبَّ امْرِئٍ فِيهَا عَلَى صَالِحِ الْعَمَلْ٢٧٨[ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان، لسليمان بن سحمان (ص 190)]. |
❖ ❖ ❖
مسألة في تحول دار الإسلام إلى دار كفر
بما أن الدار يحكم عليها باعتبار الأحكام التي تعلوها، ولمن تكون القوة والغلبة فيها، فلا يوجد ما يمنع من تحول دار الإسلام إلى دار كفر بهذا الاعتبار، وذلك إذا تغلب الكافرون عليها وأجروا فيها أحكامهم وكانت القوة والغلبة لهم، وقد اختلف العلماء في تحول دار الإسلام إلى دار كفر؛ فذهب بعض الشافعية إلى أن دار الإسلام لا يمكن أن تصير دار كفر وحرب بأي حال من الأحوال، حتى ولو تغلب عليها الكفرة وأجروا فيها أحكامهم، وأجلوا المسلمين عنها، مستدلين بقول النبي ﷺ: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)٢٧٩رواه الدار قطني [(30)، بدون لفظ «عليه»] والبيهقي [(12283)، كذلك بدون لفظ «عليه»] عن عائد بن عمرو، وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء: (1268)، وصحيح الجامع: (2778)..
قال الشربيني الشافعي: «ولو غلب الكفار على بلدة يسكنها المسلمون كطرسوس لا تصير دار حرب»٢٨٠مغني المحتاج: (2/362)، ومثل ذلك في: حاشية البجيرمي الشافعي: 3/189) وفيها أيضًا: «قوله «دار حرب» أي صورة لا حكمًا، إذ ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا» (4/266).، وقال الإمام النووي رحمه الله عند كلامه عن حكم اللقيط مُعددًا أقسام دار الإسلام:
«فاللقيط يوجد في دار الإسلام أو دار الكفر، الحال الأول: دار الإسلام وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: دار يسكنها المسلمون فاللقيط الموجود فيها مسلم وإن كان فيها أهل ذمة تغليبًا للإسلام.
الثاني: دار فتحها المسلمون وأقروها في يد الكفار بجزية فقد ملكوها أو صالحوهم ولم يملكوها، فاللقيط فيها مسلم إن كان فيها مسلم واحد فأكثر، وإلا فكافر على الصحيح.
الثالث: دار كان المسلمون يسكنونها ثم جلوا عنها وغلب عليها الكفار..»٢٨١روضة الطالبين: (5/433).؛ فكما ترى فقد عد الدار التي حكمها الإسلام يوما وسكنها المسلمون ثم تغلب عليها الكفار من أقسام دار الإسلام ولهذا قال بعدها معلقًا: «وأما عد الأصحاب الضرب الثالث دار إسلام؛ فقد يوجد في كلامهم ما يقتضي أن الاستيلاء القديم يكفي لاستمرار الحكم، ورأيت لبعض المتأخرين تنزيل ما ذكروه على ما إذا كانوا لا يمنعون المسلمين منها؛ فإن منعوهم فهي دار كفر»٢٨٢[روضة الطالبين: (5/433)]..
وقال الرملي الأنصاري عند كلامه على حكم اللقيط يوجد في دار الإسلام: «إذا وجد صغير لقيط بدار الإسلام ولو كان فيها أهل ذمة كدار فتحها المسلمون ثم أقروها بيد كفار صلحا أو بعد ملكها بجزية، أو دار غلبهم عليها الكفار وسكنوها»٢٨٣شرح كتاب غاية البيان: (1/307).، وهذا لا يختلف عن المنقول قبله، إلا أن هذا ليس قول الشافعية كلهم، بل نقل ابن قدامة رحمه الله عن الشافعي نفسه رحمه الله خلاف هذا حيث قال: «فصل ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة... -إلى أن قال- وبهذا قال الشافعي»٢٨٤المغني: (9/25)..
إلا إن كان مقصود ابن قدامة هو موافقة الإمام الشافعي لهم فيما ذكره من الأحكام لا في الاسم؛ بمعنى أنه وإن كان معهم في إجراء أحكام دار الحرب على دماء أهلها المرتدين وأموالهم وأبنائهم إلا أنه لا يسمي الدار «دار حرب»، وهذا محتمل في كلام ابن قدامة وليس بظاهر والله تعالى أعلم.
وقال الماوردي رحمه الله عند كلامه عن حكم اللقيط في دار الحرب: «أما دار الشرك فعلى ثلاثة أضرب أيضًا... والضرب الثالث: كان من بلاد الإسلام التي غلب عليها المشركون حتى صارت دار شرك كطرسوس وإنطاكية، وما جرى مجرى ذلك من الثغور المملوكة على المسلمين»٢٨٥الحاوي الكبير: (9/481).؛ فقد نص على أن طرسوس التي تغلب عليها الكافرون أصبحت بغلبتهم دار كفر خلافًا لما نقلناه سابقًا عن بعض الشافعية.
ونشير هنا إلى أن القائلين بأن دار الإسلام لا يمكن أن تتحول بحال إلى دار كفر يوجد في أقوالهم نوع تناقض، فمما ذكروه في هذا الصدد أن المسلم المقيم في دار الكفر وله قوة وشوكة يستطيع بها أن يمنع نفسه ويقيم شعائر دينه لا يجوز له أن يهاجر إلى دار الإسلام معللين ذلك بأن انتقاله إلى دار الإسلام يجعل الموضع الذي كان يقيم فيه دارَ كفر، قال الإمام النووي: «قال صاحب الحاوي فإن كان يرجو ظهور الإسلام هناك بمقامه فالأفضل أن يقيم، قال: وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب فيحرم ذلك، ثم إن قدر على قتال الكفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه وإلا فلا والله أعلم»٢٨٦روضة الطالبين: (10/282)..
فكيف يصير مكانه دار حرب وهم يجعلون الموطن الذي صار دار إسلام لا يمكن أن يتحول إلى دار حرب مطلقًا؟ ولكن يمكن أن يقال إن الماوردي يرى انقلاب دار الإسلام دارَ حرب كما نقلته عنه قريبًا في حق طرسوس وعليه فلا يلزمه التناقض، إلا أن الشربيني -وهو من القائلين بعدم تغير صفة الدار- قد نقل كلام الماوردي هذا وأقره وجعله استثناء عن استحباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فقال: «تنبيه: محل استحبابها -أي الهجرة- ما لم يرجُ ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجاه فالأفضل أن يقيم، ولو قدر على الامتناع بدار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها، لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب فيحرم ذلك»٢٨٧مغني المحتاج: (4/289)..
إلا أن بعض علماء الشافعية تنبه لهذا الأمر وشعر باحتمال تطرق التناقض لهذا التقرير فتحاشى ذلك وجعل لها تخريجًا وسماها دار إسلام صورة لا حكمًا، قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله: «تنبيه: يؤخذ من قولهم؛ لأن محله دار إسلام أن كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام، وحينئذ الظاهر أنه يتعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به الخبر الصحيح: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)، فقولهم لصار دار حرب؛ المراد به صيرورته كذلك -صورةً لا حكمًا- وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب، ولا أظن أصحابنا يسمحون بذلك..»٢٨٨تحفة المحتاج: (9/269)..
ثم رأيت الرافعي وغيره ذكروا نقلًا عن الأصحاب أن دار الإسلام ثلاثة أقسام: قسم يسكنه المسلمون، وقسم فتحوه وأقروا أهله عليه بجزية ملكوه أو لا، وقسم كانوا يسكنونه ثم غلب عليه الكفار.
قال الرافعي: وعدهم القسم الثاني يبين أنه يكفي في كونها دار إسلام كونها تحت استيلاء الإمام وإن لم يكن فيها مسلم؛ قال: وأما عدهم الثالث فقد يوجد في كلامهم ما يشعر بأن الاستيلاء القديم يكفي لاستمرار الحكم، ورأيت لبعض المتأخرين أن محله إذا لم يمنعوا المسلمين منها وإلا فهي دار كفر انتهى.
وما ذكره عن بعض المتأخرين بعيد نقلًا ومدركًا كما هو واضح؛ وحينئذٍ فكلامهم صريح فيما ذكرته أن ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا.
وقال الرملي رحمه الله: «واعلم أنه يؤخذ من قولهم: لأن محله دار الإسلام أنَّ كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام؛ وحينئذٍ فيتجه تعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به في خبر: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه).
فقولهم لصار دار حرب المراد به صيرورته كذلك -صورةً لا حكمًا-، وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب وهو بعيد»٢٨٩نهاية المحتاج: (8/82)..
وقال العجيلي أيضًا: «وقوله فيحرم أن يصيره باعتزاله عنه دار حرب أي: صورة لا حكما؛ إذ ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا»٢٩٠حاشية الجمل: (5/208)..
وقد نقلنا من قبل مذهب أبي حنيفة وصاحبيه في ذلك، وقلنا إن أبا حنيفة رحمه الله لا يحكم على الدار بأنها دار كفر ما لم تتوفر فيها شروط ثلاثة:
أولها: علو أحكام الكفر عليها.
ثانيها: أن تلتصق بدار الحرب من كل جهة.
ثالثها: ألا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بأمنه الأول.
أما صاحباه فيجعلان الدار دار كفر بمجرد علو أحكام الكفر وغلبة الكافرين عليها وقد قال السرخسي الحنفي مبينًا وجه كلا القولين: «وعن أبي يوسف ومحمد رحمه الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها -أي في الدار التي غلبوا عليها- فقد صارت دارهم دار حرب لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين، ولكن أبو حنيفة رحمه الله يعتبر تمام القهر والقوة؛ لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين، فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث، لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من جانب، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن، فذلك دليل عدم تمام القهر منهم، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين، وهذه الدار كانت دار إسلام في الأصل، فإذا بقي فيها مسلم أو ذمي فقد بقي أثر من آثار الأصل فبقي ذلك الحكم»٢٩١المبسوط: (10/114)..
وقال الكاساني: «وجه قولهما إن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام والنار دار البوار، لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله أعلم.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف؛ ومعناه: أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام، وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر، والأحكام مبنية على الأمان والخوف لا على الإسلام والكفر، فكان اعتبار الأمان والخوف أولى، فما لم تقع الحاجة للمسلمين إلى الاستئمان بقي الأمن الثابت فيها على الإطلاق فلا تصير دار الكفر، وكذا الأمن الثابت على الإطلاق لا يزول إلا بالمتاخمة لدار الحرب، فتوقف صيرورتها دار الحرب على وجودهما، مع أن إضافة الدار إلى الإسلام احتمل أن يكون لما قلتم واحتمل أن يكون لما قلنا وهو ثبوت الأمن فيها على الإطلاق للمسلمين، وإنما يثبت للكفرة بعارض الذمة والاستئمان.
فإن كانت الإضافة لما قلتم تصير دار الكفر بما قلتم، وإن كانت الإضافة لما قلنا لا تصير دار الكفر إلا بما قلنا، فلا تصير ما به دار الإسلام بيقين دار الكفر بالشك والاحتمال، على الأصل المعهود أن الثابت بيقين لا يزول بالشك والاحتمال، بخلاف دار الكفر حيث تصير دار الإسلام لظهور أحكام الإسلام فيها لأن هناك الترجيح لجانب الإسلام، لقوله ﷺ: (الإسلام يعلو ولا يعلى)؛ فزال الشك، على أن الإضافة إن كانت باعتبار ظهور الأحكام لكن لا تظهر أحكام الكفر إلا عند وجود هذين الشرطين، أعني المتاخمة وزوال الأمان الأول، لأنها لا تظهر إلا بالمنعة، ولا منعة إلا بهما، والله ﷻ أعلم»٢٩٢بدائع الصنائع: (7/130)..
وعلى مقتضى ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة أفتى ابن عابدين بأن جبل الدروز في سوريا، والذي كان تحت سيطرتهم، وتجري فيه أحكامهم وتحكم قضاتهم، أفتى -رغم ذلك كله- بأنه دار إسلام، لما فقد أحد الشروط الثلاثة وهو اتصاله بدار الكفر قال رحمه الله في ذلك: «قلت: وبهذا ظهر أن ما في الشام من جبل تيم الله المسمى بجبل الدروز وبعض البلاد التابعة، كلها دار إسلام، لأنها وإن كانت لها حكام دروز أو نصارى، ولهم قضاة على دينهم، وبعضهم يعلنون بشتم الإسلام والمسلمين، لكنهم تحت حكم ولاة أمورنا، وبلاد الإسلام محيطة ببلادهم من كل جانب، وإذا أراد ولي الأمر تنفيذ أحكامنا فيهم نفذها»٢٩٣حاشية ابن عابدين: (4/174)..
هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن دار الإسلام لا تصير دار كفر وإن غلب عليها الكفار وأجروا أحكامهم ما دام فيها مسلمون وتقام فيها شعائر الإسلام كصلاة الجماعة والجمعة ونحوها، قال الدسوقي: «لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بأخذ الكفار لها بالقهر ما دامت شعائر الإسلام قائمة فيها»٢٩٤حاشية الدسوقي: (2 /188)..
ونظير هذا ما أجاب به الإمام الرملي عندما سُئل عن «أراغون» وهي في الأندلس وقد تغلب عليها النصارى، وأقروا المسلمين فيها، وضربوا عليهم خراج الأرض يؤخذ منهم بقدر ما يستخرجونه منها، ولم يظلموا في أموالهم ولا في أنفسهم، ويقيمون الصلوات في المساجد، ويظهرون شعائر الإسلام جهرةً، ويقيمون شريعة الله علنا فهل تجب عليهم الهجرة أم لا؟ فأجاب الإمام الرملي: «بأنه لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم، لقدرتهم على إظهار دينهم به، ولأنه ﷺ بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها، بل لا تجوز الهجرة منه، لأنه يرجى بإقامتهم به إسلام غيرهم، ولأنه دار إسلام، فلو هاجروا منه صار دار حرب»٢٩٥فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى للهيتمي: (4/52- 54) نقلا عن كتاب اختلاف الدارين للدكتور إسماعيل لطفي (26- 63)..
فجملة الأقوال في تحول دار الإسلام إلى دار الكفر هي:
الأول: أن الدار تصير دار كفر بمجرد تغلب الكفار عليها وإجراء أحكامهم على أهلها.
الثاني: أن دار الإسلام لا يمكن أن تنقلب دار كفر بأي حال من الأحوال حتى ولو أخذها الكفار وأجلوا عنها المسلمين وأقاموا فيها أحكامهم.
الثالث: أن دار الإسلام إذا أخذها الكفار وتغلبوا عليها وكان السلطان لهم ولكن بقي فيها مسلمون يقيمون شعائر دينهم فإنها لا تزال في هذه الحالة دار إسلام ولا تصير دار كفر.
الرابع: أن دار الإسلام إنما تصير دار حرب بتوفر شروط ثلاثة وقد ذكرناها مرارًا وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
والذي ينبغي أن يقال: هو أن العبرة بالمسميات والحقائق لا بمجرد الأسماء والصور، فكما أن الدار التي كانت بأيدي الكافرين، وتجري عليها أحكامهم، ولهم فيها القوة والمنعة الشوكة، إذا غلب عليها أهل الإسلام، وجرت عليها أحكامه، فإنها تصير بذلك دار إسلام بالاسم والحقيقة ولو بقي فيها كفارٌ ذميون، فكذلك دار الإسلام التي تحكم بشرائعه وله فيها القوة والغلبة والسلطان، إذا تبدل حالها وغلب عليها الكافرون أيًا كان جنسهم وملتهم، وأجروا عليها أحكامهم فإنها تصير بذلك دار كفر ولا يبقى معنى في التشبث بوصفها دار إسلام مع هذه الحال؛ لأنها لا تختلف في شيء عن دار الكفر التي لم يفتحها المسلمون أصلًا، اللهم إلا في تعين إرجاعها إلى الحكم الإسلامي، وفرضية مقاتلة غاصبيها، أو في كون غالب سكانها من المسلمين وإن لم يكن هذا دائمًا.
فالأندلس وهي ما تسمى اليوم بإسبانيا، قد فتحها المسلمون بسيوفهم وسقط فيها آلاف الشهداء، وتخرج منها الكثير من أفذاذ العلماء، واستنارت بنور الإسلام وهديه أحقابًا طويلة، ونعمت بحكمه قرونًا مديدة، ثم دارت الدائرة على المسلمين، وتغلب عليها النصارى الصليبيون، فاستأصلوا منها الإسلام والمسلمين ولم يبقوا فيها أحدًا ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومنذ سقوطها وإلى اليوم هي تحت حكمهم وسلطانهم وليس بينها وبين بلدان النصارى الأخرى مثل بريطانيا وأمريكا وغيرها من الفروق إلا المعالم الإسلامية التي صارت مزارًا للسياح ومرتعًا للسفاح؛ فهل مع مثل هذه الحال والصفة يقال إن الأندلس ما زالت دار إسلام سواء في الصورة أو الحكم؟
لا شك في بُعْدِ هذا القول وضعفه، والحاصل أنه وكما أن دار الكفر تنقلب إلى دار إسلام -وهذا موضع اتفاق- بظهور أحكامه عليها فكذلك دار الإسلام تنقلب إلى دار كفر إذا غلبت عليها أحكامه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن كون الأرض دار كفر، أو دار إسلام، أو إيمان، أو دار سلم، أو حرب، أو دار طاعة، أو معصية، أو دار المؤمنين، أو الفاسقين، أوصاف عارضة لا لازمة، فقد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم وكذلك بالعكس»٢٩٦مجموع الفتاوى: (27/45)، وله نظير هذا الكلام في مواطن متعددة من مجموع الفتاوى.، ومن هذا ما حدث عند تغلب العبيديِّين على مصر حيث قال فيها شيخ الإسلام رحمه الله: «ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان، حتى قالت فيها العلماء إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب»٢٩٧مجموع الفتاوى: (35/139)..
أما عن الشروط التي نقلت عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله حتى تصير الدار دار كفر؛ فقد ردها ابن قدامة رحمه الله بقوله: «ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين»٢٩٨المغني: (12/284)..
وبهذا يتبين أن القدر الحقيقي الذي تصير به الدار دار كفر هو علو أحكام الكافرين وجريانها عليها، حتى ولو كان أكثر سكانها من المسلمين، تماما كما لو ضربت الجزية على قوم من الكافرين وصارت أحكام الإسلام هي المهيمنة والجارية، فإن الدار بذلك تصبح دار إسلام دون النظر إلى سكانها، أما اشتراط كون الدار التي يحكم عليها بأنها دار كفر لا بد أن تكون منفصلة عن دار الإسلام، فلا يظهر بالتأمل أن له تأثيرًا حقيقيًا، إذ ما معنى قربها أو بعدها من دار الإسلام إذا كانت الأحكام الجارية والمسيطرة والغالبة هي أحكام الكفار؟ وأي تأثير لهذا القرب ما دام المسلمون تحت سلطانهم وقهرهم وتحكمهم قوانينهم؟
ومما يدل على ذلك أن الله ﷻ قد ذكر الهجرة في كتابه وحث عليها وبين ما أعده للمهاجرين، وتوعد الباقين بين أظهر الكافرين مع قدرتهم على الخروج، وعلق الوعيد على أمر واحد وهو عدم القدرة على إظهار الدين، ومعلوم أن العجز عن إقامة الدين وإظهار شعائره إنما يوجد حين تكون الغلبة للكافرين؛ لأن الضعف يقابله القوة كما قال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨ فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا﴾ [النساء: 97-99].
فلما احتج هؤلاء الذين لحقهم الوعيد بالاستضعاف ظنًا منهم أنه عُذرٌ لهم في ترك الهجرة التي هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وردت عليهم الملائكة حجتهم بأن أرض الله واسعة فيمكن إزالة هذا الاستضعاف بالهجرة والخروج، علمنا من ذلك أن مدار الأمر ومناط الحكم وتعليقه إنما هو في القدرة على إزالة الاستضعاف الناتج عن قوة الكافرين وغلبتهم، ومعلوم أن تمام القوة والتمكين والاستطاعة لا يمكن إلا حيث تكون للمسلمين دولة وشوكة وسلطان يقيمون بها أحكام الله تعالى، كما أن تمام تمكن الكافرين وبلوغهم الغاية في القهر والإذلال للمسلمين لا يتحقق، إلا حينما تكون لهم القوة والشوكة والسلطان والذي يتمثل في دولة يحكمونها، ومن المعلوم أن الهجرة هي جزء من الأحكام الناشئة عن تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر.
قال الشيخ أبو المنذر الساعدي -فك الله أسره- في بيان أن بعض الأدلة على أن مناط الحكم على الدار إنما هو الغلبة والأحكام الجارية:
«1-كانت الحبشة دار كفر، مع أن المسلمين فيها آمنون مظهرون لشعائرهم، ومثلها اليوم كثير من بلاد الغرب النصرانية، حيث يسمح فيها للمسلمين بإظهار شعائرهم ويأمنون فيها على أنفسهم، ومع هذا لا يقول أحد بأن الحبشة أو أمريكا أو بريطانيا دار إسلام، وذلك لأن ظهور الشعائر فيها ليست بقوة المسلمين، وإنما بإذن الكفار.
2- كانت المدينة في ابتداء الهجرة دار حرب آمنة، ولم تصبح دار إسلام إلا بعد أن استقر النبي ﷺ فيها، ولذلك لما ذكر الحافظ رحمه الله نوعي الهجرة قال: «الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين»٢٩٩فتح الباري: (1/16)..
3-كانت مكة دار حرب إلى أن فتحت، مع أنها كانت وقت صلح الحديبية آمنة للمسلمين يقيمون فيها شعائرهم ولا يتعرض لهم أحد.
4- كانت خيبر دار إسلام مع أن سكانها يهود، لكن الغلبة وظهور الكلمة كانت للمسلمين»٣٠٠وبل الغمامة في بيان أحكام الإمامة: (77)، وهو كتاب كان الشيخ قد شرع في كتابته أوائل عام 2001 م، وبسبب ظروف التنقل والمطاردات وكثرة الأشغال لم يستطع إكماله حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فانقطع عن الكتابة فيه زمنًا مع احتفاظه بنسخة يتنقل بها من بلد إلى بلد، إلى أن قدر الله ووقع في الأسر، وبقي بعض الأخوة الفضلاء محتفظًا بمسودة للكتاب مع عدم اكتماله، وقد كتب له أخونا الفاضل الشيخ عطية الله -وفقه الله- مقدمة طيبة، نسأل الله أن ييسر طباعته وإخراجه. [وقد أُخرجَ الكتابٌ بعد ذلك إخراجًا حسنًا وهو متوافرٌ على الشبكة، والحمد لله]..
إذا تبيّن هذا، ونظرنا في حال أغلب ديار المسلمين اليوم وما يعلوها من أحكام الكفر والجاهلية من القوانين الوضعية، وعلمنا أنها قد فرضت على المسلمين فرضًا وأقيمت فوقهم قسرًا وأجريت عليهم قهرًا، وألزموا بالتحاكم إليها إلزامًا، وقدمت فيها على أحكام الشرع الحنيف، وصارت هي الغالبة المسيطرة على الديار، حتى أصبح من العسير أن يأخذ المسلم حقه وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية؛ ذلك لأن المحاكم التي تحكم بشرع الله صارت منعدمة فيها، وإن وجد منها شيء فهو في جوانب محددة مقيدة لا تتجاوزها أو تتعداها وهي ما يسمونها بالأحوال الشخصية، هذا مع ما داخلها من التشويه والتلبيس والمزج بشيء من لوثة تلك القوانين الوضعية والنظم الطاغوتية، حيث وضعت في قوالب وسكك لا يمكنها الخروج منها والانفكاك عنها فهي تابعة وليست متبوعة، ومحكومة وليست حاكمة.
ولهذا كانت مسألة الحكم بما أنزل الله وما يتصل بها من أحكام من أكثر القضايا -إن لم تكن أكثرها على الإطلاق- بحثًا ومناقشة وتناولا لها في الكتب والرسائل والبحوث والفتاوى والمحاضرات، زد على ذلك كله أن المسلمين الملتزمين بدينهم الحق لم يعودوا آمنين في هذه الديار، بل هم مطاردون مضيق عليهم عرضة في كل حين للاضطهاد والتنكيل والتشريد على أيدي حكام هذه البلدان، لا لشيء، إلا لأنهم رجعوا للحق ودعوا إليه، ولا أظن أن أحدًا يُماري أو ينكر مثل هذه الحقائق التي أصبحت اليوم أبيّن من الشمس في رابعة النهار ليس دونها حجاب، وإلا فما بال سجون هؤلاء الطواغيت قد غصت بالشباب المسلمين المستمسكين بالهدى والحق بينما أعداء الله ورسوله من الملحدين والعلمانيين واليهود والنصارى يعربدون ويفسدون عقائد المسلمين ويهدمون دينهم ويعبثون بأخلاقهم، ويشاقون الله ورسوله على مرأى من الناس، ولهم في ذلك كله من هؤلاء الطغاة كامل الحماية وتمام التقدير والتبجيل والاحترام والحفاوة وتوفير سُبل العيش في أرقى مستوياته.
إذا تبيَّن هذا وعلمنا أن مناط الحكم على الديار -ألا وهو اعتبار الأحكام التي تعلوها وتهيمن عليها- قد وجد فيها وغدا واضحًا جليًا وسمةً بارزةً مميزة لها استطعنا أن نحكم على هذه الديار التي صفتها ما ذكرنا بأنها: ديار حرب وكفر وردة، وإن كان صوت الأذان يرفع فوق مآذنها أو الجماعات تقام في مساجدها، أو العيدين تصلى في مصلياتها أو المنابر تهتز بالخطب فوقها، أو أن أكثر سكانها من المسلمين، فكل هذا لا يغير من الحكم شيئًا؛ لأنه ليس مناطًا للحكم، ولا مداره عليه.
فإن المساجد اليوم في كثير من الدول الغربية النصرانية، ومثل ذلك المراكز والهيئات الإسلامية، ونسبة المسلمين في تلك البلاد عالية وإن لم يكونوا الأكثر، بل أغلب هذه الدول أصبحت أأمن للمسلم من كثير من الدول التي افتتحها المسلمون وكانت يوما ما دار إسلام، ومع ذلك فإن ديارهم ديار كفر وحرب.
وكما ذكرنا من قبل ونبهنا عليه ونعيده هنا لأهميته أن هذا الحكم إنما هو للديار فقط، وهو صفة لها وليس لساكنيها، ولا تلازم بين الحكم على الدار بأنها دار كفر وبين الحكم على أهلها بأنهم كفار؛ فالمسلم تبقى حرمة نفسه وماله ودمه وعرضه أينما وجد وحيثما حل، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، فإنه كما حكم بعض الناس على بعض هذه الديار بأنها ديار إسلام وجعلوا حكامها ولاة أمور يجب السمع والطاعة لهم ونتج عن ذلك أحكام منحرفة زائغة، وفي المقابل هناك من يفهم من القول؛ بأن هذه البلاد أصبحت ديار كفر وأن أهلها صاروا بذلك كفارًا مرتدين ورتبوا على ذلك أحكامًا واستخلصوا نتائج هي أشد ضلالًا وأكثر زيغًا من القول الأول.
والحق وسط بين هذين القولين، فلا الديار التي غلبت عليها أحكام المرتدين ونظمهم وقوانينهم يحكم عليها بأنها ديار إسلام بمجرد أن أكثر أهلها مسلمون، ولا سكانها يستحقون الحكم عليهم بالكفر والردة بناء على أن الديار التي يقطنونها هي كذلك، وقد نقلنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سئل عن ماردين، وكلامه ينطبق تماما على هذه الديار من حيث التفصيل، وذلك بغض النظر عن جعلها قسمًا ثالثًا كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ماردين، أو جعلها ديار كفر كما هو قول الجمهور وهو الراجح إن شاء الله.
ولعل أبرز الصور التي تنطبق على هذه البلدان من حيث الحكم والوصف ومن حيث اعتبار حال أهلها وإبقاؤهم على حكم الإسلام رغم تسلط المرتدين عليها هو ما جرى من غلبة العبيديين على مصر وإجراء أحكامهم الكفرية على أهلها، مع إقامتهم لكثير من شعائر الإسلام الظاهرة كالجمع والعيدين والصلوات الخمس والأذان وإن مزجوا كثيرًا من هذه العبادات ببدعهم، ومع ذلك فقد أفتى العلماء بأن دارهم قد صارت دار كفر وردة، ولم ويستلزم من ذلك أن يكون جميع من فيها كفارًا بمجرد ذلك، وقد نقلنا ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في ذلك.
ومن المعلوم أن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لما تغلب على مصر وأزال دولة العبيديين عنها وأعاد الحكم لأهل السنة لم يستتب سكانها، ولم يحكم عليهم بالكفر والردة باعتبار سابق بقائهم تحت حكم المرتدين، بل أنقذهم من ظلم أولئك المارقين الزنادقة وأرجع الدولة إلى حوزة المسلمين.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: «قال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة»٣٠١سير أعلام النبلاء (15/151)..
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «قصة بني عبيد القداح: فإنهم ظهروا على رأس المئة الثالثة، فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب، ومن ذرية فاطمة، وتزيَّ بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب وصار له دولة كبيرة من المغرب ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام، وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم، فأجمع أهل العلم: أنهم كفار وأن دارهم دار حرب مع إظهار شعائر الإسلام، وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر، مع ذلك: أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى إن بعض أهل العلم المعروفين بالصلاح قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين، ورميت بالتسعة بني عبيد ولما كان زمن السلطان محمود بن زنكي أرسل إليهم جيشا عظيما بقيادة صلاح الدين، فأخذوا مصر من أيديهم، ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين»٣٠٢مختصر السيرة: (49).؛ فهذا النص بيِّنٌ فيما ذكرنا من عدم التلازم بين الحكم على الدار بأنها دار كفر وردة بسبب ما يعلوها من أحكام الكافرين ولأجل تغلبهم عليها، وبين بقاء إسلام سكانها المحكومين بتلك القوانين والمقهورين بسلطان الكافرين، فالحكم على الدار لا يعني إطلاقًا الحكم على السكان، وذلك كأهل الذمة الذين لا يكونون مسلمين مع إقامتهم في دولة الإسلام وجريان أحكامه عليهم.
وقد أشار الشيخ محمد أبو زهرة إلى ثمرة الخلاف بين الجمهور وأبي حنيفة في صيرورة دار الإسلام دار كفر بقوله: «لعل ثمرة الخلاف بين الرأيين تظهر في عصرنا هذا؛ فإنه على تطبيق رأي أبي حنيفة: تكون الأقاليم الإسلامية من أقصى المغرب إلى سهول تركستان وباكستان ديارا إسلامية، لأنها إن كان سكانها لا يطبقون أحكام الإسلام، يعيشون بأمان الإسلام الأول وبذلك تكون الديار ديارا إسلامية.
وبتطبيق رأي أبي يوسف ومحمد ومن معهما من الفقهاء تكون الأقاليم الإسلامية لا تُعد دار إسلام بل دار حرب، لأنها لا تظهر فيها أحكام الإسلام ولا تطبق»٣٠٣الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: (343)..
وننقل هنا كلامًا جيدًا للدكتور عبد الله بن أحمد القادري حول واقع كثير من البلدان الإسلامية في هذا العصر وتوضيح مناط الحكم على الديار، وأن الحكم عليها بأنها دار حرب وكفر لا يلزم منها أن يكون أهلها كذلك كفارا فقال بعد كلام طويل له حول حقيقة دار الإسلام ودار الكفر: «ولكن يجب أن يُبيَّن هنا ما تصير به البلاد الإسلامية دار كفر والباحث يميل إلى تلك القاعدة وهي: «أن أي بلد كانت فيه القوة والسلطان للكفار الذين يطبقون أحكام الكفر ويقصون أحكام الإسلام من حياة الناس السياسية والاجتماعية والعسكرية ولا يستطيع المسلمون أن يطبقوا من أحكام الإسلام إلا ما أذن به ذوو السلطان الكفرة مما لا تعلو به كلمة الله ولا تسقط به راية الكفر فإن ذلك البلد الذي تحققت فيه هذه الأمور هو دار كفر وليس دار إسلام» ولو كان أغلب سكانه مسلمين، ولو كان حكام الكفر ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، لأن العبرة في دار الإسلام بظهور أحكام الله فيها وكون كلمة الله هي العليا، والعبرة في دار الكفر بظهور أحكام الكفر وكون مناهج الحياة فيها هي مناهج كفر لا مناهج إسلام.
ولا يهولن القارئ أن هذه القاعدة تنطبق على بلدان أغلب سكانها مسلمون يقيمون شعائر دينهم التي أذن لهم بإقامتها حكامهم المحاربون لله ولرسوله وللمؤمنين؛ فإن العبرة ليست بكثرة من ينتسب إلى الإسلام وإنما هي بمن يطبق أحكامه ويظهرها وينصرها، ويظهر ذلك بعكس هذه المسألة، وهو أن يغلب المسلمون على بلد أغلب سكانه كفار فيقيمون في ذلك البلد أحكام الإسلام وهم أقل من سكانه فإنه يكون دار إسلام وليس دار كفر، فكذلك إذا استولت شرذمة من الكفار على بلد أغلب سكانه مسلمون؛ فأقامت تلك الشرذمة في هذا البلد أحكام الكفر؛ فإنه يصير بلاد كفر وليس بلاد إسلام.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك: ألبانيا؛ التي لا زالت أسماء بعض حكامها أسماء مسلمين وأغلب سكانها مسلمون ولكن الزمرة الحاكمة فيها اشتطت في تطبيق أحكام أعظم كفر وجد على ظهر الأرض وهو الإلحاد الماركسي، وإذا كانت ألبانيا أصبحت دار كفر بذلك فما الفرق بينها وبين بلدان أخرى في غير أوروبا تسير في نفس هذا السبيل ويعلن للملأ حكامها بأنهم لينينيون ماركسيون أو علمانيون لا يعترفون بحكم الله في جزئية من الجزئيات، وقد يخدعون المسلمين بالإذن لهم بتطبيق بعض الأحكام التي لا يرون من تطبيقها ضررا على حكمهم الكافر.
ولا يلزم من إطلاق اسم دار الكفر على تلك الديار كفر جميع سكانها؛ فقد يكون منهم المسلم المغلوب على أمره ومنهم الكافر الغالب، ولا عبرة بقلة أو بكثرة وقد تكون البلاد بلاد إسلام فيستولي عليها الكفار ويطبقون فيها أحكام الكفر فتنقلب دار كفر كما أن بعض الديار تكون دار كفر فيستولي عليها المسلمون ويطبقون فيها أحكام الإسلام فتنقلب دار إٍسلام وهكذا...
والدليل الواضح من الواقع وهو أن الكفرة الذين يطبقون أحكام الكفر ويستميتون في إبقائها وتثبيتها لو دعاهم داع إلى الإسلام وإظهار أحكامه بدلًا من الكفر لما استجابوا له بل إنهم لينصبون له العداء ويستعدون لحربه كما يفعل الكفار في بلاد الكفر الأصلية»٣٠٤الجهاد في سبيل الله: (1/604- 605)..
والآن وبعد أن عرفنا حكم هذه الديار التي ألغت شريعة الرحمن وأقامت شريعة الشيطان وسلطت على الناس أنظمة الكفر والظلم، وألزمتهم بالحكم بها والتحاكم إليها، وأجبرتهم على التخلي عن أحكام الله تعالى، ومنعتهم من إقامتها فيما بينهم، آن الأوان أن نشرع في الكلام على إقامة الحد في دار الحرب والذي نقصد به أصالةً هو إقامتها في البلدان المذكورة وبالله نستعين.
❖ ❖ ❖