بيان معنى الحد لغة وشرعًا

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي

إِلَى السِّجْنِ لَا تَجْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَأْسِ٣٠٥[ديوان قيس بن الخطيم (ص 234)].

أما عن معنى الحد كما ورد في الكتاب والسنة فقد:

قال ابن منظور: «وحدود الله تعالى الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها، وأمر ألا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنه منها، ومنع من مخالفتها، واحدها حد، وحد القاذفَ ونحوه يحده حدا: أقام عليه ذلك.

الأزهري: فحدود الله ﷻ ضربان: ضرب منها حدود حدها للناس في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحل وحرم وأمر بالانتهاء عما نهى عنه منها ونهى عن تعديها، والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق وهو قطع يمينه في ربع دينار فصاعدا، وكحد الزاني البكر وهو جلد مئة وتغريب عام، وكحد المحصن إذا زنى وهو الرجم، وكحد القاذف وهو ثمانون جلدة، سميت حدودا لأنها تحد أي تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، وسميت الأولى حدودا لأنها نهايات نهى الله عن تعديها.

ص 267

قال ابن الأثير: وفي الحديث ذكر الحد والحدود في غير موضع؛ وهي محارم الله وعقوباته التي قرنها بالذنوب، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة ومنه قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، ومنه ما لا يتعدى كالمواريث المعنية وتزويج الأربع، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، ومنها الحديث: إني أصبت حدا فأقمه علي، أي أصبت ذنبا أوجب عليَّ حدا أي عقوبة، وفي حديث أبي العالية: إن اللمم ما بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة، يريد بحد الدنيا ما تجب فيه الحدود المكتوبة كالسرقة والزنا والقذف، ويريد بحد الآخرة ما أوعد الله تعالى عليه العذاب كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا»٣٠٦لسان العرب: (3/140)..

وقد ورد لفظ الحدود في كتاب الله تعالى كثيرًا وكذا في سنة النبي ﷺ، ومداره على هذين المعنيين أي الفصل بين الشيئين، والمانع من التعدي إلى شيء آخر، فكل من ارتكب معصية فقد تعدى حدًا من حدود الله ﷻ، ويكون قدر التعدي بحسب عظم تلك المعصية، وكذلك بالنسبة للعقوبات المقدرة سميت حدودًا؛ لأن كل من زنى أو قذف أو سرق أو قطع الطريق أو شرب الخمر فقد استحق أن تقام عليه العقوبة التي تمنعه من العود إلى تلك المعصية، ولينزجر غيره من الاقتداء به فيها، فبين الحق والباطل حد يفصل بينهما ويميز أحدهما عن الآخر، كما قال النبي ﷺ: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)٣٠٧رواه البخاري [(52)، بخلاف يسير في بعض الألفاظ]، ومسلم [(4101)، بخلاف يسير كذلك]، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه..

ص 268

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وأصل الحد ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها، وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدًا لكونها تمنعه المعاودة، أو لكونها مقدرة من الشرع، وللإشارة إلى المنع سمي البواب حدادًا، قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وعلى فعلٍ فيه شيء مقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ [الطلاق: 1]، وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدودًا، فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه»٣٠٨فتح الباري: (12/85)..

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وقوله سبحانه: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، وقوله عز من قائل: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ﴾ [النساء: 13]، وقوله جل في علاه: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 97]، وقوله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ﴾ [المجادلة: 4]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ [الطلاق: 1]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا﴾ [النساء: 14].

ص 269

ومن السنة قوله ﷺ: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله»٣٠٩متفق عليه عن أبي بردة بن نيار، [البخاري: (6850) بلفظ «لا تجلدوا» بدل «لا يجلد»، ومسلم: (1708)].، وقوله ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود»٣١٠رواه أحمد [(25513)، وقال الشيخ الأرنؤوط: «حديث جيد بطرقه وشواهده»]، وأبو داود [(4375)، وصححه الألباني]، والترمذي [ولم أجده فيه، ولم أجد من عزاه للترمذي في كتب الحديث والتخريج] عن عائشة رضي الله عنها.، وقول النبي ﷺ: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)٣١١رواه أحمد [18652]، والبخاري [2493]، والترمذي [2173] عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، [وليس اللفظ لأحدهم، وإنما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (1/181)، ولفظهم مقارب له بالمعنى وليس بنصه].، وقول رسول الله ﷺ: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره)٣١٢رواه أحمد [5385]، وأبو داود [3597]، والحاكم [(2222) واللفظ له]، والبيهقي [17680] وغيرهم عن عبد الله بن عمر، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (6196)..

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: « فالعدوان هو تعدي حدود الله التي قال فيها: تعالى ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ ﴾ [البقرة: 229]، فنهى عن تعديها في آية وعن قربانها في آية، وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة، فبالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها»٣١٣زاد المهاجر: (1/14)..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد جاء في كتاب الله تعالى في موضع: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾، والحدود هنا نهايات المحرم وأولها، فلا يجوز قربان شيء من المحرم، وفي موضع: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾، والحدود هنا نهايات الحلال فلا يجوز تعدي الحلال»٣١٤بيان تلبيس الجهمية: (2/118)..

تعريف الحد في اصطلاح الفقهاء:

فكما علمنا فإن معنى الحد في الشرع قد اشتمل على المعاني السابقة، إلا أن الفقهاء قد قصروه على بعض تلك المسميات فصار في عرفهم جاريًا عليها ومحصورًا فيها.

فالحد في اصطلاح الفقهاء: عقوبة مقدرة في الشرع لأجل حق الله تعالى.

ص 270

قال العلامة الكاساني الحنفي رحمه الله: «وفي الشرع عبارة عن: عقوبة مقدرة واجبة حقًا لله تعالى عز شأنه، بخلاف التعزير فإنه ليس بمقدر، قد يكون بالضرب وقد يكون بالحبس وقد يكون بغيرهما، وبخلاف القصاص فإنه وإن كان عقوبة مقدرة لكنه يجب حقًا للعبد حتى يجري فيه العفو والصلح، سمي هذا النوع من العقوبة حدًا لأنه يمنع صاحبه إذا لم يكن متلفًا وغيرَه بالمشاهدة، ويمنع من يشاهد ذلك ويعاينه إذا لم يكن مُتلفًا؛ لأنه يتصور حلول تلك العقوبة بنفسه لو باشر تلك الجناية فيمنعه ذلك من المباشرة»٣١٥بدائع الصنائع: (7/33)..

وقال العلامة التهانوي رحمه الله في تعريف الحد عند الفقهاء: «عقوبة مقدرة تجب حقًا لله تعالى، فلا يسمى القصاص حدًا لأنه حق العبد ولا التعزير لعدم التقدير، والمراد بالعقوبة هاهنا ما يكون بالضرب أو القتل أو القطع، فخرج عنه الكفارات، فإن فيها معنى العبادة والعقوبة، وكذا الخراج فإنه مؤنة فيها عقوبة، هذا هو المشهور، وفي غير المشهور: عقوبة مقدرة شرعا، فيسمى القصاص حدًا، لكن الحد على هذا على قسمين: قسم يصح فيه العفو، وقسم لا يقبل فيه العفو، والحد على الأول لا يقبل الإسقاط بعد ثبوت سببه عند الحاكم»٣١٦موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون: (623).، وبنحو هذا عرفه أهل المذاهب، وكلمتهم تتفق على أن العقوبات المقدرة شرعًا تسمى حدودًا، وإذا أطلقت كلمة حدود في كلامهم فإنها تنصرف لهذا المعنى دون سواه، فصار معنى الحد في عرف الفقهاء واصطلاحهم هو ما ذكرناه فقط، وقد وردت عدة أحاديث صحيحة بتسمية العقوبات المقدرة حدودًا على وجه العموم، كما جاء تنصيصًا على بعض العقوبات بعينها.

فمن الأولى قول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٣١٧رواه أحمد [(25513)، وقال الشيخ الأرنؤوط: «حديث جيد بطرقه وشواهده»]، وأبو داود [4375]، والترمذي [ولم أجده فيه] عن عائشة، وقد سبق قريبًا.، ففي هذا الحديث قسم النبي ﷺ العقوبات إلى قسمين، وجعل لكل قسم حكمًا خاصًا به:

القسم الأول: وهو الحدود، والمقصود بها هنا العقوبات التي جاءت مبينة في الشرع من حيث الصفة والقدر كحد القذف والزنى وقطع الطريق والسرقة.

ص 271

القسم الثاني: وهو ما يرجع في اختياره وصفًا وقدرًا إلى اجتهاد الإمام ونظره، وهو ما يعرف بالتعزير وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله، وفرَّق بين الأمرين بأن الحدود المقدرة لا تقبل الإقالة بأي حال من الأحوال وتحرم فيها الشفاعة بعد بلوغها الإمام، والناس فيها سواسية، أما التعزير فينظر فيه إلى مرتكبه وحاله فقد يقام على شخص ويعفى فيه عن شخص آخر.

ويبيُّن ذلك قول النبي ﷺ: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره)٣١٨رواه أحمد [5385]، وأبو داود [3597]، والحاكم [(2222) واللفظ له] وغيرهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد مر قريبًا.، فهذا يبيُّن أنَّ الحدود لا شفاعة فيها بعد بلوغها الحاكم وهو موضع اتفاق من الفقهاء، وقد روى البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب)٣١٩[السنن الكبرى للبيهقي: (17611)]، ورواه أيضًا أبو داود [4376]، والنسائي [7332]، والطبراني في الأوسط [(٦٢١٢)، بلفظ «من شيء» بدل «من حد»]، والحاكم [(٨١٥٦)، بلفظ «بينكم» بدل «فيما بينكم»] عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهم، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (2954).، ولا شك أن المقصود بالحدود في هذه الأحاديث العقوبات المقدرة، وذلك لأن عقوبة التعزير تجوز فيها الشفاعة والعفو كما سيأتي وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك.

ص 272

ويزيد ذلك بيانًا حديث المرأة المخزومية التي سرقت لما كلَّم أسامة رضي الله عنه رسول الله ﷺ فقال: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ إنما أهلك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)٣٢٠متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها. [هكذا ذكره الشيخ بمعناه، وقد جاء في صحيح البخاري: (3288) بلفظ: (أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وفي صحيح مسلم: (4428) بلفظ قريب].، وهذا الحديث نص على أن قطع اليد -وهي عقوبة مقدرة- تسمى حدًّا، وهو مبين للأحاديث التي قبله الناهية عن الشفاعة في الحدود، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام: مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، ويقال في الثاني: قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وأما تسمية العقوبة المقدرة حدًا فهو عرف حادث»٣٢١مجموع الفتاوى: (28/348)..

والأَولى والأظهر أن يقال: أما قصر الفقهاء معنى الحد على العقوبات المقدرة فهو عرف حادث لأنه -وكما رأينا- فإن إطلاق الحد على هذا النوع منها جاء كثيرًا في لسان الشارع؛ فتسمية العقوبة المقدرة حدًا ليس أمرًا حادثًا، وإنما الحادث هو قصر الاسم عليها وحصره فيها ونفيه عما سواها، وهذا ما يدل عليه كلام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: «الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء؛ فإنهم يريدون بالحدود: عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك؛ فإنه يراد منه هذه العقوبات تارة، ويراد منه نفس الجناية تارة كقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة»٣٢٢إعلام الموقعين: (2/48)..

لفظ الحدود يأتي في الكتاب والسنة وأقوال الصـحابة

وبالجملة فيمكن القول بأن لفظ الحدود يأتي في الكتاب والسنة وأقوال الصـحابة على معانٍ:

الأول: العقوبات المقدرة بالشرع كعقوبة الزنا والقذف والسرقة؛ فمما دل على هذا المعنى قول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٣٢٣[رواه أحمد: (25513)، وقال الشيخ الأرنؤوط: «جيد بطرقه وشواهده»، وأبو داود: (4375) عن عائشة، وقد سبق قريبا].، وقوله ﷺ: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب)٣٢٤[رواه أبو داود: (4376)، والنسائي: (7332)، والطبراني في الأوسط: (٦٢١٢) بلفظ «من شيء» بدل «من حد»، والحاكم: (٨١٥٦) بلفظ «بينكم» بدل «فيما بينكم» عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (2954)، وقد سبق قريبا].، في أحاديث أخرى ذكرت بعضها قبلُ، ومن أقوال الصحابة رضي الله عنهم قول عبد الرحمن بن عوف: «إن أخف الحدود ثمانون»٣٢٥رواه أحمد [(12828) بدون لفظ «إنَّ»، وقال الشيخ الأرنؤوط «إسناده صحيح على شرط الشيخين»]، ومسلم [(4472) بلفظ «أخفَّ الحدود ثمانين»] وأبو داود [(4426)، بخلاف في بعض الألفاظ، وصححه الألباني] وغيرهم.، وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه»٣٢٦متفق عليه، [البخاري: (6778) بلفظ «فأجد» بدل «وأجد»، ومسلم: (4478) بخلاف يسير]..

الثاني: ما يحتمل أن يكون قصد به العقوبات المقدرة وغير المقدرة معًا فيكون لمطلق العقوبة، وذلك كقوله ﷺ: (من أصاب حدًا فجعل٣٢٧[هكذا ذكره الشيخ، والصواب «فعجّل» بدل «فجعل»، وبإضافة اسم الجلالة «الله» بعد «فستره»، ولكن أورده الطيبي في شرح المشكاة (8/2546) بنفس لفظ الشيخ، ولكنه ليس كتابًا حديثيا فالصواب أن اللفظ: فعجَّل]. الله له عقوبته في الدنيا، فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدًا فستره عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه)٣٢٨أخرجه الترمذي [2626]، وابن ماجة [2604]، والحاكم [(13)، واللفظ له]، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي [17593] عن علي بن أبي طالب، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع: (5423).، وكقوله ﷺ: (من أصاب ذنبًا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته)٣٢٩رواه أحمد [23108]، والحاكم [8167]، والبيهقي [(17594)، واللفظ له] وغيرهم عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (6039).، وإن كان قوله: (حد ذلك الذنب)؛ يشعر بأن له حدًا أو عقوبة معهودة معروفة، وهذا لا يكون إلا في الحدود المقدرة.

ص 273

الثالث: أن يراد به عين المعصية التي يحد عليها، كما في قول الرجل الذي جاء النبيَّ ﷺ: «أصبتُ حدًا فأقمه علي»٣٣٠متفق عليه عن أنس رضي الله عنه، [البخاري: (6823)، ومسلم: (4452)].، وبوَّب عليه البخاري رحمه الله بقوله: باب إذا أقر بالحد ولم يبيّن هل للإمام أن يستر عليه؟، وكحديث عمران بن حصين: «أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنى فقالت: يا نبي الله أصبت حدًا فأقمه عليَّ فدعا نبي الله ﷺ وليَّها فقال: (أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها)، ففعل»٣٣١رواه أحمد [19940]، ومسلم [(1696)، واللفظ له] وغيرهما عن عمران بن حصين رضي الله عنه.، فإنها أرادت ارتكاب موجب الحد، وهو من باب تسمية السبب باسم المسبَّب.

الرابع: أن يطلق ويراد منه كل ما نهى عنه الشارع الحكيم، كما في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، أو يقصد بها ما يفصل بين الحلال والحرام، كما في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]؛ أي لا تتجاوزوا ما شرعت لكم إلى غيره، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله ذاكرًا بعضًا من هذه المعاني التي يرد لها لفظ الحدود وملخصًا لها تلخيصًا جيدًا وذلك في شرحه لحديث النبي ﷺ: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياءٍ رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)٣٣٢رواه الدار قطني [(4396) بلفظ: (إن الله ﷻ فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)، واللفظ المذكور أثبته الشيخ الألباني في كتابه «غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام» ص (17)]، عن أبي ثعلبة الخشني، وقال الشيخ الألباني في تخريجه لكتاب الإيمان لابن تيمية: حسن بشاهده، وقال في تخريج الطحاوية: حسن لغيره، وضعفه في ضعيف الجامع: (1597)..

ص 274

قال: «وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها؛ فالمراد بها جملة ما أذن في فعله، سواء كان على طريق الوجوب أو الندب أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 229]. والمراد: من أمسك بعد أن طلق بغير معروف أو سرح بغير إحسان أو أخذ مما أعطى المرأة شيئا على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها، وقال تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ [النساء: 13]، إلى قوله: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [النساء: 14]، والمراد: من تجاوز ما فرضه الله للورثة ففضَّل وارثا وزاد على حقه أو نقصه منه، ولهذا قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: (إن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه، فلا وصية لوارث)٣٣٣[رواه أبو داود: (2870) وغيره، بلفظ (قد أعطى) بدل (أعطى)، وقال الألباني: «حسن صحيح»، وورد بلفظه المذكور في مصنف ابن أبي شيبة: (30716) وغيره]..

وروى النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتيِّ الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق: واعظ الله في قلب كل مسلم)، خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي في تفسيره، والترمذي وحسنه٣٣٤[مسند أحمد: (17634) واللفظ له بخلاف يسير جدًّا، وسنن النسائي الكبرى: (11233)، وسنن الترمذي: (2859)].؛ فضرب النبي ﷺ مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم، وهو الطريق السهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو -مع هذا- مستقيم لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران وهما حدود الله.

وكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته؛ فكذلك الإسلام يمنع مَن دخله من الخروج عن حدوده ومجاوزتها وليس وراء ما حد الله من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده وذم من لا يعرف حد الحلال من الحرام كما قال تعالى: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ﴾ [التوبة: 97]، وقد تقدم حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حفظ حدودي ولمن لم يعمل به: تعدى حدودي، والمراد: أن من لم يجاوز ما أذن له فيه إلى ما نهى عنه فقد حفظ حدود الله، ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله.

ص 275

وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم؛ وحينئذٍ فيقال: لا تقربوا حدود الله، كما قال تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، والمراد النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى -وهو تسمية المحارم حدودًا- قول النبي ﷺ: (مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم اقتسموا سفينة...)٣٣٥[هكذا أورده ابن رجب بالمعنى، وهو في صحيح البخاري: (2493) بخلاف في بعض الألفاظ]. الحديث المشهور، وأراد بالقائم على حدود الله المنكر للمحرمات الناهي عنها، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: (إني آخذ بِحُجَزِكم أقول: اتقوا النار اتقوا الحدود قالها ثلاثا) خرجه الطبراني والبزار٣٣٦[هكذا أورده ابن رجب، وقد ورد في المعجم الكبير للطبراني: (10953)، واللفظ له بدون «قالها ثلاثا»، ومسند البزار: (5110)، وحسنه الألباني في الصحيحة: (3087)].، وأراد بالحدود محارم الله ومعاصيه، ومنه قول الرجل الذي قال للنبي ﷺ: فإني أصبت حدًا فأقمه علي.

وقد تسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة حدودًا، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر، ومنه قول النبي ﷺ لأسامة: (أتشفع في حد من حدود الله)٣٣٧[متفق عليه، البخاري: (6788)، ومسلم: (4428)].، يعني في القطع في السرقة، وهذا هو المعروف من أسماء الحدود في اصطلاح الفقهاء أهـ»٣٣٨جامع العلوم الحكم: 2(/160- 162)..

خلاصة القول في معنى الحد

أنه يأتي في ألفاظ الشارع ويراد به عدة معان؛ منها: العقوبات المقدرة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح، وورد بهذا المعنى كثيرًا في كلام الصحابة ومن تبعهم، أما حصر هذا اللفظ في العقوبات المقدرة وقصره عليها، وحمل ألفاظ الشارع كلها على هذا المعنى فليس بصحيح، بل ينظر إلى كل لفظ وسياقه الذي جرى فيه، والقرائن التي تحف به، والوقائع التي ارتبط بها، فإن من أكبر الخطأ تقييد ألفاظ الشارع وحملها على اصطلاحات حادثة أقصى ما يقال فيها إنها بعض أفراد المعنى وليست كله.

ص 276

وفي هذا يقول بكر أبو زيد معلقًا على كلام لابن القيم في هذا المعنى: «وإن هذا الموقف من ابن القيم رحمه الله هو من فقه الكتاب والسنة فهذا العموم للفظ «الحد» في لسان الشارع تؤيده النصوص التي ساقها رحمه الله، وقصر الحد على العقوبة المقدرة للجنايات يحتاج إلى دليل يفيد القصر، وبعد التحري لم أرَ دليلًا على هذا القصر، وإنما هو محض اصطلاح دعاهم إليه -والله أعلم- أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها لأهميتها وتميزها بأحكام خاصة بها تقريبا للأذهان، وتيسيرا على الطالبين ولا مشاحة في الاصطلاح.. فابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف الحد، ولكن يعارض بكل شدة أن يقضى بالاصطلاح الحادث على نصوص الشرع فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها، ولا شك أن هذا من الغلط على نصوص الكتاب والسنة»٣٣٩الحدود والتعزيرات عند ابن القيم: (25)،

وفي هذا البحث إذ نتحدث عن إقامة الحدود في دار الحرب، فإن المقصود بالحدود فيه هو العقوبات المقدرة المعروفة والتي جرى عليها عرف الفقهاء واصطلاحهم، وسيأتي الكلام على العقوبات غير المقدرة «التعزيرات»، وإنما أطلت الكلام على معنى الحدود في الكتاب والسنة لما سينبني عليها من بعض الترجيحات في الجزء المتعلق بالتعزير.

❖ ❖ ❖

ص 277