التعزيـر

بعد أن انتهى الكلام عن الحدود المقدرة شرعًا وبيان ما ترجح في حكم إقامتها على المجاهدين في دار الحرب، والذي كان المقصد به أصالة إقامتها في الديار التي تحكم اليوم بالقوانين الوضعية التي يجريها المرتدون على أهليها، فسَنُثَنِّي بالكلام عن التعزير، وبيان بعض الأحكام المتعلقة به وبالله نستعين:

أولًا: تعريف التعزير في اللغة

التعزير مصدر عزَّر يعزِّر تعزيرًا، ويطلق في اللغة على: النصرة، والتعظيم، والتوقير، والمنع، فمنه قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ﴾ [المائدة: 12]، ومنه قوله ﷻ: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ [الأعراف: 157]، ومنه قوله ﷻ: ﴿لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9]، وما تضمنته هذه الآيات يدور حول المعاني اللغوية التي ذكرناها، قال في مختار الصحاح٤٧٢[ص (207)]. في بيان معنى التعزير: «التوقير والتعظيم وهو أيضًا التأديب».

ص 339

ومن هنا فقد غلَّطوا صاحبَ القاموس لما أدخل في تعريف التعزير قولَه: والتعزير: ضرب دون الحد، فقالوا: إن هذا وضعٌ شرعي لا لغوي، إذ إنه لم يعرف إلا من جهة الشرع، فكيف ينسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله، قال ابن نجيم الحنفي: «قال في النهر: وفي القاموس إنه -أي التعزير- من أسماء الأضداد يطلق على التفخيم والتعظيم وعلى التأديب وعلى أشد الضرب وعلى ضربه دون الحد كذا في القاموس. قال ابن حجر المكي: الظاهر أن هذا الأخير غلط لأن هذا وضع شرعي لا لغوي، إذ لم يعلم إلا من جهة الشرع، فكيف نسب إلى أهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله، والذي في الصحاح بعد تفسيره بالضرب ومنه سمي ضرب ما دون الحد تعزيرًا، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد هو: كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي، فهو كلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها وزيادة، وهذه دقيقة مهمة تفطن لها صاحب الصحاح وغفل عنها صاحب القاموس وقد وقع له نظير ذلك كثيرًا وهو غلط يتعين التفطن له»٤٧٣البحر الرائق: (5/44).، مع أن بعضهم تكلف في تخريج كلامه وحاول إيجاد وجه يدفع به تغليط المنتقدين فأطال من غير طائل.

ثانيًا: تعريف التعزير في الاصطلاح

تبيّن لنا في المبحث السابق الخاص بحكم إقامة الحدود في دار الحرب أن من المعاني الشرعية للحد هو العقوبة المقدرة في الشرع، وعلى هذا المعنى خصوصًا جرى اصطلاح الفقهاء ومضى عرفهم؛ بحيث لم يعد يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه في كلامهم إلا عليه.

ومن هذا يتبيّن أن العقوبات الشرعية منها ما هو مقدر ومقيَّد كمًا ونوعًا ووصفًا، ومنها ما ليس كذلك، فالعقوبات التي لم تأت الشريعة بتحديد قدرها ولا صفتها هي التي اصطلح الفقهاء على تسميتها تعزيرًا، ولهذا فإن الفقهاء يعرفون التعزير بأنه:

العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، قال ابن قدامة رحمه الله في تعريفه: «هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها»٤٧٤المغني: (10/342).، وقد عرفها في معجم لغة الفقهاء٤٧٥[ص (136)].: «ما يقدره القاضي من العقوبة على جريمة لم يرد في الشرع عقوبة مقدرة عليها».

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحدود ولا كفارة فيه، ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه، ونوع لا حد فيه ولا كفارة.

ص 340

فالأول: كالسرقة والشرب والزنا والقذف. والثاني: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر. والثالث: كوطء الأمة المشركة بينه وبين غيره، وقبلة الأجنبية، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك»٤٧٦إعلام الموقعين: (2/118)..

وتعريفات الفقهاء لا تكاد تخرج عن هذا المعنى وإن تنوعت عباراتهم في ذلك.

ثالثًا: مشروعيته

دل على مشروعية التعزير الكتاب، والسنة، والإجماع، والاعتبار.

أما الكتاب:

فقوله تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهـۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34] (النساء: 34)؛ فجوّز للزوج ضرب زوجته عند نشوزها وذلك إن لم يجد وعظها وهجرانها في المضجع، فإذا كان ذلك جائزًا للزوج مع أن الضرر الناتج عن النشوز محدود ومتعلق بفرد فجوازه في المعاصي العامة سواء منها ما يتعلق بحقوق الله أو بحقوق العباد لأجل الزجر وكف الأذى أولى وأحرى والله تعالى أعلم.

ص 341

قال ابن الهمام رحمه الله: «وهو مشروع بالكتاب، قال تعالى: ﴿وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ﴾ [النساء: 34]، أمر بضرب الزوجات تأديبًا وتهذيبًا»٤٧٧فتح القدير (5/344).، وقال ابن الأخوة الشافعي رحمه الله: «ولأنَّ الله تعالى أباح الضرب للزوج عند نشوز الزوجة وقسنا عليه سائر المعاصي على حسب ما يراه الإمام أو نائبه»٤٧٨معالم القربة (192).، وهذه الآية تعد أصلًا عظيمًا في أصول التدرج بالعقوبات من الأدنى إلى الأعلى، والاقتصار على ما يفي بالغرض، والانكفاف عن التعدي والبغي على ما تستوجبه كل معصية؛ لأن المقصود من العقوبات أصالة هو الزجر عن المعصية والردع عنها، وليس التشفي والإيلام والتعذيب، فإذا حصل؛ فإن التجاوز والزيادة حينئذٍ تعد من الظلم والمعصية، وسيأتي بيان هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في موضعها من هذا البحث.

وأما السنة:

فإن أقوال النبي ﷺ وأفعاله قد دلت على مشروعية هذا النوع من العقوبات، فمن ذلك قوله ﷺ: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله)٤٧٩رواه الشيخان [البخاري: (٦٨٤٨) واللفظ له، ومسلم: (4480)] وغيرهما عن أبي بردة بن نِيَار.، قال الترمذي٤٨٠[1463]. عقب روايته لهذا الحديث «وأحسن شيء يروى في التعزير هذا الحديث»، ومنها قوله ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٤٨١[تقدّم تخريجه في (ص 268)]، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وقد ذكرناه مرارًا..

وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب كم التعزير والأدب، ثم أورد تحته جملة من الأحاديث، منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «إنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم»٤٨٢[البخاري: (٦٨٥٢)].، وأما مِن فعله ﷺ فكهجرانه الثلاثة الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك والذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118]، وقصتهم في الصحيحين٤٨٣[البخاري: (4418)، ومسلم: (2769)]. وغيرهما عن كعب بن مالك رضي الله عنه.

ص 342

وكالحديث الذي رواه البخاري ومسلم٤٨٤[البخاري: (٧٢٩٩)، ومسلم: (١١٠٣)]. وغيرهما أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله ﷺ: أيكم مثلي؟، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر لزدتكم، كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا)، وسيأتي في ثنايا هذا البحث كثير من أقوال وأفعال النبي ﷺ عند ذكر حجج العلماء وأقوالهم في المسائل المتفرقة التي سنذكرها.

وأما الإجماع:

فقد حكاه غير واحد من العلماء، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد أجمع العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، والمعاصي نوعان: ترك واجب وفعل محرم، فمن ترك أداء الواجب مع القدرة عليه فهو عاص، مستحق للعقوبة والتعزير والله سبحانه أعلم»٤٨٥مجموع الفتاوى: (30/39)..

وقال ابن القيم رحمه الله: «واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم»٤٨٦الطرق الحكمية: (1/154)..

وقال المباركفوري رحمه الله: «وهو مما اشتهر عن الصحابة رضي الله عنهم في قضايا متعددة انتشر ذكرها وشاع بينهم مثلها، وأجمع عليه الصحابة»٤٨٧تحفة الأحوذي: (5/27)..

وأما الاعتبار:

ص 343

فإننا نعلم أن المعاصي التي يقترفها الناس وتجذبهم النفوس الأمارة بالسوء إليها لا تنحصر فيما نصت الشريعة على عقوبة مقدرة لها، ولا تتوقف عندها، كما أننا نعلم بالقطع من مجمل نصوص الشرع وطريقته أن من مقصوده زجر الناس عنها وكفهم عن ارتكابها، وذلك اعتبارًا بالعقوبات المحددة «الحدود»، ومن المشاهد المعلوم أيضًا أن تلك المعاصي والجنايات تتفاوت فيما بينها شناعة وقبحًا، وكذلك بالنظر إلى مرتكبيها، ومواطن وأوقات وهيئات اقترافها؛ فإذا تم التوقف عن ردع العصاة والمجرمين، وكف أذاهم عن الخلق، ومنعهم من الظلم لبعضهم، وردهم عن الفساد في الأرض فإن ذلك بلا شك يفضي إلى شيوع ما لا يريده الشارع ولا يرضاه من الفحشاء والمنكر والبغي والعدوان، بل يؤدي إلى ما ندب إلى حسمه وحض على منعه وكفه، وعليه فإن إطلاق أيدي الولاة وتخويلهم النظر في العقوبات المناسبة لجناياتها وصفًا وقدرًا ونوعًا يعد من تمام العدل وكمال الحكمة.

ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بهذا النوع من الزواجر، حسمًا لمادة الفساد، وتنقية للمجتمع من أدران الموبقات، وكفارة للجناة مما تقترفه أيديهم، فهذه العقوبات تعد طهرة للمجتمع وللجناة في آن، قال ابن فرحون المالكي: «ولما كان الناس لا يرتدعون عن ارتكاب المحرمات والمنهيات إلا بالحدود والعقوبة والزواجر، شرع ذلك على طبقات مختلفة، فالعقوبة تكون على فعل محرم أو ترك واجب أو سنة أو فعل مكروه، ومنها ما هو مقدر، ومنها ما هو غير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال المجرم في نفسه، وبحسب حال القائل والمقول فيه والقول، وقال ابن قيم الجوزية، اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر، وحسب الجاني في الشر وعدمه»٤٨٨تبصرة الحكام: (2)..

حكم إقامة عقوبة التعزير

وما ذكرناه هو أصل مشروعية التعزير وإقراره كعقوبة زاجرة في الشريعة، أما حكم إقامة هذه العقوبة على الجاني، وهل يجب ذلك أم لا؛ فقد اختلفت فيه مذاهب العلماء:

القول الأول: وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة؛ أن التعزير إن كان لحق الله تعالى فإنه يجب تنفيذه وإقامته، إلا إذا رأى الإمام مصلحة في عدم إقامته، أو رأى أن الجاني يمكن أن ينزجر من غير أن يعزر، فالحكم الأصلي المستقر والمقرر عندهم هو وجوب إقامة عقوبة التعزير على مرتكب المعصية إن كانت لحق الله تعالى، ثم يستثنى من ذلك من يمكن أن ينزجر من غير عقوبة، أو كانت هناك مصلحة راجحة على مصلحة معاقبته بحسب اجتهاد الإمام وتحريه للأصلح.

ص 344

قال ابن قدامة رحمه الله: «التعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام، وبه قال مالك وأبو حنيفة»٤٨٩المغني: (9 /149).، إلا أن هناك رواية عن الإمام أحمد بالندب؛ قال ابن مفلح رحمه الله: «وفي الشرح: هو واجب إذا رآه الإمام فيما شرع فيه التعزير، وعنه يعزر المكلف ندبًا نص عليه في تعزير رقيقه على معصية وشاهد زور، وفي الواضح: في وجوب التعزير روايتان، والأشهر كما ذكره المؤلف ونص عليه الإمام في سب صحابي كحد وكحق آدمي»٤٩٠المبدع: (9/108).، وقال السيواسي الحنفي: «ثم التعزير فيما شرع فيه التعزير إذا رآه الإمام واجب، وهو قول مالك وأحمد»٤٩١شرح فتح القدير: (5/346).، وقال ابن فرحون المالكي: «مسألة: قال القرافي الحدود واجبة الإقامة على الأئمة، واختلفوا في التعزير فقال مالك وأبو حنيفة رحمه الله: إن كان لحق الله تعالى وجب كالحدود، إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام، وقال الشافعي رحمه الله هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه»٤٩٢تبصرة الحكام: (2/298)..

وننبه هنا إلى أن كثيرًا من الفقهاء يُطلقون التعزير ويريدون به عقوبة الضرب خاصة، وذلك لأنها أظهر أنواعه وأشهرها، وهذا من إطلاق البعض على الكل، وهو ما يُفهم من كلام القرافي المنقول، ولذا فإن بعض الشافعية عرف التعزير بأنه: اسم يختص بالضرب الذي يضربه الإمام أو خليفته للتأديب في غير الحدود، فهو من باب تعريف الحد ببعض أفراده، وعلى كلٍ فليس هذا المسلك هو المعروف عن الشافعية في أمهات كتبهم وإنما لزم التنبيه.

ص 345

القول الثاني: أن إقامته لا تتعين، وإنما الإمام فيه بالخيار، فإن رأى إقامته على المذنب أقامه، وإن رأى العفو عفا عنه، إلا أن هذا التخيير بحسب ما يرى من المصلحة وليس مبنيًا على مجرد التشهي، وهذا فيما كان موجبه حقًا لله سبحانه، أما إن كان الموجب حقًا من حقوق العباد فإن خيار الإمام في عدم إقامة الحد ينبني على عفو صاحب الحق، فإن طالب بإقامته فليس للإمام عندها أن يعفو عن الجاني، قال الخطيب الشربيني: «للإمام ترك تعزير لحق الله تعالى لإعراضه ﷺ عن جماعة استحقوه كالغال في الغنيمة، ولاوي شدقه في حكمه للزبير، ولا يجوز تركه إن كان لآدمي عند طلبه كالقصاص»٤٩٣مغني المحتاج: (5/526)..

وقال الماوردي عند ذكره للفروق بين الحدود والتعازير: «فالتعزير مباح يجوز العفو عنه، والحدود واجبة لا يجوز العفو عنها، وقال أبو حنيفة: إن كان لا يرتدع بغير التعزير وجب تعزيره، ولم يجز العفو عنه، وإن كان يرتدع بغيره كان على خيار الإمام في تعزيره والعفو عنه... فإذا صح جواز العفو عنه فهو ضربان: أحدهما: ما تعلق بحق الله تعالى. والثاني: ما تعلق بحقوق الآدميين.

فأما ما تعلق بحقوق الله تعالى فكالتعزير بأسباب الزنا، والسرقة، وشرب الخمر فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأى ذلك صلاحًا، وله أن يستوفيه ويكون موقوفًا على خياره في الأصلح.

وأما المتعلق بحقوق الآدميين، فكالمواثبة والمشاتمة ففيه حق المشتوم والمضروب وحق للإمام في التقويم والتهذيب، فلا يصح العفو عن التعزير فيه إلا باجتماعهما عليه.. إلخ»٤٩٤الحاوي: (17/333-334)..

ومعنى قوله «إلا باجتماعهما عليه» أي عفو صاحب الحق المجني عليه أولًا، ثم إن رأى الإمام العفو عنه عفا وإلا فله إقامة العقوبة استيفاء لحق السلطنة تأديبًا.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله حاكيًا المذهبين: «ونوع -أي من المعاصي- لا كفارة فيه ولا حد؛ كسرقة ما لا قطع فيه، واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة، والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبًا عند الأكثرين، وجوازًا عند الشافعي»٤٩٥الطرق الحكمية: (1/155)..

وقد استدل الشافعية على عدم وجوب التعزير بعدة أحاديث منها:

ص 346

1- قول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٤٩٦[تقدّم في (ص 268)].، وقد مر ذكره مكررًا، قال الشيرازي في المهذب: «وإن رأى السلطان ترك التعزير جاز تركه إذا لم يتعلق به حق آدمي، لما روي أن النبي ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود)»٤٩٧المهذب: (3/374)..

وفي الاستدلال بهذا الحديث على مذهبهم نظر، إذ قد يُفهم منه خلاف ما ذهبوا إليه، وذلك أن النبي ﷺ قد أمر باستثناء ذوي الهيئات من وجوب تعزيرهم، ولو كان الحكم المستثنى منه هو جواز التعزير لما كانت لهم مزية على من سواهم، ولكان ذوو الهيئات وأصحاب المداومة على الموبقات متساويين في جواز الإقامة وهذا خلاف ظاهر الحديث، وعليه فالحديث يدل على أن الأصل هو وجوب إقامة عقوبة التعزير على من أتى بموجبها إلا إن كان من ذوي الهيئات -على اختلاف في تفسيرهم-؛ فإنهٍ حينئذ تقال عثرته ويتجاوز عن زلته، ولهذا قال المناوي: «وخرج بذوي الهيئات من عرف بالأذى والعناد بين العباد، فلا يقال له عثار بل تضرم عليه النار»٤٩٨فيض القدير: (2/93).، وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت الشفاعة في التعزير أو النكال بعد بلوغ الإمام، أيصلح ذلك أم لا؟ قال: قال مالك في الذي يجب عليه التعزير أو النكال فيبلغ به الإمام، قال مالك: ينظر الإمام في ذلك، فإن كان الرجل من أهل المروءة والعفاف وإنما هي طائرة أطارها تجافى السلطان عن عقوبته، وإن كان قد عرف بذلك وبالطيش والأذى ضربه النكال»٤٩٩المدونة: (16/211)..

ص 347

2- ما رواه الشيخان٥٠٠[البخاري: (٢٧٠٨) واللفظ له، ومسلم: (٢٣٥٧)]. وغيرهما: «أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: (اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلْ إلى جَارِكَ)، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: (اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ)، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ﴾ [النساء: 65]»؛ فقال الشافعيون: أوما ترى أن النبي ﷺ لم يعزر هذا الأنصاري رغم اتهامه إياه بمحاباة الزبير لقرابته منه، فلو كان التعزير واجبًا لكان أولى الناس بإقامته عليه وعقوبته به هذا الأنصاري لعظم ما اقترفه في حق النبي ﷺ، قال الشيرازي عقب ذكره لهذه القصة: «ولو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله ﷺ على ما قال»٥٠١المهذب: (3/374).، وقال الماوردي بعد أن ذكر هذه القصة مستدلًا بها: «ولم يعزره وإن كان ما قاله يقتضيه»٥٠٢الحاوي: (17/334)..

وقد أجاب من يرى وجوب التعزير على هذه الحادثة بأجوبة:

ص 348

منها: أن منع النبي ﷺ الماء عن الأنصاري هو ضرب من ضروب التعزير، وعليه فيكون النبي ﷺ قد عزره بذلك واكتفى به؛ لأنه يراه زاجرًا له، كما نقله شيخ الإسلام رحمه الله عن ابن عقيل حيث قال: «وقد عزره النبي ﷺ بحبس الماء عن زرعه، وهو نوع ضرر وكسر لعرضه وتأخير لحقه، وعندنا أن العقوبات بالمال باقية غير منسوخة، وليس يختص التعزير بالضرب في حق كل أحد»٥٠٣الصارم المسلول: (447).، ومنها: أن التعزير في هذا الموطن قد وجب حقًا لآدمي وهو النبي صلى الله عيله وسلم، وما دام كذلك فليس هذا موطن الخلاف، إذ الكلام على ما كان حقًا لله تعالى، وأما ما سواه فلصاحبه أن يعفو عنه. قال السيواسي الحنفي: «وأما حديث الزبير فالتعزير لحق آدمي، هو النبي ﷺ ويجوز تركه»٥٠٤شرح فتح القدير: (5/346).، وقد نقل شيخ الإسلام هذا عن القاضي أبي يعلى فقال: «وقطع -أي القاضي- في موضع آخر أنه كان له أن يسقط حق سبه، لأنه حق له، وذكر في قول الأنصاري للنبي ﷺ «آن كان ابن عمتك»، وقد عرض للنبي ﷺ بما يستحق به العقوبة ولم يعاقبه؛ لأنه حمل قول النبي ﷺ للزبير: (اسق) بأنه قضى له على الأنصاري للقرابة، وفي الرجل الذي أغلظ لأبي بكر ولم يعزره فقال القاضي: التعزير هنا وجب لحق آدمي وهو افتراؤه على النبي ﷺ وعلى أبي بكر، وله أن يعفو عنه، وكذلك ذكر ابن عقيل عنه أن الحق كان للنبي ﷺ، وله تركه»٥٠٥الصارم المسلول: (446)..

والحق أن ما قاله هذا الأنصاري يعد كفرًا يستحق القتل بسببه؛ لأنه انتقاص للنبي ﷺ واتهام له بالجور وأن قرابته للزبير هي التي جعلته يدع الحُكْمَ العدل ويحكم بما حكم للزبير، ومثل هذا لو كان في حق آحاد الناس لعد منقصةً مستهجنة، فكيف بها في حق النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى.

وفي هذا يقول الإمام النووي رحمه الله: «قال العلماء: ولو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الأنصاري اليوم من إنسان، من نسبته ﷺ إلى هوى كان كفرًا، وجرت على قائله أحكام المرتدين؛ فيجب قتله بشرطه، قالوا: وإنما تركه النبي ﷺ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين ومن في قلبه مرض، ويقول: (يسروا ولا تعسروا ولا تنفروا)٥٠٦[رواه البخاري: (٦٩) وغيره بلفظ (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)، وهكذا وجدتها في كلام النووي أيضا في النسخة التي بين يديَّ، لكن الشيخ ذكرها هنا بدون (وبشروا)، وفي رواية أخرى عند البخاري: (٦١٢٥) قال: (وسكّنوا) بدل (وبشّروا)، وهي كذلك عند مسلم: (١٧٣٤) وغيره].، ويقول: (لا يتحدث الناس إن محمدًا يقتل أصحابه)٥٠٧[لم أجد من رواه بلفظ(أن) بهمز فوق الألف، وإنما جاء بلفظ (إنّ)، وحتى النووي ذكره هكذا في النسخة التي بين يدي، وربما كان خطأً مطبعيا؛ لم نغيره للأمانة العلمية. والحديث: رواه البخاري: (٤٩٠٥) ومسلم: (٢٥٨٤) وغيرهما].، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [المائدة: 13].

قال القاضي: «وحكى الداودي أن هذا الرجل الذي خاصم الزبير كان منافقًا، وقوله في الحديث: «إنه أنصاري»؛ لا يخالف هذا لأنه كان من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين»٥٠٨شرح صحيح مسلم: (15/108)..

ص 349

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله في الفوائد المستنبطة من هذه القصة: «ومنها: الصفح عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع، والاستهانة بالأحكام، فإن كان ذلك فالأدب، وهذا الذي صدر من خصم الزبير أذى للنبي ﷺ ولم يقتله النبي ﷺ لما قدمناه من عظم حلمه وصفحه، ولئلا يكون قتله منفرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام، فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ لـقتل قتلة زنديق»٥٠٩المفهم: (6/156)..

والمقصود من هذا: أنه قرر أن ما فعله ذلك الأنصاري كان في الأصل موجبًا لقتله وليس مجرد تعزيره وعليه لا يصلح أن يحتج بذلك ويقال: إن النبي ﷺ لم يعزره ولو كان واجبًا لفعل، وإنما لم يقتله النبي ﷺ للحكم والأسباب التي ذكرها النووي والقرطبي، ومثل هذا ما قرره شيخ الإسلام وابن القيم من أن النبي ﷺ له أن يعفو عن سابّه ومؤذيه في حياته لأنه حق خالص له، ولهذا فمن سبه بعد موته ﷺ تعين قتله، لأن الحق الذي تعلق بشخصه ﷺ ليس لأحد أن يسقطه بعده.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في هذه القصة ومثيلاتها مما احتج به على عدم وجوب التعزير: «ومن هذا الباب قول القائل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وقول الآخر: اعدل فإنك لم تعدل، وقول ذلك الأنصاري أن كان ابن عمتك، فإن هذا كفر محض، حيث زعم أن النبي ﷺ إنما حكم للزبير لأنه ابن عمته، ولذلك أنزل الله تعالى هذه الآية، وأقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجًا من حكمه، وإنما عفا عنه النبي ﷺ كما عفا عن الذي قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وعن الذي قال: اعدل فإنك لم تعدل، وقد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أنه قتل رجلًا لم يرض بحكم النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته، فكيف بمن طعن في حكمه؟ وقد ذكر طائفة من الفقهاء -منهم ابن عقيل وبعض أصحاب الشافعي- أن هذا كان عقوبته التعزير، ثم منهم من قال: لم يعزره النبي ﷺ لأن التعزير غير واجب، ومنهم من قال: عفا عنه لأن الحق له، ومنهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقي ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، وهذه كلها أقوال رديَّة، لا يستريب من تأمل في أن هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أن من هو بمثل حاله ليس بمؤمن»٥١٠الصارم المسلول: (528)..

ص 350

والخلاصة: أن هذه الحادثة وما شابهها مما استدل به الشافعية على أن التعزير ليس بواجب لا يستقيم بها الاستدلال ولا يتأتى الاحتجاج وذلك لأن هذا الأنصاري ما كان يستحقه بسبب تنقصه للنبي ﷺ ليس مجرد التعزير بل القتل.

3- ما رواه الشيخان٥١١[البخاري: (526)، ومسلم: (٢٧٦٣) واللفظ له]. وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي ﷺ شيئًا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلًا دعاه، وتلا هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤﴾، فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافةً).

وقد نسب ابن قدامه رحمه الله إلى الشافعي الاستدلال بهذا الحديث، ووجه الاحتجاج به ظاهر حيث أن هذا الرجل قد ارتكب معصية وهي معالجته للمرأة -وفي بعض الروايات أنه قبلها- ومع ذلك لم يعزره النبي ﷺ، فلو كان التعزير واجبًا لما تركه دون عقوبة، ولكن يمكن أن يقال إن النبي ﷺ قد اكتفى منه باعترافه وندمه وتوبته؛ لأن من مقصود إقامة الحدود والتعازير الزجر عن معاودة المعصية فإذا جاء من ارتكبها تائبًا آيبًا معترفًا نادمًا فقد حصل المقصود ولهذا جوز بعض العلماء إسقاط الحد عمن جاء للإمام مقرًا ونادمًا كما قد قرر ذلك شيخ الإسلام وابن القيم وبينوا أدلته؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث: «واستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الحد في القبلة واللمس ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا»٥١٢فتح الباري: (8/357)..

ص 351

وقال السيواسي الحنفي في جوابه عن الاستدلال بهذا الحديث: «ولنا أن ما كان منصوصًا عليه من التعزير كما في وطء جارية امرأته أو جارية مشتركة يجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام -بعد مجانبة هوى نفسه- المصلحة، أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب، لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد، وما علم أنه ينزجر بدونه لا يجب، وهو محمل حديث الذي ذكر للنبي ﷺ ما أصاب من المرأة، فإنه لم يذكره للنبي ﷺ إلا وهو نادم منزجر، لأنه ذكره له ليس إلا للاستعلام بموجبه ليفعل معه»٥١٣شرح فتح القدير: (5/346).،

وبمثل هذا أجاب ابن قدامة أيضًا فقال: «ولنا إن ما كان من التعزير منصوصًا عليه كوطء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب، لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد»٥١٤المغني: (9/149)..

ثم إن القائلين بوجوب التعزير لا يقولون بتعيين إقامته على كل حال وبحيث لا يسقط عن مرتكبه مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بما إذا رأى الإمام المصلحة في تنفيذه، أو يمكن أن ينزجر الجاني بغير عقوبة، بل نصوا على أنه إن ظهرت منه التوبة والندم سقط الوجوب آنذاك، فقد قال ابن قدامة رحمه الله: «ويجب التعزير في الموضعين اللذين ورد الخبر فيهما، وما عداهما يفوض إلى اجتهاد الإمام، لما روي أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: (أصليت معنا؟) قال: نعم، فتلا عليه: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ [هود: 114]،٥١٥[وقد سبق قريبًا بألفاظ مشابهة]. فإن جاء تائبًا مُعترفًا يظهر منه الندم والإقلاع جاز ترك تعزيره، وإن لم يكن كذلك وجب تعزيره، لأنه أدب مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد»٥١٦الكافي: (4/243)..

وقريب منه قول الشيخ الضويان: «وهو من حقوق الله تعالى لا يحتاج في إقامته إلى مطالبة لأنه شرع للتأديب فللإمام إقامته إذا رآه وله تركه إن جاء تائبًا معترفًا يظهر منه الندم والإقلاع»٥١٧منار السبيل: (2/338)..

ص 352

وقال الدردير المالكي: ««وعزر الإمام» أو نائبه ممن له ذلك «لمعصية الله» وهي ما ليس لأحد إسقاطه كالأكل في نهار رمضان، وتأخير الصلاة، وطرح النجاسة في طريق العامة إلا أن يجيء تائبًا، قال الدسوقي معلقًا: قوله: «إلا أن يجيء تائبًا» أشار بهذا إلى أن التعزير المتمحض لحق الله يسقط عن مستحقه إذا جاء تائبًا بخلاف التعزير لحق الآدمي فإنه لا يسقط بذلك نعم يسقط لعـفو صاحب الحق عنه»٥١٨حاشية الدسوقي: (6/370).، بل قد ألمح القرافي وغيره إلى أن هذا شبه إجماع حيث قال عند تعداده للفروق بين الحدود والتعازير: «أن التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافًا»٥١٩الفروق: (4/332)..

والخلاصة: أن الحديث الذي استدل به الشافعية على عدم وجوب التعزير مطلقًا أخص من الدعوى، وذلك لإمكانية حمله على صورة معينة لا ينازع فيها المخالف وهي ما إذا جاء المذنب تائبًا نادمًا تظهر منه علامات الإقلاع ومن يقول بوجوب إقامة التعزير يسقطه في مثل هذه الحالة، ومما استدل به القائلون بعدم الوجوب قولهم: «إن التعزير تأديب فأشبه تأديب الأب والمعلم، ولذلك قال عثمان وعبد الرحمن لعمر رضي الله عنه في إجهاض المرأة: «لا شيء عليك إنما أنت مؤدِّب»»٥٢٠الحاوي: (17/334).، «ولأنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج»٥٢١الفروق: (4/320)..

ولا يخفى أن وصفه بكونه تأديبًا لا يعني أنه لا يجب إقامته مطلقًا بدليل أنهم يقولون بوجوب ذلك إذا كان حقًا لآدمي ولم يعف فقد قال الماوردي نفسه: «ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم والمواثبة ففيه حق المشتوم والمضروب وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم والضارب... إلخ»٥٢٢الأحكام السلطانية: (295).، وأجاب القرافي عن هذا بقوله: «إن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ونصيب الإنسان من بيت المال غير مقدر وهو واجب»٥٢٣الفروق: (4/321)..

ص 353

ثم بعد التأمل وعند التدبر لا يظهر أن هناك فرقًا كبيرًا بين القائلين بالوجوب والقائلين بالجواز، بيان ذلك أن من قال بالوجوب إنما علقه بما لو رأى الإمام ذلك بناء على ما ظهر له من المصلحة أو تعينه زاجرًا، ورؤية الإمام مبناها اختيار الأنفع وتوخي الأحرى والأجدى: فقد قال ابن قدامة رحمه الله: «والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام»٥٢٤[المغني: (12/526)].، ثم بيّن أن هذا مبني على اختيار الأصلح بقوله: «وما لم يكن منصوصًا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب»٥٢٥[المغني: (12/527)].، فاجتهاد الإمام تابع للمصلحة، فحيث ظهرت له وعلمها وجب عليه إقامة عقوبة التعزير في تلك الحالة، وليس له تركه والحالة هذه.

أما إذا لم تكن في العقوبة مصلحة راجحة أو أن الانزجار عن الذنب قد حصل أو يمكن أن يحصل بدونها كحال التائب النادم المقلع فعندها لا تتعين الإقامة، وكذلك أصحاب القول الثاني وهم القائلون بالجواز لم يجعلوا تخيير الإمام في العقوبة وتركها تخييرًا مطلقًا مستويًا من غير أن يرتبط بمرجحات، وإنما علقوا ذلك على ما يظهر له من المصلحة الراجحة كما قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله: «والتعزيرات مفوضة إلى رأي الإمام، فإن رأى التجاوز والصفح تكرمًا فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديبًا وتهذيبًا فرأيه المتبع، وفي العفو والإقالة متسع، والذي ذكرناه ليس تخيرًا مستندًا إلى التمني، ولكن الإمام يرى ما هو الأولى والأليق والأحرى، فرب عفو هو أوزع لكريم من تعزير، وقد يرى ما صدر عنه عثرة هي بالإقالة حرية، والتجاوز عنها يستحث على استقبال الشيم المرضية، ولو يؤاخذ الإمام الناس بهفواتهم، لم يزل دائبًا في عقوباتهم»٥٢٦الغياثي: (219)..

ص 354

وقال الماوردي رحمه الله: «فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويمًا والصفح عفوًا»٥٢٧الأحكام السلطانية: (295).، وقال أيضًا: «فأما المتعلق بحقوق الله تعالى، فكالتعزير على أسباب الزنا، والسرقة، وشرب الخمر فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأى ذلك صلاحًا، وله أن يستوفيه ويكون موقوفًا على خياره في الأصلح»٥٢٨الحاوي الكبير: (17/334)..

والفرق بين القولين -حسب ما يظهر- أن الجمهور يلزمون الإمام بإقامة عقوبة التعزير حيثما ظهرت له المصلحة في ذلك، أما الشافعية فإنهم يجوزون له ترك العقوبة مع ظهور المصلحة فيها، فالأخذ بالأصلح عندهم هنا ليس على سبيل التحتم والإلزام، فكلا من الفريقين يلزمونه البحث عن الأصلح والأجدى من الإقامة أو الترك ثم يفترقان بأن بعضهم يوجبون عليه تنفيذ ما بانت له المصلحة فيه، والبعض الآخر يسوغون له تركه مع ظهور المصلحة فيه.

والذي يظهر ترجيحه من القولين -والله أعلم- هو قول الجمهور لأنه أضبط، وهو الجاري على القواعد، والأبعد عن فتح دواعي الهوى وموجبات المحاباةِ، وإقامة ميزان العدل، وما استدل به الشافعية لا ينهض لإسقاط الوجوب حيث كان الجاني لا يرتدع إلا بالعقوبة، وفي قول الجمهور إعمال لجميع الأدلة وحمل لها على أحوال مختلفة، فالخلاصة إذن أن الإمام أو من يقوم مقامه -وحيث كانت العقوبة لحق الله- عليه أن يجتهد ويستفرغ وسعه في معرفة الأصلح للجاني وغيره، فإن كانت عقوبته وتعزيره هي الراجحة وجب عليه أن يعزره، وسواءً كانت تلك المصلحة متعلقة بالجاني نفسه كأن لا ينزجر إلا بتعزيره، أو متعلقة بغيره ككون العفو عنه سببًا لإغراء غيره في ارتكاب مثل تلك الجريمة أو ما يشابهها، فحيث كان هذا أو ذاك فلا يجوز له أن يصفح عن الجاني.

ص 355

أما إن كانت المصلحة في تركه والعفو عنه ساغ له حينئذٍ التجاوز عن هفوته والغض عن زلته؛ لأن المقصود من العقوبات هو الزجر والردع والإقلاع عن المعاصي فإن حصل ذلك بغيرها -كالتوبة والندم- اكتفى به، قال القرافي: «فمتى قلنا الإمام مخير في صرف مال بيت المال، أو في أسارى العدو أو المحاربين، أو التعزير فمعناه أن ما تعين سببه ومصلحته وجب عليه فعله، ويأثم بتركه، فهو أبدًا ينتقل من واجب إلى واجب، كما ينتقل المكفر في كفارة الحنث من واجب إلى واجب، غير أن له ذلك بهواه في التكفير، والإمام يتحتم في حقه ما أدت المصلحة إليه لا إن ههنا إباحة البتة، ولا أنه يحكم في التعازير بهواه وإرادته كيف خطر له، وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء، هذا فسوق وخلاف الإجماع»٥٢٩الفروق: (5/324)..

وننبه هنا إلى أن موطن الخلاف إنما هو إن كانت المعصية حقًا من حقوق الله تعالى، فأما إن كان التعزير لحق آدمي فليس للسلطان -إن طالب صاحب الحق بحقه- إسقاطه ولا العفو عن الجاني، بل يتعين عليه استيفاء الحق منه، وإنما الخلاف فيما إذا عفا عنه صاحب الحق، فهل الإمام أن يعاقبه بعد ذلك اعتبارًا لحق السلطنة؟ فيه خلاف بين العلماء والراجح والله أعلم أن للإمام ذلك، لأنه ما من حق لآدمي إلا ولله فيه حق، فإسقاط الآدمي حقه لا يعني بالتلازم وفي كل حال إسقاط حق الله تعالى، وعليه فإن الإمام إن عاقب في مثل هذه الحال إنما يعاقب لأجل حق الله فيجري فيه ما ذكرنا من أقوال العلماء في توخي المصلحة في إقامة التعزير أو إهداره، فمن ضرب شخصًا أو سبه ظلـمًا وعدوانًا أو افترى عليه فحيث طالب صاحب الحق من الإمام أو من يقوم مقامه تعزير الجاني؛ فلا يجوز للإمام في هذه الحال إسقاط العقوبة والعفو عن الجاني؛ لأنها متعلقة بحق آدمي وهو المجني عليه.

ص 356

فإذا أسقط المجني عليه حقه وعفا عن الجاني فللإمام بعد عفوه أن يعاقب الجاني إن ظهرت له المصلحة في ذلك اعتبارًا لحق الله حيث أن الله سبحانه قد نهى عن التعدي على الآخرين وظلمهم بأي نوع من أنواع الظلم سواء بقتل أو ضرب أو سب أو لعن أو غير ذلك وهذه هي جهة ارتباط حق الله بحقوق الآدميين، قال الخرشي المالكي: «والتعازير يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام باعتبار القائل، والمقول له، والمقول، ولا يخلو عن حق الله إذ من حقه على كل مكلف ترك أذاه لغيره، لكن لما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسيما للأول، وبعبارةٍ المراد بحق الآدمي ما له إسقاطه، وبمعصية الله ما ليس لأحد إسقاطه، وإنما فسرنا حق الآدمي بما ذكر، لأنه ليس لنا معصية يتمحض فيها حق الآدمي، لأن المعصية فيها حق الله تعالى، وهو نهيه، ولذا قيل، ما من حق لآدمي إلا وفيه حق لله»٥٣٠الخرشي على مختصر خليل: (8/111)..

وقال ابن فرحون المالكي: «فإن تجرد عن حق آدمي وانفرد به حق السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح بالعفو أو التعزير وله التشفيع فيه، روى عن النبي ﷺ أنه قال: (اشفعوا إلي ويقضي الله على نبيه ما يشاء)٥٣١[في نسخة تبصرة الحكام التي بين يدي ذكره بلفظ «على لسان نبيه»، فربما سها الشيخ وأسقط لفظة «لسان»، والحديث رواه البخاري: (١٤٣٢) وغيره بلفظ (اشفعوا تؤجروا، ‌ويقضي ‌الله ‌على ‌لسان ‌نبيه ﷺ ما شاء)، ومسلم بلفظ قريب: (٢٦٢٧)]..

فرع: فلو تعافى الخصمان عن الذنب قبل الترافع إلى ولي الأمر سقط حق الآدمي، وفي حق السلطنة والتقويم والأدب وجهان أظهرهما عدم السقوط، فله مراعاة الأصلح من الأمرين، والأصلح أنه لا يسقط التعزير بإسقاط ما وجب بسببه ولو نص على العفو والإسقاط...كما إذا عفا مستحق العمد عن الحد قبل بلوغ الإمام، إذ ليس للإمام التعزير والحالة هذه لاندراجه في الحد الساقط وقيل لا يسقط، إذ وجوب التعزير المقترن بالحد بمجرد حق السلطنة فلا ينبغي سقوطه بإسقاط الحد»٥٣٢تبصرة الحكام: (2/298)..

ص 357

وقال الماوردي: «ولو تعلق بالتعزير حق لآدمي كالتعزير في الشتم والمواثبة ففيه حق للمشتوم والمضروب، وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم والضارب، فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويمًا والصفح عنه عفوًا، فإن تعافوا عن الشتم والضرب قبل الترافع إليه سقط التعزير لآدمي، واختلف في سقوط حق السلطنة عنه والتقويم على وجهين:

أحدهما: أنه يسقط، وليس لولي الأمر أن يعزر فيه، لأن حد القذف أغلظ ويسقط حكمه بالعفو فكان حكم التعزير بالسلطنة أسقط.

الوجه الثاني: وهو الأظهر أن لولي الأمر أن يعزر فيه قبل الترافع إليه، كما يجوز أن يعزر فيه مع العفو بعد الترافع إليه مخالفة للعفو عن حد القذف في الموضعين لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة»٥٣٣الأحكام السلطانية: (295).، ونحوه عند أبي يعلى الحنبلي في الأحكام السلطانية أيضًا.

الفرق بين الحدود والتعازير

تتفق الحدود والتعازير في أنها عقوبات شرعت لأجل ردع الجناة وزجرهم عن ارتكاب الموبقات ومنعهم من التعدي على الحرمات، وهذا الانزجار كما يحصل للجاني المتعدي لحدود الله فإنه ينبه من قد يستجيب لداعية نفسه وهواه، فيوقفه ما يرى من عاقبة فعله ومآل إثمه عن اقتحام المظالم واقتراف المآثم، وهذا المعنى ألمحت إليه بعض الآيات والواردة في الحدود، كما قال الله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة: 38].

قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ [المائدة: 38]: «هذا تعليل للحد، أي: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملها وكسبهما السيئ، ونكالا وعبرة لغيرهما.. فالنكال هنا ما ينكل الناس ويمنعهم أن يسرقوا»٥٣٤تفسير المنار: (6/315).، ومثل ذلك قوله سبحانه: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مئة جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: 2].

ص 358

قال ابن العربي رحمه الله: «المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: 2] وفقه ذلك أن الحد يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده»٥٣٥أحكام القرآن: (3/390)..

غير أنه رغم اتفاق الحدود والتعازير في هذه القاعدة العامة الكلية إلا أن بينها فروقًا متعددة نص الفقهاء عليها وسنذكر -إن شاء الله- المهم منها مع ما يتعلق بها ويلاصقها من بعض الأحكام الشرعية:

الفرق الأول:

أن الحدود عقوبات مقدرة كمًا ووصفًا ونوعًا ومنصوصٌ عليها من قِبَل الشارع الحكيم، أما التعازير فأمرها مفوض إلى الإمام في هذه الأمور، وهذا هو أهم الفروق بين الحد والتعزير، وذلك أن الحدود جاءت مقدرة في كمِّها ومبينة في صفتها وقدرها فلا يجوز النقص عنها أو الزيادة عليها، ويستوي فيها الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحضري والبدوي، والرجل والمرأة، مع ملاحظة ما يتعلق بكل واحد من هؤلاء من تفريعات الأحكام التي جاءت مبينة وموضحة في الشريعة، أما العقوبة في التعزير فإنها تختلف حسب الجناية والجاني والمجني عليه ويشير إلى هذا المعنى والتفريق قول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٥٣٦[تقدّم في (268)].، فإن الجناية أو المعصية «العثرة» التي ترتبت عليها العقوبة التعزيرية تنقسم إلى قسمين:

الأولى: جناية جاءت عقوبتها محددة ومبينة في الشرع -وهي ما اصطلح الفقهاء على تسميتها بالحد- فهذه العقوبة لا يجوز العفو عنها من قبل الإمام أو من ينوب عنه كما لا يجوز له الزيادة عليها أو النقصان منها.

ص 359

الثانية: جناية لم ينص الشارع على عقوبة محددة لها، بل أرجع أمرها إلى اجتهاد الأئمة -وهي ما يسميه الفقهاء بالتعازير- فهذه تختلف في جنسها ووصفها وقدرها بحسب ما يراه الإمام بعد اجتهاده في اختيار الأصلح، ولهذا فإن الحديث فرق بين ذوي الهيئات وغيرهم في هذا النوع من العقوبة فحض على إقالة عثرة ذوي الهيئات، أما في الحدود فإن الشريف ذا الهيئة يستوي فيها هو والوضيع والفاسق في وجوب إقامة الحد عليه عند ارتكب موجبه، ويتعلق بهذا الفرق أمران يلزم بيانهما والتنبيه عليهما:

الأول: وقد ذكرناه قبلا ونعيده هنا لأهميته وهو أن على الإمام أو القاضي أو من يوكل إليه أمر التعزير بذل قصارى جهده واستفراغ بالغ وسعه في معرفة ما يلابس القضية التي سيعزر فيها، ولا بد له من الاطلاع على التفاصيل والجزئيات التي لها تأثير في اختيار نوعية العقوبة وقدرها، فعليه أن يعرف ما هي «الجناية أو المعصية أو الهفوة أو الزلة» التي سيعاقب عليها، وعليه أن يتعرف أيضًا على صفة من وقعت منه تلك الزلة أو الجناية وهل هو من ذوي المروءات وأصحاب الهيئات الذين تغتفر في حقهم الزلة وتقال العثرة، أم ممن استمرأوا المعاصي وألفوا الاعتداء فيحتاج إلى من يكفه ويردعه عنها.

وكما أنه لا بد من أن يعتبر حال المجني عليه وقدره ومنزلته ومكانته، فليس من اعتدى على عالم وآذاه بسب أو شتم أو ضرب أو غيرها كمن اعتدى على آحاد الناس بشيء من أنواع الأذية، وعلى هذا فليقس، وإنما تعين النظر في هذه الأمور «الجناية والجاني والمجني عليه»؛ لأن الجناية تعظم بحسب الزمان والمكان والإسرار والإعلان والهفوة والإدمان، فلا بد من ملاحظة كل هذه الأمور واعتبارها حتى يكون الحكم عدلًا والقول فصلًا.

قال الحطاب المالكي رحمه الله: «قال ابن ناجي في شرح المدونة في كتاب القذف: «الأدب يتغلظ بالزمان والمكان، فمن عصى الله في الكعبة أخص ممن عصاه في الحرم، ومن عصاه في الحرم أخص ممن عصاه في مكة، ومن عصاه في مكة أخص ممن عصاه خارجها»»٥٣٧مواهب الجليل: (8/436)..

ص 360

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومنها عقوبات غير مقدرة قد تُسمَّى «التعزير» وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبير الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته»٥٣٨مجموع الفتاوى: (82/107).، وقد مر معنا نقل القرافي رحمه الله الإجماع على وجوب اتباع المصلحة عند اختيار العقوبة، وحرمة التخير بمجرد التشهي والهوى وأن هذا يعد فسوقًا، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: «وليس التخيير فيه -أي التعزير- ولا في شيء مما يفوض إلى الولاة تخيير تشه بل لا بد عليهم من الاجتهاد»٥٣٩إحكام الأحكام.، هذا وسنذكر فيما بعد بعض أنواع العقوبات التعزيرية التي تشرع العقوبة بها.

الثاني: يتفرع عما قبله ويستخلص منه وهو إذ تبين لنا أن الإمام عليه اختيار العقوبة المناسبة لكل جناية وأن عليه الاجتهاد في معرفة الأصلح والأجدى منها، فإن هذا مما يبين عدم صحة تقنين العقوبات التعزيرية، بمعنى عدم جواز جعل لائحة عقوبات ثابتة بحيث يوضع بإزاء كل جناية عقوبة تسري على كل مرتكب لتلك الجناية، وذلك لما ذكرنا، ولأن العقوبات التعزيرية تصبح في هذه الحالة مشابهة للحدود من جهة تحديد صفتها وقدرها، ولخروجها بذلك عن حيز التعزير من حيث أن النظر والاجتهاد في اختيار الأنسب لكل حادثة بعينها قد جُمِّد وأوقف.

وكذلك فإن عقوبة التعزير لا ترتبط بالجناية ونوعيتها فقط بل تتعلق بالجاني واعتبار حاله، وكذا بالنظر إلى المجني عليه، واعتبار الصفات والأحوال التي تؤثر في اختيار نوع وقدر العقوبة بالنظر إلى الجناة والمجني عليهم لا تكاد تحصى، ومن هنا نعلم أنه لا يلزم من اتحاد الجناية اتحاد العقوبة مطلقًا، وقد بين ذلك شيخ الإسلام فيما نقلناه عنه قريبًا.

ومثل ذلك ما قاله العلامة ابن فرحون رحمه الله: «ومنها ما هو غير مقدر وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال المجرم في نفسه وبحسب حال القائل والمقول فيه»٥٤٠تبصرة الحكام: (2/200).، وقال ابن نجيم الحنفي: «وصرح السرخسي بأنه ليس في التعزير شيء مقدر، بل هو مفوض إلى رأي القاضي لأن المقصود منه الزجر وأحوال الناس مختلفة فيه»٥٤١فتح القدير: (2/44)..

ص 361

وقال الزيلعي: «وليس في التعزير شيء مقدر، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايتهم، فإن العقوبة فيه تختلف باختلاف الجناية، فينبغي أن يبلغ غاية التعزير في الكبيرة، كما إذا أصاب من الأجنبية كل محرم سوى الجماع، أو جمع السارق المتاع في الدار ولم يخرجه، وكذا ينظر في أحوالهم، فإن من الناس من ينزجر باليسير ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير»٥٤٢رد المحتار: (6/106).، وقال الشربيني الشافعي: «يجتهد الإمام في جنسه وقدره؛ لأنه غير مقدر شرعا موكل إلى رأيه يجتهد في سلوك الأصلح لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس وباختلاف المعاصي»٥٤٣مغني المحتاج: (5/524)..

وقال ابن القيم رحمه الله: «والعقوبات -كما تقدم- منها ما هو مقدر، ومنها ما هو غير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم وكبرها وصغرها وبحسب حال المذنب في نفسه»٥٤٤الطرق الحكمية: (314)..

وكذلك فإن تقدير العقوبات التعزيرية وعدم تفويضها إلى القضاة والحكام لم يكن معهودًا عند السلف الذين هم خير القرون، بل كانوا يجتهدون في اختيار العقوبة، وينظرون في مناسبتها للجناية، ويعتبرون كل حالة بانفرادها كما هو معروف من سيرتهم وسياساتهم، غير أنه ورد في كلام بعض علماء الأحناف ما يشير إلى عدم تفويض عقوبة التعزير للحاكم مطلقًا، فقد قال في الدر المختار: «وجعله -أي التعزير- في الدرر على مراتب أربع، وكله مبني على عدم تفويضه للحاكم».

ص 362

وقال ابن عابدين: «قوله «على مراتب أربع» تعزير أشراف الأشراف، وهم العلماء والعلوية بالإعلام؛ بأن يقول له القاضي: بلغني أنك تفعل كذا فينزجر به، وتعزير الأشراف، وهم نحو الدهاقين بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك، وتعزير الأوساط وهم السوقة بالجر والحبس، وتعزير الأخساء بهذا كله وبالضرب»٥٤٥رد المحتار: (6/104).، إلا أن ابن عابدين تعقب صاحب الدر المختار وصاحب البحر في فهمهما عدم التفويض للحاكم من قول صاحب الدرر: «وهو على مراتب أربع»، فقال بعد كلام طويل له بهذا الخصوص: «فقد ثبت بما قلنا عدم مخالفة ما في الدرر للقول بتفويضه للقاضي، وأن المعتبر حال الجناية والجاني خلافًا لما فهمه في البحر كما قدمناه، فاغتنم هذا التحرير المفرد»٥٤٦رد المحتار: (6/107)..

ولبعض علماء الأحناف أيضًا كلام يدل على جواز تحديد عقوبات التعزير في الأزمنة التي يقل فيها العلم وينعدم القضاة المجتهدون العارفون بأمور الدين والدنيا، فقد قال الشيخ عبد القادر الرافعي في: «قول الشارح: «بل هو مفوض إلى رأي القاضي وعليه مشايخنا إلخ»، لكن قال المقدسي في شرح منظومة الكنز، والذي ينبغي أن يعول عليه الأول، يعني عدم التفويض إلى رأي القاضي في هذا الزمن لغلبة جهل القضاة، وعدم الرأي دينًا ودنيا، ويؤيد هذا الأمر ما قدمنا أن مرادهم بقولهم: الرأي إلى القاضي في كذا القاضي المجتهد بمعرفة الأحكام لا مطلقًا، خذ هذا الكلام فإنه دقيق وبالقبول حقيق أهـ»٥٤٧تقريرات الرافعي على رد المحتار: (14/411)..

ص 363

كما أن لبعض علماء الشافعية كلامًا يفهم منه الجنوح على تحديد بعض العقوبات التعزيرية وربطها بجناياتها، قال الماوردي رحمه الله: «وقال أبو عبد الله الزبيري: تعزير كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه.. فإن كان الذنب في التعزير بالزنا روعي منه ما كان، فإن أصابها بأن نال منها ما دون الفرج ضربوهما أعلى التعزير وهو خمسة وسبعون سوطًا، وإن وجدوهما في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاملين للجماع ضربوهما ستين سوطًا، وإن وجدوهما غير متباشرين ضربوهما أربعين سوطًا، وإن وجدوهما خاليين في بيت عليهما ثيابهما ضربوهما ثلاثين سوطًا، وإن وجدوهما في طريق يكلمها وتكلمه ضربوهما عشرين سوطًا، وإن وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك يحققوا، وإن وجدوه يشير إليها وتشير إليه بغير كلام ضربوهما عشرة أسواط -ثم ذكر أنواعًا من هذا القبيل- قال الماوردي عقبه: وهذا الترتيب وإن كان مستحسنًا في الظاهر فقد تجرد الاستحسان فيه عن دليل يتقدر به»٥٤٨الأحكام السلطانية: (294)..

هذا وقد ذهب بعض العصريين إلى القول بجواز تقنين العقوبات التفويضية، قال مصطفى أحمد الزرقاء: «تركت الشريعة عقوبات معظم الجرائم -سوى خمسة منها- دون تحديد؛ لأن العقوبات فيها يجب أن تختلف باختلاف الظروف، فللسلطة الحاكمة تقنين العقوبات على هذا الأساس، وللقاضي عند عدم التقنين أن يقدر العقوبة بحسب الظروف الزمانية والمكانية والشخصية، وهذه العقوبات التي لم تحدها الـشريعة بل تركتها مفوضة للحكام تسمى التعزير»٥٤٩المدخل الفقهي العام: (1/42).، والذي يظهر من كلامه في موضع آخر من كتابه المذكور أن معنى «التفويض» الذي جعلته الشريعة من حق ولاة الأمور في اختيار هذه العقوبة يدخل فيه اجتهاد الحاكم في تقنين العقوبات بحسب جناياتها؛ بمعنى أن الشريعة كما فوضت له اختيار العقوبة المناسبة لجنايتها حالا، فكذا خولت له اختيار العقوبة الملائمة لجنايتها مآلا، فهو -بحسب هذا الفهم- لم يخرج عن إطار التفويض العام الذي أوكلته له الشريعة.

ص 364

وبمعنى أوضح: من المعلوم أن الشريعة لم ترد بالتنصيص على عقوبات مخصوصة محددة في أكثر المعاصي بل تركت الأمر وما يراه الإمام أو القاضي بالاجتهاد من المناسبة بين المعصية وعقوبتها، وهو هنا لم يقصر اجتهاد الإمام ويحصر نظره في كل معصية واقعة بعينها بحيث يبحث في ملابسات هذه المعصية التي حصلت، وإنما جعل من معاني التفويض أن يجتهد الإمام ويبذل وسعه في اختيار العقوبات الملائمة للمعاصي المتوقعة والمتصورة والمفترضة، فتلك العقوبات التي يصوغها القاضي ويقننها باجتهاده لم تنص عليها الشريعة بعينها تحديدًا، وإنما استخرجها الإمام أو القاضي ومن مثلهم بالاجتهاد والنظر اعتمادا على ما خولته الشريعة لهم من أحقية اختيار العقوبات، وفي هذا يقول: «تقنين العقوبات اليوم يدخل في نظام التعزير الإسلامي: وإذا كانت عقوبة التعزير في الإسلام مفوضة لآراء الحكام دون تقدير، فإن هذا لا ينافي ولا يمنع تقدير العقوبات وتحديدها بقانون لمختلف أنواع الجرائم، ضبطًا للأحكام وجريًا مع الدواعي الزمنية، كما يحصل في قوانين العقوبات في العصر الحاضر، لأن هذا التحديد داخل في ذلك التفويض.

فقانون العقوبات لدينا اليوم تدخل معظم أحكامه في نطاق التعزير المشروع بالنظر الإسلامي، سوى ما فيه من إهمال للحدود وإخلال بالقصاص في بعض مواطنه وإن وضع حدين أدنى وأعلى في قوانين الجزاء الحديثة لعقوبة كل جريمة هو اعتماد من السلطات المقننة على نظر الحكام، وتفويض إليهم بمقدار لم تجد تلك السلطات مندوحة عنه.

ولكن الشرع الإسلامي جعل هذا التفويض أساسًا بنطاق أوسع، وترك التحديد للسلطات الزمنية تتصرف في كل زمان ومكان بحسبها، فيكون تحديد العقوبات في التقنين الجزائي إنما هو تنفيذ من أولياء الأمر للنظرية الإسلامية فيه، واستعمال منهم لسلطتهم الشرعية في هذا التحديد ولكن بصورة مسبقة قبل وقوع الجرائم ليكون المجرم على بينة من نوع العقوبة ومقدارها قبل إقدامه، ومن البديهي أن هذا التنسيق في التحديد داخل في الصلاحيات والسلطة المفوضة شرعًا إلى أولياء الأمور في هذا الشأن»٥٥٠المدخل الفقهي العام: (2/636)..

ص 365

ونظير هذا ما قاله الدكتور وهبة الزحيلي: «ومع ذلك فلا بأس بتقنين العقوبات واعتماد الدولة نظامًا محددًا للجرائم والعقوبات التعزيرية، فإن أصل التفويض في تقدير التعزير هو للإمام أي رئيس الدولة إذا كان مجتهدًا وتصدى للقضاء، فإذا ناب عنه قضاة متخصصون تقيدوا بما يقيدهم به من أنظمة وقواعد»٥٥١الفقه الإسلامي وأدلته: (7/5281).، وليس ما ذكراه بصحيح، وهو تكلُّفٌ في اعتبار الحالة التي ذكراها من نوع التفويض المقصود فليس هذا إلا تحجيرًا وإبطالًا له، فإن المقصود بالتفويض في كلام الفقهاء -كما هو مصرّح وموضّح في كتبهم- أن للإمام أو القاضي اختيار العقوبة المناسبة والنظر في كل حالة من الحالات التي يريد أن يعاقب عليها حالًا لا مآلًا، وهذا يقتضي أن يتعرف على عين الجناية التي سيختار لها عقوبة التعزير، وينظر في حال عين الجاني وصفته وهل هو من ذوي الهيئات وأصحاب المروءات أم من الفسقة المدمنين على المعاصي الآلفين لاقترافها، وعليه أن ينظر أيضًا إلى المجني عليه إن كانت الجناية لحق آدمي.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن التعزير عقاب غير مقدر الجنس ولا الصفة ولا القدر، والمرجع فيه إلى اجتهاد الوالي»٥٥٢مجموع الفتاوى: (20/565).، وهكذا فإننا نرى اعتبار هذه الأمور في اختيار العقوبة تجعل من العسير التنصيص على كل حالة من الحالات، لا سيما وأن الأمور المؤثرة والمعتبرة في إقامة العقوبة التعزيرية أو العفو عنها وفي تشديدها أو تخفيفها وفي تعجيلها أو تأجيلها لا تكاد تنتهي، ويصعب حصرها، وهي مجال واسع ومؤثر في اجتهاد القاضي، ومن هنا فإن التقنين -وإن أراد به البعض سد النقص العلمي الذي يكون لدى طائفة من القضاة- إلا أنه في المقابل كثيرًا ما يؤدي إلى إجحاف وظلم في حق الجاني أو المجني عليه أو في حق المجتمع.

وبهذا فإن تلك المفسدة تدرأ بمفسدة أعظم منها؛ فإذا انضم إلى ذلك أن هذا لم يكن معهودًا عند السلف الأولين، ولا من جاء بعدهم من العلماء الراسخين، ولا هو مما دلت عليه الشريعة، حيث اتفقوا على أن أهم ما يخالف فيه التعزير الحد كونه عقوبة تفويضية غير مقدرة، كان ذلك أدعى لترك هذا السبيل، وهو دافع للتمسك بالمعنى الصحيح للتفويض والالتزام به والبعد عن المحدثات.

ص 366

غير أنه يمكن أن يستدل لأن يجعل الإمام حدًا أقصى في الضرب لا يتجاوزه القضاة والولاة بما رواه عبد الرزاق٥٥٣[(١٣٦٧٤)]. عن الثوري عن حميد الأعرج عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «ولا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطًا»، وليس هذا من التقنين المنصوص المحدد المتعلق بكل جناية بعينها في شيء، وإنما وضع عمر رضي الله عنه لأبي موسى حدًا أقصى من الضرب، وترك المجال له في اختيار القدر المناسب مما هو دونه، كما أنه لم يلزمه باختيار عقوبة الضرب في كل جناية، ولم ينص له على نوع معين منها بحيث لا يتحول معها إلى غيرها من ضروب العقوبات، وعليه فإن اجتهاد أبي موسى في اختيار مطلق العقوبات التعزيرية لم يقع عليه تقييد ولا إلزام، كما أن نظره فيما دون العشرين من الضرب -إن هو اختاره- ليس بمحجر عليه فيه والله تعالى أعلم.

وممن ذهب إلى جواز تقنين العقوبات التعزيرية من المعاصرين: الدكتور عبد العزيز عامر حيث يقول: «أرى أن تعيين العقوبة أو العقوبات في كل جريمة مقدمًا، وجعل تطبيقها أو الاختيار فيما بينها وجوبيًا لولي الأمر على القضاة أو جوازيًا لهم، على أن يراعى في ذلك توسيع سلطتهم حتى يعطوا لكل حالة دواءها الملائم في سهولة ويسر، وعلى أن يجري تعديل هذه العقوبات كلما وجدت في التعديل مصلحة أو دل عليه العمل»٥٥٤التعزير: (406).، وذكر في ذلك حججًا هي في غالبها من جنس ما ذكر أعلاه فلا نرى الإطلالة بذكرها ومناقشتها.

الفرق الثاني:

أن الحدود إذا بلغت القاضي وثبتت عنده ثبوتًا شرعيًا ببينة أو إقرار وجب عليه إقامتها وليس له العفو أو الصفح أو قبول الشفاعة فيها، ويتعين تنفيذها على القوي والضعيف والوضيع والشريف والذكر والأنثى، لقول النبي ﷺ: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره)٥٥٥[سبق في (ص 269)]، رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن ابن عمر وصححه الشيخ الألباني في الإرواء.، ولقول النبي ﷺ: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)٥٥٦[سبق في (ص 325)]، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم عن عبد الله بن عمرو..

ص 367

أما في التعازير فعلى القاضي أن ينظر في حال الجاني فإذا رأى المصلحة في عدم معاقبته -لأن انزجاره قد حصل أو يمكن أن يحصل بدونها مثلًا- فله أن يعفو عنه ويتجاوز عن هفوته -إن كانت حقًا لله كما أن الشفاعة تقبل فيها إن كانت المصلحة في ذلك، قال العلامة الصنعاني بعد أن ذكر جملة من الأحاديث بشأن النهي عن الشفاعة في الحدود بعد بلوغها السلطان: «وهذه الأحاديث متعاضدة على تحريم الشفاعة بعد البلوغ إلى الإمام، وأنه يجب على الإمام إقامة الحد، وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، ومثله في البحر، ونقل الخطابي عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذية الناس وغيره، فقال: لا يشفع في الأول مطلقًا، وفي الثاني تحسن الشفاعة قبل الرفع، وفي حديث عن عائشة: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود)٥٥٧[سبق في (268)].؛ ما يدل على جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك»٥٥٨سبل السلام: (4/21)..

وقال الحافظ ابن حجر: «قال عياض: ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود، وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه ولا سيما ممن وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف، قال: وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك»٥٥٩فتح الباري: (10/554)..

وقال الماوردي وهو يعدد الفروق بين التعازير والحدود: «والوجه الثاني: أن الحد وإن لم يجز العفو عنه ولا الشفاعة فيه فيجوز في التعزير العفو عنه وتسوغ الشفاعة فيه، فإن تفرد التعزير بحق السلطنة وحكم التقويم ولم يتعلق به حق لآدمي جاز لولي الأمر أن يراعي الأصلح في العفو أو التعزير وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذنب، روي عن النبي ﷺ أنه قال: اشفعوا إلي ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء»٥٦٠الأحكام السلطانية: (296)، [وقد سبق تخريج الحديث في (ص 356)]..

ص 368

وقال الحطاب المالكي: «مسألة: ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيها إذا كان الحق لآدمي، فإن تجرد عن حق الآدمي وانفرد به حق السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح في العفو والتعزير وله التشفيع فيه. انتهى، وقال القاضي عياض في الإكمال في شرح قوله: (اشفعوا تؤجروا)٥٦١[سبق في (356)].: والشفاعة لأصحاب الحوائج والرغبات عند السلطان وغيره مشروعة محمودة مأجور عليها صاحبها بشهادة هذا الحديث وشهادة كتاب الله ﷻ بقوله: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ﴾ [النساء: 85]...الآية، على أحد التأويلين، وفيه أن معونة المسلم في كل حال لفعل أو قول فيها أجر وفي عمومه الشفاعة للمذنبين وهي جائزة فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو إذا رأى ذلك، كما له العفو عنه ابتداء وهذا فيمن كانت منه الفلتة والزلة وفي أهل الستر والعفاف، أو من طمع بوقوعه عند السلطان والعفو عنه من العقوبة أن تكون له توبة، وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم ولا ترك السلطان عقوبتهم لينزجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم وقد جاء الوعيد في الشفاعة في الحدود انتهى»٥٦٢مواهب الجليل: (6/321)..

وقد قال النبي ﷺ: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)٥٦٣متفق عليه من حديث أبي موسى، [وقد سبق في (356)].، وعلى كلٍ فلا شيء في الشفاعة في التعزيرات ولو بعد بلوغها الإمام، ربما كان مرغبًا فيها، ولكن قبول الإمام أو القاضي لتلك الشفاعة لا بد أن يكون مبنيًا على توخي المصلحة للجاني وللمجتمع، فمن كان مدمنًا على المعاصي، ومعتادًا طريقتها، مؤذيًا للناس، فهذا ينبغي أن لا تقال له العثرة ولا تقبل فيه الشفاعة، بل يعاقب بما يزجره وليكون عبرة لأمثاله.

ص 369

أما من كان من أصحاب المروءات الذين قد تقع منهم الهفوة وتحصل الزلة فلا بأس بالعفو عنه وقبول الشفاعة في حقه كما يشير لذلك كلام القاضي عياض الذي نقلناه قريبًا، بل كما دل عليه قول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٥٦٤[سبق في (268)].، وما ينبغي أن يؤكد عليه دائمًا أن يعلم أن الصفح والعفو وقبول الشفاعة واختيار نوعية العقوبة وقدرها كل هذه الأشياء مبناها على الاجتهاد في اختيار الأصلح مما يكون مرجعه حسنًا ومرده طيبًا ونفعه مترجحًا سواء على الجاني أو على المجتمع، فإن المحاباة والتخير المطلق المتجرد عن النظر والعاري عن الاجتهاد في انتقاء الأجدى في مثل هذه المواطن يعد من أعظم الظلم، وأقبح الأفعال، وهو من خيانة الأمانة التي أنيطت بعنق من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين وربما شمله قول النبي ﷺ: (ما من أمير يلي من أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة)٥٦٥رواه البخاري [٧١٥٠]، ومسلم [١٤٢] واللفظ له [بدون (مِن) بعد (يلي)] عن معقل بن يسار..

قال القاضي عياض في معنى الحديث: «معناه بين في التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما أؤتمن عليه، فلم ينصح فيما قلده، إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل متصد لإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم، ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل عيهم، فقد غشهم»٥٦٦شرح النووي على صحيح مسلم: (2/166).،

فليتقِ الله أناس تذهب بهم النفوس كل مذهب، وتتلاعب بهم الأهواء من غير تقييد ولا ضبط، وليعلموا أن أمامهم يومًا عسيرًا، ووقوفا طويلًا لا ينجيهم فيه إلا عدلهم، هذا وقد بينا الخلاف في حكم إقامة عقوبة التعزير بما يغني عن إعادته.

الفرق الثالث:

من الفروق بين التعازير والحدود أن التعازير منها ما هو حق لله تعالى، ومنها ما هو حق للعبد، أما الحدود فكلها حقوق لله عند الأئمة وإنما وقع الخلاف في حد القذف، ولهذا التقسيم أثره في وجوب إقامة العقوبة والعفو عنها؛ فما كان من التعازير حقًا لله تعالى فقد قدمنا الخلاف في حكم إقامته وأن هناك القائلين بوجوب إقامتها وهناك المجوزين للإقامة والإسقاط على حد سواء.

ص 370

أما ما كان حقًا للعبد، فإن المجني عليه كمن وقع عليه الضرب أو السب أو الشتم ونحو ذلك له المطالبة بالعقوبة وله العفو، وإن رفع أمره إلى الحاكم وطالب بمعاقبة الجاني فليس للقاضي أو الحاكم العفو عن الجاني بل يجب عليه معاقبته بما يتناسب وجنايته.

قال القرافي رحمه الله عند تعداده للفروق بين الحدود والتعزيرات: «أنه -أي التعزير- يتنوع لحق الله تعالى الصِّرف؛ كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز، ونحو ذلك وإلى حق العبد الصِّرف كشتم زيد ونحوه، والحدود لا يتنوع منها حد؛ بل الكل حق لله تعالى إلا القذف على خلاف فيه، أما أنه تارة يكون حدًا حقًا لله تعالى، وتارة يكون حقا لآدمي فلا يوجد البتة»٥٦٧الفروق: (4/325)..

وتقسيم التعزير إلى ما هو حق لله أو حق للعباد مبني على نوع المعصية أو الجناية التي يرتكبها العبد؛ فإن كانت تتعلق بشخص معين كسبه أو شتمه أو قذفه بغير الزنا أو ضربه فهذا يعد حقًا للمجني عليه وهو من وقع عليه السب أو الشتم أو الضرب أو نحوها وعليه فإن وجوب إقامة التعزير مبني على مطالبته به، فإن رفع أمره إلى الحاكم أو القاضي وطالب بمعاقبة من جنى عليه وجب على الحاكم إذ ذاك تنفيذ طلبه وعقوبة الجاني وليس له والحالة هذه أن يعفو عنه.

أما إن كان الحق حقا لله تعالى وهو ما يتعلق بأمور الدين العامة كترك الصلاة والسرقة من غير حرز أو دون النصاب أو الإفطار في نهار رمضان عمدًا من غير عذر أو التعرض للنساء والمردان أو أكل لحم الخنزير أو الدم أو الميتة من غير ضرورة ونحو ذلك؛ مما يكون ضرره واقعًا على المجتمع عمومًا، أو انتهاكًا لما حرمه الله سبحانه؛ فإن حكم إقامة التعزير في هذه الحالة قد بيناه مرارًا، وهذا يقودنا إلى تعداد بعض صور المعاصي والجنايات التي ذكرها الفقهاء مما يستحق صاحبها التعزير لتكون نبراسًا لمن أراد أن يقيس عليها غيرها، والقاعدة العامة: أن كل معصية لا حد فيها ولا كفارة يشرع فيها التعزير اتفاقًا، فيدخل تحت هذا الأصل العام جزئيات من المعاصي لا حصر لها، والمعاصي إما أن تكون فعلًا لمحرم أو تركًا لواجب ولا تخرج عن هذين القسمين.

ص 371

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز أو شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال، أو الوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك إذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات»٥٦٨السياسة الشرعية: (1/95)..

وقال الكاساني رحمه الله: «أما سبب وجوبه فارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع، سواء كانت الجناية على حق الله تعالى كترك الصلاة والصوم ونحو ذلك، أو على حق العبد بأن آذى مسلـمًا بغير حق بفعل أو بقول يحتمل الصدق والكذب بأن قال له: يا خبيث، يا فاسق، يا سارق، يا فاجر، يا كافر، يا آكل الربا، يا شارب الخمر، ونحو ذلك»٥٦٩بدائع الصنائع: (7/64)..

وقول الكاساني «يحتمل الصدق والكذب» احترازًا عما لا يحتمل إلا الكذب كقوله لأخيه: «يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا ثور» ونحو ذلك، فهذا عند الأحناف لا يوجب التعزير؛ لأن في النوع الأول إنما أوجب التعزير لأنه ألحق العار بالمقذوف، إذ الناس بين مصدق ومكذب، فعزر دفعًا للعار عنه، والقاذف في النوع الثاني ألحق العار بنفسه بقذفه غيره بما لا يتصور، فيرجع عار الكذب إليه لا إلى المقذوف»؛ وهذه الحجة ليست صحيحة ولا عليها دليل قائم معتبر، فمن أين لهم بهذا القيد الذي ذكروه وهو أن التعزير يختص بالألفاظ التي يكون العار فيها لاحقًا بالمقذوف فحسب؟ ثم لا يسلم أن من يقال له: يا كلب أو يا خنزير أو يا حمار لا تلحقه معرة بذلك؟

ص 372

بل هذه الألفاظ أشد وأقبح عند كثير من الناس من قولهم: يا آكل الربا وما شابهها، ويكفي أنها أذية لمؤمن وما حرمت إلا لما تضمنته من إزراء بالمسلمين واستحقارهم واستنقاصهم، وهذه كلها معاص تستوجب التعزير، فلو تصورت رجلًا فاسقًا بذيئًا في ملأ من الناس وهو ينادي بأعلى صوته على عالم أو أمير أو ذي هيئة قائلًا له: يا حمار يا كلب يا خنزير! فهل هناك عاقل يقول إن هذه ليست أذية لهم أو أن عارها يحار على قائلها فحسب؟!، ولذا فما قاله الأحناف في هذا الموطن مردود بما تقرر شرعًا وما عهد عرفًا من اعتبار مثل هذه الألفاظ في غاية الأذية والفحش والاستخفاف، فعلى قائلها كغيره التعزير والنكال، ثم إن علم أن ما يقوله الشاتم كذب فَلِمَ لا يعاقب على كذبه؟ أو ليس بمعصية تستحق ذلك؟

وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث؟ قال: «هن فواحش فيهن تعزير وليس فيهن حد»٥٧٠قال الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء: حسن. أخرجه البيهقي (8 / 253) [برقم: (17234)، بألفاظ قريبة، وقد ورد بلفظه المذكور في مسند ابن الجعد: (٢٢٣٦)] من طريق سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أصحابه عن علي رضي الله عنه في الرجل يقول للرجل: يا خبيث! يا فاسق! قال: «ليس عليه حد معلوم، يعرز الوالي بما رأى». ومن طريق عبيد الله القواريري ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن شيخ من أهل الكوفة قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: «إنكم سألتموني عن الرجل يقول للرجل: يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حد، وإنما فيه عقوبة من السلطان، فلا تعودوا فتقولوا»..

هذا وقد استحسن بعض علماء الأحناف تعزيره باعتبارها مشينة في العرف، وفرق بعضهم بين ما إذا كان المقذوف أو المشتوم من الأشراف وبين غيرهم، قال ابن الهمام بعد أن ذكر أقوال علماء الأحناف في المسألة: «فتحصلت ثلاثة: المذهب وهو ظاهر الرواية: لا يعزر مطلقًا، ومختار الهندواني: يعزر مطلقًا، والمفصل بين كون المخاطب من الأشراف فيعزر قائله أو لا فلا»٥٧١فتح القدير: (5/348).، قال ابن فرحون: «مسألة: وفي مفيد الحكام قال أشهب: ويحد القائل لآخر يا حمار، لأنه شبهه بالحمار الذي يركبه في ردفه، وقال ابن القاسم يعزر»٥٧٢تبصرة الحكام: (2/262).، وقال أيضًا في قول القائل: «يا شارب الخمر، أو يا آكل الربا، أو يا خائن، أو يا ثور، أو يا ابن الحمار، أو يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، فإنه يعزر؛ قاله ابن رشد»٥٧٣تبصرة الحكام: (2/301).

ص 373

بل إن بعض الفقهاء جوز التعزير على ترك المستحبات وفعل المكروهات فقد قال ابن فرحون المالكي رحمه الله: «فالعقوبة تكون على فعل محرم أو ترك ما هو واجب أو ترك سنة أو فعل مكروه»٥٧٤تبصرة الحكام: (2/200).، وقال شيخ الإسلام: «وقد يكون التعزير بتركه المستحب كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته»٥٧٥الفتاوى الكبرى: (4/401)..

ومن هذا الباب معاقبة الصبي وضربه على الصلاة إذا بلغ العاشرة كما في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع)٥٧٦رواه أحمد [15339]، وأبو داود [(٤٩٥) واللفظ له]، والحاكم [721] عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (5868).، وذلك لأن الصبي ليس مكلفًا حتى يعد تركه للصلاة محرمًا، قال شيخ الإسلام: «فأما التعزير بالضرب ونحوه، فلم يرفع عن المميز من الصبيان، بل قال النبي ﷺ: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع)٥٧٧[ذكره الشيخ بالمعنى، وقد تقدّم قبل قليل تخريجه بلفظه].، فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى، وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع، أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته»٥٧٨درء تعارض العقل والنقل: (6/64)..

وقال ابن عابدين الحنفي: «مطلب: التعزير قد يكون بدون معصية: وظاهره أن المراد حصر أسباب التعزير فيما ذكر -أي في المعاصي فقط- مع أنه قد يكون بدون معصية كتعزير الصبي المتهم... وكنفي من خيف منه فتنة بجماله»٥٧٩رد المحتار: (6/113).، والفروق بين التعازير والحدود أكثر مما ذكرناه هنا، وقد أوصلها القرافي إلى عشرة، وما دام المقصود من سوقها زيادة توضيح حقيقة التعزير وما يلتصق به من بعض الأحكام المهمة فإننا نكتفي بما دوناه منها لحصول الغرض والله تعالى أعلم.

ص 374

ذكر بعض أجناس العقوبات التعزيرية

لا يختص التعزير بجنس معين من العقوبات، بل كل ما يكون فيه زجر للعاصي وردع له عن التجرؤ على ارتكاب المحرمات أو التهاون في فعل الواجبات؛ فيمكن تأديبه به بحيث يكون مناسبًا لقدر المعصية وموافقًا لحال الجاني ومحصلًا للمقصود، وغني عن الذكر الإشارة إلى أن العقوبة التعزيرية يجب أن لا تكون بشيء منهي عنه شرعًا، إلا حيث جاء الدليل الشرعي باستثناء بأمر معين، فإنه يخرج حينئذ عن دائرة المنهيات في تلك الصورة كما سيتضح إن شاء الله.

ومن هنا فإن أصناف العقوبات التعزيرية لا تكاد تنحصر في عددها أو تنضبط في صفاتها، فقد تكون بفعل أو ترك في حق الجاني وما سنذكره هنا هو إشارة إلى بعض تلك العقوبات تنبيهًا عليها وإشارة إلى ما وراءها:

أولًا: الهجر: يعتبر الهجر واحدًا من العقوبات التي شُرعت للكف عن فعل محرم أو عقوبة على ترك واجب، كما جاء منصوصًا عليه في القرآن في حق المرأة الناشز؛ فقال تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهـۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34]، وكما هجر النبي ﷺ ومعه أصحابُه الثلاثةَ الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وحديثهم بطوله في الصحيحين٥٨٠[سبق تخريج قصتهم في (ص 341)]. وغيرهما، وكما يُهجر المبتدع لينكف عن بدعته وليحذر الناس من ضلاله وتضليله، فمثل هذه الحالات ونحوها مستثناة من النهي عن هجران المسلم أكثر من ثلاث ليال، فعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)٥٨١رواه مالك [917]، والبخاري [6077]، ومسلم [(٢٥٦٠) واللفظ له]، والترمذي [1932]، وأبو داود [(4910)، وغيرهم]..

ص 375

ثانيًا: النفي، ومعناه إبعاد العصاة عن مواطن سُكناهم، وتغريبهم في البلاد إيحاشًا لهم حتى يزول شرهم وتصلح نفوسهم ويستقيم حالهم، وقد جعل القرآن النفي في الأرض من العقوبات التي تُجرى على قطاع الطريق الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

وكما جاءت به السنة الصحيحة في حد الزاني غير المحصن، وقد بوّب البخاري على نفي العصاة بقوله: باب نفي أهل المعاصي والمخنثين وساق تحته حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم وأخرج فلانًا وأخرج عمر فلانًا)٥٨٢[رواه البخاري: (6834)].، والمقصود بالمخنثين في هذا الحديث ونحوه مما جاء فيه لعنهم ونفيهم هم المتشبهون بالنساء تخلقًا لا خِلقة، قال الإمام النووي٥٨٣[ساقه النووي بمعناه لا بنصه، وهو بهذا النص في كلام الطيبي في: شرح المشكاة (14/163)، وغيره]. رحمه الله: «قال العلماء: المخنث ضربان:

أحدهما: من خُلق كذلك ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن، بل هو خلقة خلقه الله عليها؛ فهذا لا ذمَّ عليه، ولا عتب، ولا إثم، ولا عقوبة؛ لأنه معذور لا صنع له في ذلك... الضرب الثاني: من المخنث هو من لم يكن له ذلك خلقة، بل يتكلف أخلاق النساء، وحركاتهن، وهيأتهن، وكلامهن، ويتزيا بزيهن؛ فهذا هو المذموم الذي جاء في الأحاديث الصحيحة لعنه، وهو بمعنى الحديث الآخر (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين بالنساء من الرجال)»٥٨٤شرح النووي على مسلم: (14/164) [الحديث المذكور مروي بالمعنى، وقد رواه البخاري: (5885) عن ابن عباس بلفظ: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»، ورواه غيره أيضا]..

ص 376

وقد يجتمع في الشخصين الأمران معًا، فيكون في خلقته شبه بالنساء حتى يُظن أنه لا إربة له فيهن ومعرفة بأحوالهن ولا التفات لزينتهن، ثم يُضيف إلى خلقته زيادة التشبه بهن وإمعان النظر في مفاتنهن والاطلاع على خصائص أحوالهن؛ فيستحق العقوبة على هذا، كما جاء في الصحيحين٥٨٥[البخاري: (٥٨٨٧) واللفظ له، ومسلم: (5741)]. عن أم سلمة رضي الله عنها: (أن النبي ﷺ كان عندها، وفي البيت مخنث، فقال لعبد الله أخي أم سلمة: يا عبد الله إن فتح لكم غدًا الطائف فإني أدلك على بنت غيلان؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ: لا يدخلن هؤلاء عليكن)، وقد ورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ نفى هذا المخنث وأمثاله خارج المدينة.

ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «قال العلماء: وإخراجه ونفيه كان لثلاثة معان:

أحدها: المعنى المذكور في الحديث؛ أنه كان يظن أنه ليس من أولى الإربة وكان منهم، ويتكتم بذلك.

والثاني: وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال، وقد نهى أن تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها؛ فكيف إذا وصفها الرجل للرجال.

والثالث: أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثيرٌ من النساء؛ فكيف الرجال»٥٨٦النووي على مسلم: (14/163)..

وعند أبي داود٥٨٧[(٤٩٢٨)، بزيادة «به» بعد «فأمر»، وصححه الألباني]. عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي ﷺ: (ما بال هذا؟) فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء؛ فأمر فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله ألا نقتله؛ فقال: (إني نهيت عن قتل المصلين).

ص 377

ثالثًا: السجن: وهو واحد من العقوبات التعزيرية، والذي تقدر مدته حسب جناية الجاني وظهور توبته ورجوعه عن جرمه، ويدل على أصل اعتبار هذه الطريقة في معاقبة العصاة قول الله تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا﴾ [النساء: 15]، والآية كانت في أول الإسلام ثم نُسخت كما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا؛ البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم)٥٨٨رواه أحمد [٢٢٦٦٦]، ومسلم [١٦٩٠]، وغيرهما..

والشاهد من سوق هذه الآية ليس الاستدلال بها على عين الحكم الذي جاءت به فهذا قد رُفع سواء سمي نسخًا أو بيانًا للغاية، بل المقصود هو الإشارة إلى أن الشرع قد جعل الحبس في البيوت والمنع من مخالطة الناس في وقت من الأوقات عقوبة للزواني مما يُلمح إلى جدوى هذا الضرب من العقوبات لكف الشر وقطعه وطلب توبة صاحبه، قال شيخ الإسلام رحمه الله عن هذه الآية: «قد يستدل بذلك على أن المذنب إذا لم يعرف فيه حكم الشرع فإنه يمسك فيحبس حتى يعرف فيه الحكم الشرعي فينفذ فيه»٥٨٩الفتاوى الكبرى (4/598)..

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة ثم خلى عنه)٥٩٠رواه أحمد [20019] وأبو داود [3630] والترمذي [(١٤١٧) واللفظ له] والنسائي [7521] وحسنه الألباني في الإرواء، وعند أحمد والحاكم [432] بأتم من هذا: (أخذ النبي ﷺ ناسًا من قومي في تهمة فحبسهم، فجاء رجل من قومي إلى النبي ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد علام تحبس جيرتي؟ فصمت النبي ﷺ عنه، فقال: إن ناسًا ليقولون: إنك تنهى عن الشر وتستخلي به! فقال النبي ﷺ: ما يقول؟ قال: فجعلت أعرض بينهما بالكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل النبي ﷺ به حتى فهمها، فقال: قد قالوها أو قائلها منهم، والله لو فعلت لكان علي وما كان عليهم، خلوا له عن جيرانه).، وما ذكرناه هنا من ضروب العقوبات التعزيرية إنما هو إشارة وتنبيه على غيرها، وإلا فلا تكاد صورها تنحصر ولا أجناسها تُحدد، وأنقل هنا بعض كلام الأئمة في ذلك ثم نتابع بذكر بعض أنواع العقوبات التعزيرية المهمة والتي وقع فيها الخلاف بصورة أو بأخرى.

ص 378

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي ﷺ وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا٥٩١[سبق تخريج قصتهم في (ص 341)].، وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي ﷺ وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فر من الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع أجره نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله من الإمارة تعزير له، وكذلك قد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبًا، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بذلك في شاهد الزور»٥٩٢مجموع الفتاوى: (28/344)، [وأثر عمر المذكور روى نحوه عبد الرزاق في المصنف: (15388)، وابن أبي شيبة: (28713)]..

وقال ابن القيم رحمه الله: «والتعزير منه ما يكون بالتوبيخ، وبالزجر عن الكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب»٥٩٣الطرق الحكمية: (265).، وقال القرافي: «وأما جنسه فلا يختص بسوط أو حد أو حبس أو غيره..»٥٩٤الذخيرة: (12/118).، وقال ابن فرحون: «فصل: والتعزير لا يختص بفعل معين أو قول معين فقد عزر رسول الله ﷺ بالهجر وذلك في الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم، فهجروا خمسين يومًا لا يكلمهم أحد، وقصتهم مشهورة في الصحاح، وعزر رسول الله ﷺ بالنفي فأمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم، وكذلك الصحابة من بعده ﷺ وأصحابه»٥٩٥تبصرة الحكام: (2/202)، [وقد سبق تخريج قصة الثلاثة الذين أمر النبيﷺ بهجرهم في (ص 341)، وحديث نفي المخنث في (ص 376)]..

ص 379

ولما ذكرنا أن العقوبات التعزيرية لا تختص بجنس معين من العقوبات ربما فهم منه أن ذلك على إطلاقه، إلا أن ثمة خلافًا بين العلماء في حكم التعزير ببعض العقوبات، وهل يمكن اعتبارها رادعًا لأهل المعاصي أم لا؟ كما أنهم اختلفوا في بعضها وهل له حد معين يتوقف عنده، أم أن الأمر راجع إلى اجتهاد الإمام وما يراه زاجرًا منها وهذا ما سيكون الكلام عليه إن شاء الله، فمن أهم وأبرز ما اختلفوا في جواز التعزير به أمران.

الأمر الأول: التعزير بالعقوبات المالية.

الأمر الثاني: التعزير بالقتل.

ص 380
أولًا: التعزير بالعقوبات المالية

اختلف العلماء في حكم التعزير بالمال؛ فمنهم من ذهب إلى منعه مطلقًا وأن ما ورد من الأدلة التي يفهم منها جوازه قد نسخت وادّعى بعضهم الإجماع على ذلك، كما أن منهم من جوزها مطلقًا أخذًا وإتلافًا وتغييرًا، وحكى الإجماع كذلك على ما اختاره، وهذا من عجائب الفقه وغرائب الاختيارات، وبَين القولين برزخ يضم أقوالًا وتفريعات تأتي تبعًا إن شاء الله، وأنا أذكر هنا الأقوال ثم أبين ما يظهر لي رجحانه منها، والله ولي التوفيق:

مذهب الأحناف:

المعتمد في مذهب الأحناف هو القول بعدم جواز التعزير بالعقوبات المالية، وهذا منسوب إلى الإمامين أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمه الله، وفي المقابل قد نقلوا عن أبي يوسف رحمه الله أن للسلطان التعزير بأخذ المال، قال ابن نجيم: «ولم يذكر محمد التعزير بأخذ المال، وقد قيل: روي عن أبي يوسف أن التعزير من السلطان بأخذ المال جائز، كذا في الظهيرية، وفي الخلاصة: سمعت عن ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال. اهـ»٥٩٦البحر الرائق: (5/44)..

وقال ابن عابدين رحمه الله: «مطلب في التعزير بأخذ المال: قوله «لا بأخذ مال في المذهب»، قال في الفتح: وعن أبي يوسف يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز. اهـ، ومثله في المعراج وظاهره أن ذلك رواية ضعيفة عن أبي يوسف»٥٩٧رد المحتار: (6/105).، ورغم ورود هذه الرواية عن أبي يوسف إلا أنهم لم يعولوا عليها، بل جزم بعضهم بأن المذهب هو عدم جواز التعزير بأخذ المال، فقد قال ابن عابدين: «والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال»٥٩٨رد المحتار: (6/106)، ومثله في: البحر الرائق: (4/55)..

ص 381

أما ما روي عن أبي يوسف رحمه الله فحمله بعضهم على معنى غير الأخذ بقصد التملك، وهو -أي المعنى-: أنَّ الإمام أو الوالي يأخذ مال الجاني ويبقيه عنده، ويحتفظ به؛ بقصد زجره وتهديده وإرهابه بذهاب ماله، فإذا تاب الجاني ورجع عن معاصيه رد عليه الإمام ماله، أما أن يأخذه مطلقًا فلا، قال ابن نجيم: «وأفاد في البزازية: أن معنى التعزير بأخذ المال -على القول به- إمساك شيء من ماله عنده مدة لينزجر، ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي»٥٩٩البحر الرائق: (4/55)..

كما أن بعضهم أبقى قول أبي يوسف على ظاهره، فقد قال ابن الهمام: «وما في الخلاصة: سمعت من ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال، مبني على اختيار من قال بذلك من المشايخ كقول أبي يوسف»٦٠٠فتح القدير: (5/345).، كما أن ظاهره وجود من يذهب إلى قول أبي يوسف من علماء الأحناف، ونظيره ما في حاشية ابن عابدين حيث قال: «وفي المجتبى لم يذكر كيفية الأخذ، ورأى أن يأخذها فيمسكها، فإن أيس من توبته يصرفها إلى ما يرى»٦٠١رد المحتار: (4/62)..

ويفهم من عبارة بعضهم أن معنى كلام أبي يوسف على ظاهره وهو جواز التعزير بأخذ المال، إلا أن هذا القول لا يفتى به في الأزمان المتأخرة حتى لا يتسلط الظلمة على أموال الناس متعلقين بقول أبي يوسف، قال ابن عابدين: «قال في الشرنبلالية: ولا يفتى بهذا -أي بجواز الأخذ- لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه اهـ، ومثله في شرح الوهبانية عن ابن وهبان»٦٠٢رد المحتار: (4/61)..

وقد قال الطحاوي الحنفي: التعزير بأخذ المال كان في أول الإسلام ثم نسخ، قال ابن عابدين: «وفي شرح الآثار: التعزير بالمال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ. اهـ»٦٠٣[البحر الرائق (5/44)]، رد المحتار: (4/61)..

ص 382

وعليه يمكن تلخيص الأقوال الواردة في مذهب الأحناف في مسألة التعزير بأخذ المال بما يأتي:

الأول -وهو المعتمد في المذهب-: عدم جواز التعزير بأخذ المال، وهو قول أبي حنيفة وأبي محمد.

الثاني: جواز التعزير بأخذ المال، وهو قول أبي يوسف وبعض من تبعه من علماء الأحناف.

الثالث: أن الأخذ تملكًا للسلطان أو لبيت المال لا يجوز، وإنما الجائز هو أخذ المال والاحتفاظ به حتى تظهر توبة الجاني، فإن تاب رد إليه ماله.

الرابع: أن يأخذها ابتداءً لأجل زجره، فإن تاب ردت إليه، وإن أيس من توبته كان له صرفها فيما يرى من المصالح، وهو قول قريب من سابقه.

الخامس: أن القول بجواز التعزير بأخذ المال -وإن كان جائزًا في أصله- إلا أنه لا يفتى به سدًا للذريعة أمام الظلمة حتى لا يتسلطوا على أموال الناس ويأكلوها بالباطل.

السادس: أن العقوبات المالية كانت مشروعة في أول الإسلام ثم استقر الأمر على نسخها، هذا ما تلخص لي من مجموع الأقوال المذكورة في مذهب السادة الأحناف والله تعالى أعلم.

مذهب المالكية:

اختلفت أقوال علماء المالكية في التعزير بالعقوبات المالية، فقد حكى بعضهم أن مذهب مالك رحمه الله هو تجويزها على تفصيل فيه وهو التفريق بين ما إذا كانت الجناية واقعة في نفس المال أو في عوضه فتجوز، وبين ما إذا كانت على شيء آخر فتمنع.

في حين ادعى بعضهم الإجماع على منعها على جهة الأخذ وإن جازت إتلافًا في الشيء اليسير، كما أن القول بالنسخ مما ذكره بعض علمائهم وهذه هي أقوالهم:

القول الأول: أن العقوبات المالية جائزة في المذهب على التفصيل المذكور، وقد حكى هذا القول العلامة ابن فرحون، والإمام الشاطبي.

ص 383

قال ابن فرحون بعد أن نقل كلامًا طويلًا للإمام ابن القيم في ذكره صورًا للتعازير المالية: «والتعزير بالمال قال به المالكية، ولهم فيه تفصيل.. فمن ذلك سئل مالك عن اللبن المغشوش أيهراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق بالثمن إذا كان هو الذي غشه، وقال في الزعفران والمسك المغشوش مثل ذلك، وسواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا، وخالفه ابن القاسم في الكثير، وقال: يباع المسك والزعفران على من يغش به ويتصدق بالثمن أدبًا للغاش، مسألة: وأفتى ابن القطان الأندلسي في الملاحف الرديئة النسج بأن تحرق، وأفتى عتاب بتقطيعها والصدقة بها خرقًا»٦٠٤تبصرة الحكام: (2/298)..

وقال الإمام الشاطبي بعد أن أشار إلى اختلاف العلماء في المسألة ونقل كلامًا للغزالي في ذلك: «وأما مذهب مالك فإن العقوبة في المال عنده على ضربين:

أحدهما: كما صوره الغزالي؛ فلا مرية في أنه غير صحيح، على أن ابن العطار في رقائقه صغى إلى إجازة ذلك، فقال: في إجازة أعوان القاضي إذا لم يكن بيت مال أنها على الطالب، فإن أدى المطلوب كانت الإجازة عليه، مال إليه ابن رشد، ورده عليه ابن النجار القرطبي، وقال إن ذلك من باب العقوبة في المال، وذلك لا يجوز بحال.

ص 384

الثاني: أن تكون جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه، فالعقوبة فيه عنده ثابتة، فإنه قال في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه: إنه يتصدق به على المساكين قلّ أو كثر، وذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إلى أن يتصدق بما قل منه دون ما كثر، وذلك محكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه أراق اللبن المغشوش بالماء٦٠٥[ذكر ذلك مالك في المدونة: (3/50)].، ووجه ذلك: التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له، لكن من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة.. على أن أبا الحسن اللخمي قد وضع له أصلًا شرعيًا، وذلك أنه ﷺ أمر بإكفاء القدور التي أغليت بلحوم الحمر قبل أن تقسم٦٠٦[البخاري: (2477)، ومسلم: (1937) وغيرهما].، وحديث العتق بالمثلة٦٠٧[أبو داود: (4519) وحسنه الألباني، والحاكم في المستدرك: (8102) وغيرهما]. أيضًا من ذلك، ومن مسائل مالك في المسألة: إذا اشترى مسلم من نصراني خمرًا فإنه يكسر على المسلم ويتصدق بالثمن أدبًا للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه، وعلى هذا المعنى فرع أصحابه في مذهبه، وهو كله من باب العقوبة في المال، إلا أن وجهه ما تقدم»٦٠٨الاعتصام: (360)..

وللقرطبي كلام يحتمل أن يكون من هذا الباب أي كون العقوبة تجوز بالمال في الذي وقعت فيه الجناية منه، ويحتمل أن يكون مطلقًا، فقد قال رحمه الله: «لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن، فأما في المال فقال في الذمي يبيع الخمر من المسلم: تراق الخمر على المسلم، وينزع الثمن من الذمي عقوبة له، لئلا يبيع الخمر من المسلمين فعلى هذا يجوز أن يقال تجوز العقوبة في المال، وقد أراق عمر رضي الله عنه لبنًا شيب بماء»٦٠٩تفسير القرطبي: (4/260) [وإراقة عمر اللبن المغشوش ذكرها مالك في المدونة: (3/50) كما تقدم قبل قليل]..

ص 385

وقال رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ [الإسراء: 81]، قال: «في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، ومالا يصلح إلا لمعصية الله، كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى، قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من الـمَدَر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه، إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرًا أو قطعًا فيجوز بيعها والشراء بها، قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال،... وقد همَّ النبي ﷺ بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة٦١٠[البخاري: (٦٤٤)، ومسلم: (٦٥١) وغيرهما].، وهذا أصل في العقوبة في المال، مع قوله ﷺ في الناقة التي لعنتها صاحبتها: (دعوها فإنها ملعونة)٦١١[مسلم: (2595) وغيره].، فأزال ملكها عنها تأديبًا لصاحبتها وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به، وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنًا شيب بماء على صاحبه»٦١٢تفسير القرطبي: (10/203)، [وإراقة عمر اللبن المغشوش ذكرها مالك في المدونة: (3/50) كما تقدم قبل قليل]..

فهو هنا لم يفصل بين ما إذا تعلقت الجناية بنفس المال فتجوز العقوبة عليه، وبين ما إذا كانت الجناية مطلقة فتجوز أيضًا، إلا أن الأدلة التي ساقها كلها تحوم حول جنايات متعلقة بالأموال، فالأولى حمل كلامه بما يوافق مذهب أصحابه لا سيما وقد قال الحطاب المالكي: «والعقوبة بالمال أمر كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك وعادت العقوبة في الأبدان.. وقال القرطبي في حديث التي لعنت الناقة وأتت النبي ﷺ: يستفاد منه جواز العقوبة بالمال في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك»٦١٣مواهب الجليل: (9/318)، [وحديث التي لعنت ناقتها خُرِّج قبل قليل]..

فما نقله عنه هنا صريح في أن العقوبة المالية إنما تكون في المال الذي وقعت فيه الجناية، كلعن الناقة، وغش اللبن، ورداءة الملاحف، واستخدام آلات اللهو الحرام والتماثيل والصور ونحو ذلك.. وجاء في البيان والتحصيل: «وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشًا ترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق، إنما سألني أنه أراد أن يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش فنهيته عن ذلك، وسئل مالك عما يغش من اللبن، أترى أن يراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق به على المساكين من غير ثمن إذا كان هو الذي غشه، قيل له: فالزعفران أو المسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه، فأراه مثل اللبن، وسئل ابن القاسم عن هذا، فقال: أما الشيء الخفيف من ذلك فلا أرى به بأسًا، وأما إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وأرى على صاحبه العقوبة، لأنه يذهب في ذلك أموال عظام»٦١٤البيان والتحصيل: (9/318)..

ص 386

القول الثاني: قول من قال إن العقوبات المالية إذا كانت على وجه الأخذ لا تجوز بالإجماع، فعند الدسوقي في حاشيته: «قوله: «وقد يكون بغير ذلك»؛ أي: كإتلافه لما يملكه، كإراقة اللبن على من غشه حيث كان يسيرًا، ولا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعًا، وما روي عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من أنه جوز للسلطان التعزير بأخذ المال، فمعناه كما قال البزازي من أئمة الحنفية: أن يمسك المال عنده مدة لينزجر، ثم يعيده إليه، لا أنه يأخذه لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي أي كشراء أو هبة»٦١٥حاشية الدسوقي: (4/355)..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَلَمْ تَجُزْ عُقُوبَةٌ بِالْمَالِ

أَوْ فِيهِ عَنْ قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ»٦١٦بلغة السالك: (2/440).

والقول بعدم جواز العقوبات المالية هو إحدى الروايات عن الإمام مالك رحمه الله، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسًا»٦١٧مجموع الفتاوى: (28/115).، كما ذكر ابن رشد أن مالكًا رحمه الله قال٦١٨[الأولى حذف كلمة «قال»؛ فابن رشدٍ ينقل مذهب مالك لا قولَه بنصه].: «لا يرى العقوبات في الأموال، لأن العقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام»٦١٩البيان والتحصيل: (16/278)..

ص 387

القول الثالث: أن العقوبات كانت جائزة في أول الإسلام ثم نسخت بالإجماع، قال محمد بن رشد بعد أن ذكر وجه قول مالك وقول ابن القاسم في مسألة اللبن والزعفران والمسك المغشوشات: «وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك إلا على الغاش بالشيء اليسير أحسن من قول مالك، لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، والعقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي ﷺ في مانع الزكاة: (إنما آخذها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا)٦٢٠[رواه بلفظ قريب أحمد: (٢٠٠٤١)، وأبو داود: (١٥٧٥) وغيرهما، وحسنه الألباني]. وما روي عنه في حريسة الجبل (أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال)٦٢١[سنن النسائي: (4959) وحسنه الألباني]. وما روي عنه من أن (من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئًا فلمن أخذ سلبه)٦٢٢[رواه بلفظ قريب أبو داود: (2037)، وصححه الأرنؤوط]. ومن مثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانًا، والقياس أن لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير»٦٢٣البيان والتحصيل: (9/319)، ونظيره في: (16/278)..

وقد بحث هذه المسألة الشيخ التسولي من المتأخرين وناقش القائلين بالنسخ وادعاء الإجماع على ذلك، ونقل فتاوى لبعض العلماء منهم «البرزلي» جوزوا فيها العقوبات المالية عند تعذر غيرها من العقوبات في أيام الهرج وانعدام الأئمة ذوي السلطان.

وقال بعد بحث مطول في ذلك: «وقد تحصل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدًا معلومًا كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها - لا يجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقًا، لما فيه من تبديل الحدود المعينة من الشارع سبحانه لقوله: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44].. ﴿ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45].. ﴿ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، اللهم إلا أن يتعذر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ ارتكابًا لأخف الضررين، ودفعًا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحد إن زال العذر على ما مر عن هؤلاء الشيوخ، وأما ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد -كما مر في الفصل الثاني- فقيل: يعاقب بالمال مطلقًا، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال الشافعي واختاره النووي وابن القيم، وقيل: لا عقاب به مطلقًا وهو ما لابن رشد ومن معه، وقيل: لا يعاقب به -أيضًا- إلا مع التعذر -أيضًا- وهو ظاهر إطلاق هؤلاء الشيوخ المتأخرين»٦٢٤أجوبة التسولي: (163)..

ص 388

ونختم الكلام على مذهب المالكية في المسألة بنقل يلخص مجمل الأقوال في المذهب: «قوله: «وتصدق بما غش» أي جوازًا لا وجوبًا... لما يذكره المصنف آخرًا من قوله: «ولو كثر» فإن هذا قول مالك، والتصدق عنده جائز لا واجب، وما ذكره المصنف من التصدق هو المشهور، وقيل يراق اللبن ونحوه من المائعات، وتحرق الملاحف والثياب الرديئة النسخ، قاله ابن العطار، وأفتى به ابن عتاب، وقيل: إنها تقطع خرقًا، خرقًا، وتعطى للمساكين، وقيل: لا يحل الأدب بمال امرئ مسلم، فلا يتصدق به عليه، ولا يراق اللبن ونحوه، ولا تحرق الثياب، ولا تقطع الثياب ويتصدق بها، وإنما يؤدب الغاش بالضرب، حكى هذه الأقوال ابن سهل، قال ابن ناجي: واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في نفس المغشوش هل يجوز الأدب فيه أم لا؟، وأما لو زنى رجل مثلًا فلا قائل فيما علمت أنه يؤدب بالمال، وإنما يؤدب بالحد، وما يفعله الولاة من أخذ المال فلا شك في عدم جوازه، وقال الونشريسي: أما العقوبة بالمال فقد نص العلماء على أنها لا تجوز، وفتوى البرزلي بتحليل المغرم لم يزل الشيوخ يعدونها من الخطأ»٦٢٥حاشية الدسوقي: (3/46)..

وتلخيص الأقوال في المذهب هي على النحو التالي:

القول الأول: أن العقوبات المالية على وجه الأخذ لا تجوز بالإجماع.

القول الثاني: يجوز على وجه الإتلاف في نحو لبن مغشوش أو زعفران، وكذا يجوز التصدق به إن كان الغاش هو البائع نفسه، وهناك من يفرق بين ما إذا كان كثيرًا فلا يجوِّز إراقته ولا التصدق به، وبين ما إذا كان قليلًا فيجوِّز ذلك، وثمة من لا يفرق بين قليل وكثير.

القول الثالث: أن التعزير بالمال كان جائزًا في أول الإسلام ثم نسخ، وخلاصته أنه غير جائز في المذهب.

القول الرابع: أن التعزير بالمال لا يجوز شرعًا لا على وجه الأخذ ولا التصدق ولا الإتلاف، وإنما العقوبات على الأبدان فقط لا على الأموال. وهو في معنى سابقه.

القول الخامس: أن الجناية إن كانت متعلقة بالمال جازت العقوبة به وإن لم تتعلق به لم يجز.

ص 389

القول السادس: وهو أن العقوبات المالية تجوز حيث يتعذر غيرها من العقوبات بحيث لا يمكن أن ينزجر الجاني إلا بها ولا يمكن للإمام أو القاضي أن يعاقبه بغيرها أصلًا لعجزه وهو ضمن الأقوال التي ذكرها التسولي.

مذهب الشافعية:

نص الإمام الشافعي رحمه الله على أن العقوبة بالمال لا تجوز، وقد ذكر بعض العلماء أن مذهبَه القديم: القول بجوازها، ثم استقر قوله الأخير على منعها وفي هذه يقول رحمه الله: «لا تضعف الغرامة على أحد في شيء، إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال، وإنما تركنا تضعيف الغرامة من قِبَل أن رسول الله ﷺ قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها فإنما يضمنونه بقيمة لا بقيمتين»٦٢٦الأم: (6/198)، [والحديث رواه ابن ماجه: (2332)، وصححه الألباني]..

فجعل الإمام الشافعي رحمه الله قضاء النبي ﷺ في قصة ناقة البراء رضي الله عنه ناسخًا للعقوبات المالية، وقال السيوطي: «وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله أخذت وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه، واستدل بهذا الحديث - أي حديث آخذوها وشطر ماله - وقال في الجديد: لا يؤخذ إلا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديث منسوخًا وقال كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخت»٦٢٧حاشية السيوطي على النسائي: (5/16)..

قال الشوكاني رحمه الله: «وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء، لأنه رضي الله عنه حكم عليه بضمان ما أفسدت، ولم ينقل أنه رضي الله عنه في تلك القضية أضعف الغرامة، ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخًا البتة»٦٢٨نيل الأوطار: (4/180)..

ص 390

كما أن النووي رحمه الله وهو من أئمة الشافعية لم يسلم للقائلين بالنسخ معللًا ذلك بأن العقوبات المالية لم يثبت العمل بها أصلًا في أول الإسلام، ولو ثبت ذلك لكان الجهل بالتاريخ كافيًا في نفي دعوى النسخ، كما نقل عنه ذلك الحافظ فقال: «وقال البيهقي وغيره حديث بهز هذا منسوخ، وتعقبه النووي: بأن الذي ادعوا من كون العقوبة كانت بالأموال في الأموال في أول الإسلام ليس بثابت، ولا معروف ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ»٦٢٩التلخيص: (2 /161)..

وعلى كل فإن مذهب الإمام الشافعي رحمه الله الذي استقر عليه هو منع العقوبات المالية، وأن ما كان منها جائزًا فهو منسوخ، إلا أن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أن هناك قولًا للشافعي بجواز العقوبات المالية فقال: «فصل: والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول وإن تنازعوا في تفصيل ذلك»٦٣٠مجموع الفتاوى: (28/110).، ولعله قول الشافعي في القديم، والله أعلم.

وقد جوز بعض الشافعية كسر دنان الخمر، وسوغوا للإمام أن يريق اللبن المغشوش، وأن يحرق الطعام المحتكر عقوبة وزجرًا إن رأى المصلحة في ذلك فقال العلامة ابن الأخوة: «فصل: وأما التعزير في الأموال فجائز عند مالك رحمه الله، وهو قول قديم عند الشافعي رضي الله عنه، بدليل أنه أوجب على من وطئ زوجته الحائض في إقبال الدم دينارًا، وفي إدباره نصف دينار رواه ابن عباس٦٣١[رواه أحمد: (3473) وغيره، وصححه الأرنؤوط موقوفا على ابن عباس].، وفي من غل الزكاة تؤخذ منه ويؤخذ شطر ماله عقوبة له، واستدل بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (في كل أربعين من الإبل السائبة بنت لبون، من مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد فيها شيء)٦٣٢[رواه أبو داود: (1575) وغيره بألفاظ قريبة، وحسنه الألباني]..

ص 391

وقد روي أن سعد بن أبي وقاص أخذ سلب رجل قتل صيدًا بالمدينة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى رجلًا يصطاد بالمدينة فله سلبه)٦٣٣[تقدم في (387)].، والمراد هاهنا بالسلب الثياب فحسب، وهذا ما أورده الإمام، وقد روي أنهم كلموا سعدًا في هذا السلب فقال ما كنت أرد طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ، وروي أن عمر رضي الله عنه أراق لبنًا مغشوشًا٦٣٤[تقدم في (385)].، وعن علي كرم الله وجهه أنه أحرق طعامًا محتكرًا بالنار٦٣٥[ذكره الغزالي في الإحياء: (2/73)].، قال الغزالي للوالي أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه، وأقول: وله أن يكسر الظروف التي فيها الخمور زجرًا، وقد فعل ذلك في زمن رسول الله ﷺ تأكيدًا للزجر٦٣٦[رواه الترمذي: (1293) وغيره عن أبي طلحة، وحسنه الألباني].، ولم يثبت نسخه ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة، وإذا رأى الوالي باجتهاد مثل تلك الحاجة جاز له مثل ذلك، فإن كان هذا منوطًا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية، فإن قلت: هل للسلطان زجر الناس عن المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي فيها يشربون ويعصون وإحراق أموالهم التي يتوصلون بها إلى المعاصي؟ فاعلم أن ذلك لورود الشرع به لم يكن خارجًا عن سنن المصالح، ولكنا لا نبتدع المصالح بل نتبع فيها، وكسر ظروف الخمر قد ثبت عند شدة الحاجة فلا يكون نسخًا، بل الحكم يزول بزوال العلة ويعود بعودها»٦٣٧معالم القربة: (288)..

ص 392

وقد علق الدكتور محمد فتحي الدريني على قول ابن الأخوة فقال: «وأما قوله: «فلا يكون نسخًا، بل الحكم يزول بزوال العلة، ويعود بعودها»؛ فإشارة إلى تغير الحكم بتغير الظرف والمصلحة التي اقتضت ذلك -وهي أساس العقاب التعزيري بتفويض من الشارع نفسه- فشدة الحاجة مثلا -وهي قرينة على تأصل الجريمة في المجتمع واستشرائها- كشيوع شرب الخمر وإصرار شاربيها على معصيتهم، اقتضت تغليظ العقوبة لتؤتي ثمرتها في مثل هذا الوضع، وذلك بكسر دنان الخمر وأوعيتها فضلًا عن إراقتها وإتلافها ولولا ذلك لما تحقق الغرض منها حتى إذا زال السبب وتبدلت هذه الظروف العامة تبدل الحكم تبعًا لذلك إلى ما هو أخف، إذ يحصل المقصود به دون داع إلى التشديد في العقوبة، إذا الضرورة تقدر بقدرها، بل هو محرم.. وهذا التبدل ليس نسخًا للحكم السابق، وإنما هو نتيجة لقانون التلازم المنطقي بين الحكم وعلته طردًا وعكسًا، إذ يدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا لأن النسخ معناه إبطال العمل بالحكم المنسوخ مطلقًا، وإنهاء أمد العمل به من قبل الشارع، وهذا ليس كذلك، إذ يعود العمل بالحكم السابق إذا عادت علته إلى الوجود»٦٣٨بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي: (94)..

مذهب الحنابلة:

نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذا ابن القيم على أن التعزير بالمال جائز في مواضع مخصوصة من مذهب الإمام أحمد رحمه الله كما هو الحال في مذهب الإمام مالك رحمه الله، إلا أن ما ذكره ابن قدامة في المغني أنه لا يجوز التعزير بأخذ المال فقال: «فصل: والتعزير يكون بالضرب، والحبس، والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ ماله لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به، ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون بالإتلاف»٦٣٩المغني: (9/149)..

إلا أن شيخ الإسلام رحمه الله حمل كلام ابن قدامة على ما يفعله الحكام الظلمة من أخذ أموال الناس بالباطل كما عند البهوتي: «وقال -أي ابن تيمية-: التعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا، وقول الموفق أبي محمد المقدسي: لا يجوز أخذ ماله؛ إشارة منه إلى ما يفعله الحكام الظلمة»٦٤٠كشاف القناع على متن الإقناع: (6/124)..

ولكن قول ابن قدامة: «لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به»، يفهم منه أن أصل العقوبة المالية غير مشروع، إلا إن قيل إن كلامه الأخير يرجع إلى منع القطع والجرح دون أخذ المال لقوله عقبه معللًا: «والتأديب لا يكون بالإتلاف»، وأخذ المال ليس إتلافًا له، والله تعالى أعلم.

ص 393

والذي يظهر أن المواضع التي جاءت فيها عن النبي ﷺ عقوبات مالية مخصوصة، وليس ثمة ناسخ لها ولا إجماع بيّن على تركها؛ فإن الإمام أحمد رحمه الله يقول بها ويذهب إليها، سواء سميت تعزيرًا أم لم تسم، وعلى هذا فإن الإمام ابن قدامة رحمه الله رغم أنه نص على أن التعزير لا يكون بأخذ المال فإنه نقل عن الإمام أحمد أخذه ببعض الأحاديث التي تضمنت عقوبات مالية منصوصة ومقدرة فقال رحمه الله: «فصل: وإن سرق من التمر المعلق، فعليه غرامة مثليه، وبه قال إسحاق للخبر المذكور، قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه.. إلى أن قال ردًا على مخالفيهم: ولنا قول النبي ﷺ، وهو حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى النسخ بالاحتمال من غير دليل عليه وهو فاسد بالإجماع»٦٤١المغني: (12/438)..

والخبر المشار إليه في كلام ابن قدامة هو قول النبي ﷺ: (من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة...الحديث)٦٤٢رواه أبو داود [(١٧١٠) واللفظ له]، والنسائي [٧٤٠٤]، وابن ماجه [2301]، وغيرهم عن عبد الله بن عمرو وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء: (2413).، ونظيره من منع زكاته ولم يكن ممتنعًا، ففي رواية عن أحمد وعن بعض أصحابه تؤخذ منه ومعها شطر ماله للحديث المروي في ذلك، قال المرداوي: «قوله: فإن غيب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت منه من غير زيادة، وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب.

وقال أبو بكر في زاد المسافر: يأخذها وشطر ماله، وقدمه الحلواني في التبصرة، وذكره المجد رواية، قال أبو بكر أيضًا: يأخذ شطر ماله الزكوي، وقال إبراهيم الحربي: يؤخذ من خيار ماله زيادة القيمة بشطرها من غير زيادة عدد ولا سن، قال المجد: وهذا تكلف ضعيف، وعنه تؤخذ منه ومثلها، ذكرها ابن عقيل، وقاله أبو بكر أيضًا في زاد المسافر، وقال ابن عقيل في موضع من كلامه: إذا منع الزكاة فرأى الإمام التغليظ عليه بأخذ زيادة عليها اختلفت الرواية في ذلك»٦٤٣الإنصاف: (3/189).، ومثل هذا إحراق متاع الغال من الغنيمة.

ص 394

قال الخرقي رحمه الله: «مسألة: ومن غل من الغنيمة حرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، قال ابن قدامة رحمه الله: الغال هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة، فلا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة، فحكمه أن يحرق رحله كله، وبهذا قال الحسن وفقهاء الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر»٦٤٤المغني: (9/245).، وقد نص بعض علماء الحنابلة على أن هذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما الأمر فيه معلق على المصلحة وما يراه الإمام منها، وأنه من باب التعزير.

قال العلامة ابن مفلح رحمه الله: «والغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف والحيوان، والغال من الغنيمة وهو من كتم ما غنمه أو بعضه، فيجب أن يحرق رحله كله، قاله الحسن وجماعة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال) رواه أبو داود٦٤٥[(٢٧١٥)، وضعفه الألباني والأرنؤوط، ورواه الحاكم في المستدرك: (2591) وصححه].، ولحديث عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ أمر بذلك رواه سعيد والأثرم، واختار جماعة أن ذلك من باب التعزير لا الحد الواجب، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة، قال في الفروع: وهو أظهر»٦٤٦المبدع: (3/375)..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «فصل: والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، والشافعي في قول وإن تنازعوا في تفصيل ذلك»٦٤٧مجموع الفتاوى: (28/110)..

ص 395

فالذي يظهر أن ثمة مواضع في المذهب يعد فيها الخلاف لفظيًا ومواضع يكون فيها حقيقيًا، أما عن الموضع الأول فكما في تغريم من سرق التمر المعلق؛ فالظاهر من كلام ابن قدامة أنه لا يعد هذا من باب التعزير ولهذا لم يسمه به، ومثله تحريق متاع الغال، أما شيخ الإسلام وابن القيم فإنهما يستدلان بمثلها على جواز التعزير بالمال، فهو عندهم قسم من أقسامه كما سيأتي عنهما، فهم وإن اتفقوا في الحكم إلا أنهم اختلفوا في الاسم، أما الموضع الثاني فهو إنشاء عقوبة مالية على معصية من غير أن ينص عليها دليل بعينها، فالظاهر من كلام ابن قدامة وغيره من علماء المذهب منع مثل هذا الضرب من العقوبات، والذي ينص عليه شيخ الإسلام في مواضع من كتبه وتبعه فيه ابن القيم جوازه، فالخلاف فيه حقيقي.

ولهذا فإن ابن القيم رحمه الله قسم العقوبات المالية إلى قسمين:

القسم الأول: منضبط وهو ما لا يتغير بحسب حال الشخص، وإنما هو حكم ثابت ومستقر ومحدد، سواء منه ما كان حقًا لله تعالى أو ما كان حقًا للعبد، وأغلب هذا القسم قد جاءت فيه أدلة جزئية تفصيلية تبين قدره والجناية التي تتسبب فيه.

القسم الثاني: وهو ما يدخله الاجتهاد من الحكام بحسب المصلحة، وهو قابل لدخول الزيادة والنقص فيه، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وهذا الجنس من العقوبات -أي المالية- نوعان: نوع منضبط، ونوع غير مضبوط.

فالمضبوط: ما قابل المتلَف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق الآدمي كإتلاف ماله، وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضـمن للعقوبة بقوله: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ﴾ [المائدة: 95]، ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبَّر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته، ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها.

وأما النوع الثاني غير المقدر: فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح، ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود، ولهذا اختلف الفقهاء فيه هل حكمه منسوخ أم ثابت؟ إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة»٦٤٨إعلام الموقعين: (2/366).

قول شيخ الإسلام وابن القيم في المسألة:

ص 396

ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله إلى أن التعزير بالعقوبات المالية مشروع، وأن السنة قد دلت على ذلك، كما أن أفعال الصحابة رضي الله عنهم كثيرة ومتعددة فيها، واستبعدا القول بالنسخ، وردا على من ادعاه أو حكاه، وساقا في ذلك جملة من أقضية النبي ﷺ مما اعتبراها عقوبة مالية على بعض المخالفات، قال شيخ الإسلام: «ومن ذلك أن أهل المدينة يرون العقوبات المالية مشروعة، حيث مضت بها سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، كما أن العقوبات البدنية مشروعة، حيث مضت بها السنة، وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم، وادعوا أنها منسوخة، ومن أين يأتون على نسخها بحجة؟ وهذا يفعلونه كثيرًا إذا رأوا حديثًا صحيحًا يخالف قولهم، وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية، مثل كسر دنان الخمر، وشق ظروفها، وتحريق حانوت الخمار، كما صنع موسى بالعجل، وصنع النبي ﷺ بالأصنام، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين، وكما أمرهم عليه السلام بكسر القدور التي فيها لحم الحمر ثم أذن لهم في غسلها، وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز، وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمدًا»٦٤٩مجموع الفتاوى: (20/384).

ص 397

ولشيخ الإسلام رحمه الله في المسألة كلام طويل يقرر فيه جوازها، ويدعم القول به بسنة النبي ﷺ وأقضية خلفائه من بعده وبأقوال بعض أرباب المذاهب وتابعيهم، كما رد فيه على القائلين بالنسخ قال رحمه الله: «فصل: والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك، كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين وقال له: أغسلهما، قال: لا بل أحرقهما، وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر، ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نزيفها ونغسلها؟ فقال افعلوا فدل ذلك على جواز الأمرين، لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة، ومثل هدمه لمسجد الضرار، ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلهًا، ومثل تضعيفه ﷺ الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل ما روي من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير.

ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل , وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه فذهب فحرقه عليه، وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل الـعـلم بذلك ونـظائرها متعددة.

ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهما، ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان؛ فقد قال قولًا بلا دليل، ولم يجئ عن النبي ﷺ شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أَخْذُ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ، وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما، والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة.

ص 398

إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها لبعض النصوص توهمه ترك العمل إجماع، والإجماع دليل على النسخ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلًا على أنه منسوخ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحًا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعًا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء»٦٥٠مجموع الفتاوى: (28/110-112)، [وبعض ما نسبه شيخ الإسلام للنبيﷺ في كلامه قد سبق تخريجه قريبا جدا]..

وقال ابن القيم في المسألة: «وأما تغريم المال -وهو العقوبة المالية- فشرعها في مواضع: منها تحريق متاع الغال من الغنيمة، ومنها حرمان سهمه، ومنها إضعاف الغرم على سارق الثمار المعلقة، ومنها إضعافه على كاتم الضالة الملتقطة، ومنها أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومنها عزمه ﷺ على تحريق دور من لا يصلي في الجماعة لولا ما منعه من إنفاذه ما عزم عليه من كون الذرية والنساء فيها، فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل، ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قتله، حيث شفع فيه هذا المسيء وأمر الأمير بإعطائه فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر»٦٥١إعلام الموقعين: (2/117)، [وما نسبه ابن القيم للنبيﷺ في كلامه قد سبق تخريجه قريبًا جدا]..

بل قد حكى رحمه الله الإجماع على جواز العقوبات المالية فقال: «فقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد أولى بالصواب، بل هو إجماع الصحابة، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدًا ولم ينكره منهم منكر، وعمر يفعله بحضرتهم وهم يقرونه، ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئًا قالوا: منسوخ ومتروك العمل به»٦٥٢الطرق الحكمية: (320).، وقد ذكر صورًا كثيرة من ذلك في كتابه الطرق الحكمية رأينا أن نكتفي بما نقلناه خشية الإطالة.

ص 399

هذا وقد قسم شيخ الإسلام رحمه الله العقوبات المالية إلى ثلاثة أقسام: إتلاف، وتغيير، وتمليك، قال رحمه الله: «وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك»٦٥٣مجموع الفتاوى: (28/113).، ثم قال: «فالأول -أي الإتلاف- المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها مثل الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها... وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء... وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل.

وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود٦٥٤[(3449)، وضعفه الألباني]. عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ: أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت، ومثل تغيير الصورة المجسمة وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة.

وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود٦٥٥[(1710)، وحسنه الألباني]. وغيره من أهل السنن عن النبي ﷺ فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين.. وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة؛ أنه يضعف غرمها وبذلك قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره»٦٥٦مجموع الفتاوى: (28/113- 118)..

وقال أيضًا: «والتعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا وهو جار على أصل أحمد، لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها، وقول الشيخ أبي محمد: ولا يجوز أخذ مال المعزر، فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة»٦٥٧الفتاوى الكبرى: (5/530).

ص 400

وقال أيضًا عند كلامه عن مسألة المال الذي يجهل مستحقه: «فأما إتلافها فإفساد، والله لا يحب الفساد، وهو إضاعة لها، والنبي ﷺ قد نهى عن إضاعة المال٦٥٨[كما في البخاري: (1477)، ومسلم: (4501) وغيرهما].، وإن كان في مذهب أحمد ومالك: تجوز العقوبات المالية تارة بالأخذ، وتارة بالإتلاف كما يقوله أحمد في متاع الفساد، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر، ومحل الخمار وغير ذلك، فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانًا كالعقوبة بإتلاف بعض النفوس أحيانًا، وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك، كما في إتلاف النفس والطرف، وكما أن قتل النفس يحرم إلا بنفس أو فساد كما قال تعالى: ﴿أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ [البقرة: 30]، فكذلك إتلاف المال إنما يباح قصاصًا أو لإفساد مالكه، كما أبحنا من إتلاف البناء والغراس الذي لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا بغير خلاف، وجوزنا لإفساد مالكه ما جوزنا»٦٥٩الفتاوى الكبرى: (4/212)..

رأي الإمام الشوكاني رحمه الله:

تكلم الإمام الشوكاني عن حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا تعالى، لا يحل لآل محمد منها شيء)٦٦٠رواه أحمد [٢٠٠٤١]، والنسائي [2236]، وأبو داود [(1575)، وحسنه الألباني].، وبيّن أن بعض العلماء قد استدل بالحديث على جواز العقوبات المالية مضيفًا إليها أدلة أخرى من السنة وبعض ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم من الأقضية، وجلها ما نقلناه آنفا عن شيخ الإسلام وابن القيم، ثم أورد الإمام الشوكاني بعض أجوبة من يمنع العقوبات المالية ويقول بنسخها، وأجاب عن بعض إشكالاتهم وإيراداتهم بإيجاز شديد، والذي يفهم من خلاصة كلامه أنه يقول بجواز العقوبات المالية مع الاقتصار على المواضع المعينة التي وردت بها السنة وعدم تجاوزها.

معللًا ذلك بأن الأصل القطعي المتفق عليه في مال المسلم هو الحرمة لورود أدلة صريحة من الكتاب والسنة على ذلك، وهذا الحكم كان من أواخر الأحكام التي بينها النبي ﷺ في حجة الوداع، فما ورد من السنة الصحيحة قولًا أو فعلًا بخلاف هذا الأصل فهو مقصور على محله ومحصور فيه لأنها مستثناة من ذلك الأصل القطعي، أما عن أقضية الصحابة رضي الله عنهم الواردة في ذلك، فإن الإمام الشوكاني لا يعتبر أفعالهم حجة أصلًا، فكيف إذا جاءت بخلاف الدليل أو الأصل المتفق عليه كما هو الحال هنا؟

ص 401

وفي هذا يقول بعد أن ساق جملة من حجج القائلين بالعقوبات المالية: «وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا وسنة بتحريم مال الغير، قال الله تعالى: ﴿لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً﴾ [النساء: 29]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ﴾ [البقرة: 188]، وقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: (إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم)٦٦١رواه البخاري: (١٧٣٩)، ومسلم: (١٢١٨) وغيرهما].... الحديث، وقال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)٦٦٢رواه أحمد: (21082) بلفظ: (ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء، إلا بطيب نفس منه) وقال الأرنؤوط: «صحيح لغيره»، ورواه غيره بألفاظ قريبة].، وأما تحريق عليٍّ طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد، كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير، وأما المروي عن عمر من ذلك، فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضًا قول صحابي، لا ينتهض للاحتجاج به، ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة»٦٦٣نيل الأوطار: (4/124)..

ص 402

وقال أيضًا: «قد تقرر بالأدلة الثابتة في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة عصمة مال المسلم، وتحريم أكله بالباطل، وأنه لا يحل إلا بطيبة من نفسه، وأن أصل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم الحرمة، فالواجب العمل على هذا الأصل، والثبوت عليه، وعدم الخروج عنه إلا بدليل ناهض يصلح للنقل، فما ورد على وجه الصحة مما فيه العقوبة بأخذ المال أو إفساده كان مقصورًا على محله لا يتعداه، كما هو شأن ما ورد على خلاف القياس، فضلًا عن خلاف ما هو قطعي من قطعيات الشريعة، هذا على فرض أنها لم تنسخ العقوبة بالمال، وأنها ثابتة في تلك المواضع التي كان ورودها فيها، وأما إذا كانت منسوخة فقد انقطع عرق مفسدتها، وانهدمت ذريعتها، وبطل حكمها، وأراحنا الله من الاشتغال بها، فإن هذه المسألة صارت ذريعة يتوصل بها إلى نهب أموال الرعايا، ويصولون بها على من أنكر عليهم، وقد تكررت مني الأبحاث فيها، وأفردتها برسالة مستقلة، فاشدد يديك على ما ذكرناه ولا تقبل إلا حجة صحيحة ثابتة عمن تقوم به الحجة، فإنه لا حجة فيما ورد عن بعض الصحابة، ولا يجوز العمل به فيما لم يرد فيه دليل، فكيف والدليل القطعي قائم بعصمة مال المسلم»٦٦٤السيل الجرار: (4/523)..

ولا يبعد كلام الإمام الصنعاني مما نقلناه هنا، فقد قال في شرحه لحديث بهز بن حكيم السابق: «إلا أن حديث بهز هذا لو صح فلا يدل إلا على هذه العقوبة بخصوصها، في مانع الزكاة لا غيره، وهذا الشطر المأخوذ يكون زكاة كله، أي حكمه حكمها أخذًا ومصرفًا، لا يلحق بالزكاة غيرها في ذلك، لأنه ألحق بالقياس، ولا نص على علته، وغير النص من أدلة العلة لا يفيد ظنًا يعمل به، سيما وقد تقررت حرمة مال المسلم بالأدلة القطعية كحرمة دمه، لا يحل أخذ شيء منه إلا بدليل قاطع، ولا دليل، بل هذا الوارد في حديث بهز آحادي لا يفيد إلا الظن، فكيف يؤخذ به ويقدم على القطعي، ولقد استرسل أهل الأمر في هذه الأعصار في أخذ الأموال في العقوبة استرسالًا ينكره العقل والشرع، وصارت تناط الولايات بجهال لا يعرفون من الشرع شيئًا ولا من الأمر، فليس همهم إلا قبض المال من كل من لهم عليه ولاية، ويسمونه أدبًا وتأديبًا، ويصرفونه في حاجاتهم وأقواتهم، وكسب الأوطان وعمارة المساكن في الأوطان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومنهم من يضيع حد السرقة أو شرب المسكر ويقبض عليه مالًا، ومنهم من يجمع بينهما فيقيم الحد ويقبض المال، وكل ذلك محرم ضرورة دينية، لكنه شاب عليه الكبير وشب عليه الصغير»٦٦٥سبل السلام: (2/127)..

القول الراجح:

ص 403

وبعد هذه الرحلة الطويلة مع أقوال العلماء في المسألة، ومعرفة أدلتهم التي بنوا عليها مذاهبهم، آن الأوان لبيان ما يظهر لي رجحانه منها مستعينًا بالله وحده في ذلك، وعليه فيمكن حصر أقوال العلماء على العموم دون الخوض في جزئيات التفاصيل التي ذكرتها في ثلاثة أقوال رئيسة تعد أساسًا ومرتكزًا تدور حولها باقي الأقوال:

القول الأول: قول من يمنع العقوبات المالية، وأن ما كان منها جائزًا فهو في أول الإسلام ثم نسخ الحكم واستقر الأمر على المنع، وهو قول كثير من أصحاب المذاهب خاصة المتأخرين منهم.

القول الثاني: أن العقوبات المالية جائزة أخذًا وإتلافًا وتغييرًا، وأن القول بالنسخ مردود وليس ثمة ما يدعمه، وأقضية الصحابة المتكررة والمتنوعة بعد وفاة النبي ﷺ أظهر شيء على عدم النسخ، خاصة مع عدم نقل من أنكرها من الصحابة مع شهرتها وكثرتها بينهم، وقد ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى الأخذ بكثير مما صح عن النبي ﷺ وأصحابه من بعده في ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم رحمه الله.

القول الثالث: على القول بأن العقوبات المالية ليست منسوخة، فيجب الاقتصار على المواضع المحددة التي ورد فيها دليل جزئي يتعلق بخصوصها من سنة النبي ﷺ، وأن أقضية الصحابة ولو كثرت فإنها لا يلتفت إلى الاحتجاج بها على تجويز أخذ أموال الناس مع وجود الأدلة القطعية من الكتاب والسنة والتي تنص على حرمتها كدمائهم، وهذا قول الإمام الشوكاني وظاهر قول الإمام الصنعاني.

فهذه هي أهم الأقوال في مسألة التعزير بالمال وهذا على وجه العموم، وجل الأقوال التفصيلية الأخرى لا تكاد تبعد عن هذه الثلاثة فعموم حكمها يشملها بشكل أو بآخر.

ص 404

والذي يترجح من هذه الأقوال هو الثاني، وذلك لكثرة الأدلة التي ساقها أصحاب هذا القول في تضاعيف كلامهم، وبدعمهم لانتفاء النسخ بمطالبة المدعي ببينة ما ادعاه، وبما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في أقضية متعددة وحوادث متنوعة وفي أزمنة متفاوتة مما يمنع منعًا شبه قطعي وجود دليل ناسخ من كتاب أو سنة وغيابه عنهم طوال عصرهم، ولا سيما والمعهود عنهم كما هو منقول في قضايا كثيرة تحريهم لموافقة السنة وبحثهم عما ورد عن النبي ﷺ كلما أرادوا أن يقدموا على أمر من الأمور، وهذا متكرر من عمر ومشهور عنه، وهم أعلم الناس بحرمة أموال المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأورعهم في أخذ شيء منها بالباطل، كما أنهم قد شهدوا خطية الوداع التي قال فيها النبي ﷺ: (إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم...الحديث)٦٦٦[تقدم في (401)].، فإن كان هذا الحديث مانعًا للعقوبات المالية ومحرمًا لها لما تجرأ الصحابة رضي الله عنهم على مخالفته، ولئن ذهل عنه بعضهم فلن يغيب عنهم كلهم، هذا مع ما عهد عنهم من عدم سكوتهم على المنكر وتقديمهم ما أمر الله به ورسوله ﷺ على قول من خالفه كائنًا من كان.

أما ما ذهب إليه الشوكاني من قوله إن الحجة فيما جاء عن الله ورسوله ﷺ فهو صحيح بلا شك ولا أحد يجرؤ أن يخالف في ذلك، ولكن ما قام به الصحابة رضي الله عنهم يدل على ما جاء عن الله ورسوله ويفسر معناه، خاصة مع انتفاء المنازع والمخالف منهم مع قيام المقتضي، فإن الحجة آنذاك تكون في إجماعهم وهو حجة شرعية بلا تردد، ولم يدَّعِ أحد أن ما اختلف فيه الصحابة مما جاء عنهم يعتبر مخصصًا لأدلة الكتاب والسنة، وإنما مبين لكيفية فهم النصوص الشرعية الأخرى الواردة في المسألة، ومن ذلك قضية التغريم بالمال فعملهم يعد مؤكدًا على استمرار العمل بها، وموضحًا لاتساع علتها وصحة القياس عليها، ولهذا فإن كثيرًا -بل أكثر- ما ورد عنهم من أقضية تضمنت تعزيرًا بالمال إنما جاء في بعض الوقائع التي لم يحدث مثلها في زمن المصطفى ﷺ، وليس هذا ابتداعًا منهم وإحداثًا -فحاشاهم-، ولكنه كشف منهم لحدود التعامل مع النصوص المجيزة للتعزير وإيضاح لجواز قياس الطارئ على الوارد.

وكنت قد نقلت عن ابن القيم رحمه الله أن كثرة ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك يدل على إجماعهم، فإن ثبت هذا فلا قولَ مع ثبوته: «فقول عمر، وعلي، والصحابة، ومالك، وأحمد، أولى بالصواب، بل هو إجماع الصحابة، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدًا ولم ينكره منهم منكر، وعمر يفعله بحضرتهم وهم يقرونه، ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئًا قالوا: منسوخ ومتروك العمل به»٦٦٧الطرق الحكمية: (320)..

ص 405

وأما استدلال الإمام الشوكاني رحمه الله بقـوله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فهذا احتجاج لا يتناول موضع النزاع أصلًا بل هو احتجاج به، فإن المخالف لا يسلم أن هذا من أكل الأموال بالباطل، إذ كيف يجيزه الشرع ويكون باطلًا، ولو تم التسليم لِما قاله لما احتاج أحد إلى الاحتجاج بما ورد في السنة، والنزع إلى العمومات في الاحتجاج مع قيام أدلة جزئية تفصيلية ليس بجيد ويؤدي إلى ضرب الأدلة بعضها ببعض.

وفي الرد على هذا الاستدلال بهذه الآية على نظير المسألة قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «أما قوله تعالى: ﴿لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [النساء: 29]، فلا يتناول محل النزاع، فإن هذا أكل بإباحة الشارع، فكيف يكون باطلًا، وليس هذا من باب تخصيص العام في شيء، بل هذه الصورة لم تدخل في الآية، كما لم يدخل فيها أكل الوالد مال ولده، وأيضًا فلأنه إنما يدل على تحريم الأكل بالباطل الذي لم يأذن فيه الشارع ولا المالك، فإذا وجد الإذن الشرعي أو الإذن من المالك لم يكن باطلًا، ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك، فما أذن فيه الشرع أحلُّ مما أذن فيه المالك، ولهذا كانت الغنائم من أحل المكاسب وأطيبها، ومال الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب وإن لم يأذن له الولد، وأيضًا فإنه من المستحيل أن يأذن النبي ﷺ فيما حرمه الله ومنع منه، فعلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلًا»٦٦٨حاشية ابن القيم: (7/200).،

ص 406

وقال في السياق نفسه رادًا على من استدل بحديث: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)٦٦٩[تقدم في (401)].: «وهذا هو بعينه الجواب عن قوله: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، فإن التحريم يتناول ما لم يقع فيه الإذن من الشارع ولا من المالك، وأما ما أذن فيه منهما أو من أحدهما فليس بحرام، ولهذا ينتزع منه الشقص المشفوع فيه بغير رضاه لإذن الشارع، وينتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب إما مجانًا على أحد القولين أو بالمعاوضة على القول الآخر، ويكره على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق وغير ذلك، وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناة من هذه النصوص، بل النصوص لم تتناولها ولا أريدت بها قطعًا»٦٧٠حاشية ابن القيم: (7/201)..

وهنا أرى أنه لا بد من نقل بعض الأدلة من السنة وما لحقها من أقضية الصحابة رضي الله عنهم فيما يتعلق بوقوع صور التعزير الثلاثة المذكورة «الأخذ، والإتلاف، والتغيير»، هذا مع أنها قد نقلت في ثنايا كلام القائلين بجواز هذه الأنواع الثلاثة:

أقسام التعازير المالية:

أولًا: التعزير بالأخذ:

الأول: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ولا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا؛ قال ابن العلاء، مؤتجرًا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء)٦٧١أخرجه أحمد [٢٠٠٤١]، وأبو داود [1575]، والنسائي [2236]، والحاكم [1449]، والبيهقي [7390]، وغيرهم، والحديث حسنه الشيخ الألباني في (الإرواء: 791)..

قال الدكتور محمد فتحي الدُرَيني: «ووجه الاستدلال أن الرسول ﷺ قد أوجب عقوبة أخذ المال على من امتنع عن أداء الزكاة، فقد فرض عليه أن يؤخذ منه حق الزكاة قهرًا لقوله ﷺ: (فإنا آخذوها)، وأن يؤخذ شطر ماله عقوبة لقوله ﷺ: (عزمة من عزمات ربنا) والعزائم الفرائض، وهو غرامة زائدة على أصل الواجب -كما ترى- وهي عقوبة على معصية الامتناع عن أداء الواجب، أو إخفاء المال، أو الخروج على نظام الدولة»٦٧٢بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله: (2/125)..

ص 407

ولكن يشكل على الاستدلال بالحديث وبهذا التفسير أن قوله ﷺ: (عزمة من عزمات ربنا)؛ يدل على أن الأخذ متحتم وواجب، كما يدل على أن قدره في هذا الموضع محدد وهو شطر مال المانع لزكاته: (فإنا آخذوها وشطر ماله)، ومعلوم أن التعزير -حسب اصطلاح الفقهاء- أمره راجع إلى اجتهاد الإمام نوعًا وقدرًا وصفة، وهو ما يجعل هذا الحديث خارجًا عن هذه القاعدة، إذ على القول بهذا الحديث والأخذ به فيجب على الإمام أو نائبه أن يلتزمه في هذه المعصية، فلا يجوز له أن يترك أخذ شطر المال، كما أنه لا يجوز له التنازل عن القدر المسمى في الحديث أو الزيادة عليه، ولهذا فقد عد الإمام ابن حجر رحمه الله الأخذ بمقتضى هذا الحديث من المخالفات النادرة التي لا اعتبار لها فقال: «ويؤيده إطباق فقهاء الأمصار على ترك العمل به؛ فدل على أن له معارضًا راجحًا، وقول من قال بمقتضاه يعد في ندرة المخالف».

ولكن يمكن أن يجاب عن هذا الحديث وما شابهه بما نقلته عن الإمام ابن القيم رحمه الله وملخصه أن من العقوبات المالية ما هو مقدر ومضبوط قدرًا ونوعًا، وموطنه حيث جاءت الأحاديث ناصة على العقوبة المالية ومبينة قدرها، وعندها لا يعد تأثير الأسماء كبيرًا، فسواء سمي هذا النوع من العقوبات بالتعازير أم أخرج عن هذا الاسم فذلك ليس بضائر ما دام أصل إيقاع العقوبة قد جوِّز.

وكذلك يمكن أن يقال إن قول النبي ﷺ: (عزمة من عزمات ربنا)، ليس راجعًا إلى الشطر المأخوذ عقوبة، فيكون بها متحتمًا، وإنما إلى المال المفروض شرعًا والذي منع صاحبه دفعه ابتداء وهو الزكاة، فيكون المعنى أن الزكاة عزمة مفروضة أوجبها الله تعالى فلا يجوز إبطالها وليس لأحد منعها، ولهذا قال ابن الأثير رحمه الله: «ومنه الحديث (الزكاةُ عَزْمةٌ من عَزَماتِ الله تعالى)؛ أي حقٌّ من حُقُوقهِ، وواجبٌ من واجباته»٦٧٣النهاية في غريب الحديث: (3/232)، [قال محققه: ولم أجد الحديث بهذا اللفظ في أي من كتب الحديث المعتمدة، وإنما هو مروي بالمعنى، والمقصود الحديث المذكور والمخرّج قبل قليل]..

الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: (من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة)٦٧٤أخرجه أبو داود [١٧١٠]، والنسائي [٧٤٠٤]، وأحمد [6936]، والحاكم [8363] وصححه بألفاظ متقاربة والحديث حسنه الشيخ الألباني رحمه الله في: الإرواء (2413)..

ص 408

وقد قدمنا أن الإمام أحمد وإسحاق قد أخذا بموجب هذا الحديث، ووجه الاستدلال به كسابقه، قال الدكتور محمد فتحي الدريني: «ووجه الاستدلال به ظاهر، وهو أن من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق، أو سرق من الجرين ما لا يقطع فيه، فعليه غرامة مثلي ما سرق أو أخرج من الثمر المعلق، وقد عبر الحديث عن ذلك صراحة بلفظ الغرامة، والأصل رد عين المسروق أو مثله أو قيمته حسب الأحوال، إذا هلك أو استهلك، فكان التغريم بالمثل الزائد عن مقدار الواجب عقوبة مالية، فضلًا عن العقوبة البدنية، لقوله ﷺ: (فعليه غرامة مثليه والعقوبة)، فقد جمع الحديث الشريف بين عقوبة المال وعقوبة البدن لمعصية السرقة فيما لا قطع فيه، وإلزام الشارع العقوبة صريح، لقوله عليه السلام: (فعليه غرامة مثليه)؛ لأن هذا التعبير بلفظ (على) يفيد الوجوب والإلزام، وقد ذكرنا أن العقوبة حكم لا يثبت إلا من قبل الشارع وبإلزامه، قالوا: وليس لهذه العقوبة المزدوجة من سبب آخر غير ما نص عليه في الحديث الشريف، وهو معصية إخراج غير ما يأكل من الثمر المعلق، وليس أمرًا تعبديًا خالصًا، وهذا ثابت بالسنة، فكان دليلًا على ثبوت أصـل مشروعية أخذ المال من الجاني وهو ما نذهب إليه»٦٧٥بحوث مقارنة: (2/126)..

ص 409

الثالث: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها)٦٧٦رواه أبو داود [1718]، والطحاوي في شرح معاني الآثار [٤٨٧٣]، والبيهقي [12205]، والعقيلي [١٢٦٦]، كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة أحسبه قال عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: الحديث، وروى عبد الرزاق [17300] نحوه مرسلًا عن عمرو بن مسلم عن طاووس وعكرمة أنه سمعهما يقولان: قال رسول الله ﷺ: (في الضالة المكتومة من الإبل فديتها مثلها إن أداها بعدما يكتمها، أو وجدت عنده فعليه قرينتها مثلها)، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في: صحيح سنن أبي داود: (5/401).، قال العلامة أبو عبيد بن سلام رحمه الله في بيان معنى الحديث: «في حديثه عليه السلام في الضالة إذا كتمها قال: فيها قرينتها مثلها إن أدّاها بعد ما كتمها أو وُجِدتْ عنده فعليه مثلها، قال أبو عبيد: قوله: «فيها قرينتها مثلها»، يقول: إن وجد رجل ضالة وهي من الحيوان خاصة، كأنه يعني الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والحمير، يقول: فكان ينبغي له أن لا يؤويها، فإنه لا يؤوي الضالة إلا ضالٌّ، وقال: «ضالة المسلم حرق النار»، فإن لم ينشدها حتى توجد عنده أخذها صاحبها، وأخذ أيضًا منه مثلَها، وهذا عندي على وجه العقوبة والتأديب له، وهذا مثل قوله في منع الصدقة: إنا آخذوها وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا... لا أعرف للحديث وجهًا غير هذا، قال أبو عبيد: وليس الحكام اليوم على هذا، إنما يلزمونه القيمة»٦٧٧الغريب لابن سلام: (3/151-153)..

ومع أن أدلة السنة المقررة لمثل هذا النوع من العقوبات التعزيرية كثيرة فإننا نكتفي بما ذكرناه، وننقل بعض أقضية الصحابة رضوان الله عليهم فيما يتعلق بجواز العقوبة المالية على وجه الأخذ.

عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: «أصاب غلمان لحاطب بن أبي بلتعة بالعالية ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها واعترفوا بها، فأرسل إليه عمر فذكر ذلك له، وقال: هؤلاء أعبدك قد سرقوا، انتحروا ناقة رجل من مزينة، واعترفوا بها، فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم أرسل بعدما ذهب فدعاه، وقال: لولا أني أظن أنكم تُجِيعونَهم حتى إن أحدهم أتى ما حرم الله ﷻ لقطعت أيديَهم، ولكن -والله- لئن تركتهم لأُغَرِّمنَّك فيهم غرامة تُوجعُك، فقال: كم ثمنها؟ -للـمُزَنيِّ-، قال: كنت أمنعها من أربع مئة، قال: فأعطه ثمان مئة»٦٧٨رواه مالك في الموطأ (2/748) [(2178)، بلفظ قريب] وقال: «وليس على هذا العمل عندنا في تضعيف القيمة، ولكن مضى أمر الناس عندنا على أنه إنما يغرم الرجل قيمة البعير أو الدابة يوم يأخذها»، ورواه البيهقي [١٧٢٨٧]: «باب ما جاء في تضعيف الغرامة»، وهو في: مسند الشافعي (1/224)، قال: «أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رقيقًا لحاطب سرقوا فذكره»، ورواه أيضًا عبد الرزاق في: المصنف (10/238) [18977]، وابن حزم في المحلى (11/324) وقال: «هذا أثر عن عمر كالشمس».

ص 410

وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن من استهلك شيئًا فليس عليه إلا قيمته أو مثله فقال فيما نقله عنه الزرقاني: «أجمع العلماء أنه لا يغرم من استهلك شيئًا إلا مثله أو قيمته»٦٧٩شرح الزرقاني على الموطأ: (4/47).، وكلام ابن عبد البر يمكن أن يحمل على أصل ما يجب عليه ضمانه وتعويضه، أما على جهة العقوبة المقابلة لتفريط أو معصية كما في قصة حاطب فأنى للإجماع أن يُسلَّم أو يَسْلَم وهذا عمر رضي الله عنه يحكم بتضعيف الغرامة على حاطب رضي الله عنه، وهي قضية كثيرًا ما عدوا ما هو دونها من قبيل الإجماع السكوتي. وقد رد الإمام ابن حزم على من ادعى الإجماع لإبطال مدلول الأحاديث التي ذكرناها آنفًا، واحتج بفعل عمر هذا فقال -مع تعنيف في كلامه رحمه الله-: «فإن ادعوا في ترك هذه الأحكام الأربعة إجماعًا كذبوا؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد حكم بها بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، لا يعرف منهم له مخالف، ولا يًدرى منهم عليه منكر، فأضعف قيمة الناقة المنتحرة للمزني على رقيق حاطب التي سرقوها وانتحروها...ثم ساق أثر عمر بسنده»٦٨٠المحلى: (11/324)..

كما ناقش الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله الإمامَ مالكًا في قوله: «وليس على هذا العمل عندنا...إلخ»؛ فقال: «فهذا حديث ثابت عن عمر يقضي به بالمدينة بين المهاجرين والأنصار، فإن خالفه غيره لازمٌ لنا، فتدعون لقول عمر السنة والآثار لأن حكمه عندكم حكمٌ مشهورٌ ظاهر لا يكون إلا عن مشورة من أصحاب رسول الله، فإذا حكم كان حكمُه عندكم قولهَم أو قول الأكثر منهم، فإن كان كما تقولون فقد حكم بين أصحاب النبي ﷺ بقوله في ناقة المزني، وأنتم تقولون حكمه بالمدينة كالإجماع من عامتهم، فإن كان قضاء عمر رحمه الله عندكم كما تقولون فقد خالفتموه في هذا وغيره، وإن لم يكن كما تقولون؛ فلا ينبغي أن يَظهر منكم خلافُ ما تقولون أنتم، وأنتم لا تروون عن أحد أنه خالفه فتخالفون بغير شيء رويتموه عن غيره، ولا أسمعُكُم إلا وضعتم أنفسكم موضعًا تردون وتقبلون ما شئتم على غير معنى ولا حجة، فإن كان يجوز أن يعمل بخلاف قضاء عمر فكيف لم تجيزوا لغيركم ما أجزتم لأنفسكم، وكيف أنكرنا وأنكرتم على من خالف قول عمر والواحد من أصحاب رسول الله ﷺ في غير هذا؟»٦٨١الأم: (7/321)..

وعلى هذا فإن هذه الحادثة بينة الدلالة على المراد، ووجه الاستدلال بها في موضعين.

ص 411

الأول: أن عمر رضي الله عنه توعد حاطبًا رضي الله عنه بتغريمه غرامة «توجعه» إنْ هو سيب عبيده وتركهم جياعًا حتى يقع منهم مثل ما وقع، وهذا الهم من عمر وحلفه وعزمه على تنفيذ ما هدد به يدل على مشروعية هذا الأمر عنده، كما أن قول عمر رضي الله عنه لحاطب: «لئن تركتهم» يحتمل أمرين:

أولهما: لئن تركتهم جياعًا سواء وقع منهم بسبب جوعهم سرقة أم لا فيكون التهديد بتضعيف الغرامة واقعًا على نفس التجويع.

وثاني الاحتمالين: لئن تركتهم كذلك حتى يقعوا في مثل ما وقع منهم من السرقة لأوجعنك بالغرامة، فيكون توعده منصبًا على التجويع وانضمام السرقة إليه، وفائدة هذا التفصيل أن حمله على الاحتمال الأول يصير العقوبة التعزيرية على وجه الأخذ ليست مقصورة على المعاصي المتعلقة بالأموال، إذ تجويع العبيد دون أن ينجروا إلى الوقوع في محظور السرقة لا متعلق له بشيء من معاصي الأموال، وفائدة أخرى تتعلق بموضوعنا تؤخذ من قول عمر: «لئن تركتهم لأغَرِّمنَّك فيهم غرامة توجعك» وفي لفظ «تشق عليك»، وهي أن هذه الغرامة التي هدد بها عمر حاطبًا مستقبلًا ظاهرها أنها أكثر مما أوقعه عليه في هذه القصة من تغريمه الضعف فقط، وهذا يعني أن قدر التغريم ليس أمرًا ثابتًا مقررًا لا يتغير ولا يتبدل، بل إن الأمر فيه حسب ما يرى الإمام، ومن ذا الذي لا يفهم من تهديد عمر إرادته زجر حاطب رضي الله عنه عن تجويع عبيده؟!.

ص 412

الثاني: من مواضع الاستدلال في القصة أن عمر أضعف الغرامة على حاطب فعلًا في هذه الواقعة؛ فإذ كان ثمن الناقة المنحورة أربع مئة كما ذكر صاحبها زاد عمر عليه الضعف عقوبة لحاطب رضي الله عنه بسبب تجويع عبيده حتى حصل منهم ما حصل، وفي كلا موضعي الاستدلال فإن حاطبًا رضي الله عنه لم ينكر على عمر رضي الله عنه ما هم به وعزم عليه وما فعله وعاقب به من إضعاف الغرامة، ولئن كان حاطب رضي الله عنه يرى عدم مشروعية مثل هذا النوع من العقوبات، ويشعر أن عمر هضمه حقه وأخذ ماله بغير وجه مشروع لما سكت لعمر وهو صحابي جليل بدري من أهل الجنة بشهادة النبي ﷺ له كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره: أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: (كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية)٦٨٢[صحيحه (2495)]..

وهذه زيادة يستدل بها على أن حاطبًا رضي الله عنه كان يرى صحة ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه من إيقاع مثل هذا النوع من العقوبات، وهو مما يؤكد أن ما فعله عمر رضي الله عنه كان عقوبة تعزيرية رآها ولم تكن متعينة وإنما أراد بها الزجر الذي يقود إليه «الإيجاع» بالعقوبة، قال الإمام أبو عبيد بن سلام رحمه الله: «.. وهذا عندي على وجه العقوبة والتأديب له، وهذا مثل قوله في منع الصدقة: إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا، وهذا كما قضى عمر رضي الله عنه على حاطب، وكان عبيده سرقوا ناقة لرجل من مزينة فنحروها، فأمر عمر بقطعهم ثم قال: ردوهم عليّ! وقال لحاطب: إني أراك تجيعهم، ثم قال للمزني: كم كانت قيمة ناقتك؟ قال: طُلِبَتْ مني بأربع مئة درهم، فقال لحاطب: اذهب فادفع إليه ثماني مئة درهم! فأضعف عليه القيمة عقوبةً له»٦٨٣الغريب لابن سلام: (3/152)، [وتقدم تخريج الأثر المذكور قبل قليل]..

ولكن يُشكل على الاستدلال بإقرار حاطب رضي الله عنه لعُمر فيما فعل أن عبد الرزاق رحمه الله في روايته جعل القصة مع عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وليست مع أبيه فقال رحمه الله بعد أن ساق سنده عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: «أن غلمة لأبيه عبد الرحمن بن حاطب سرقوا بعيرًا فانتحروه، فوجد عندهم جلده ورأسه، فرفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب، فأمر بقطعهم، فمكثوا ساعة وما نرى إلا أن قد فرغ من قطعهم، ثم قال عمر: عليَّ بهم، ثم قال لعبد الرحمن: والله إني لأراك تستعملهم، ثم تجيعهم، وتسيء إليهم، حتى لو وجدوا ما حرم الله عليهم لحل لهم، ثم قال لصاحب البعير: كم كنت تعطى لبعيرك؟ قال: أربع مئة درهم، قال لعبد الرحمن: قم فاغرم لهم ثمان مئة»٦٨٤المصنف: (10/239)، [ح (١٨٩٧٨)]..

ص 413

وقد صرح في رواية القصة نفسها قبل هذه أن هؤلاء الأعبد ممن تركهم حاطب رضي الله عنه بعد وفاته فقال عن عروة: «أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أخبره عن أبيه قال: توفي حاطب وترك أعبدًا...القصة»٦٨٥[المصنف: (١٨٩٧7)].، وهو مشكل جدًا لأن حاطبًا توفي سنة ثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه؛ كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر٦٨٦الإصابة: (1/342).، وكلمة الأئمة متفقة على هذا، بل ذكروا أن عثمان بن عفان هو الذي صلى عليه، فكيف يكون أولئك العبيد ممَّن تركهم حاطب بعد وفاته والقصة إنما حصلت في خلافة عمر رضي الله عنه أي قبل موت حاطب بسبع سنين على أقل تقدير، فوفاة عمر رضي الله عنه وانقضاء مدة خلافته كانت سنة ثلاث وعشرين!

ومع ذلك فقد سيقت الواقعة -عند عبد الرزاق- بألفاظ متعددة صريحة بأنها حصلت بين عمر وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، ثم إن سائر روايات الحادثة لم يأت فيها تصريح بأن ما جرى إنما هو بين عمر وحاطب رضي الله عنهما، وإنما ذكروا أن الغلمان كانوا لحاطب ثم بَنوا على ذلك فهمًا لا روايةً أن القصة عينها كانت بين عمر وحاطب رضي الله عنهما، ولم أعثر -فيما اطلعت- في الروايات الثابتة بالأسانيد أن حاطبًا نفسه كان شاهدًا للواقعة مباشرًا لمجرياتها ولا ما هو نصٌ على أن المحاورة كانت بينه وبين عمر رضي الله عنه مع أن الأئمة جروا على جعلها بين الصحابيين الجليلين كما قال ابن عبد البر رحمه الله: «ما ذكر يحيى بن أبى كثير في حديثه هذا من أن حاطبًا كان شديدًا على الرقيق؛ يشهد له ما في الموطأ من قول عمر لحاطب حين انتحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة: أراك تجيعهم وأضعف عليه القيمة على جهة الأدب والردع»٦٨٧الاستيعاب: (1/314)..

ورواية الموطأ - كما نقلتها أعلاه- ليس فيها تصريح بأن كلام عمر كان لحاطب، ونظيره قول الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وروى مالك في الموطأ له قصة مع رقيقه في عهد عمر»٦٨٨الإصابة: (1/342)..

ص 414

وقال الإمام الذهبي رحمه الله: «وقد أتى بعضُ مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم؛ فلامه في ذلك»٦٨٩سير أعلام النبلاء: (1/457)..

فحاصل القول وبالنظر إلى مجموع الروايات: الظاهر أن العبيد الذين سرقوا الناقة كانوا ملكًا لحاطب رضي الله عنه، أو هم مختلطون بين عبيده وعبيد ابنه عبد الرحمن، والذي باشر القصة ووقعت محاورته مع عمر هو عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، فقام مقام أبيه في ذلك، وهذا أمرٌ ليس بمستبعد ولا بمستغرب، وأما كون الحادثة وقعت بعد وفاة حاطب ومع من خلَّفهم من العبيد فهذا وهمٌ من أحد الرواة، والله تعالى أعلم.

ثم إن ما وقع هنا لعبيد حاطب بن أبي بلتعة قد وقع نظيره بعدُ ولم يرَ ابن عباس رضي الله عنهما إلا أن على سادتهم ضمان ما أتلفه العبيد، ثم إن رأى القاضي جلدهم على تعديهم عاقبهم بذلك، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة: «أن عبدين عَدَوَا وهو عامل الطائف على خِمار امرأة فسألتهما، فقالا: حملنا عليه الجوع، واضطررنا إليه، قلت: أكانا آبقين؟ قال: لم أعلم، قال: فكتبت فيهما إلى ابن عباس، وإلى عبيد بن عمير وعباد بن عبد الله بن الزبير، فكتب عباد: أن اقطعهما، وكتب عبيد بن عمير: أن قد أحل الميتة والدم ولحم الخنزير لمن اضطر، وكتب ابن عباس وقد كنت كتبت إليه بما اعتلاَّ به من الجوع، فكتب: أن قد أصبت لا تقطعهما، وغرِّم سادتهما ثمن الخِمار، وإن كان فيهما جلد فاجلدهما لئلا يعتل العبد بالجوع»٦٩٠[المصنف: (١٨٩٧٦)].، فهو قد وافق عمر رضي الله عنه في أن شدة الجوع مما يدرأ به الحد، ووافقه في تغريم ما أخذه العبيد إلا أن عمر ضعَّف الغرم عقوبة وزجرًا، وابن عباس رضي الله عنه في هذا الموضع اكتفى بتغريم ثمن الخِمار وجعل عقوبة العبيد هي الجلد إن رأى القاضي ذلك، مما يؤكد أن ما ذهب إليه عمر لم يكن شيئًا لازمًا متحتمًا ولا حكمًا ثابتًا مستقرًا لا يتغير، وإنما هو عقوبة مالية اجتهادية يوقعها الحاكم إن رأى المصلحة فيها.

ص 415

هذا فيما يتعلق بالنوع الأول من أنواع العقوبات المالية وهو إيقاعها على طريق الأخذ، وأما النوعان الآخران فالخطب فيهما يسير إذ هما داخلان في باب تغيير المنكر غالبًا، ومع هذا فحسمًا للشكوك فإنني أسوق بعض الأدلة عليهما كما سيقت لسابقهما.

ثانيًا: التعزير بالإتلاف

وصور الإتلاف متعددة؛ فمنها ما يكون المال مُحترمًا في أصله ووضعه، ولكن لأنه ساق إلى المعصية وأوقع فيها فيتم إتلافه حرقًا أو تحطيمًا أو إراقة أو نحو ذلك، وقد يكون المال منهيًا عن بقائه على هيئة معينة وصورة محددة فتغير تلك الصورة وتمحى من أصلها ويتلف معها المال عقوبة لمن اتخذ ما نهي عنه وحسمًا لمادة الفساد والإفساد وأدلة ذلك:

1- قال الله تعالى حاكيًا ما فعله موسى عليه السلام بعجل بني إسرائيل الذي اتخذوه إلهًا: ﴿وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه: 97]، فلم يكتفِ موسى عليه السلام بتغيير شكل ذاك الصنم، ولم يقتصر على إزالة هيئته التي هو عليها وإذهاب صورته التي عُبِدَ بها، بل زاد فوق ذلك تحريقه بالنار ثم نسف برادته في البحر، وقد كان ذاك العجل مصنوعًا من الذهب والفضة وهما أثمن أنواع المال وأغلاهما كما قال سبحانه: ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ﴾ [الأعراف: 148].

هذا وإن كان المقصود الأول والأساس من التحريق والنسف هو نزع ما في قلوب عابدي العجل من التعظيم، وتبيين عجز إلههم عن حماية نفسه وإنقاذها من الحرق والغرق، فإنه أيضًا عقوبة لهم على مخالفتهم الحق وإشراكهم بالله العظيم؛ وذلك بإتلاف المال الذي اتخذوا منه العجل وجعلوه إلهًا لهم، قال الإمام ابن القيم: «قد أخبر الله سبحانه عن كليمه موسى عليه السلام: أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله، ونسفه في اليم، وكان من ذهب وفضة، وذلك محق له بالكلية، وقال عن خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا﴾ [الأنبياء: 58]، وهو الفتات وذلك نص في الاستئصال»٦٩١الطرق الحكمية: (323)..

ص 416

2-عن أنس عن أبي طلحة أنه قال: «يا رسول الله إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، فقال: (أهرق الخمرة واكسر الدنان)»٦٩٢رواه [بلفظ (الخمر) بدل (الخمرة)] الترمذي [١٢٩٣]، والدار قطني [4702]، والطبراني في الكبير [٤٧١٤]، وقال الترمذي: وفي الباب عن جابر، وعائشة، وأبي سعيد، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي: (1293)، وكذا في المشكاة: (3649).، وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: (أمرني النبي ﷺ أن آتيه بمدية -وهي الشفرة- فأتيته بها، فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: اغد علي بها ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلا شققته)٦٩٣رواه أحمد [٦١٦5]، قال الهيثمي: «رواه كله أحمد بإسنادين؛ في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وضعفه مكحول وبقية رجاله ثقات» (مجمع الزوائد: 5/45)..

فهذه الأوعية من الزقاق والدنان لما كانت ظروفًا وأوعية لما نهى الله عنه أمر النبي ﷺ بشقها وكسرها، مع جواز الانتفاع بها بعد غسلها كما جاء في بعض الروايات بعد أن شرع النبي ﷺ في شقها بالمدية قال الناس: «في هذه الزقاق منفعة، فقال: (أجل ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا لله ﷻ، ولما فيها من سخطه)»٦٩٤رواه البيهقي: (8/287)، [(١٧٣٣٤)، وقال الهيثمي في المجمع (5/73): «خالد بن يزيد لم أعرفه وبقية رجاله ثقات»].، وهو يبيّن أن تمزيقها وتكسيرها لم يكن لأجل تنجسها بالخمر -على قول من يقول بذلك- فإن ذلك يحصل بغسلها كغيرها من المتنجسات، ولذا فليس إتلاف الأوعية متعينًا بل إن كانت المصلحة في إراقة ما فيها والاكتفاء بذلك من غير إتلاف للظروف اكتفي به، وإن كانت المصلحة في إتلافها شقًا أو تكسيرًا أو تحريقًا جاز ذلك أيضًا.

ص 417

وقد بوَّب البخاري فقال: «باب: هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، أو تخرق الزقاق؟» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «لم يبين الحكم لأن المعتمد فيه التفصيل؛ فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها وإذا غسلت طهرت وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز... فأشار المصنف إلى أن الحديثين -حديث أبي طلحة وابن عمر- إن ثبتا؛ فإنما أمر بكسر الدنان وشق الزقاق عقوبة لأصحابها، وإلا فالانتفاع بها بعد تطهيرها ممكن كما دل عليه حديث سلمة أول أحاديث الباب»٦٩٥فتح الباري: (5/122)..

والشطر الأول من كلام الحافظ رحمه الله يفهم منه أنه لا يجوز الإتلاف مع إمكان الانتفاع بالأوعية، ولا شك أن الانتفاع يمكن أن يحصل بتطهيرها وغسلها كما أقر النبي ﷺ أصحابه على وجود المنفعة في الزقاق التي شقّها، إلا أن قيام تلك المنفعة لم تمنع من الإتلاف، ولذا فإن التفصيل الذي اعتمده الحافظ أول الكلام لا يأتلف مع قوله: «فإنما أمر بكسر الدنان وشق الزقاق عقوبة لأصحابها...إلخ» لأن العقوبة لا تكون بشيء لا ينتفع به أصلًا، فالمحرم ذاتًا ليس بمال محترم، فالصحيح -والله أعلم- أنه يجوز إتلاف أوعية الخمور بكسرها أو تمزيقها أو حرقها على وجه العقوبة والزجر وذلك مع وجود المنفعة في تركها بعد التطهير، ويجوز إبقاؤها وتطهيرها والانتفاع بها، وكل ذلك بحسب ما يظهر للإمام من المصلحة ويترجح لديه من أوجه التفضيل.

ودليل هذا التخيير كما قال شيخ الإسلام وهو يعدد بعض صور التعزير المالي: «وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر، ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نزيفها ونغسلها، فقال: افعلوا فدل ذلك على جواز الأمرين، لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة»٦٩٦مجموع الفتاوى: (28/110)..

وقال أيضًا: «الحديث الوارد في أوعية لحوم الحمر حجة أيضًا في المسألة، فإنه أمر أولًا بتكسير الأوعية، ثم لما استأذنوه في الغسل أذن فيه، فعلم بذلك أن الكسر لا يجب، وليس فيه أنه لا يجوز، بل يقال يجوز الأمران الكسر والغسل، وكذلك يقال في أوعية الخمر أنه يجوز إتلافها ويجوز تطهيرها، فإذا كان الأصلح الإتلاف أتلفت، ولو أن صاحب أوعية الخمرة والملاهي طهر الأوعية وغسل الآلات لجاز بالاتفاق، لكن إذا أظهر المنكر حتى أنكر عليه فإنه يستحق العقوبة بالإتلاف، والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا علموا التحريم فأسقط عنهم الإتلاف لذلك، والله أعلم»٦٩٧مجموع الفتاوى: (26/296)..

ص 418

وحديث الأمر بكسر القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر الأهلية عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ: ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم، قال: على أي لحم؟ قالوا على لحم حمر إنسية، فقال: رسول الله ﷺ: أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها، قال: أو ذاك)٦٩٨رواه البخاري [٦١٤٨]، ومسلم [١٨٠٢] وهذا لفظه..

3- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأى النبي ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: (أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسِلهُمَا؟ قال: بل أَحرِقهُما)٦٩٩رواه مسلم [٢٠٧٧] وغيره..

وهذا تغليظ منه ﷺ بإتلاف هذين الثوبين لأنهما من لباس الكفار كما ورد في روايات أخرى صحيحة فعن عبد الله بن عمرو أيضًا أن رسول الله ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين قال: (هذه ثياب الكفار لا تلبسها)٧٠٠رواه أحمد [٦٥١٣]، ومسلم [2077]، والحاكم [7603]..

ومما يبين أن هذه العقوبة تعزيرية وليست متعينة وإنما هي خاضعة لترجيح الأصلح من إتلافها أو نقلها عن وصفها الذي نهى الشارع عنه ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (أقبلنا مع رسول الله من ثنية، فالتفت إليّ وعليّ ربطة مضرجة بالعصفر، فقال: ما هذه؟ فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: يا عبد الله ما فعلت الربطة؟ فأخبرته، فقال: ألا كسوتها بعض أهلك؟)٧٠١[رواه ابن ماجه: (٣٦٠٣) وغيره، وحسنه الألباني]..

والشاهد أن النبي ﷺ لم يأمره في هذا الموطن بحرق ما كان عليه مع كراهته له كما فهم ذلك عبد الله بن عمرو، بل أخبره أنه كان يكفيه بل الأولى له أن يكسوه بعض النساء من أهله، وذلك لأنه ليس محظورًا في حقهن كالرجال.

ص 419

قال الشوكاني رحمه الله عن حديث مسلم: «قال القاضي عياض أمْرُه بإحراقهما من باب التغليظ والعقوبة انتهى، وفيه حجة على جواز المعاقبة بالمال»٧٠٢نيل الأوطار: (2/89)..

وقال الإمام النووي رحمه الله: «قوله ﷺ: (أمك أمرتك بهذا؟)؛ معناه أن هذا من لباس النساء وزيهن وأخلاقهن، وأما الأمر بإحراقهما فقيل هو عقوبة وتغليط لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، وهذا نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها وأنكر عليهم اشتراط الولاء ونحو ذلك»٧٠٣النووي على مسلم: (14/55)..

وقال الإمام الذهبي رحمه الله: «والإحراق هنا تعزيز، ولعل صبغهما كان لا يزول كما ينبغي، والمعصفر يرخص للمرأة»٧٠٤سير أعلام النبلاء: (11/135)..

والأحاديث في هذا النوع من العقوبات كثيرة نكتفي بما سقناه منها، وأما بعض ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك:

أ. ما جاء في المدونة٧٠٥[سبق في (385)]. من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه، ولا شك أن اللبن وإن شابه صاحبه بالماء إلا أن ذلك لا يخرجه عن كونه مالًا محترمًا، ولكن لما اقترنت به معصية غش المسلمين، وخشية أن يستشري ذلك بينهم ويألفوه جوز عمر إتلاف هذا المال عقوبة لصاحبه وتأديبًا له على ما ارتكبه، مع أن هذه الإراقة والطرح على الأرض ليست متعينة، بل إن رأى الإمام أن يكتفي بالتصدق بالمال -اللبن المغشوش- على الفقراء لينتفعوا به مع حصول الغرض من زجر الغاش وتأديبه اقتصر على ذلك.

ص 420

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب؛ حيث رأى رجلًا قد شاب اللبن بالماء المبيع فأراقه عليه، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه: (نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع)٧٠٦[رواه العقيلي: (١٧٨٩) في الضعفاء، بدون لفظة «للبيع»، وروى أحمد بمعناه: (لا ‌أخاف ‌على ‌أمتي ‌إلا ‌اللبن، فإن الشيطان بين الرغوة والصريح) (٦٦٤٠) وصححه أحمد شاكر في المسند].، وذلك بخلاف شوبه للشرب؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر، وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز، والطبيخ، والشواء، كالخبز، والطعام الذي لم ينضج، وكالطعام المغشوش؛ وهو الذي خلط بالرديء وأظهر المشترى أنه جيد ونحو ذلك، يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه، وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه، وعمر أتلفه لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلًا وإما معدومين»٧٠٧مجموع الفتاوى: (28/114)..

ولنا هنا وقفة مع إحدى الوقائع العصرية الشبيهة والتي يمكن أن تلحق بهذه الصورة وتعطى حكمها ونذكرها ولو اختصارًا لمسيس الحاجة إليها، وعظم البلوى بها، وهي أن هناك كثيرًا من المحلات التجارية التي تقوم أساسًا على بيع بعض الأمور المحرمة -إما أصالة كالخمر وإما حسب الصفة التي تباع بها في المحلات-؛ وذلك مثل محلات أشرطة الفيديو ونحوها والمحتوية على أفلام خليعة، وتمثيليات ماجنة، ومسلسلات فاسدة مفسدة، قد تضمنت أمورًا محرمة مركبة، كالتبرج، والاختلاط، والموسيقى، والتحريض على الفواحش ونشرها بين المسلمين، وإشاعة القصص والروايات المفسدة للعقائد، والأخلاق، والآداب، والسلوك الإسلامية وغير ذلك مما لا يكاد يحصى.

ص 421

ومثلها المحلات القائمة على بيع أشرطة الكاسيت ذات الغناء المحرم مما يكاد تحريمه يفوق الخمر لما يفعله في العقول والقلوب من السكر والهيام وطيش العقول، وذكر المفاتن والتغزل المثير للفواحش؛ فهذه المحلات تعد منكرًا عظيمًا يجب تغييره بحسب الإمكان وبقدر الطاقة، مع مراعاة المصالح والمفاسد حسب الزمان والمكان، وتغييرها يجوز بإتلافها رأسًا إما بإحراقها أو هدمها كما فعل الخلفاء الراشدون في بعض الدور التي يباع فيها الخمر مما سنذكره قريبًا.

كما يجوز أن تؤخذ هذه الأشرطة ويزال ما فيها من المواد المنكرة، ثم تسجل فيها أشياء نافعة من الخطب والدروس والمواعظ والمحاضرات وما شابه ذلك مما ينتفع به الناس ثم تنشر بينهم، فإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أراق لبنًا مشوبًا بماء، وهذه الصورة ليست محرمة في أصلها ولكن لما تضمنته من غش المسلمين عند بيعها لهم، فكيف لا يجوز إتلاف ما هو محرم ومنكر باتفاق المسلمين، مما صارت آثار إفساده ملموسة ظاهرة للعيان حيث هدت المجتمعات الإسلامية هدًا، وأبعدتها عن الهدى والحق مراحل ومراحل.

وإذا كان بعض الفقهاء جوَّز أن يتصدق باللبن المغشوش على الفقراء بغية الانتفاع به وسد الخلة مع ما يحصل للغاش من الانزجار؛ فكيف لا يجوز أن يستفاد من هذه الأدوات بعد إزالة مادتها المحرمة ومن ثم تسخيرها في دعوة الناس وتعليمهم، ولكن كما ذكرنا ينبغي أن يعلم أن من المقاصد الأولى -فوق إنكار هذا المنكر وإزالته- هو زجر القائمين عليه، وردعهم عن نشر الفواحش والموبقات بين المسلمين، وذلك يكون غالبًا بعلمهم أن تجارتهم خاسرة، وأن محلاتهم معرضة لخطر الحرق أو الهدم أو الأخذ فينكفون عنها.. فإذا كان زجرهم لا يكون إلا بحرق المحلات وهدمها أو تحطيم ما بداخلها وتكسيرها تعين ذلك.

وإذا كانوا يرتدعون ويتخلون عن إفسادهم بسحب ما عندهم من الأشرطة وأخذها منهم قهرًا وجبرًا ومن ثم انتفاع الناس بما يوضع فيها من المواد الحسنة اكتفي بذلك.

ص 422

وأي الأمرين كان أصلح وأجدى تعين الأخذ به ولا حرج فيه ولا ضمان على متلفه، بل هو مأجور مثاب -إن شاء الله- إن احتسب عمله وأخلص نيته، وفتاوى العلماء في نظائر هذا مشهورة معلومة، قال ابن القيم رحمه الله: «قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودًا كان مع أمة لإنسان، فهل يغرمه أو يصلحه؟ قال: لا أرى عليه بأسًا أن يكسره، ولا يغرمه ولا يصلحه، قيل له: فطاعتها؟ قال ليس لها طاعة في هذا.

وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال قد أحسن، قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عودًا أو طنبورًا؟ قال نعم. وقال عبد الله سمعت أبي -في رجل يرى مثل الطنبور، أو العود، أو الطبل، أو ما أشبه هذا- ما يصنع به؟ قال إذا كان مكشوفًا فاكسره»٧٠٨الطرق الحكمية: (322)..

قال الشيخ محمد خليل هراس: «وهكذا السنة في البيوت التي تمارس فيها المنكرات كبيوت البغاء، وحوانيت الخمر، وموائد القمار، وغير ذلك: أن تحرق بالنار حتى تكون عبرة ونكالًا»٧٠٩الأموال لأبي عبيد: (105).، ويؤيد ما ذكرناه أيضًا وهو مما يقوي التعزير بالإتلاف والذي ما زلنا في صدد الكلام عنه.

ب. ما رواه عبد الرزاق بسنده عن صفية ابنة أبي عبيد قالت: «وجد عمر بن الخطاب في بيت رويشد الثقفي خمرًا -وقد كان جلد في الخمر- فحرق بيته وقال: ما اسمه؟ قال: رويشد، قال: بل فويسق»٧١٠[١٨٢٥٠] كما رواه ابن سعد في الطبقات عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حرق بيت رويشد الثقفي وكان حانوتًا للشراب، وكان عمر قد نهاه، فلقد رأيته يلتهب كأنه جمرة، ورواه أيضًا أبو عبيد في الأموال: (105)، [وصححه محمد مبارك حكيمي في «العتيق» (31/259)].، ومعلوم أن تحريقه للبيت إنما كان بسبب اتخاذه متجرًا يبيع فيه الخمر، وما أشرنا إليه في مسألة محلات أشرطة الفيديو والكاسيت هي نظيرة هذه بل أشد منها.

ص 423

ج. ومثل ذلك ما رواه أبو عبيد في الأموال، عن ربيعة بن زكاء -أو ربيعة بن زكار- قال: «نظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى زرارة فقال ما هذه القرية؟ قالوا: قرية تدعى زرارة يلحم فيها، تباع فيها الخمر، قال: أين الطريق إليها؟ فقالوا: باب الجسر، فقال قائل: يا أمير المؤمنين نأخذ لك سفينة تجوز مكانك، قال، فقال: تلك سخرة، ولا حاجة لنا في السخرة، انطلقوا بنا إلى باب الجسر فقام يمشي حتى أتاها فقال: عليَّ بالنيران، أضرموها فيها، فإن الخبيث يأكل بعضه بعضًا، قال: فاحترقت من غربيهـا حتى بلغت بستان خواستا بن جبرونا»٧١١الأموال: (105)، ومن طريقه رواه ابن حزم في المحلى: (7/493)..

فهذه هي سيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم في محلات الفساد ومواطن الإفساد فما ابتدع من تشبه بهم واستن بسنتهم، بل بسنة المصطفى ﷺ اقتدى وبهديهم اهتدى، وما سنتهم إلا من سنته. قال ابن القيم وهو يعدد الفوائد المستنبطة من غزوة تبوك: «فصل: ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وكذلك محال المعاصي والفسوق، كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي، وسماه فويسقًا، وحرق قصر سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية، وهم رسول الله بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا يجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك»٧١٢زاد المعاد: (3/572)..

ص 424

د. ما رواه سعيد بن منصور٧١٣[في سننه (825)]. -وقال٧١٤[أي محققه، وهو الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد]. سنده صحيح- قال: نا هشيم قال نا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل بن عوف عن أبي عمرو الشيباني قال: «بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رجل كان يكون بالسواد يتجر في الخمر فأثرى وكثر ماله، فكتب فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اكسروا كل مال وجدتموه له، وسيبوا كل ماشية هي له»٧١٥ورواه أيضًا أبو عبيد في الأموال: (105)، وزاد فيه ولا يؤوين أحد له شيئًا، ومن طريقه ابن حزم في: المحلى: (7/493) وألزم مخالفيه الاحتجاج به وبأثر عليٍّ السابق مما قد يعني تصحيحه لهما..

ثالثًا: التعزير بالتغيير

أما عن القسم الثالث من أقسام التعازير المالية وهو التغيير؛ فأمره ظاهر ولا يحتاج إلى إطالة؛ لأنه إن جاز إتلاف أماكن المعاصي هدمًا أو تحريقًا أو تكسيرًا فجواز تغيير الهيئة والصورة المنهي عنها وطمسها مع بقاء المادة وعدم ذهابها من باب أولى، وهذا إنما يكون في الصفات والصور والأشكال التي نهى الشارع عن بقائها على تلك الهيئة كما هو الحال في الصور والأصنام.

وهناك قسم رابع يمكن أن يضاف إلى أقسام العقوبات المالية، وهو حبس المال عن صاحبه مدة حتى تظهر فيها توبته وتتبين أوبته، وهذا يمكن أن يؤخذ من كلام الفقهاء الذين فسروا كلام الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فيما نقلناه عنهم سابقًا، بل على القول بجواز التعزير بالأخذ، والإتلاف ينبغي أن لا يختلف في مثل هذا الضرب من العقوبات، لأنه يجمع بين أمرين:

الأول: بقاء المال على صاحبه وعدم أخذه أو إتلافه.

الثاني: وقوع المقصود من العقوبات وهو الزجر والحض على التوبة والانكفاف عن المعاصي.

هذا وليس ما ذكرته من الأدلة في ترجيح قول من ذهب إلى جواز التعزير بالعقوبات المالية هو من باب الحصر والاستقصاء فهي كثيرة وذكرها تفصيلًا يطول، وإنما المقصود الإشارة بما يغني ويكفي في أداء المرام، وقد لخص شيخ الإسلام الكلام في مشروعية العقوبات التعزيرية بقوله: «بل العقوبات المالية كالعقوبات البدنية، تستعمل على الوجه المشروع، بل هي أولى بالاستعمال، فإن إتلاف الأبدان والأعضاء أعظم من إتلاف الأموال، فإذا كان جنس الأول مشروعًا فجنس الثاني بطريق الأولى»٧١٦منهاج السنة: (3/441)..

ص 425

ثم إنه بالتتبع والاستقراء لما ذكرته من الأدلة وما استدل به القائلون على جواز العقوبات المالية؛ يظهر أن هذه العقوبات تختص بالمعاصي التي لها نوع تعلق بالأموال -إن كانت العقوبة على وجه الأخذ- وأما إن كانت على وجه التغيير والإتلاف فهو في حقيقته ضرب من ضروب تغيير المنكر، وإن عُدَّ من التعازير المالية بالنظر إلى وقوع التأثير والإيلام لصاحبه، وعليه فهذا القيد يضاف إلى ما ذكرته أعلاه؛ فيكون جواز التعزير بأخذ المال مقصورًا ومنحصرًا في المعاصي التي ترتبط بالأموال، وليس مطلق المعاصي، فلا يجوز مثلًا أخذ المال -على وجه العقوبة- لمن قبل أجنبية، أو يتعرض للصبيان في الطرقات، أو يطلع على عورات الناس في بيوتهم، أو ممن وقع منه السب، أو الشتم، أو الضرب ظلـمًا وعدوانًا، ونحو ذلك من المعاصي والجنايات التي لا صلة لها بالأموال في أصلها، هذا ما ظهر لي في المسألة، والله تعالى أعلم.

وممن ذهب إلى القول بجواز التعزير بالعقوبات المالية -دون الإشارة إلى القيد الأخير الذي ذكرته- من المعاصرين: الشيخ بكر أبو زيد -وفقه الله- فقد قال بعد أن ذكر اختلافات العلماء ومقارنتها بكلام الإمام ابن القيم: «وأرجح القولين فيما يظهر لي والله أعلم؛ هو جواز التعزير بالمال إذا تحققت المصلحة التعزيرية كما اختاره الإمام ابن القيم والله أعلم»٧١٧الحدود والتعزيرات عند ابن القيم: (499)..

وكذلك الدكتور محمد فتحي الدُريني بعد أن بحث المسألة بحثًا مستفيضًا مستوفي، واستقصاها من نواحيها الأصولية والفقهية مع مقارنة أقوال الفقهاء وتتبع استدلالاتهم قال: «وبذلك يترجح لديك مشروعية التغريم بالمال، على بعض الجرائم والجنايات غير المقدرة إذا اقتضت ذلك المصلحة المعتبرة، لأن ذلك علم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد -كما قال الشاطبي- شريطة أن يكون الإمام عدلًا، لِمَا ثبت أصله في القرآن الكريم بإدراك حكمة تشريعه، وأقضية الرسول ﷺ وأقواله، وباستفاضة آثار الخلفاء والصحابة في أقضيتهم واجتهادات كثير من الأصوليين والفقهاء في المذاهب المختلفة، وبالمعقول حماية للدين والدنيا، والله ولي التوفيق»٧١٨بحوث مقارنة [في الفقه الإسلامي وأصوله، للدريني]: (2/167)..

ص 426
ثانيًا: التعزير بالقتل

التعزير بالقتل هو أيضًا من العقوبات التي اختلف فيها العلماء؛ فقد ذهب بعض الفقهاء إلى جوازها في مواضع مخصوصة بشروط معينة، كقول المالكية بجواز قتل الجاسوس المسلم وهو قول لبعض الحنابلة، وكقتل الداعية إلى البدع المغلظة المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية، وكما ذهب الأحناف إلى جواز قتل اللوطي الذي تكرر منه هذا الفعل، ومثله -عندهم- القاتل بمثقل إذا تكرر منه، هذا هو ملخص أقوال العلماء إجمالًا، ونشرع في ذكر أدلتهم وبيان ما يترجح منها مع محاولة الاختصار قدر الإمكان، والله هو المستعان:

الأول: مذهب الأحناف

يُدخل الأحناف بعض الصور التي تعد من باب دفع الصائل وتغيير المنكر في مسمى التعزير بالقتل، هذا مع أن هناك صورًا تعد من باب التعزير إلا أنهم يطلقون عليها القتل سياسة، فمن القسم الأول ما جاء في الدر المختار: ««ويكون» التعزير «بالقتل كمن» وجد امرأة مع من لا تحل له، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر، وكذا الغلام.. «إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا» بأن علم أنه ينزجر بما ذكر «لا» يكون القتل، وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما، ولو كان مع امرأته وهو يزني بها أو مع محرمه وهما مطاوعان قتلهما جميعا»٧١٩الدر المختار وحاشيته تنوير الأبصار: (6/107)..

وهذه الصورة التي ذكرها الأحناف على القول بها فإنها -وحسب تعريف التعزير وشروطه- تعد من باب دفع الصائل لا سيما الصورة الأولى، وهي إكراه المرأة على الزنا لاندراجها بالأولى في قول النبي ﷺ الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)٧٢٠رواه مسلم [(277) واللفظ له]، وأحمد [8298]..

ص 427

ومما يدل على التدرج الذي ذكروه ما جاء بلفظ: (أرأيتَ إن عدي على مالي، قال: فَانْشُدِ اللهَ. قال: فإنْ أَبَوْا عليَّ؟ قال: فَانْشُدِ اللهَ، قال: فإنْ أَبَوْا عليَّ؟ قال: فَانْشُدِ اللهَ، قال: فإنْ أَبَوْا عليَّ؟ قال: فَقَاتِلْ، فإنْ قُتِلْتَ ففي الجنةِ، وإنْ قَتَلْتَ ففي النارِ)٧٢١رواه أحمد [٨٧٢٤]، والنسائي [٤٠٨٢]، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (1414)، وفي صحيح سنن النسائي: (4082-4083).؛ ولأنه من باب دفع الصيال فإنهم لا يفرقون في هذه الصورة بين محصن وغيره وصرحوا بكونه من الأمر بالمعروف حيث جعلوه علة لما ذهبوا إليه فقالوا: «لأنه ليس من الحد بل من الأمر بالمعروف»٧٢٢الدر المختار: (6/109)..

وقال ابن عابدين: «قال في النهر: ورده ابن وهبان -أي اشتراط الإحصان- بأنه ليس من الحد، بل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حسن، فإن هذا المنكر حيث تعين القتل طريقًا في إزالته فلا معنى لاشتراطه الإحصان فيه»٧٢٣رد المحتار: (ي 6/109)..

وأما ما كان على وجه التعزير بالمعنى الاصطلاحي المعروف؛ فقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن من أصول الأحناف أن ما شرع القتل في جنسه إذا تكرر فعله من الشخص فإن للإمام أن يقتله تعزيرًا، وذلك كمن تكرر منه فعل فاحشة اللواط والقتل بمثقل فإن الأحناف لا يوجبون حدًا على اللوطي ولا قصاصًا على من قتل بمثقل، ولكن من تكرر منه هذا الفعل فيجوز عندهم أن يقتل على وجه التعزير كفًّا لشره.

ص 428

وفي هذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «وممن يجوز التعزير بالقتل في الذنوب الكبار أصحاب أبي حنيفة في مواضع يسمون القتل فيها سياسة؛ كقتل من تكرر لواطه أو قتله بالمثقل، فإنهم يجوزون قتله سياسة وتعزيرًا، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب ذلك، بل ولا يجوزه فيمن فعله مرة واحدة، وأما صاحباه فمع سائر الأئمة فيخالفون في أنه يجب القود في القتل، وفي وجوب قتل اللوطي إما مطلقًا سواء كان محصنًا أو غير محصن، كمذهب مالك، وأحمد في أشهر روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، وإما أن يكون حده مثل حد الزاني كقول صاحبي أبي حنيفة، والشافعي في أشهر قوليه، وأحمد في أحد روايتيه»٧٢٤مجموع الفتاوى: (35/406)..

وقال أيضًا: «ومن أصولهم -أي الأحناف- أن ما لا قتل فيه عندهم، مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل.. إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن الرسول وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه: القتل سياسة، وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تغلظت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي ﷺ من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا: يقتل سياسة وهذا متوجه على أصولهم»٧٢٥الصارم المسلول: (10-11)..

وقد نقل ابن عابدين كلام شيخ الإسلام بنصه مقرًا له في موضعين من حاشيته٧٢٦رد المحتار: (4/214).، فقد قال بعد أن نقل كلام ابن تيمية السابق: «ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا: يقتل سياسة وهذا متوجه على أصولهم، اهـ» قال ابن عابدين: «فقد أفاد أنه يجوز عندنا قتله إذا تكرر منه ذلك وأظهره، وقوله: وإن أسلم بعد أخذه، لم أر من صرح به عندنا لكنه نقله عن مذهبنا وهو ثبت فيقبل»٧٢٧رد المحتار: (4/115)..

وقال شيخ الإسلام أيضًا: «وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط، أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ذلك»٧٢٨مجموع الفتاوى: (28/346)..

ص 429

وقال ابن القيم: «وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، وقد صرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيرًا، وكذلك قالوا: إذا قتل بالمثقل فللإمام أن يقتله تعزيرًا، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا، وصاحباه يخالفانه في المسألتين وهما مع جمهور الأمة»٧٢٩الطرق الحكمية: (136).، وقال رحمه الله: «من أصولهم -أي الأحناف- أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والتلوط وسب الذمي لله ورسوله وكتابه ونحو ذلك، إذا تكرر فعلى الإمام أن يقتل فاعله تعزيرًا»٧٣٠أحكام أهل الذمة: (3/1375)..

وقد أطلق ابن نجيم القول بجواز التعزير بالقتل، حيث قال وهو يعدد بعض العقوبات التعزيرية: «وجواز التعزير بالقتل»٧٣١البحر الرائق: (6/234). د.، فالظاهر أنه محمول على هذه الصور المذكورة وما شابهها.

خاصة أن ابن القيم قد ذكر أن أبعد الناس من التعزير بالقتل هو أبو حنيفة كما قال: «وأبعد الأئمة من التعزير بالقتل أبو حنيفة، ومع ذلك فيجوّز التعزير به للـمصلحة كقتل المكثر من اللواط وقتل القاتل بالمثقل»٧٣٢الطرق الحكمية: (315)..

وقال ابن نجيم نقلًا عن فتح القدير: «ولو اعتاد اللواطة قتله الإمام محصنًا كان أو غير محصن سياسة»٧٣٣البحر الرائق: (5/18).، ومما ذكروه أيضًا من تكرر منه الخنق أو التغريق، بأن قتل بالخنق أو التغريق مرارًا فإنه يقتل سياسة، وإن لم يوجبوا القصاص في المرة الواحدة قال ابن عابدين: «ومن تكرر الخنق بكسر النون منه في المصر أي خنق مررًا.. قتل به سياسة لسعيه بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل، وإلا بأن خنق مرة لا، لأنه كالقتل بالمثقل وفيه القود عند غير أبي حنيفة اهـ»٧٣٤رد المحتار (2/211)، وجاء في مجمع الأبحر (2/623): «وإن تكرر أي القتل بالمثقل، والتغريق، والخنق منه أي من القاتل قتل به أي بالقتل المكرر إجماعًا، لكن قال صاحب الاختيار: وإن تكرر منه ذلك فللإمام قتله سياسة لأنه سعى في الأرض بالفساد»..

ص 430

وهذا الحكم ليس خاصًا بالخنق، أو التغريق، بل يعم كل قتل تكرر مما يدخل فيما يسمونه بشبه العمد كما نقلناه عنهم في القتل بالمثقل، ولهذا قال ابن عابدين في موضع آخر من كتابه: «ثم هذا غير خاص بالخنق لما قدمه في شبه العمد إنه لا قود فيه إلا أن يتكرر منه، فللإمام قتله سياسة»٧٣٥[رد المحتار: (6/544)].، ومثل هذا عندهم السارق إذا تكررت منه السرقة فللإمام أن يقتله سياسة درءًا لسعيه في الأرض بالفساد.

قال ابن عابدين: «وفي حاشية السيد أبي السعود رأيت بخط الحموي عن السراجية ما نصه: إذا سرق ثالثًا ورابعًا للإمام أن يقتله سياسة لسعيه في الأرض بالفساد اهـ. قال الحموي: فما يقع من حكام زماننا من قتله أول مرة زاعمين أن ذلك سياسة جور وظلم وجهل، والسياسة الشرعية عبارة عن شرع مغلظ، اهـ»٧٣٦[رد المحتار: (4/103)]..

وقال ابن نجيم: «قوله: «للإمام أن يقتله سياسة» أي إن سرق بعد القطع مرتين لا ابتداء، كذا ذكره بعضهم، وكلامه في النهر يفيد أن جواز قتله سياسة محمول على ما إذا سرق في الخامسة، حيث قال في الجواب عن الحديث السابق: وبتقدير ثبوته فهو محمول على السياسة بدليل أنه قال في الخامسة: «فإن عاد فاقتلوه»، فسياق كلامه يفيد أن قتله سياسة قبل الخامسة لا يجوز، لكن رأيت بخط الحموي عن السراجية ما نصه: إذا سرق ثالثًا ورابعًا للإمام أن يقتله سياسة لسعيه في الأرض بالفساد. اهـ»٧٣٧البحر الرائق: (5/68)..

ص 431

وقد يستدل لقولهم في قتل السارق إذا تكررت منه السرقة بما رواه جابر رضي الله عنه قال: (جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعة، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال اقطعوه، فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة)٧٣٨[وفي الحديث سقط «الإتيان بالسارق المرة الثانية»] رواه أبو داود [٤٤١٠]، والنسائي [٧٤٢٩]، والبيهقي [١٧٢٥٩]، وقال النسائي عقب روايته الحديث: «وهذا الحديث ليس بصحيح، ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ»، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود: (3710)..

وبما رواه أبو يعلى في مسنده: عن محمد بن حاطب قال: ذكر ابن الزبير، قال طالما حرص على الإمارة، قلت: وما ذاك؟ قال: أتي رسول الله ﷺ بلص فأمر بقتله، فقيل: إنه سرق، فقال: اقطعوه، ثم جيء به بعد ذلك إلى أبي بكر وقد قطعت قوائمه، فقال أبو بكر: ما أجد لك شيئًا إلا ما قضى فيك رسول الله ﷺ يوم أمر بقتلك، فإنه كان أعلم بك، فأمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم، فقال ابن الزبير: أمِّروني عليكم، فأمَّرناه علينا، فانطلقنا به إلى البقيع فقتلناه)٧٣٩مسند أبي يعلى: (1/35) [رقم (28)]، ورواه أيضًا الطبراني في (المعجم الكبير: 3/269) [رقم (٣٤٠٩)]، والحاكم [٨١٥٣] وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، قال الهيثمي: «رواه أبو يعلى ورجاله ثقات إلا أني لم أجد ليوسف بن يعقوب سماعًا من أحد من الصحابة» (مجمع الزوائد: 6/277)، وقال الضياء في (المختارة: 1/128): «إسناده صحيح»، وقال عنه الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء: 3/366): «هذا خبر منكر فالله أعلم»، وقال الشيخ الألباني: «والخلاصة أن الحديث من رواية جابر ثابت بمجموع طريقيه، وهو في المعنى مثل حديث أبي هريرة فهو على هذا صحيح إن شاء الله» (إرواء الغليل8/33)، ولهذا فإن الإمام ابن القيم رحمه الله علق القول به على ثبوت صحته، وجعله من باب التعزير بالقتل كما سيأتي كلامه، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وقال بن عبد البر حديث القتل منكر لا أصل له، وقد قال الشافعي هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم، قال بن عبد البر وهذا يدل على أن ما حكاه أبو مصعب عن عثمان وعمر بن عبد العزيز أنه يقتل لا أصل له»، تلخيص الحبير: (4/68)..

ومما نصوا عليه واعتبروه من ضروب القتل سياسة قتل المبتدع الداعي إلى بدعته حين يكون رأسًا لأتباعه، ففي ذلك يقول ابن عابدين رحمه الله: «مطلب في أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم: وفي نور العين عن التمهيد: أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم بحيث توجب الكفر فإنه يباح قتلهم جميعًا إذا لم يرجعوا ولم يتوبوا، وإذا تابوا وأسلموا تقبل توبتهم جميعًا إلا الإباحية، والغالية، والشيعة من الروافض، والقرامطة، والزنادقة من الفلاسفة: لا تقبل توبتهم بحال من الأحوال، ويقتل بعد التوبة وقبلها؛ لأنهم لم يعتقدوا بالصانع تعالى حتى يتوبوا ويرجعوا إليه.

ص 432

وقال بعضهم: إن تاب قبل الأخذ والإظهار تقبل توبته وإلا فلا، وهو قياس قول أبي حنيفة، وهو حسن جدًا، فأما في بدعة لا توجب الكفر فإنه يجب التعزير بأي وجه يمكن أن يمنع من ذلك، فإن لم يمكن بلا حبس وضرب يجوز حبسه وضربه، وكذا لو لم يمكن المنع بلا سيف إن كان رئيسهم ومقتداهم جاز قتله سياسة وامتناعًا، والمبتدع لو له دلالة ودعوة للناس إلى بدعته ويتوهم منه أن ينشر البدعة وإن لم يحكم بكفره جاز للسلطان قتله سياسة وزجرًا، لأن فساده أعلى وأعم حيث يؤثر في الدين، والبدعة لو كانت كفرًا يباح قتل أصحابها عامًا، ولو لم تكن كفرا يقتل معلمهم ورئيسهم زجرًا وامتناعًا. اهـ»٧٤٠رد المحتار: (6/389)..

وقال أيضًا في بيان معنى السياسة عندهم ضاربًا لذلك أمثلة: «وفي القهستاني: السياسة لا تختص الزنا، بل تجوز في كل جناية، والرأي فيها إلى الإمام على ما في الكافي، كقتل مبتدع يتوهم منه انتشار بدعته وإن لم يحكم بكفره كما في التمهيد، وهي مصدر ساس الوالي رعية: أمرهم ونهاهم كما في القاموس وغيره، فالسياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق الْمُنجي في الدنيا والآخرة.. قلت: وهذا تعريف للسياسة العامة الصادقة على جميع ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام الشرعية، وتستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل، كما قالوا في اللوطي والسارق والخناق إذا تكرر منهم ذلك حل قتلهم سياسة وكما مر في المبتدع، ولذا عرفها بعضهم بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد، وقوله لها حكم شرعي؛ معناه أنها داخلة تحت قواعد الشرع وإن لم ينص عليها بخصوصها، فإن مدار الشريعة بعد قواعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم، ولذا قال في البحر: وظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي. اهـ»٧٤١رد المحتار: (6/20)..

ص 433

وضابط المعاصي والفواحش التي يجوز فيها التعزير بالقتل عند الأحناف كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم أن التي شرع في جنسها القتل وتكرر فعلها جاز التعزير عليها بالقتل، وهو ما يسميه فقهاء الأحناف «بالقتل سياسة»، وهو كما رأينا منضبط ومقعّد حسب أصولهم وقواعدهم وليس بابًا مفتوحًا لتسليط السيف على كل من وقع في محظور وإن ظهر للعيان أنه كبير ومستقبح، فينبغي على من أراد الاستدلال بأقوال مثل هؤلاء الفقهاء على نوازل حلت به وابتلي بها أن لا يلحِيها من حقائقها، ولا يخفي بعضها ويبدي بعضًا، فإن هذا من الخيانة وتقويل أهل العلم ما لم يقولوا، ونسبتهم إلى مذاهب لم يشعروا بها أو ينتسبوا إليها، وكم جر أخذ الألفاظ الواسعة الفضفاضة كـ «القتل سياسة» من غير مراعاة لحدودها وتقيد بضوابطها على الأمة من الويلات، واستبيحت بها حرمات واقتحمت محرمات وانتهكت حدود.

فخلاصة المواضع التي نص فقهاء الأحناف على جواز التعزير فيها بالقتل «القتل سياسة» هو في حق من تكرر منه ارتكاب فاحشة اللواط، ومن تكرر منه القتل بمثقل أو الخنق أو التغريق وما شابه ذلك، والمبتدع إذا كان رأسًا دعيًا إلى بدعته وإن لم تكن بدعته مكفرة، وأهل البدع والأهواء ممن كانت بدعهم مكفرة، والسارق إذا تكررت منه السرقة، بل ظاهر عباراتهم وتعليلاتهم أن جواز القتل سياسة منسحب على كل من سعى في الأرض بالفساد ولم يمكن كف شره وإيقاف إفساده إلا بالقتل والله تعالى أعلم.

الثاني: مذهب المالكية

ص 434

ذكر المالكية بعض المواضع التي يجوز فيها القتل تعزيرًا، وأشهرها عندهم قتل الجاسوس المسلم، وقتل الداعية إلى البدعة، ولم أعثر على مواضع أخرى يجوزون فيها القتل مما يمكن أن يندرج في عقوبة التعزير، قال العلامة ابن فرحون رحمه الله: «مسألة: وإذا قلنا إنه يجوز للحاكم أن يجاوز الحدود في التعزير، فهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل أو لا؟ فيه خلاف، وعندنا يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس للعدو، وإليه ذهب بعض الحنابلة، وأما الداعية إلى البدعة المفرق لجماعة المسلمين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بذلك بعض الشافعية في قتل الداعية كالجهمية، والروافض، والقدرية»٧٤٢تبصرة الحكام: (2/302)..

ومن الصور التي ذكرها بعض فقهاء المالكية في هذا الباب أن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثًا وبانت منه ثم رفعت أمرها إلى القاضي وأنكر الزوج فحكم القاضي بردها إليه، أن لها أن تقتله إذا خليت به وأمنت كشف أمرها وظهوره.

قال ابن فرحون: «وأجاز ابن المواز من أصحابنا للمرأة إذا علمت أن زوجها طلقها ثلاثًا فادعت عليه فأنكر ولم تقم عليه بينة فخلى بينه وبينها أن تقتله إن خفي لها ذلك وأمنت ظهوره، كالعادي والمحارب وقال سحنون لا تقتله»٧٤٣تبصرة الحكام: (2/302)..

ولكن لا يظهر إلحاق هذا بعقوبة القتل تعزيرًا، فعلى القول بجوازها تعد من باب الدفع عن العرض ورد المحارب كما جاء مصرحًا به في النقل، وقد ذكر بعض علماء المالكية أنه لا يبلغ بالتعزير القتل قال المواق: «قال ابن شاس: لا يلزمه في التعزير الاقتصار على ما دون الحد، ولا له انتهاء به إلى القتل»٧٤٤التاج والإكليل مع مواهب الجليل: (8/437)..

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وعلى القول الأول هل يجوز أن يبلغ بها القتل مثل قتل الجاسوس المسلم في ذلك قولان: أحدهما: قد يبلغ بها القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة وهو قول مالك.. وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم»٧٤٥مجموع الفتاوى: (35/405).، وقال أيضًا: «وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة»٧٤٦مجموع الفتاوى: (28/346)..

ص 435

وقال رحمه الله: «وأما مالك وغيره فحكي عنه أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة كابن عقيل قتله»٧٤٧مجموع الفتاوى: (28/345)..

وقال ابن القيم رحمه الله: «ومالك يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، ويرى أيضًا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي قتل الداعية إلى البدعة»٧٤٨الطرق الحكمية: (1/386)..

فخلاصة القول في مذهب مالك حسب هذه الأقوال:

أنهم يجوزون التعزير بالقتل في مواضع مخصوصة ذكروا منها قتل الجاسوس المسلم، وقتل الداعية إلى بدعته فيما كانت بدعته مغلظة كالقدرية، والجهمية، ونحوهم، والظاهر أن المعنى العام الذي يجمع بين الجاسوس المسلم والداعين إلى البدع هو ما يقع من الفساد الكبير على الإسلام والمسلمين من جراء ما يرتكبونه، فالجاسوس قد يتسبب في قتل آلاف المسلمين وخراب ديار وأوطان وإهلاك حرث ونسل، ودعاة البدع يفسدون دين الناس وعقائدهم بسبب ما يدخلونه عليهم من التشكيك ويبثونه من الفرقة وملء قلوب الناس بالبغضاء والأحقاد والأهواء كما هو معلوم من سيرتهم المشهورة في كتب التاريخ ومن الواقع المشهود، ولهذا فإن بعض علماء المالكية الكبار قد جعل عقوبة الجاسوس كعقوبة الزنديق يقتل على كل حال، وقد بينت ذلك مفصلًا في بحث حكم الجاسوس المسلم بما يغني عن تكراره هنا والله تعالى أعلم.

الثالث: مذهب الشافعية

ص 436

نسب لبعض الشافعية القول بجواز قتل المبتدع الداعي إلى بدعته موافقين في ذلك مذهب أبي حنيفة ومالك رحمه الله، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة»٧٤٩مجموع الفتاوى: (28/346)..

وقال ابن القيم رحمه الله: «وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة كالتجهم، والرفض، وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري، لأنه كان داعية إلى بدعته وهذا مذهب مالك رحمه الله»٧٥٠الطرق الحكمية: (1/157).، قال أبو حامد الغزالي: «ولا يجوز أن يقتل في التعزير والاستصلاح»٧٥١الوجيز: (2/182)..

الرابع: مذهب الحنابلة

ذهب بعض الحنابلة إلى جواز قتل الجاسوس المسلم كما هو في مذهب مالك، وكذلك قتل المبتدع الداعي إلى بدعته، وجوّز بعضهم قتل الساحر تعزيرًا وإن لم يكن كافرًا، ولم يستبعد بعضهم القول بقتل العائن إذا كان يقتل بعينه غالبًا: قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وعلى القول الأول هل يجوز أن يبلغ بها القتل؟ مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان: أحدهما قد يبلغ بها القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع ومن لا يزول فساده إلا بالقتل»٧٥٢مجموع الفتاوى: (35/405)..

ص 437

وقول شيخ الإسلام رحمه الله هنا: «ومن لا يزول فساده إلا بالقتل» يحتمل أن يكون معطوفًا على الداعية إلى البدع، وعليه يكون هناك قول في مذهبي الشافعي وأحمد بجواز قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، ويحتمل أن يكون مقصود كلامه تعليل جواز قتل الداعية إلى البدع وبيان لمدرك قولهم وذلك كما جاء في الاختيارات العلمية: «وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه، ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري، وقتل هؤلاء له مأخذان: أحدهما كون ذلك كفرًا، كقتل المرتد، أو جحودًا، أو تغليظًا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد، والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة وترك الرواية عنه والصلاة خلفه وهجره»٧٥٣الفتاوى الكبرى: (4/602)..

وقال المرداوي في شأن الساحر: «فعلى المذهب يعزر تعزيرًا بليغًا بحيث لا يبلغ به القتل على الصحيح من المذهب، وقيل له تعزيره بالقتل»٧٥٤الإنصاف: (10/350).، وقال البهوتي: «وفي الترغيب في العائن للإمام حبسه، وقال المنقح لا يبعد أن يقتل العائن إذا كان يقتل بعينه غالبًا»٧٥٥كشاف القناع: (6/126).، وقال المرداوي أيضًا: «قال -أي شيخ الإسلام-: يقتل مبتدع داعية، وذكره وجهًا، وفاقًا لمالك رحمه الله، ونقله إبراهيم بن سعيد الأطروش عن الإمام أحمد رحمه الله في الدعاة من الجهمية، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله الخلوة بأجنبية، واتخاذ الطواف بالصخرة دينًا، وفي قول الشيخ: «انذروا لي، واستعينوا بي» إن أصر ولم يتب: قتل، وكذا من تكرر شربه للخمر ما لم ينته بدونه، للأخبار فيه»٧٥٦الإنصاف: (10/250)..

وممن ذهب إلى جواز التعزير بالقتل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله واستدلا لذلك بعدة أدلة نذكر ما تيسر منها:

ص 438

الأول: قصة حاطب ابن أبي بلتعة عندما راسل قريشًا وأخبرهم بعزم النبي ﷺ على المجيء إليهم، والقصة بطولها في الصحيحين وغيرهما، وموضع الشاهد منها قول عمر رضي الله عنه لرسول الله ﷺ: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق: فقال له النبي ﷺ: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»٧٥٧والحديث متفق عليه، [وقد تقدم في (324)]..

قال ابن القيم رحمه الله: «وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال: (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد٧٥٨[البخاري: (3007)، ومسلم: (6485)، وأبو داود: (2650)، والترمذي: (3305)، وأحمد: (600)].، كيف تجده متضمنًا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون، وهي: أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي؟ فعلل النبي ﷺ عصمة دمه بشهوده بدرًا دون الإسلام العام، فدل على أن مقتضي قتله كان قد وجد، وعَارَضَ سببَ العصمة وهو الجس على رسول الله ﷺ، لكن عَارضَ هذا المقتضى مَانعٌ مَنَعَ من تأثيره، وهو شهوده بدرًا، وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها، وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس، لأنه ليس ممن شهد بدرًا، وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرًا»٧٥٩بدائع الفوائد: (4/940)..

وقال أيضًا في تعداده فوائد فتح مكة: «وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلـمًا؛ لأن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله ﷺ: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال: وما يدرك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فأجاب بأن فيه مانعًا من قتله، وهو شهوده بدرًا، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة المسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم»٧٦٠زاد المعاد: (3/422-423)..

ص 439

وقد أخطأ بعض المعاصرين حين اعتبر قول بعض أصحاب مالك وأحمد في جواز قتل الجاسوس أن ذلك لأجل كفره، فهذا لا وجه له عندهم إطلاقًا وهو استنباط خاطئ من كلامهم، وحيدة عن صريح أقوالهم إلى الاستخراج والتعليلات، إذ لو صح ذلك لكان الحكم آنذاك هو وجوب قتله لا جوازه فالمعلوم أن المرتد يجب قتله إن لم يتب اتفاقًا لقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)٧٦١رواه البخاري [3017] عن ابن عباس رضي الله عنهما..

الثاني: أمر النبي ﷺ من تكرر منه شرب الخمر أن يقتل في الرابعة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الثانية فاجلدوه، فإن عاد الثالثة فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه)٧٦٢رواه [بلفظ قريب] أحمد [7003]، وأبو داود [4484]، والحاكم [8113]، وقد روى هذا الحديث جمع من الصحابة عن النبي ﷺ منهم معاوية، وأبو هريرة، وشرحبيل بن أوس، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم، والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقد جمع طرقه ورواياته وأتم تحقيقه العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند وقال: «ثم إن ابن عمر لم ينفرد بروايته، بل ثبت معناه من أحاديث صحابة آخرين في المسند وغيره أكثرها صحيح الإسناد، وفي بعضها ضعف محتمل مما لا يدع شكًا عند أهل العلم بالحديث في صحة هذا المعنى وثبوته عن النبي ﷺ» المسند (5/427)، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب (3/187)، وفي السلسلة الصحيحة: (1360)، بهذا اللفظ، وبلفظ: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا الرابعة فاقتلوهم» وقال أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وصححه أيضا في صحيح الجامع: (629)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (2381)..

وقد سُئل شيخ الإسلام رحمه الله عن الحديث وهل له أصل أم لا؟ فأجاب: «نعم له أصل، وهو مروي من وجوه متعددة، وهو ثابت عند أهل الحديث، لكن أكثر العلماء يقولون هو منسوخ، وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل، ومنهم من يقول بل حكمه باق، وقيل بل الوجوب منسوخ والجواز باق، وقد رواه أحمد، والترمذي، وغيرهما، ولا أعلم أحدًا قدح فيه»٧٦٣مجموع الفتاوى: (34/219).، هذا من حيث ثبوت الحديث وصحته.

ص 440

وللعلماء في أحكام وفقه هذا الحديث وغيره مما جاء فيه ذكر القتل في المرة الرابعة ثلاثة أقوال مشهورة:

أولها: أن حكم قتل شارب الخمر في الرابعة قد نسخ، وأن الإجماع قد انعقد على خلافه، وهذا مذهب الأكثرين، وعليه أطبقت كلمة علماء المذاهب وشراح الحديث، بحيث يكاد ينعدم أن تجد في كتبهم غير هذا القول، ولهذا قال الإمام الترمذي رحمه الله: «جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سقم)٧٦٤[رواه بلفظ «مرض» بدل «سقم» الترمذي: (187)، وأبو داود: (1211) وصححه الألباني].، وحديث النبي ﷺ أنه قال: (إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)»٧٦٥[شرح علل الترمذي: (1/324)، وحديث قتل شارب الخمر في الرابعة تقدم قبل قليل]..

وقد ذكر رحمه الله بعض حجج العلماء القائلين بالنسخ فقال: «وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)، قال: ثم أُتِيَ النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهري عن قبيصة عن ذؤيب عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: فرفع القتل وكانت رخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العمل، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه)»٧٦٦سنن الترمذي: (4/48) [رقم (١٤٤٤)، وحديث (لا يحل دم...) تقدّم في (178) و(247)]..

ص 441

وكما قرر أصحاب هذا القول مذهبهم بالأثر فقواه بعضهم من جهة النظر أيضًا، فقال الطحاوي بعد أن ذكر جملة من الآثار التي استدلوا بها على نسخ قتل شارب الخمر في الرابعة: «فثبت بما ذكرنا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، ثم عدنا إلى النظر في ذلك لنعلم ما هو، فرأينا العقوبات التي تجب بانتهاك الحرمات مختلفة، فمنها حد الزنا، وهو الجلد في غير الإحصان، فكان من زنى وهو غير محصن فَحُدّ، ثم زنى ثانيةً كان حده كذلك أيضًا، ثم كذلك حده في الرابعة لا يتغير عن حده في أول مرة، وكان من سرق ما يجب فيه القطع فحده قطع اليد، ثم إن سرق ثانية فحده قطع الرجل، ثم إن سرق ثالثة ففي حكمه اختلاف بين الناس، فمنهم من يقول تقطع يده، ومنهم من يقول لا تقطع، فهذه حقوق الله التي تجب في ما دون الأنفس، وأما حدود الله التي تجب في الأنفس، وهي القتل في الردة، والرجم في الزنا، إذا كان الزاني محصنًا، فكان من زنى ممن قد أحصن رجم، ولم ينتظر به أن يزني أربع مرات، وكان من ارتد عن الإسلام قتل ولم ينتظر به أن يرتد أربع مرات.

وأما حقوق الآدميين، فمنها أيضًا ما يجب فيما دون النفس، فمن ذلك حد القذف، فكان من قذف مرات فحكمه فيما يجب عليه بكل مرة منها، فهو حكم واحد لا يتغير ولا يختلف ما يجب في قذفه إياه في المرة الرابعة وما يجب عليه بقذفه إياه في المرة الأولى، فكانت الحدود لا تتغير في انتهاك الحرم، وحكمها كلها حكم واحد، فما كان منها جلد في أول مرة فحكمه كذلك أبدًا، وما كان منها قتل؛ قُتِلَ الذي وجب عليه ذلك الفعل أول مرة، ولم ينتظر به أن يتكرر فعله أربع مرات، فلما كان ما وصفنا كذلك، وكان من شرب الخمر مرة فحده الجلد لا القتل، كان في النظر أيضًا عقوبته في شربه إياها بعد ذلك أبدًا كلما شربها الجلد لا القتل، ولا تزيد عقوبته بتكرر أفعاله كما لم تُزَد عقوبة من وصفنا بتكرار أفعاله، فهذا الذي وصفنا هو النظر وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين»٧٦٧شرح معاني الآثار: (3/161)..

ثاني الأقوال المتعلقة بالحديث: قول بعض الظاهرية وهو أن الحكم المنصوص عليه في هذا الحديث يجب الأخذ به، وهو حد كغيره من الحدود، فمن تكرر منه شرب الخمر وبلغ في ذلك الرابعة وجب قتله نصًا، وبدهيٌ أن يكون أصحاب هذا القول قد ردوا على دعوى النسخ، وانعقاد الإجماع على خلافه، وإلا فما كان لهم أن يخالفوه أو يخرقوا اتفاق المسلمين.

ص 442

وقد قرر هذا الحكم الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله حيث يقول بعد أن ذكر أقوال العلماء وحججهم: «فأما نحن فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن الواجب ضم أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ كلها بعضها إلى بعض، والانقياد إلى جميعها، والأخذ بها، وأن لا يقال في شيء منها هذا منسوخ إلا بيقين، برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]؛ فصح أن كل ما أمر الله تعالى به أو رسوله ﷺ فرض علينا الأخذ به والطاعة به، ومن ادعى في شيء من ذلك نسخًا فقوله مطروح؛ لأنه يقول لنا: لا تطيعوا هذا الأمر من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ، فواجب علينا عصيان من أمر بذلك إلا أن يأتي نص جلي بين يشهد بأن هذا الأمر منسوخ، أو إجماع على ذلك، أو بتاريخ ثابت مبين أن أحدهما ناسخ للآخر.

وأما نحن فإن قولنا هو أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأكمله، ونهانا عن اتباع الظن، فلا يجوز البتة أن يرد نصان يمكن تخصيص أحدهما من الآخر وضمه إليه إلا وهو مراد الله تعالى منهما بيقين، وأنه لا نسخ في ذلك بلا شك أصلا، ولو كان في ذلك نسخ لبينه الله تعالى بيانًا جليًا، ولما تركه ملتبسًا مُشْكِلًا حاش لله من هذا.

ص 443

وقال أبو محمد رحمه الله: فلم يبق إلا أن يرد نصان ممكن أن يكون أحدهما مخصوصًا من الآخر، لأنه أقل معاني منه، وقد يمكن أن يكون منسوخًا بالأعم، ويكون البيان قد جاء بأن الأخص قبل الأعم بلا شك، فهذا إن وجد فالحكم فيه النسخ ولا بد حتى يجيء نص آخر أو إجماع متيقن على أنه مخصوص من العام الذي جاء بعده، برهان ذلك أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [النحل: 89]، وقال لرسول الله ﷺ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ [النحل: 44]، والبيان بلا شك هو ما اقتضاه ظاهر اللفظ الوارد ما لم يأت نص آخر أو إجماع متيقن على نقله عن ظاهره، فإذا اختلف الصحابة فالواجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه، إذ يقول: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، وقد صح أمر النبي ﷺ بقتله في الرابعة، ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ»٧٦٨المحلى: (11/369)..

وقال أيضًا: «وقد ادعى قوم أن الإجماع صح على أن القتل منسوخ على شارب الخمر في الرابعة، قال أبو محمد وهذه دعوة كاذبة، لأن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، ويقولان: جيئونا به فإن لم نقتله فنحن كاذبان، قال أبو محمد: وبهذا القول نقول وبالله تعالى التوفيق»٧٦٩الإحكام: (4/517).، وقد تبع الإمام ابن حزم فيما ذهب إليه من تحتم القتل في الرابعة العلامة أحمد شاكر رحمه الله حيث قال في تعليقه على المسند بعد أن ذكر اختيار ابن القيم الذي سنذكره قريبًا، قال: «ولم أستطع أن أرى الدليل الذي اقتضى هذا في نظر ابن القيم، وما أرى إلا أن القتل في هذا الحال حكم ثابت محكم يجب الأخذ به في كل حال»٧٧٠المسند: (5/459)..

كما أن الإمام السيوطي رحمه الله أيد القول بعدم النسخ، ورد على من قال به، وقرر أن الحكم ما زال باقيًا، وأن من تكرر منه شرب الخمر يقتل لا سيما في الأعصار المتأخرة التي كثر فيها المدمنون عليها، وانهمكوا في شربها حتى جرتهم إلى موبقات وعظائم وأحيانًا كفريات لا يحتمل معها القول بعدم جواز القتل، فقد نقل نص كلامه العلامة شمس الحق آبادي فقال: «قال السيوطي فيها -أي حاشيته على الترمذي- بعد إشارة إلى عدة أحاديث هكذا: فهذه بضعة عشر حديثًا كلها صحيحة صريحة في قتله بالرابعة، وليس لها معارض صريح، وقول من قال بالنسخ لا يعضده دليل، وقولهم إنه أتي برجل قد شرب بالرابعة فضربه ولم يقتله لا يصلح لرد هذه الأحاديث لوجوه:

الأول: أنه مرسل، إذ راويه قبيصة ولد يوم الفتح، فكان عمره عند موته سنتين وأشهرًا، فلم يدرك شيئًا يرويه.

الثاني: أنه لو كان متصلًا صحيحًا لكانت تلك الأحاديث مقدمة عليه، لأنها أصح وأكثر.

الثالث: أن هذه واقعة عين لا عموم لها.

ص 444

والرابع: أن هذا فعل، والقول مقدم عليه، لأن القول تشريع عام، والفعل قد يكون خاصًا.

الخامس: أن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم، فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم، وقد ورد بقصة نعمان لما قال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال: النبي ﷺ: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)٧٧١[تقدم في (329)].؛ فعلم النبي ﷺ من باطنه صدق محبته لله ورسوله، فأكرمه بترك القتل، فله أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام، فالصحابة رضي الله عنهم جميعًا جديرون بالرخصة إذا بدت من أحدهم زلة، وأما هؤلاء المدمنون للخمر، الفسقة، المعروفون بأنواع الفساد، وظلم العباد، وترك الصلاة، ومجاوزة أحكام الشريعة، وإطلاق أنفسهم بحال سكرهم بالكفريات وما قاربها، فإنهم يقتلون بالرابعة لا شك فيه ولا ارتياب، وقول المصنف -يعني الترمذي-: لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك -يعني في النسخ-، قد رده الحافظ العراقي بأن الخلاف ثابت محكي عن طائفة»٧٧٢عون المعبود: (12/120)..

القول الثالث في الحكم الوارد في الحديث: أن قتل الشارب في الرابعة ليس على سبيل الحتم والإلزام، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام، فله أن يقتل وله أن يدع بحسب ما يظهر له من المصلحة، لأن الحكم فيه منوط بها كغيره من العقوبات التعزيرية، فيجوز للحاكم أن يقتل من تكرر منه شرب الخمر في الرابعة، ويجوز له أن يرفع عنه حكم القتل، وكل ذلك بناء على الأصلح والأجدى وليس تشهيًا واتباعًا لهوى النفوس.

ص 445

وهذا القول صرح به الإمام ابن القيم واعتمده فقال بعد أن ذكر أقوال من ترك العمل بحديث القتل في الرابعة وما حكي من الإجماع على ذلك: «وفي ذلك كله نظر: أما دعوى الإجماع على خلافه فلا إجماع، قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله، وهذا مذهب بعض السلف، وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما يتم بثبوت تأخره والإتيان به بعد الرابعة ومنافاته للأمر بقتله، وأما دعوى نسخه بحديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)٧٧٣[تقدّم في (178) و(247)].، فلا يصح؛ لأنه عام وحديث القتل خاص، والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيز بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر ولم ينزجروا بالحد فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل، ولهذا كان عمر رضي الله عنه ينفي فيه مرة، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانين، وقد جلد فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه أربعين، فَقتْلُه في الرابعة ليس حدًا وإنما هو تعزير بحسب المصلحة وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق إن صح والله أعلم»٧٧٤تهذيب السنن: (6/238)..

وقال أيضًا: «ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير.. والقتل إما منسوخ وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها، واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد لينزجر الباقون فله ذلك»٧٧٥زاد المعاد: (5/48).، وإن كان كلامه هنا ليس صريحًا كالذي قبله في ترجيحه للقول بأن القتل في الرابعة عقوبة تعزيرية.

ص 446

أما شيخ الإسلام رحمه الله فكلامه محتملٌ لاختياره هذا القول وترجيحه له، وإن كان يحكى في مواضع كثيرة الأقوال الثلاثة المتعلقة بحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، فمما يشير إلى احتمال ميله إلى القول بأنه عقوبة تعزيرية قوله: «والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعل له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتال الباغي والعادي، وهذا التعزير ليس يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال، يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، قيل ويمكن أن يخرج شارب الخمر في الرابعة على هذا»٧٧٦الفتاوى الكبرى: (4/601).، وكلامه هنا وإن كان بيّنًا في جواز بلوغ التعزير إلى القتل فيما إذا لم ينكف فساد المفسد إلا به، إلا أن إدراج قتل شارب الخمر في الرابعة في هذه الصورة ليس صريحًا، وعلى كل فإن أصل القاعدة التي أشار إليها شيخ الإسلام متفق عليها بين الفقهاء كما سنذكره في موطنه وهي: «أنه لا يتجاوز في العقوبة القدر المؤدي للغرض وهو الزجر عن المعصية، فلا يرتقى إلى عقوبة لأجل الزجر وهو يعلم أن ما دونها يغني عنها».

أما الوصول بذلك التدرج إلى القتل فهذا ليس متفقًا عليه كما علمنا من الخلاف بين الفقهاء، مع العلم أن بعض الصور يتفق على حكمها ويختلف في تسميتها تعزيرًا كما في دفع الصائل على الحرمات، فإن الفقهاء متفقون على أن من أريد انتهاك عرضه فله أن يدفع بما يستطيع، بل يجب عليه ذلك ولو أدى إلى قتل الصائل، أما تسمية هذه الصورة تعزيرًا أم لا فكما رأينا فالبعض يدرجها تحت هذا الاسم وغيرهم لا يذكرها في هذا الباب.

ومن المواطن التي ذكر فيها شيخ الإسلام قتل شارب الخمر في الرابعة تعزيرًا دون أن يصرح بأنه اختياره قوله: «وكان النبي ﷺ يجلد شارب الخمر ولم يقتله، بل قد ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره: أن رجلًا كان يشرب الخمر، وكان اسمه عبد الله حمارًا وكان يضحك النبي ﷺ: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله)٧٧٧[تقدم في (329)]... وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في الثالثة والرابعة منسوخ؛ لأن هذا أُتي به ثلاث مرات، وقد أعيى الأئمة الكبار جواب الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدًا مقدرًا في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى اجتهاد الإمام؛ فيفعلها عند المصلحة كغيرها من أنواع التعزير، وكذلك صفة الضرب فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف الزاني والقاذف، فيجوز أن يقال قتله من هذا الباب»٧٧٨مجموع الفتاوى: (7/482-483)..

ص 447

ولشيخ الإسلام رحمه الله فتوى نقلها صاحب الاختيارات العلمية في قتل رجل وجد في السوق في نهار رمضان وهو شارب للخمر، مما يقوي القول بأنه يجوّز أن يبلغ بالتعزير القتل في مثل هذه الحالة: «قال -أي ابن تيمية- وأفتيت ولاة الأمور في شهر رمضان سنة أربع بقتل من أمسك في سوق المسلمين وهو سكران، وقد شرب الخمر مع بعض أهل الذمة، وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفتيتهم قبل هذا بأنه يعاقب عقوبتين: عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر، فقالوا: ما مقدار التعزير؟ فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب وحال المذنب وحال الناس، وتوقفت عن القتل، فكبر هذا على الأمراء والناس، حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحل نظام الإسلام على انتهاك المحارم في نهار رمضان فأفتيت بقتله، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديًا وأنه أظهر الإسلام»٧٧٩الفتاوى الكبرى: (4/306)..

وهذه القصة ونظائرها المذكورة في نفس الموطن تؤكد بلا ريب أن شيخ الإسلام يقرر قولًا وعملًا جواز التعزير بالقتل مما يعد صريحًا في اختياره، ولكن يشكل على نسبة القول باختياره جعل قتل شارب الخمر في الرابعة عقوبة تعزيرية ما جاء في مما يفهم منه قوله في موضع آخر: «وقد روي من وجوه عن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه)٧٨٠[تقدم تخريجه في (439)].، فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة، وأكثر العلماء لا يوجبون القتل، بل يجعلون هذا الحديث منسوخًا، وهو المشهور من مذاهب الأئمة، وطائفة يقولون: إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك، كما في حديث آخر في السنن أنه نهاهم عن أنواع من الأشربة، قال: (فإن لم يدعوا ذلك فاقتلوهم)٧٨١[رواه بلفظ قريب أحمد: (١٨٠٣٦) وصححه الأرنؤوط، وأبو داود: (3683)، وابن أبي شيبة: (٢٥٢٩٥)].، والحق ما تقدم.

ص 448

وقد ثبت في الصحيح: أن رجلًا كان يدعى حمارًا وهو كان يشرب الخمر، فكان كلما شرب جلده النبي ﷺ، فلعنه رجل فقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ! فقال: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) وهذا يقتضي أنه جلد مع كثرة شربه»٧٨٢مجموع الفتاوى: (34/217)، [وحديث (لا تلعنه...) تقدم في (329)]..

فالظاهر من قوله: «والحق ما تقدم» أن القول بالنسخ هو الراجح عنده لا سيما وقد دعمه بعدم قتل النبي ﷺ حمارًا مع تكرر الشرب منه، مع أن الفتوى التي نقلناها عنه في قتل من وجد شاربًا للخمر ومفطرًا في نهار رمضان، وتعليله ذلك بخشية انفراط عقد الإسلام بانتهاك حرمة من حرماته تعد صريحة في اختياره جواز التعزير بالقتل، وقد مر معنا أن المرداوي رحمه الله نسب القول بالقتل في الرابعة لشيخ الإسلام فقال: «وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله في الخلوة بأجنبية، واتخاذ الطواف بالصخرة دينًا، وفي قول الشيخ: «انذروا لي، واستعينوا بي» إن أصر ولم يتب: قتل، وكذا من تكرر شربه للخمر ما لم ينته بدونه، للأخبار فيه»٧٨٣الإنصاف: (10/250). والله تعالى أعلم.

وممن ذهب إلى أن قتل شارب الخمر في الرابعة يعتبر عقوبة تعزيرية الشيخ الألباني رحمه الله حيث قال: «ولكنا نرى أنه من باب التعزير، إذا رأى الإمام قتل، وإن لم يره لم يقتل، بخلاف الجلد فإنه لا بد منه في كل مرة، وهو الذي اختاره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى»٧٨٤السلسلة الصحيحة: (3/384)..

ص 449

كما أن الشيخ بكر أبو زيد قد اختار جواز قتل مدمن الخمر إذا انهمك الناس في شربها ولم ينكفوا إلا بذلك وهذا مع قوله بأن حديث القتل في الرابعة منسوخ ورده على ابن القيم الاستدلال به حيث قال: «مما تقدم من سياق الخلاف وأدلته ومناقشتها نرى أن ابن القيم وابن حزم يتفقان في مناقشة الإجماع والنسخ من أدلة القائلين بالنسخ، لكن يختلفان في النتيجة، فابن حزم يقرر أن الحد بالقتل بعد الرابعة محكم غير منسوخ، وابن القيم يرى أنه تعزير لا حد، وإنني بعد التأمل والنظر أوافق ابن القيم في النتيجة وأخالفه في المأخذ، فالأحاديث بقتله حدًا منسوخة، والإجماع على نسخ الحد بالقتل لم ينخرم في عصره، والذي وقع فيه الإجماع على ترك الحد بالقتل للشارب في الرابعة، ولكن إذا أدمن الناس شربها، وانهمكوا فيها، وتهالكوا في شربها، ولم يكن الحد بالجلد زاجرًا لهم، فإن للإمام أن يعزر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد وردعًا للفساد، وذلك تطبيقًا لمبدأ سياسة الراعي للرعية سياسة شرعية، فيما ظهرت فيه المصلحة كما قرر ذلك أهل العلم في مدوناتهم وذكروا له الأمثلة والنظائر كما في قتل الداعية إلى البدع إذا افتتن به الناس ونحو ذلك»٧٨٥الحدود والتعزيرات: (319-320)..

ولا شك أن الإجماع على النسخ إذا ثبت وتقرر فلا اعتبار بقول أحد بعده، ولكن كما ذكر وكما هو مصرح به لدى ابن حزم وابن القيم والسيوطي وأحمد شاكر أن الإجماع غير مسلّم به عندهم أصلًا محتجين بأن عبد الله بن عمر وهو أحد رواة الأمر بالقتل كان يقول به، وقد صحح ابن القيم رحمه الله نسبة هذا القول إليه فقال: «وقيل: قتله تعزير بحسب المصلحة، فإذا كثر منه ولم ينهه الحد، واستهان به، فللإمام قتله تعزيرًا لا حدًا، وقد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله لكم، وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النبي ﷺ، وهم معاوية، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم»٧٨٦زاد المعاد: (5/43)..

كما أنه نسب هذا القول لبعض السلف فقال: «أما دعوى الإجماع على خلافه، فلا إجماع، قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله وهذا مذهب بعض السلف»٧٨٧تهذيب السنن: (6/238)..

ص 450

فإذا ثبت هذا عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم فلا يبقى وجه للتمسك بالإجماع المدعى خاصة وأن ابن القيم ذكر أن هذا مذهب لبعض السلف ولهذا قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله عقب نقله لقول ابن القيم السابق: «وهذا مذهب لبعض السلف» قال: «ويكفي هذا في نقض الإجماع، أو نفي ادعائه»٧٨٨المسند: (5/458)، صحيح أنه يدل على عدم انعقاد الإجماع على نسخ قتل شارب الخمر في الرابعة، ولكن القول بوجوب قتله هو المستبعد، لا سيما وأنه قد ثبت عن النبي ﷺ عدم قتل من تكرر منه شرب الخمر، وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم كما ثبت ذلك في حق أبي محجن حيث نقل أن عمر رضي الله عنه قد حده فيها أكثر من ست أو سبع مرات، فلو كان القتل متحتمًا لما وسعهم تركه بل إهدار حده كما نقلنا قصته كاملة عند الحديث عن إقامة الحدود في دار الحرب، ولهذا فإن ما يظهر -والله تعالى أعلم- أن أدنى الأقوال للجمع بين الأدلة القولية والفعلية هو أن قتله من باب التعزير، ومع ذلك فلتحقق المسألة أكثر.، ورأينا أيضًا أن الإمام ابن حزم رد على القائلين بانعقاد الإجماع بأن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، وعلى كل فإذا لم يثبت الإجماع فإن الأمر يعد هينًا، وأوسط الأقوال وأعدلها والذي يتم به الجمع بين الأدلة هو قول ابن القيم رحمه الله، فإن سلم هذا الترجيح كان أحد الأدلة على جواز التعزير بالقتل، ولكن تبقى مسألة قتل شارب الخمر في الرابعة في حاجة إلى تحقيق وتنقيح وتتبع حتى يكون الترجيح لأي من الأقوال قويًا والله أعلم.

وقال الدكتور محمد سعد الغامدي: «وفي هذه المسألة -مسألة متى تكرر منه شرب الخمر أربع مرات فأكثر- يجد الباحث أحاديث صحيحة، مفادها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وهذه الأحاديث وردت في السنن من طرق متعددة بأسانيد قوية كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، كما يجد أحاديث أخرى عن رسول الله ﷺ، وآثارًا عن الصحابة تدل على أنهم لم يقتلوا من تكرر منه شرب الخمر، وذلك يجعلني أميل إلى قول من قال: إن قتل شارب الخمر في المرة الرابعة من باب التعزير فللإمام أن يفعله إذا رأى المصلحة في ذلك، وله أن يكتفي بما دونه من العقاب حسب مقتضيات المصلحة ما يتحقق به الردع والزجر، وبذلك يجمع بين الأدلة الواردة في هذه المسألة، والجمع بينها أولى من إعمال البعض وإهمال البعض الآخر»٧٨٩عقوبة الإعدام: (653)..

ص 451

وقد اختار الإمام ابن حبان رحمه الله أن القتل في الرابعة إنما يكون لمن استحل شرب الخمر، وعلى هذا فهو يذهب إلى عدم النسخ، ولكن يجعلها في المرتد باستحلالها فقد قال بعد روايته الحديث: «العلة المعلومة في هذا الخبر يشبه أن تكون: فإن عاد على أن لا يقبل تحريم الله فاقتلوه»٧٩٠صحيح ابن حبان: (10/295)..

ومما استدل به الإمام ابن القيم رحمه الله على جواز أن يبلغ بالتعزير القتل ما رواه أحمد، ومسلم، والحاكم عن أنس رضي الله عنه: (أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي فإذا هو في ركيٍّ يتبرد فيه، فقال له علي: اخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ماله ذكر)٧٩١[رواه أحمد: (١٣٩٨٩)، ومسلم: (٢٧٧١) واللفظ له، والحاكم: (6903)]..

ولأهل العلم في هذا الحديث توجيهات متعددة ذكر بعضها ابن القيم، ثم قرر أن أمر النبي ﷺ عليًا بقتل ذلك الرجل كان على سبيل التعزير، فقال بعد أن ذكر بعض توجيهات العلماء: «وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي ﷺ أمر عليًا رضي الله عنه بقتله تعزيرًا، لإقدامه على خلوته بأم ولده، فلما تبين لعلي حقيقة الحال، وأنه بريء من الريبة، كف عن قتله، واستغنى عن القتل بتبيين الحال، والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد، بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجودًا وعدمًا»٧٩٢زاد المعاد: (5/15)..

وقال أيضًا وهو يعدد بعض العقوبات التعزيرية: «وأمر ﷺ بقتل الذي كان يتهم بأم ولده فلما تبين أنه خصي تركه»٧٩٣الطرق الحكمية: (1/20).، ولم أعثر -فيما بحثت واطلعت- على أحد سبق الإمام ابن القيم في جعل أمر النبي ﷺ بالقتل للرجل على سبيل التعزير.

ص 452

كما أنني لم أر من تابعه على هذا القول ما خلا الشيخ بكر أبو زيد من المعاصرين حيث قال: «والذي يظهر لي والله أعلم هو المسلك الثالث الذي ذكره ابن القيم واستحسنه من أن الأمر بقتله كان تعزيرًا، لأن الأمر مجرد تهمة لكنها في جانب حرم النبي ﷺ، أما لو كان ثمة بينة أو اعتراف لكان الأمر بقتله حدًا لازمًا»٧٩٤الحدود والتعزيرات: (492)..

بل حتى شيخ الإسلام رحمه الله قد جعل أصل أمر النبي ﷺ بالقتل على سبيل الحتم والإلزام، لما في فعل الرجل من انتهاك لحرم النبوة، أو أنه بعث عليًا رضي الله عنه ليتحرى صحة ما يقال من مواقعة الرجل لأم ولد النبي ﷺ، فقال رحمه الله بعد أن ذكر الحديث السابق: «فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنى؛ لأن حد الزنى ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنًا رجم، وإن كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء، أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنًا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته، ولعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رأياه يباشر هذه المرأة، أو شهدا بنحو ذلك فأمر بقتله، فلما تبيّن أنه كان مجبوبًا علم أن المفسدة مأمونة منه، أو أنه بعث عليًا ليستبرئ القصة، فإن كان ما بلغه عنه حقًا قتله، ولهذا قال في هذه القصة أو غيرها: أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب»٧٩٥الصارم المسلول: (2/122)..

فليس في كلام شيخ الإسلام رحمه الله ما يدل على أن إرادة قتله كانت على سبيل التعزير، هذا ويبعد ما ذكره من احتمال أن يكون قد شهد عند النبي ﷺ شاهدان برؤية الرجل يباشر المرأة أو شهدا بنحو ذلك، وذلك لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ قد أقام على هذين الشاهدين حد القذف بعد أن ظهرت براءة الرجل والمرأة - كما حصل في حادثة الإفك-، والذي ألجأ شيخ الإسلام رحمه الله إلى ذلك هو دفع الإشكال الوارد على أمر النبي ﷺ قتل الرجل دون أن تثبت عليه التهمة، ولهذا أردف الاحتمال الأول باحتمال أن يكون أمره لعلي إنما كان للتثبت أولًا، فإن ثبت ما يقال عن الرجل؛ قتله آنذاك.

ص 453

وتكملة للفائدة -وإن لم يكن ذلك من صلب موضوعنا- نرى أن ننقل كلامًا للإمام ابن حزم يتعلق بهذه القصة مجيبًا فيه على هذه الإشكالات وغيرها، قال رحمه الله بعد أن روى الحديث المذكور: «هذا الخبر صحيح، وفيه من آذى النبي ﷺ وجب قتله، وإن كان لو فعل ذلك برجل من المسلمين لم يجب بذلك قتله، فإن قال قائل: كيف يأمر رسول الله ﷺ بقتله دون أن يتحقق عنده ذلك الأمر، لا بوحي، ولا بعلم صحيح، ولا ببيّنة، ولا بإقرار؟ وكيف يأمر عليه السلام بقتله في قصة بظن قد ظهر كذبه بعد ذلك وبطلانه؟ وكيف يأمر عليه السلام٧٩٦[هنا سقطت لفظة «بقتل» وهي مثبتة في كلام ابن حزم]. امرئ قد أظهر الله تعالى براءته بعد ذلك بيقين لا شك فيه، وكيف يأمر عليه السلام بقتله ولا يأمر بقتلها والأمر بينه وبينها مشترك؟

قال أبو محمد رحمه الله: الوجه في هذه السؤالات بيّن واضح لا خفاء به والحمد لله رب العالمين، ومعاذ الله أن يأمر رسول الله ﷺ بقتل أحد بظن بغير إقرار، أو بينة، أو علم مشاهدة، أو وحي، أو أن يأمر بقتله دونها، لكن رسول الله ﷺ قد علم يقينًا أنه بريء، وأن القول كذب، فأراد عليه السلام أن يوقف على ذلك مشاهدة، فأمر بقتله لو فعل ذلك الذي قيل عنه، فكان هذا حكمًا صحيحًا فيمن آذى رسول الله ﷺ، وقد علم عليه السلام أن القتل لا ينفذ عليه لما يظهر الله تعالى من براءته، كان عليه السلام في ذلك، كما أخبر به عن أخيه سليمان عليه السلام.

ثم ساق سنده إلى النبي ﷺ حيث قال: مثلي ومثل الناس فذكر كلامًا، وفيه أنه عليه السلام قال: وكانت امرأتان معهما أبناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان عليه السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى.. قال أبو محمد رحمه الله: فبيقين ندري أن سليمان عليه السلام لم يرد قط شق الصبي بينهما، وإنما الأمر، أراد امتحانهما بذلك، وبالوحي فعل هذا بلا شك، وكان حكم داود عليه السلام للكبرى على ظاهر لأنه كان في يدها، وكذلك رسول الله ﷺ ما أراد قط إنفاذ قتل ذلك المجبوب، لكن أراد امتحان علي في إنفاذ أمره، وأراد إظهار براءة المتهم وكذب التهمة عيانًا»٧٩٧المحلى: (13/238)..

ص 454

وهذا من أحسن ما أجيب به عن التساؤلات والإشكالات الواردة على القصة، وبها يظهر أن ما ذهب إليه الإمام ابن القيم رحمه الله فيه بعد، لأن القتل تعزيرًا وإن لم يكن متعينًا ولكن لا بد من جناية أو معصية ترتكب حتى يقتل لأجلها مقترفها، وهي هنا منعدمة في نفس الأمر، وقرائن الحال المحتفة بالرجل الظاهر أنها لا تكفي لإقامة مثل هذه العقوبة «القتل» عليه، لا سيما وإمكانية التحقق والتثبت قائمة كما جرى في حادثة الإفك مما هو مشهور ومعلوم، فلما كان الأمر كذلك لم يبق إلا احتمال أن الله ﷻ قد أعلم النبي ﷺ براءة الرجل وأم ولده مارية مما ينسب إليهما، وإنما أمر عليًا رضي الله عنه بقتله -وهو يعلم أنه لن يقتله لما سيتبين له من البراءة- لأجل أن يبيّن للناس براءتهما بطريقة لا يبقى معها شك لأحد، ويؤيد هذا ما جاء في الطبراني٧٩٨[145]. بسند ضعيف في قصة طويلة بين النبي ﷺ وعمر تتعلق بمارية والرجل المذكور.

والشاهد منها قول النبي ﷺ: (ألا أخبرك يا عمر أن جبريل أتاني فأخبرني أن الله قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني أن في بطنها غلامًا مني، وأنه أشبه الناس بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم، وكناني بأبي إبراهيم، ولولا أني أكره أن أحوِّل كنيتي التي عُرفت بها لتكنيت بأبي إبراهيم كما كناني جبريل عليه السلام) والله تعالى أعلم.

الراجح في التعزير بالقتل:

ص 455

هذه هي خلاصة أقوال وأدلة من ذهب إلى جواز التعزير بالقتل، وكما رأينا فإن مذاهب الفقهاء بين موسع ومضيق في الأمر، وإن كانت أغلب المواطن التي ذكروها محدودة كقتل الداعية إلى البدع، والجاسوس المسلم، وبالتأمل فإن بعض تلك المواضع التي نصوا على جواز القتل فيها مع عدم ورود دليل خصوصي على بعضها، إنما كان لعموم وعظم المفسدة المترتبة على عدم القتل، وسواء كانت تلك المفسدة متعلقة بنفوس الناس ودمائهم وأموالهم وما يتعلق بحياتهم واستقرارهم كما في قتل الجاسوس المسلم الذي ينقل أخبار المسلمين للعدو، أو كانت المفسدة مرتبطة بإفساد دين الناس وعقائدهم كما في قتل الداعية للبدع، وهذا هو سبب التفرقة بين المبتدع الداعي وغيره، فإن ضرر الأول متعد إلى غيره بخلاف الثاني.

وهذه تكاد تكون قاعدة مطردة تعم كل المواضع التي شرعت فيها عقوبة القتل حدًا أو قصاصًا أو تعزيرًا، كما في قتل المحاربين الذين ورد فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]، ولهذا جاءت هذه الآية عقب ذكر قصة ابني آدم وبالخصوص بعد قوله تعالى: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ﴾ [المائدة: 32]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]؛ لأن ضد الحياة هو الموت، فإذا ترك القصاص، عمت الفتنة الناس، وكثر الهرج، وعظمت الإحن، وانتشرت الثارات، وذهبت نفوس بريئة، مما يبين عظم المفسدة وعموم المضرة التي ستكون لو لم يشرع القصاص من الجاني.

ومن هذا الباب قول النبي ﷺ: (إذا بويع خليفتان، فاقتلوا الآخر منهما)٧٩٩رواه أحمد [(٧٩٤7)، بلفظ: (فوا ببيعة الأول فالأول)] ومسلم [(١٨٥٣)، بلفظ (لِخليفتين) بدل (خليفتان)] عن أبي سعيد.، وعن عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان)٨٠٠رواه أحمد [١٩٠٠٠] ومسلم [١٨٥٢] وأبو داود [(٤٧٦٢) بلفظ قريب] وغيرهم، وفي لفظ عند ابن حبان [١٤٢٠] والنسائي [٣٤٦٩] عنه: (سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق بين أمة محمد وأمرهم جميع فاقتلوه كائنًا من كان، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض).، فلا شك أن هذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على دفع المفسدة العظمى وهي تفرق المسلمين وتشرذمهم وتشتت كلمتهم بسبب الخلاف الذي سينشأ من منازعة الخليفة الثاني للأول، ودرءًا لهذه المفسدة وسدًا لبابها أمر النبي ﷺ بقتل الثاني -ما دام الناس مجتمعين على خليفة قبله- وأكد هذا الأمر بقوله: كائنًا من كان، وذلك دفعًا لما قد يخالط النفوس من التردد أو «الورع البارد» الذي ينشأ بسبب كون الثاني أتقى وأولى من الأول.

ص 456

قال شيخ الإسلام رحمه الله بعد كلام له: «وكما أمر النبي ﷺ بقتل المفرق بين المسلمين، ومنه الذي يكذب بلسانه أو بخطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة علماؤها وأمراؤها، فتحصل أنواع من الفساد كثيرة، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز أن لا يندفع قُتِل أيضًا، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [المائدة: 32]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33]، وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله؛ لكن قد بقي فساد دون ذلك فهو محل نظر»٨٠١الفتاوى الكبرى: (1/230)..

وما دام هذا المعنى العام -وهو مشروعية القتل دفعًا للمفسدة العامة الشاملة الكبرى والمحققة- قد تواطأت عليه الأدلة، وسلكه الفقهاء في مواطن متعددة يظهر فيها جليًا ملاحظة هذا الأمر واعتباره، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل بشرطين مهمين:

الأول: أن تكون الجناية أو المعصية التي سيعاقب عليها بالقتل يظهر عموم فسادها وشمول ضررها على حياة عموم الناس أو على دينهم، بحيث لا تتعلق بجزئيات فرعية مغمورة لا تزيد أو تساوي مفسدتها مفسدة سفك دم امرئ مسلم، والذي ورد الوعيد الشديد والمغلظ في حق من قتله بغير حق، ولو لم يكن فيه إلا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 93]، لكفى، فكيف وقد ورد فيه من الأحاديث الزاجرة والمرهبة الكثير الكثير؟! وعليه فإن هذا يستدعي دراسة عميقة ومتأنية، ويوجب تجردًا حقيقيًا وعلـمًا، ويتطلب مقارنة للجناية أو المعصية التي يراد أن يعاقب عليها بالقتل من حيث شدة مفسدتها وشمول ضررها، ولا بد من مقارنة دقيقة واجتهاد واع بين تلك المفسدة الناشئة عن الجناية أو المعصية من جهة وبين قتل مرتكبها من جهة أخرى.

ص 457

الثاني: أن القتل لا يلجأ إليه إلا حيث لم يُجْـدِ غيرُهُ من العقوبات، أو مع العلم بأن غيره لا يكف شر الجاني ولا يقطع مفسدته، وهذه قاعدة عامة في العقوبات التعزيرية سنشير إليها فيما بعد إن شاء الله، وهي وجوب الالتزام بالتدرج في اختيار العقوبات، فلا يرتقى إلى واحدة أشد إلا حيث يُعلم أن ما دونها لا يؤدي الغرض، وعند الانضباط بهذه القاعدة والتقيد بها تقيدًا حقيقيًا، وتطبيقها تطبيقًا صحيحًا عمليًا، فإن عقوبة القتل تعزيرًا تكاد تكون في أغلب أحيانها من باب دفع الصائل الذي لا يندفع فساده إلا بالقتل، فإن آخر العلاج الكي، فمن عظمت جنايته، وتعدت مفسدته، وتأصل شره، وتحقق ضرره، ولم يجد فيه وعظ، ولا هجر، ولا تبكيت، ولا ضرب، ولا نفي، ولا حبس ولا غيرها من العقوبات التعزيرية مع بقاء ضرره وإصراره على بغيه فلا تردد في جواز قتله في مثل هذه الحالة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والتعزير على الشيء دليل على تحريمه، ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري، وقتل هؤلاء له مأخذان:

أحدهما: كون ذلك كفرًا كقتل المرتد، أو جحودًا أو تغليظًا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد.

والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه وهجره، ولهذا ترك في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل عمرو ابن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ، كما قتل النبي ﷺ الذي كذب عليه في حياته، وهو حـديث جيد لما فيه من تغيير سنته»٨٠٢الفتاوى الكبرى: (1/230)..

ص 458

وقال أيضًا: «وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، قيل ويمكن أن يخرج شارب الخمر في الرابعة على هذا، ويقتل الجاسوس الذي يكرر التجسس وقد ذكر شيئًا من هذا الحنفية والمالكية، وإليه يرجع قول ابن عقيل وهو أصل عظيم في صلاح الناس»٨٠٣الفتاوى الكبرى: (1/229)..

وممن ذهب إلى جواز التعزير بالقتل من المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد كما نقلنا عنه جواز قتل من تكرر منه شرب الخمر مع انهماك الناس في شربها وقد صرح بترجيحه لمشروعية هذه العقوبة مطلقًا بقوله: «يظهر من مباحث القتل تعزيرًا على سبيل الإجمال والتفصيل، أن القتل تعزيرًا مشروع عند عامة الفقهاء على التوسع عند البعض والتضييق عند آخرين في قضايا معينة، وأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع، وحماية مصالح الأمة، وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها: هو القول بجواز القتل تعزيرًا حسب المصلحة وعلى قدر الجريمة إذا لم يندفع الفساد إلا به على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى»٨٠٤الحدود والتعزيرات: (493)..

ص 459

وكذلك الدكتور عبد العزيز عامر حيث قال: «وإني أقول بجواز القتل تعزيرًا»٨٠٥التعزير: (269).، ومن ذلك ما جاء عن مجلس هيئة كبار العلماء بالسعودية في شأن قتل مهربي المخدرات، وتعزير مروجيها من تجويز بلوغ عقوبتهم بالقتل تعزيرًا إذا لم ينكفوا بما هو دونها، وإتمام للفائدة ننقل ما جاء في نص الفتوى: «وقد درس المجلس الموضوع، وناقشه من جميع جوانبه في أكثر من جلسة، وبعد المناقشة والتداول في الرأي، واستعراض نتائج انتشار هذا الوباء الخبيث القتّال، تهريبًا، واتجارًا، وترويجًا، واستعمالًا، المتمثلة في الآثار السيئة في نفوس متعاطيها، وحملها إياهم على ارتكاب جرائم الفتك وحوادث السيارات، والجري وراء أوهام تؤدي إلى ذلك، وما تسببه من إيجاد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان، وطبيعتهم الشراسة وانتهاك الحرمات، وتجاوز الأنظمة، وإشاعة الفوضى لما تؤدي إليه بمتعاطيها من حالة من المرح والتهيج واعتقاد أنه قادر على كل شيء، فضلًا عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أن لها آثارًا ضارة بالصحة العامة وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون، نسأل الله العافية والسلامة، لهذا كله فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:

أولًا: بالنسبة للمهرب للمخدرات فإن عقوبته القتل، لما يسببه تهريب المخدرات على الأمة بمجموعها، ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج فيموّن بها المروجين.

ثانيًا: أما بالنسبة لمروج المخدرات...، الثاني: من يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعًا وشراء، أو إهداء، ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس، أو الجلد، أو الغرامة المالية، أو بها جميعًا، حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل، لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن القتل ضرب من التعزير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في الدين.. إلى أن قال: وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمّد الكذب عليه»، وسأله ابن الديلمي عن من لم ينته عن شرب الخمر فقال: (من لم ينته فاقتلوه)، وفي موضع آخر قال رحمه الله في تعليل القتل تعزيرًا ما نصه: «وهذا لأن المفسد كالصائل، وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل»»٨٠٦فتاوى إسلامية: (3/379)..

والفتوى قد تضمنت أمرين:

ص 460

الأول: التنصيص على عقوبة محددة ثابتة وهي القتل بحيث تشمل كل من ثبت عليه تهريب المخدرات أو استيرادها أو استقبالها، وهذا -فيما يظهر- نوع من تقنين العقوبات التعزيرية، ولهذا لم يذكروا في هذا الموضع أن ينظر في كل حالة بعينها، وإنما جعلوا إقامة عقوبة القتل متوقفة فقط على ثبوت كون الشخص مهربًا، أو مستوردًا، أو متلقيًا لها، وقد بيّنا من قبل أن الذي يترجح -والله أعلم- هو عدم جواز تقنين العقوبات التعزيرية، ولكن يفوض أمرها -نوعًا وقدرًا وصفة- إلى الإمام أو القاضي بحيث ينظر في كل قضية بعينها، ويعتبر ما يحيط بها من أمور قد تشدد العقوبة وقد تخففها، وقد تسقطها تمامًا، ثم على ضوء ذلك يختار العقوبة الرادعة، ولو جوّزوا إيصال عقوبة هؤلاء إلى القتل، مع ترك الأمر مفوضًا في اختيار العقوبة الأنسب كما هو في الفقرة الثانية لكان أولى والله تعالى أعلم.

الثاني: تنصيصهم على جواز أخذ غرامة مالية وهو ما يعني أنهم يذهبون إلى القول بجواز العقوبات المالية أخذًا والله تعالى أعلم.

ص 461
ثالثًا التعزير بالضرب:

وجهة الخلاف في التعزير بالضرب ليست هي نفسها في التعزير بالعقوبات المالية والتعزير بالقتل، إذ العلماء متفقون على أصل مشروعية التعزير به، والأدلة الشرعية جلية الدلالة على ذلك، ولكن وقع الاختلاف بينهم في مقدراه، وموضع الخلاف أيضًا هو في أقصى ما يمكن أن يوصل إليه من الضرب، وليس في أدناه، وإن ألمح بعضهم إلى وجود خلاف في ذلك، ولكن هذا لا يعول عليه لقلة فائدته، إذ يجوز عدم العقوبة به أصلًا، والعفو عن المذنب حيث كانت المصلحة في ذلك، فما فائدة تحديد أقله إذن، ونشرع الآن في نقل أقوالهم وأدلتهم ومن ثم نبين ما يترجح منها إن شاء الله:

أولًا: مذهب الأحناف

اتفق علماء الأحناف فيما حكاه بعضهم على أن الضرب في التعزير لا يتجاوز به الحدود الشرعية المقدرة معتمدين في ذلك على حديث اشتهر بين الفقهاء وهو ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين)٨٠٧رواه أبو نعيم في: حلية الأولياء: (7/266) قال: «حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ومحمد بن إسحاق بن أيوب في جماعة قالوا: ثنا عبدالله بن ناجية، ثنا محمد بن حصين الأصبحي، ثنا عمر بن علي المقدمي، ثنا مسعر عن خاله الوليد بن عثمان، عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: (من ضرب حدًا في غير حد فهو من المعتدين)، وقال: تفرد به عمر بن علي عن مسعر»، ورواه البيهقي في: السنن الكبرى [١٧٥٨٤]: (8/327)، وقال: المحفوظ أن هذا الحديث مرسل، وقال الزيلعي في: نصب الراية (3/354): ورواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار مرسلًا، وعزاه ابن قدامة في: المغني: (9/149) للشالنجي، وقد ضعف العلامة الألباني رحمه الله الحديث في ضعيف الجامع: (5503)، وفي السلسلة الضعيفة: (4578)..

ولكن اختلفوا بعد ذلك في الحد المقصود في هذا الحديث والذي نهى الشارع أن يُتجاوز، فذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن إلى أن أكثر التعزير هو تسعة وثلاثون، فحملا الحد المذكور في الحديث على أقل الحدود مطلقًا وهو حد العبد في القذف، لأنه على النصف من حد الحر، فلهذا نقصا منه سوطًا واحدًا، وأما الإمام أبو يوسف فقد وردت عنه عدة روايات في ذلك وهي:

ص 462

* أن أكثر التعزير تسعة وسبعون سوطًا، فهو على هذا حمل «الحد» الوارد في الحديث على أقل حدود الأحرار وهي القذف فنقص منه سوطًا.

* أن أكثر التعزير خمسة وسبعون سوطًا، ومستنده في ذلك -كما يذكر علماء الأحناف- تقليده لعليٍّ رضي الله عنه، فقد ذكروا أنه أوصل التعزير إلى هذا القدر، وقالوا إن ما فعله الصحابي مما ليس مستنده الرأي يعتبر توقيفيًا وهذا عندهم منه، وهو قول ابن أبي ليلى.

* أن قدره يختلف بحسب عظم الذنب وصغره، وظاهره أنه ليس محددًا بقدر، ولا يقف عند قدر معين، لأننا إذا حملنا هذا القول على أن له حدًا أعلى يتوقف عنده ولا يتعده ثم جَعْل ما دونه حسب حال الجرم، فلا يعد هذا قولًا جديدًا، ولا فائدة في عده قولًا آخر مستقلًا أصلًا؛ لأن هذا متفق عليه عمومًا، وإذا حمل على جعله ليس محددًا بقدر، فهذا يخالف ما ذكره بعضهم من أن الأحناف متفقون على عدم تجاوز الحدود كما ذكرناه أولًا.

* أن يدني كل نوع من الذنوب بما شرع الحد في جنسه، فاللمس والتقبيل والمباشرة تقرب من الزنى وإن تجاوز به حد القذف، والسب والشتم واللعن يدنيه من القذف، وهكذا.

* وروي عنه أيضًا أن أكثر التعزير في العبد تسعة وثلاثون، وفي حق الحر تسعة وسبعون، فنظر إلى حال كل جان من كونه حرًا أو عبدًا.

فهذه هي الأقوال المروية عن أبي يوسف في أكثر التعزير، وقد وافقه زفر في الرواية الأولى منها، فذهب إلى أن أقصاه هو تسعة وسبعون سوطًا.

قال الكاساني رحمه الله: «ويبلغ أقصى غاياته وذلك تسعة وثلاثون في قول أبي حنيفة عليه الرحمة، وعند أبي يوسف خمسة وسبعون، وفي رواية النوادر عنه تسعة وسبعون، وقول محمد عليه الرحمة مضطرب، ذكره الفقيه أبو الليث رحمه الله، والحاصل أنه لا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم أنه لا يبلغ التعزير الحد، لما روي عنه ﷺ أنه قال: (من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين)٨٠٨[تقدم في (461)]..

ص 463

إلا أن أبا يوسف رحمه الله صرف الحد المذكور في الحديث على الأحرار، وزعم أنه الحد الكامل لا حد المماليك، لأن ذلك بعض الحد وليس بحد كامل، ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل في كل باب، ولأن الأحرار هم المقصودون في الخطاب، وغيرهم ملحق بهم فيه، ثم قال في رواية: ينقص منها سوط وهو الأقيس؛ لأن ترك التبليغ يحصل به، وفي رواية قال ينتقص منها خمسة، وروي ذلك أثرًا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: «يعزر خمسة وسبعين».

قال أبو يوسف رحمه الله: فقلدته في نقصان الخمسة واعتبرت عنه أدنى الحدود، وروي عنه أنه قال: أخذت كل فرع من بابه، وأخذت التعزير في اللمس والقبلة من حد الزنا، والقذف بغير الزنا من حد القذف، ليكون إلحاق كل نوع ببابه، وأبو حنيفة صرفه إلى حد المماليك، وهو أربعون، لأنه ذكر حدًا مُنكّرًا، فيتناول حدًا ما، وأربعون حد كامل في المماليك، فينصرف إليه، ولأن في الحمل على هذا الحد أخذًا بالثقة والاحتياط، لأن اسم الحد يقع على النوعين، فلو حملناه على ما قاله أبو حنيفة يقع الأمن عن وعيد التبليغ، لأنه لا يبلغ، ولو حملناه على ما قاله أبو يوسف لا يقع الأمن عنه، لاحتمال أنه أراد به حد المماليك، فيصير مبلغًا غير الحد، فيلحقه الوعيد فكان الاحتياط فيما قاله أبو حنيفة رحمه الله»٨٠٩بدائع الصنائع: (7/64)..

ص 464

وقال ابن عابدين رحمه الله: «قوله: «أكثره تسعة وثلاثون سوطًا»، لحديث: (من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين)٨١٠[تقدم في (461)].، وحد الرقيق أربعون، فنقص عنه سوطًا، وأبو يوسف اعتبر أقل حدود الأحرار؛ لأن الأصل الحرية، فنقص سوطًا في رواية عنه، وظاهر الرواية عنه تنقيص خمسة، كما روي عن علي، ويجب تقليد الصحابي فيما لا يدرك بالرأي، لكنه غريب عن علي.. قال أبو يوسف: أكثره في العبد تسعة وثلاثون سوطًا، وفي الحر خمسة وسبعون سوطًا.. وعن أبي يوسف أنه يقرب كل جنس إلى جنسه، فقرب اللمس والقبلة من حد الزنا، وقذف غير المحصن أو المحصن بغير الزنا من حد القذف صرفًا لكل نوع إلى نوعه، وعنه أنه يعتبر على قدر عظم الجرم وصغره»٨١١حاشية ابن عابدين: (4/60)..

وقد ذكر الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله أن الإمامين أبا يوسف ومحمد بن الحسن ممن لا يحد التعزير بحد، بل يجعلانه راجعًا إلى اجتهاد الإمام وما يراه من حال الجاني، ونسب هذا القول أيضًا إلى الطحاوي من أئمة الحنفية، فقال: «ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع وأليق بالجاني وإن زاد على أقصى الحدود وهو مشهور مذهب مالك، وأبي يوسف وأبي ثور والطحاوي ومحمد بن الحسن وقال: وإن بلغ ألفًا، وقد روي عنه مثل قول أبي حنيفة»٨١٢المفهم: (5/139)..

كما ذكر هذا عنهم الإمام النووي فقال: «قال مالك وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، والطحاوي: لا ضبط لعدد الضربات، بل ذلك إلى رأي الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود»٨١٣النووي على مسلم: (11/221)..

هذا ونشير إلى أن المشهور والمعتمد في كتب متون الحنفية وشروحها هو قول أبي حنيفة بجعل أكثر الحدود تسعة وثلاثين سوطًا، كما أنه إذا صح ما نسبه أبو العباس القرطبي والنووي لأبي يوسف ومحمد والطحاوي من تجويز تجاوز الحدود فلا يصح عندها حكاية اتفاق علماء الأحناف حول عدم الزيادة على الحدود، وكما رأينا أن هذا القول عزاه أيضًا ابن عابدين إلى أبي يوسف.

ثانيًا: مذهب المالكية

ذهب المالكية إلى أن التعزير بالضرب لا يقدر بقدر ولا يقف عند حد، بل ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، بحسب الجريمة والجاني وأحوال الناس وما يقتضيه من الردع والزجر قال القرافي رحمه الله وهو يعدد الفوارق بين الحدود والتعازير: «أحدها أنها غير مقدرة واختلفوا في تحديد أكثره، واتفقوا على عدم تحديد أقله، فعندنا هو غير محدد بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه»٨١٤الفروق: (4/419)..

ص 465

وقال الشيخ محمد علي بن حسين المالكي في حاشيته على الفروق: «وفي تبصرة ابن فرحون: قال المازري في بعض الفتاوى وأما تحديد العقوبة فلا سبيل إليه عند أحد من أهل المذهب، وقال في المعلم ومذهب مالك رحمه الله تعالى أنه يجيز في العقوبات فوق الحد، وقال فيه أيضًا: ومشهور المذهب أنه يزاد على الحدود، وقد أمر مالك بضرب رجل وجد مع صبي قد جرده وضمه إلى صدره فضربه أربع مئة فانتفخ ومات، ولم يستعظم مالك ذلك»٨١٥تهذيب الفروق مطبوع مع الفروق: (4/319)..

وقد ذكر الإمام أبو العباس القرطبي بعض الأقوال الأخرى في المذهب وأشار إلى أن المشهور فيه هو ما ذكرناه، فمما ذكره في ذلك: «وروي عن مالك خمسة وسبعين سوطًا» وعن أشهب في بعض أقواله أنه لا يتجاوز به عشرة أسواط، وقال: «ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع وأليق بالجاني، وإن زاد على أقصى الحدود وهو مشهور مذهب مالك»٨١٦المفهم: (5/139)..

ثالثًا: مذهب الشافعية

للشافعية في مذهبهم عدة أقوال في مقدار التعزير إن اختار الإمام التعزير بالضرب وهي على الإجمال:

* لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٨١٧[تقدم في (268)]. متفق عليه عن أبي بردة، واختار هذا القول الأذرعي والبلقيني.

* أن تعتبر كل عقوبة معصية بما شرع في جنسها من الحدود، ففي مقدمات الزنى والوطء المحرم من سواه يعاقب عليه بما دون حد الزنى، وفي السب بغير القذف يجلد أقل من حد القذف وهكذا، والمعتبر في الحر حده، وفي العبد حده.

* أن ينقص في تعزير العبد عن عشرين جلدة، وفي تعزير الحر عن أربعين جلدة.

ص 466

* أن النقص عن العشرين يكون للحر كما يكون للعبد سواء، لأن العشرين أقل الحدود في حق العبد فهو داخل فيما يروى عن النبي ﷺ: (من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين)٨١٨[تقدم في (461)]. رواه البيهقي وقد تقدم.

* أن المعتبر في أقل الحدود حد الحر، فيبلغ بالحر والعبد تسعة وثلاثين سوطًا.

فهذه هي أقوال علماء الشافعية، وقد ذكر معظمها الإمام النووي فقال: «وأما قدر التعزير فإن كان من غير جنس الحد كالحبس تعلق باجتهاد الإمام، وإن رأى الجلد فيجب أن ينقص عن الحد وفي ضبطه أوجه.

أحدها: أنه يفرق بين المعاصي، وتقاس كل معصية بما يناسبها من الجناية الموجبة للحد، فيعزر في الوطء المحرم الذي لا يوجب حدًا، وفي مقدمات الزنى، وفي الإيذاء والسب بغير قذف دون حد القذف، وفي إدارة كأس الماء على الشرب تشبيها بشاربي الخمر دون حد الخمر، وفي مقدمات السرقة دون حد السرقة، وعلى هذا فتعزير الحر يعتبر بحده، والعبد بحده.

الوجه الثاني: أن جميع المعاصي سواء، ولا يزاد تعزير على عشر جلدات، للحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد)٨١٩[تقدم في (268)]..

والثالث: وهو الأصح عند الجمهور وظاهر النص أنه تجوز الزيادة على عشرة، بحيث ينقص عن أدنى حدود المعزر، فلا يزاد تعزير حر على تسع وثلاثين جلدة، ولا العبد على تسع عشرة.

والرابع: يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يزاد حر ولا عبد على تسع عشرة.

والخامس: حكاه البغوي الاعتبار بحد الحر فيبلغ بالحر والعبد تسعًا وثلاثين»٨٢٠روضة الطالبين: (10/174)..

رابعًا: مذهب الحنابلة

ص 467

بالنسبة لمذهب الحنابلة في أكثر التعزير يمكن تقسيمه إلى قسمين:

قسم تكون فيه العقوبة ثابتة ومحددة وملزمة أيضًا بحيث لا يجوز للحاكم أو القاضي اختيار غيرها من العقوبات التعزيرية كالحبس أو النفي وما شابهها، كما يجب عليه أن يصل بالضرب إلى قدر محدد وليس له أن ينزل عنه ولا أن يزيد عليه، والعقوبة بهذه الصفة تكاد تكون مطابقة للحد وهذا القسم في موضعين:

الموضع الأول: من وطء جارية امرأته التي أحلتها له، فإنه يجلد مئة لا يزاد عليها ولا ينقص منها لورود النص في ذلك، فعن النعمان بن بشير أنه رفع إليه رجل غشي جارية امرأته فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ: (إن كانت أحلتها لك جلدتك مئة، وإن كانت لم تحلها لك رجمتك) رواه الخمسة٨٢١[مصنف عبد الرزاق: (١٤٣٧9)، ومصنف ابن أبي شيبة: (28526)، وسنن سعيد بن منصور: (2034)]..

الموضع الثاني: في الذي يطأ جارية مشتركة بينه وبين آخر فإنه يجلد مئة إلا سوطًا، والإمام أحمد تبع سعيد بن المسيب في هذا، فقد روى عبد الرزاق قال: سئل ابن المسيب ورجلان معه من فقهاء المدينة عن رجل وطئ جارية له فيها شرك فقالوا: يجلد مئة إلا سوطًا، وتقوّم عليه هي وولدها، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور٨٢٢[أبو داود: (4458)، والنسائي: (5736)، والترمذي: (1451)، وابن ماجه: (2551)، وأحمد: (18444) وضعفه الألباني والأرنؤوط].، قال الزركشي رحمه الله: «إذا تقرر هذا فلا تقدير في أقل التعزير، بل هو على قدر ما يراه الإمام، إلا في وطء جارية زوجته التي أحلتها له فإنه لا ينقص عن مئة، بل ولا يزاد عليها للنص»٨٢٣شرح الزركشي على مختصر الخرقي: (6/404).، وقال أيضًا: «ونقل جماعة عن أحمد في الرجل يطأ جارية بينه وبين شريكه: يجلد مئة إلا سوطًا، قال: كذا قال سعيد بن المسيب، قال الراوي: وذهب إلى حديث عمر رضي الله عنه ونص أيضًا فيما إذا وطئ جارية زوجته وقد أحلتها له أنه يجلد مئة»٨٢٤شرح الزركشي على مختصر الخرقي: (6/405)..

ص 468

وأما القسم الثاني:

مما يتعلق بمقدار أكثر الضرب في التعزير، فقد جاءت فيه أقوال متعددة في المذهب نذكرها إجمالًا:

* أنه لا يزاد فيه على عشرة أسواط، إلا في الموضعين السابقين، وذلك للحديث الثابت: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٨٢٥[تقدم في (268)].، متفق عليه وقد تقدم مرارًا.

* لا يبلغ بالضرب الحد، وهو ما نص عليه الخرقي في مختصره، ثم اختلف في الحد المقصود والذي لا يجوز أن يبلغه الضرب، فتارة فُسر بأنه أدنى حد مشروع وهو أربعون على اعتبار أن حد الخمر ثمانون جلدة، فيكون حد العبد فيها أربعين، فعلى هذا التفسير يجوز أن يبلغ به تسعة وثلاثين سوطًا ولا يتجاوزها.

أما إذا قيل إن حد الخمر بالنسبة للعبد هو عشرون فيكون أقصى التعزير -على هذا التفسير- تسعة عشر سوطًا ولا يزيد عليها هذا في حق العبد، أما في حق الحر فلا يزيد فيها على تسعة وثلاثين سوطًا، لأن الأربعين حد الخمر في حقه، وأما التفسير الثاني في معنى قوله: «لا يبلغ بالضرب الحد»، أن ينظر إلى كل جناية بعينها، فلا يبلغ بها الحد الذي شرع في جنسها وإن تجاوزت حد غيرها، قال ابن قدامة رحمه الله: «وروي عن أحمد ما يدل على هذا، فعلى هذا ما كان سببه الوطء جاز أن يجلد مئة إلا سوطًا، لينقص عن حد الزنى، وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود»٨٢٦المغني: (21/524)..

ص 469

وقال الزركشي رحمه الله: «ثم أكثر الأصحاب يقولون: لا يبلغ بالحر أدنى حده وهو الأربعون أو الثمانون، ولا بالعبد أدنى حده، وهو عشرون أو أربعون، وقيل لا يبلغ بكليهما حد العبد، وقال أبو محمد: إن كلام أحمد في وطء الأمة المشتركة ونحوها، وكلام الخرقي يحتمل أن لا يبلغ بالتعزير في الذنب حد جنسه، ويجوز أن يزيد على حد جنس آخر، وإلى هذا ميل أبي العباس، وهو أقعد من جهة الدليل»٨٢٧شرح الزركشي على مختصر الخرقي: (6/408)..

فهذه مجمل الأقوال المتعددة المشهورة في المذاهب الأربعة في هذه المسألة -أكثر الضرب في التعزير-، وقد لخص اختلاف الناس في مقدار التعزير الإمام أبو محمد ابن حزم فقال رحمه الله: «اختلف الناس في مقدار التعزير فقالت طائفة: ليس له مقدار محدود، وجائز أن يبلغ به الإمام ما رآه، وأن يجاوز به الحدود بالغًا ما بلغ، وهو قول مالك وأحد أقوال أبي يوسف وهو قول أبي ثور والطحاوي من أصحاب أبي حنيفة.

وقالت طائفة: التعزير مئة جلدة فأقل، وقالت طائفة: أكثر التعزير مئة جلدة إلا جلدة، وقالت طائفة: أكثر التعزير تسعة وسبعون سوطًا فأقل، وهو أحد أقوال أبي يوسف، وقالت طائفة: أكثر التعزير خمسة وسبعون سوطًا فأقل، وهو قول ابن أبي ليلى وأحد أقوال أبي يوسف، وقالت طائفة: أكثر التعزير ثلاثون سوطًا، وقالت طائفة: أكثر التعزير عشرون سوطًا، وقالت طائفة لا يتجاوز بالتعزير تسعة، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وقالت طائفة: أكثر التعزير عشرة أسواط فأقل، لا يجوز أن يتجاوز به أكثر من ذلك، وهو قول الليث بن سعد وقول أصحابنا»٨٢٨المحلى: (11/401)..

وإذا تأملنا في هذه الأقوال فإننا نجد أن مرد الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الأمور التالية:

الأول: الحديث الثابت عن النبي ﷺ: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى)٨٢٩[تقدم في (268)]..

الثاني: ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين)٨٣٠[تقدم في (461)]..

ص 470

الثالث: قضايا الصحابة المتعددة والمشتهرة في ازديادهم الجلد على عشرة أسواط، ولم يعلم بينهم منكِر في ذلك، مما يفهم منه أن حديث النهي عن الزيادة على عشرة أسواط إما أنه منسوخ، وإما أن تكون وجهة فهمه غير ما حملها عليه من أوقف ضرب التعزير عند القدر المذكور في الحديث وهو عشرة أسواط.

أما عن الحديث الثاني، فقد ذكرت تضعيف الشيخ الألباني رحمه الله له، وهو كما ذكر البيهقي رحمه الله مرسلٌ فلا نشتغل به إذ الترجيح فرع عن الثبوت، ولذا فالكلام يكون عن حديث أبي بردة وكيفية التوفيق بينه وبين أفعال الصحابة المتعددة التي فهم منها البعض معارضتها له.

وعليه فإن أحد مدارك الخلاف بين من حدد التعزير وأوقفه عند عشرة أسواط وبين من لم يحده بحد بل جعله راجعًا إلى اجتهاد الحاكم وما يراه مناسبًا لحال الجاني وقدر الجناية وغيرها من الاعتبارات هو في تحديد معنى «الحد» المقصود في الحديث، فمن منع الزيادة على عشرة أسواط في عقوبات التعزير كالإمام أحمد في بعض الروايات عنه، والظاهرية، وغيرهم حملوا قول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله) على الحدود المقدرة شرعًا كحد الزنا وحد القذف وحد الخمر، فيكون معنى الحديث عندهم: أنه لا يجوز أن يُضرب أحد في العقوبات أكثر من عشر جلدات إلا أن تكون العقوبة حدًا من الحدود المقدرة المعروفة كحد الزنا والقذف والخمر فعندها يجوز أن يجلد أكثر من عشر جلدات؛ ففي الزنا مئة، وفي القذف ثمانون، وفي الخمر أربعون أو ثمانون على خلاف معروف.

أما من جوّز للإمام أن يتجاوز في عقوبات التعزير الحدود المقدرة، فلهم مع الحديث ثلاثة مخارج:

ص 471

الأول: أن الحديث منسوخ، واستدلوا على نسخه بإجماع الصحابة، فقد اشتهر بينهم الزيادة على العشر في غير الحدود من غير نكير، فلو لم يكن الحديث منسوخًا لتعارض مع الإجماع المنعقد بعده، فتكون الأمة قد أجمعت على خطأ وهذا لا يمكن، وقد ذهب إلى هذا القول بعض المالكية، والأحناف، والشافعية، فالمالكية جاز عندهم الزيادة على العشر من غير تحديد بل بقدر الذنب والمذنب، والأحناف والشافعية جوّزوا الزيادة ولكن منعوا من تجاوز الحدود حسب التفصيل الذي ذكرناه، ولا يخفى أن القول بالنسخ مبني على حمل «الحد» الوارد في الحديث على الحدود المقدرة شرعًا، فهم وافقوا من لم يتجاوز العشرة على فهمهم لمعنى الحد، ولكن خالفوهم في استقرار وبقاء حكم الحديث.

قال السيواسي الحنفي: «وقد صح عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بردة أنه قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٨٣١[تقدم في (268)].، وأجاب أصحابنا عنه وبعض الثقات بأنه منسوخ، بدليل عمل الصحابة بخلافه من غير إنكار أحد، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: أن لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطًا، ويروى ثلاثين إلى الأربعين»٨٣٢فتح القدير: (5/349)..

وقال الخطيب الشربيني الشافعي بعد أن عدد أقوال المذهب في قدر التعزير وأن منها عدم الزيادة على العشر قال: «وأجاب الأول -أي من جوز الزيادة- عنه بأنه منسوخ بعمل الصحابة على خلافه من غير إنكار، وقال القونوي: وحمْلُه على الأولوية بعد ثبوت العمل بخلافه أهون من النسخ ما لم يتحقق»٨٣٣مغني المحتاج: (4/193).، قول القونوي الذي ذكره يمكن اعتباره قولًا آخر وهو حمل الحديث على جواز الزيادة ولكن الاقتصار على العشرة أولى وأفضل، فيكون النهي في الحديث ليس للتحريم.

وقال الإمام الشوكان يرحمه الله: «وقال الرافعي الأظهر أنه يجوز الزيادة على العشرة وإنما المراعى النقصان عن الحد، قال: وأما الحديث المذكور فمنسوخ على ما ذكره بعضهم، واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير إنكار»٨٣٤نيل الأوطار: (7/170).، وقال الإمام النووي: «وأجاب أصحابنا عن الحديث بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم جاوزوا عشرة أسواط»٨٣٥شرح النووي لصحيح مسلم: (6/237- 238)..

ص 472

إلا أن العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله قد رد القول بالنسخ، مطالبًا القائلين به بإثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه، وما نقل من أحكامهم في ذلك لا يرتقي لأن يكون إجماعًا فقال رحمه الله: «واختلف المخالفون لظاهر هذا الحديث في العذر عنه، فقال بعض مصنفي الشافعية: إنه منسوخ بعمل الصحابة بخلافه، وهذا ضعيف جدًا لأنه يتعذر عليه إثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه، وفعل بعضهم أو فتـواه بخلافه لا يدل على النسخ»٨٣٦إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: (634)..

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَهْوَ الاِتِّفَاقُ مِنْ مُجْتِهِدِي

الَأُمَّةِ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ أَحْمَدِ٨٣٧[نظم مراقي السعود، البيت رقم (603)].

فالقول بأن الإجماع في نفسه يمكن أن ينسخ ويرفع حكمًا شرعيًا ثابتًا من غير أن يستند في نسخه إلى دليل من كتاب، أو سنة، يعد قولا عظيما ولا أحسب أن أحدًا من الأئمة يقول به، وبعيد كل البعد أن تجمع الأمة على خلاف حكم ثابت بدليل شرعي صحيح من آية أو حديث بحيث يتعذر الجمع بين هذا الدليل وذلك الإجماع حتى يلجأ للنسخ من غير أن تعرف الأمة مستند هذا الإجماع، والذي يجب أن يكون هو الناسخ الحقيقي للحكم.

ص 473

وهذا الأمر قد بيّنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواطن من مصنفاته منها قوله: «وكل من ادعى إجماعًا يخالف نصًا فأحد أمرين لازم: إما بطلان إجماعه وإما بطلان نصه، وكل نص اجتمعت الأمة على خلافه، فقد علم النص الناسخ له، وأما أن يبقى في الأمة نص معلوم والإجماع مخالف له فهذا غير واقع»٨٣٨منهاج السنة النبوية: (8/360).، وعليه فلا يمكن قبول القول بالنسخ لحديث: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى)٨٣٩[تقدم في (268)].، إلا حيث ثبت التعارض من كل وجه بين الإجماع -إن صح- وبين حديث النبي ﷺ مع لزوم بيان الدليل الناسخ له من الكتاب أو السنة وهو ما لم يفعله القائلون به.

المخرج الثاني: أن الاكتفاء بالعشرة محمول على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كان هذا القدر يكفي في زمنهم للزجر، لما علم من صلاحهم وزكاء نفوسهم، وصفاء قلوبهم، وسرعة انقيادهم للحق ورجوعهم إليه، وهذا القول قد ذكره بعض المالكية، والذي ألجأ إليه أيضًا هو حمل معنى «الحد» الوارد في الحديث على الحدود المقدرة شرعًا.

قال القرافي رحمه الله مجيبًا عمن احتج عليهم بهذا الحديث: «والجواب أنه خلاف مذهبهم -أي الأحناف والشافعية- فإنهم يزيدون على العشر، أو لأنه محمول على طباع السلف رضي الله عنهم، كما قال الحسن: «إنكم لتأتون أمورًا هي في أعينكم أدق من الشعر إن كنا لنعدها من الموبقات»٨٤٠هذا القول ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري [6492] عنه قال: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات»، وهو عند أحمد وغيره عنه وعن عبادة بن قرص أو قرط الليثي.، فكان يكفيهم قليل التعزير، ثم تتابع الناس في المعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه، وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز: «تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور»، ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب»٨٤١الفروق: (4/319)، وذكر مثل هذا الكلام في كتابه الذخيرة: (12/121)..

ص 474

وهذا القول أيضًا في غاية الضعف والبعد، بل هو مردود حتمًا وبلا تردد؛ لأن الأصل في أحكام الشريعة أن تكون عامة لكل العصور وشاملة لجميع الدهور ومنسحبة أحكامها على كل الناس، لا يختص بها زمن دون زمن ولا مكان دون مكان إلا حيث جاء النص مبينًا ذلك صريحًا فيه، فكيف يقول النبي ﷺ: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٨٤٢[تقدم في (268)].، وهو يضمر استثناءً مضمونُه إلا إذا انقضت القرون المفضلة فيجوز لكم عنها تجاوز العشر جلدات، أليس هذا تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة وهو الذي نص العلماء على أنه لا يجوز، بل هو إخفاء للبيان مع شدة الحاجة وقيام الداعي.

ثم إن هذا تخصيص من غير مخصص وما ذكره القرافي من التعليلات لا تصلح لأن تكون مخصصة للحديث أو مقيدة له، ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله: «وتأوله أصحاب مالك على أنه كان ذلك مختصًا بزمن النبي ﷺ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا التأويل ضعيف والله أعلم»٨٤٣شرح النووي على صحيح مسلم: (6/238)..

وقال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: «وقال بعض المالكية: وتأول أصحابنا الحديث على أنه مقصور على زمن النبي ﷺ، لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا في غاية الضعف أيضًا، لأنه ترك للعموم بغير دليل شرعي على الخصوص، وما ذكره مناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات التخصيص»٨٤٤إحكام الأحكام: (4/380)..

وقد شدد إمام الحرمين الجويني القول على من ذهب هذا المذهب واعتمد هذه الحجة، وأغلظ له العبارة تنفيرًا منها وتحذيرًا من الاغترار بها فقال: «وذهب بعض الجهلة عن غرة وغباوة أن ما جرى في صدر الإسلام من التخفيفات، كان سببها أنهم كانوا على قرب عهد بصفوة الإسلام، وكان يكفي في ردعهم التنبيه اليسير والمقدار القريب من التعزير، وأما الآن فقد قست القلوب، وبعدت العهود، ووهنت العقود، وصار متشبث عامة الخلق الرغبات والرهبات، فلو وقع الاقتصار على ما كان من العقوبات، لما استمرت السياسات، وهذا الفن قد يستهين به الأغبياء، وهو على الحقيقة تسبب إلى مضادة ما ابتعث به سيد الأنبياء.

ص 475

وعلى الجملة من ظن أن الشريعة تُتَلقى من استصلاح العقلاء، ومقتضى رأي الحكماء، فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة، ولو جاز ذلك، لساغ رجم من ليس محصنًا إذا زنا في زمننا هذا، لما تخيله هذا القائل، ولجاز القتل بالتهم في الأمور الخطيرة، ولساغ إهلاك من يخاف غائلته في بيضة الإسلام، إذا ظهرت المخايل والعلامات، وبدت الدلالات، ولجاز الازدياد على مبالغ الزكوات عند ظهور الحاجات، وهذه الفنون في رجم الظنون، لو سلطت على قواعد الدين لاتخذ كل من يرجع إلى مسكة من عقل فكره شرعًا، ولانتحاه ردعًا ومنعًا، فتنتهض هواجس النفوس حالة محل الوحي إلى الرسل»٨٤٥الغياثي: (219-221)..

المخرج الثالث: أن قول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله)٨٤٦[تقدم في (268)].، ليس المقصود به الحدود المقدرة، بل معناها إلا أن يقع التجاوز في حدود الله التي هي محارمه، كارتكاب المحرمات وترك الواجبات، إذ المعاصي كلها حدود لله، أما إن كان الضرب للتأديب كضرب المعلم تلاميذه، والرجل زوجته، أو الأب أبناءه، أو السيد عبده، فلا يجوز في مثل هذه الحال الزيادة على العشرة، وقد ذهب إلى هذا التفسير بعض المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمه الله وتبعهم في ذلك بعض المتأخرين؛ فلهذا يقولون إنه ليس ثمة تعارض بين ما نقل عن الصحابة من زيادتهم في التعزير على عشرة أسواط، وبين نهي الحديث عن الزيادة في الضرب عليها، إذ ما نهى عنه الحديث ليس هو ما فعله الصحابة، فلكل وجهة ومحمل.

ص 476

إذن فأصحاب هذا القول قد اتجهوا اتجاهًا آخر في معنى الحديث، بخلاف القولين السابقين الذين يوافقان من منع تجاوز العشرة في جعلهم المقصود بالحدود في الحديث الحدود المقدرة المعروفة، وعليه فإن دعائم الترجيح لأصحاب هذا القول ومخالفيهم تنصب على بيان المعنى الصحيح لقول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله)٨٤٧[تقدم في (268)].، وهذا يتطلب أن يأتي كل من الفريقين بما يقوي قوله، ويدعم اختياره في معنى الحد الذي ذهب إليه، فإذا ثبت أن المقصود بالحدود في هذا الموطن هي الحدود المقدرة، كحد الزنا، وحد القذف، وحد الخمر ونحوها، فيكون معنى الحديث أنه لا يجوز أن يتجاوز في عقوبات التعزير -إذا كانت بالضرب- عشر جلدات، وأما إن فسر الحد في هذا الموضع بما سوى ذلك وهي معاصي الله تعالى الشاملة لارتكاب المحرمات وترك الواجبات، فلا يدل الحديث عندها على المنع من الزيادة على العشر إلا في مجال ضيق جدًا.

وفي بيان مبنى الخلاف بين الفريقين يقول الإمام الصنعاني رحمه الله: «كما اختلفوا في عقوبة جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق... هل يسمى حدًا أم لا؟ فمن قال يسمى حدًا، أجاز الزيادة في التعزير عليها على العشرة الأسواط، ومن قال لا يسمى حدًا لم يجزه»٨٤٨سبل السلام: (4/67)..

وقال الإمام ابن رجب رحمه الله: «وأما قول النبي ﷺ: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله)٨٤٩[تقدم في (268)].، فهذا قد اختلف الناس في معناه، فمنهم من فسره هاهنا بهذه الحدود المقدرة، وقال: إن التعزير لا يزاد على عشر جلدات، ولا يزاد عليها إلا في هذه الحدود المقدرة، ومنهم من فسر الحدود هاهنا بجنس محارم الله، وقال: إن المراد بمجاوزة العشر الجلدات لا يجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم الله، فأما ضرب التأديب على غير محرم فلا يتجاوز به عشر جلدات»٨٥٠جامع العلوم والحكم: (1/281)..

ص 477

وقال الشيخ عبد الله آل بسام: «اختلف العلماء في المراد من معنى قوله: (إلا في حد من حدود الله)؛ فذهب بعضهم: إلى أن المراد «بالحدود» هي التي قدرت عقوباتها شرعًا كحد الزنا، والقذف، والسرقة، والقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، فعلى هذا يكون ما عداها من المعاصي، هو الذي عقوبة مرتكبه التعزير، وهو من عشرة أسواط فأدنى... وذهب بعض العلماء: إلى أن معنى قوله ﷺ: (إلا في حد من حدود الله)؛ أن المراد بحدود الله أوامره ونواهيه، وأنه ما دام التعزير لأجل ارتكاب معصية بترك واجب أو فعل محرم فيبلغ به الحد الذي يراه الإمام رادعًا وزاجرًا من ارتكابه والعودة إليه، وذلك يختلف باختلاف المكان والزمان وباختلاف الأشخاص وباختلاف المعصية»٨٥١تيسير العلام: (2/455- 456)..

وهذا يقتضي تبيين بعض المعاني التي جاء لها الحد في لغة الشارع، ثم ترجيح أي من تلك المعاني هو المقصود والمعنيّ في هذا الحديث موطن النزاع، وكنا قد ذكرنا عند الكلام على إقامة الحدود في دار الحرب المعاني التي يأتي لفظ الحد لها في الشرع، ولكن لا بأس من إعادة تقرير ذلك المعنى حتى لا ينقطع ذهن القارئ ولترتبط المسألة ببعضها البعض:

تبيين بعض المعاني التي جاء لها الحد في لغة الشارع

أولًا: إطلاق لفظ الحد على العقوبات المقدرة والمحددة:

اصطلح الفقهاء على أن الحد إذا أطلق في لسانهم فإن المقصود به هو العقوبات المقدرة شرعًا، ولذلك يقولون مثلًا: «كتاب الحدود»، ثم يعرفونها بنحو: عقوبة مقدرة شرعًا في معصية لتمنع الوقوع في مثلها، ويعنون بها الحدود التي وضع لها الشارع عقوبات محددة؛ كحد الزنا، وحد القذف به، وحد شرب الخمر، وهكذا، قال العلامة التهانوي في تعريف الحد: «وعند الفقهاء عقوبة مقدرة تجب حقًا لله تعالى، فلا يسمى القصاص حدًا لأنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير، والمراد بالعقوبة هاهنا ما يكون بالضرب أو القتل أو القطع فخرج عنه الكفارات»٨٥٢موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: (1/623)، وفي معجم لغة الفقهاء: (176): «الحد: عقوبة مقدرة شرعًا، والحدود هي: حد الردة، وحد قاطع الطريق، وحد الزنا، وحد السرقة، وحد القذف، وحد شرب الخمر»..

ص 478

فهذا هو المعنى الذي اصطلح عليه الفقهاء وجرى واستقر عليه عرفهم، وهو المقصود عند إطلاق هذا اللفظ في مصنفاتهم إلا حيث وجد صارف عن ذلك، ولكن هل لاصطلاحهم على ذلك أصل في لغة الشارع مما جاء في الكتاب، أو السنة، أو على ألسنة الصحابة قبل إحداث المصطلحات؟، ثم إن جاء ذلك في لغة الشرع فهل هو محصور في هذا المعنى، أم أنه جاء له ولغيره مما يفهم في كل موطن بحسب السياق والقرائن؟

أما عن ورود لفظ «الحد» في كلام الشارع مع إرادة الحدود المقدرة فقد جاء في غير ما موضع نذكر ما يتيسر منها:

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٨٥٣[تقدم في (268)].، رواه أحمد وأبو داود، فالنبي ﷺ قد سمى العقوبات المقدرة حدودًا، إذ لا شك أن المقصود بالحدود في هذا الحديث هو العقوبات المقدرة، والتي يجب إقامتها على القوي، والضعيف، والشريف، والوضيع، وذي الهيئة وغيره.

2- عن عائشة رضي الله عنها: أن أسامة رضي الله عنه كلم النبي ﷺ في المرأة المخزومية التي سرقت فقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد)٨٥٤متفق عليه وقد مر [في (271)].، وتسمية الشارع لقطع يد السارق حدًا في هذا الحديث بينة جلية، فإنكار النبي ﷺ على أسامة إنما كان لشفاعته في المرأة المخزومية من أجل إسقاط قطع اليد عنها الذي سماه النبي ﷺ حدًا بقوله: (أتشفع في حد من حدود الله).

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر»٨٥٥متفق عليه، [البخاري: (٢٢٣٤)، ومسلم: (١٧٠٣)].؛ ودلالة الحديث على المقصود واضحة.

4- ومنها ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة اليهوديين الذين زنيا وفيها قول النبي ﷺ لليهودي: (أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم)... الحديث٨٥٦رواه أحمد [١٨٥٢٥] ومسلم [1700] وأبو داود [4448]..

ص 479

وهو واضح فيما سيق له، والأحاديث التي نصت على تسمية العقوبات المقدرة حدودًا كثيرة جدًا، وكذلك الآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم، فمن ذلك:

- ما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما كنت لأقيم على أحد حدًا فيموت فأجد على نفسي إلا شارب الخمر، فإنه لو مات لوديته»٨٥٧متفق عليه، [البخاري: (6778)، ومسلم: (1707)]..

- عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس؛ فقال عبد الرحمن: «أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر»٨٥٨رواه أحمد [١٢٨٠٤] والبخاري [3696] ومسلم [١٧٠٦] وأبو داود [٤٤٧٩] وغيرهم، [واللفظ لأحمد ومسلم].، والآثار في ذلك كثيرة لا تحصى، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن من معاني الحد التي تستعمل في لسان الشارع الحد المقدر الذي جرى عليه عرف الفقهاء واستقر اصطلاحهم فيما بعد.

ثانيًا: مجيء لفظ الحدود لمعان أخرى غير الحدود المقدرة:

فكما أن لفظ الحد والحدود جاءت في لسان الشارع ويراد بها الحدود المقدرة والعقوبات المحددة، فقد أتت ويراد منها معان أخرى سوى المعنى المذكور، وذلك كثير في كتاب الله تعالى فمن ذلك، قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وقوله: ﴿إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ﴾ [البقرة: 229]، وقوله: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، وقوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 229]، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: 230]، وقوله: ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 230].

وقوله: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ﴾ [التوبة: 97]، وقوله: ﴿ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: 112].

ص 480

وقوله: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ [الطلاق: 1]، وقوله: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا﴾ [النساء: 14].

فلفظ الحدود في هذه الآيات لا يراد به عين العقوبات المقدرة بانفرادها، وإن كانت مشمولة بالعموم في بعضها، لاندراجها تحت ما أمر الله بإقامته وحفظه من الزيادة فيه أو النقصان عنه، فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، ويقال في الثاني: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]»٨٥٩السياسة الشرعية: (91)..

وقال أيضًا: «وقد جاء في كتاب الله تعالى في موضع: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، والحدود هنا هي نهايات المحرم وأولها، فلا يجوز قربان شيء من المحرم، وفي موضع: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، والحدود هنا نهايات الحلال فلا يجوز تعدي الحلال»٨٦٠بيان تلبيس الجهمية: (2/118)..

وبيّن المعنى الأول الذي أشار إليه شيخ الإسلام في قول الله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، الآيات الكثيرة التي جاءت ناهية عن قربان معاصي وآثاما بعينها كما في قوله تعالى:

﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء: 32]، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ﴾ [الأنعام: 152]، وكما في قوله ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، وكما في قوله: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ﴾ [البقرة: 222]، وكما قال سبحانه في حق آدم وزوجه: ﴿وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 35].

ص 481

وغيرها من الآيات التي تبين المعنى الذي أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله، إذ هذه الآيات كلها تنهى عن الدنو من المحرمات المذكورة فيها وعن الاقتراب من حدودها، وأما عن الاعتداء في المباحات وحرمة تجاوزها إلى المحرمات فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ﴾ [المائدة: 87-88]،

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ﴾ [المائدة: 87]، يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه كما قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾ [الأعراف: 31]... الآية، وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفرقان: 67]، فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه لا إفراط ولا تفريط»٨٦١تفسير ابن كثير: (2/84)..

وعلى هذا فإن المعنيين الذين أشار إليهما شيخ الإسلام يعتبران وطيدي الصلة بالمعنى اللغوي، إذا الحد في اللغة كما قال صاحب القاموس: الحاجز بين الشيئين، ومنتهى كل شيء، فالله نهى عن تخطي وتجاوز حدود الحلال التي بينها، ونهى عن دخول واقتحام حدود المحرمات التي زجر عنها، فهو أمر بالاقتصار على ما أباحه، وزجر عن الخوض فيما حرمه.

قال الإمام ابن القيم: «فالعدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 229]، وقال في موضع آخر: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، فنهى عن تعديها في آية، وعن قربانها في آية، وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة، فبالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها»٨٦٢زاد المهاجر: (1/14)..

ص 482

وفي صحيح البخاري٨٦٣[ذكره في مقدمة باب فضل الجهاد والسير (3/1025)]. معلقًا عن ابن عباس قال: «الحدود الطاعة».

قال ابن حجر رحمه الله: «وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء: 13] يعني طاعة الله، وكأنه تفسير باللازم، لأن من أطاع وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه»٨٦٤فتح الباري: (6/6)..

ومن السنة حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها...الحديث)٨٦٥رواه البخاري [٢٤٩٣]، وأحمد [١٨٣٧٠]، والترمذي [2173] وغيرهم.، ونحو ذلك من الأحاديث.

فلما دار المعنى في قول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله)٨٦٦[تقدم في (268)].، بين أن يراد به إلا في حد من الحدود المقدرة، أو يراد به إلا أن يكون في معصية الله تعالى التي هي حقوقه والشاملة لترك الواجبات وفعل المحرمات، لزم الرجوع إلى ما يمكن أن يرجح به أحد القولين، فإذا ثبت أن المعنى الأول هو المراد من الحديث فعندها يصبح الحكم الثابت أنه لا يجوز الزيادة على عشرة أسواط في العقوبات التعزيرية التي يكون موجبها وسببها حقوق الله التي هي نواهيه، وذلك لشمول قول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله) لها، فتكون داخلة في المستثنى.

الراجح:

إذا تبيَّن هذا واتضح مدرك الخلاف بين الفريقين ومبنى الأقوال بين الاتجاهين، فمن المعلوم أن الجمع بين الأدلة الشرعية واجب متى ما أمكن ذلك، لأن العمل بالأدلة كلها إنما يتم به، فكلما أمكن ذلك وجب القيام به، فلا يلجأ إلى الترجيح، أو النسخ، أو التوقف، إلا حيثما تعذر الجمع، لأن في هذه الأمور إهمالًا لأحد الأدلة أو لكليهما، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أحرى هما معًا.

ص 483

[البحر: الرجز]

[البحر: الرجز]

وَالْجَمْعُ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَا

إِلَّا فَلِلْأَخِيرِ نَسْخٌ بُيِّنَا٨٦٧[نظم مراقي السعود، البيت رقم (867)].

ومما لا شك فيه أن الصحابة رضي الله عنهم قد ثبت عنهم الزيادة على عشرة أسواط في قضايا تعزيرية متعددة مشتهرة، بل قد وقعت منهم الزيادة في بعضها على الحدود المقدرة، ومن البعد أن تقع وتشتهر هذه القضايا وتحصل بينهم دون أن يعلم منكر في ذلك إن كان فعلهم مخالفًا لقول النبي ﷺ، فلما لم ينقل لنا أن أحدًا منهم أنكر الزيادة على العشرة، أو فسر الحديث بما ذهب إليه من حمله على الحدود المقدرة، كان الأقرب أنهم لم يفهموا من الحديث تحريم الزيادة على العشرة في غير الحدود المقدرة أصلًا، فحمل لفظ حدود الله الوارد في الحديث على المعنى العام لها، وهي المعاصي هو السبيل للجمع بين أفعال الصحابة وأقوالهم القاضية بجواز الزيادة على العشرة في غير الحدود المقدرة، وبين قول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله)، وهذا أولى من تخطئة الصحابة رضوان الله عليهم وحمل أفعالهم على مخالفة الحديث.

وقد قال الإمام ابن حجر رحمه الله عن هذا الحديث إنه: «لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة»٨٦٨فتح الباري: (12/221)، وقد سبقه لهذا القول الإمام النووي رحمه الله..

وقال الصنعاني رحمه الله: «واعلم أن الذي ألجأ ابن تيمية ومن تبعه، والمالكي، إلى ما قالوه هو ما وقع من الصحابة في التعزيرات من الزيادة على العشر، كما مر في قصة عمر مع صبيغ، وما روي عنه أنه كتب إلى أبي موسى لا يجلد في التعزير أكثر من عشرين، وعن عثمان ثلاثين، وعن ابن مسعود أنه بلغ مئة، والقول بأنه لم يبلغهم حديث الباب بعيد»٨٦٩حاشيته على إحكام الأحكام: (4/383)..

ص 484

فالذي يترجح والله أعلم هو جواز الزيادة على عشرة أسواط في العقوبات التعزيرية التي يكون موجبها معاصي الله التي هي حقوقه، والتي يتولى الولاة المعاقبة عليها، أما ما كان للتأديب، كضرب الرجل زوجته الناشز، وضرب الأب أبناءه، وضرب المعلم تلاميذه، والسيد عبده، فهذا لا تجوز فيه الزيادة على العشر.

ثم إنه قد ثبت بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم أن لفظ الحدود يطلق على معان متعددة من ضمنها الحدود المقدرة وهو أحد أفراد المعنى، وليس المعنى محصورًا فيه، ومن المعلوم أيضًا أن اللفظ متى كان عامًا وجب حمل الحكم الثابت به على جميع أفراده ما دام صالحًا لذلك؛ لأن في قصره على بعضها - كما هو الحال هنا - تخصيصًا من غير مخصص واستثناء لبعض أفراده من الحكم من غير موجب.

وعليه فإن من خصص لفظ «الحدود» الوارد في الحديث بالعقوبات المقدرة، وأخرج ما سواها من المعاني التي ثبت أن اللفظ الشرعي يشملها ابتداء هو المطالب بدليل التخصيص وقرينة الإخراج، وذلك لأن من أبقى اللفظ على عمومه، وقرره على شموله، يعد جاريًا على الأصل منضبطًا بالقاعدة، أما حمل ألفاظ الشارع على المصطلحات الحادثة، وقصر معانيها عليها فهو مسلك ليس بسديد.

ولهذا فإذا تأملنا في اعتراضات من أوقف التعزير عند عشرة أسواط، وفي أقوال من استدل بالحديث على ذلك لم نجد فيها جوابًا شافيًا ولا ردًا وافيًا على من تمسك بالعموم وطالب بدليل التخصيص، وإنما تمسكوا بما ظنوه ظاهر اللفظ، وهو ما ينازعهم فيه من أجاز الزيادة، إذ لو كان ظاهرًا لما كان هناك اختلاف في تحتم الأخذ به، ونحن ننقل بعض أقوالهم واستشكالاتهم لتكتمل الصورة.

ص 485

قال العلامة بن دقيق العيد رحمه الله ناقلا قول بعض المالكية: «قال هذا المالكي: وتأولوه أيضًا على أن المراد بقوله: (في حد من حدود الله)، أي في حق من حقوقه، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها، لأن المحرمات كلها من حدود الله، وبلغني عن بعض أهل العصر أنه قرر هذا المعنى، بأن تخصيص الحد بهذه المقدرات أمر اصطلاحي فقهي، وأن عرف الشرع في أول الإسلام لم يكن كذلك، أو يحتمل أن لا يكون كذلك -هذا أو كما قال- فلا يخرج عنه إلا التأديبات التي ليست عن محرم شرعي»٨٧٠إحكام الأحكام: (4/380- 381)، [قال محققه: والظاهر أن الشيخ قد خرّج الكلام من حاشية الصنعاني على إحكام الأحكام، وليس من إحكام الأحكام لابن دقيق، أما تخريجه من الإحكام فهو: (2/251-252)]..

والعصري الذي أشار إليه ابن دقيق العيد هو شيخ الإسلام رحمه الله كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال: «والعصري المشار إليه أظنه ابن تيمية، وقد تقلد صاحبه ابن القيم المقالة المذكورة»٨٧١الفتح: (12/218)، وكذلك قال العلامة الصنعاني في حاشيته على إحكام الأحكام: (3/381)، [قال محققه: والظاهر أن الشيخ سها، والصواب (4/381)]..

وبعد أن ذكر الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله كلام المالكية وشيخ الإسلام أجاب عنه بثلاثة أجوبة:

الأول: قوله: «وهذا أولًا خروج في لفظة «الحد» عن العرف فيها، وما ذكره العصري يوجب النقل، والأصل عدمه»٨٧٢إحكام الأحكام: (4/382)، [ذات ما قيل في الحاشية قبل السابقة]..

ومراد العلامة ابن دقيق العيد أن القول بأن ما اصطلح عليه الفقهاء من جعل لفظ الحد خاصًا بالحدود المقدرة ليس هو في أصل الوضع يوجب أن الفقهاء قد نقلوه عن وضعه وهذه دعوى؛ لأن الأصل بقاء الألفاظ ومن ادعى النقل فعليه الدليل، وبين ذلك العلامة الصنعاني في حاشيته فقال:

«قوله: «وهذا أولا»، أقول: هذا أولها، وهو أنه قد لزم من كلام ابن تيمية أن لفظ الحد قد أخرجه الفقهاء بعرفهم عن معناه اللغوي، ونقلوه إلى معنى عرفي، والأصل عدم النقل، فالدليل على مدعيه»٨٧٣[العدة حاشية الصنعاني: (4/382)]..

ص 486

قلت: إن المدعي قد أتى بالبينة الشرعية والبراهين الجلية التي لا مطعن فيها، وهو ما ساقه من الآيات القرآنية وما جاء من الأحاديث النبوية، وما ثبت من آثار الصحابة الدالة كلها على إطلاق لفظ الحدود على ما كان من العقوبات مقدرًا وغيرها من المعاصي، وورودها لهذه المعاني جميعها في كلام الشارع لا شك فيه، وعليه فإن من خصها بمعنى دون معنى، وقصرها على فرد دون آخر، هو المطالب بالدليل على ذلك، وليس الكلام على جهة جواز اصطلاح الفقهاء من عدمه، فإن الاصطلاح لا مشاحة فيه ولا تثريب عليه، ولكن أن يجعل هذا المصطلح الحادث هو مقصود الشارع ومراده من الألفاظ دون ما سواها من غير قرينة فهذا هو المنازع فيه.

أما قول العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: «وهذا خروج في لفظة الحد عن العرف فيها»، فأي عرف الذي خرج عنه هل هو عرف الفقهاء أم هو العرف الشرعي العام؟ أما إن كان الأول فنعم، وهو ما يقوله المخالف ويقرره ولا ينكره لأنه يرى أن الألفاظ الشرعية ذات المعاني المستقرة قبل أن يحدث الفقهاء تعريفاتهم ومصطلحاتهم لا يجب أن تقيد بما استحدث بعدها من الأسماء، ولا يصح أن تحاكم إليها وتحكم عليها وتتحكم فيها فإن عرف الشارع في معاني تلك الألفاظ سابق لعرف الفقهاء فيها، وأما إن كان يقصد بالعرف المعنى الثاني وهو العرف الشرعي العام فالمخالف يقرر أن من خص لفظ الحد بالعقوبات المقدرة هو الذي خرج عن عرف الشارع حيث خصص ألفاظه ببعض أفراده بدون دليل.

أما قوله: «وما ذكره هذا العصري يوجب النقل والأصل عدمه»، فالسؤال هل المقصود بالنقل هنا هو النقل من المعنى اللغوي إلى المعنى العرفي الذي استقر عليه كلام الفقهاء كما أشار لذلك العلامة الصنعاني، أم هو النقل مما قررته الشريعة من معنى الحد إلى ما تعارف عليه الفقهاء؟ فإن كان المقصود هو الأول؛ فلا ينبغي أن يختلف أن معنى الحد في عرف الفقهاء واصطلاحهم ليس هو معناه في لسان أهل اللغة.

ص 487

ولهذا فالذي يظهر أن في تعليق العلامة الصنعاني قلقًا، لأن الحد في لغة العرب كما قال صاحب القاموس: «الحاجز بين شيئين، ومنتهى الشيء.. وتأديب المذنب بما يمنعه وغيره عن الذنب»٨٧٤[القاموس المحيط: (276)].، وهذا المعنى شامل للحدود المقدرة وغيرها من العقوبات، بل ويضم في ثناياه معاني أخرى اشتمل عليها لفظ الحد في لغة العرب، فقصر معنى اللفظ بعد ذلك على الحدود المقدرة فقط لا شك أنه نقل له عن معناه العام اللغوي إلى معنى أخص منه، والنقل ليس مقصورًا فقط على تناسي المعنى الأصلي الذي وضع له اللفظ وإماتته ثم سوقه لمعنى جديد سواه، بل النقل يشمل هذه الصورة ويدخل فيه كذلك تخصيص اللفظ ببعض معانيه الأصلية وإهمال ما سواها، وهذا هو ما فعله الفقهاء مع لفظ الحد من حيث معناه اللغوي والشرعي على حد سواء.

وقد أشار الإمام الصنعاني إلى هذا المعنى بعد أن عرف الحد حسب اصطلاح الفقهاء ثم قال: «التعريف الذي أسلفناه يشعر بأن الحد يختص بالمقدرات، ولكن لعله الحد العرفي، قاله ابن تيمية، وفي القاموس الحد تأديب المذنب بما يمنعه وغيره من الذنب انتهى، وفي المصباح المنير: حددته عن أمره إذا منعته، فهو محدود، ومنه الحدود المقدرة في الشرع لأنها تمنع من الإقدام، وفي هذا ما يؤيد كلام ابن تيمية»٨٧٥حاشيته: (4/381)..

أما إن كان يقصد بالنقل نقلهم اللفظ من المعنى الشرعي العام الشامل للعقوبات المقدرة وغيرها، فإن هذا هو الواقع سواء سمي نقلًا أم لا، إذ لا شك أن لفظ الحدود الذي ورد في الكتاب والسنة وكلام الصحابة لا يقتصر فقط على معنى الحدود المقدرة، وكما علمنا أن موطن النزاع ليس في تسمية الحدود المقدرة حدودًا، ولكن في قصر لفظ الحدود على هذا المعنى فقط، وتعليق الأحكام الشرعية عليه دون ما سواه.

قال ابن منظور: «وحدود الله تعالى: الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها، وأمر أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى منها، ومنع من مخالفتها... قال الأزهري: فحدود الله ﷻ ضربان:

ص 488

ضرب منها حدود حدها للناس في مطاعمهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وغيرها مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء عما نهى عنه منها، ونهى عن تعديها.

والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق... سميت حدودا لأنها تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، وسميت الأولى حدودًا لأنها نهايات نهى الله عن تعديها... وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام، فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، ومنه ما لا يتعدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربع، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]»٨٧٦لسان العرب: (3/140)..

صحيح إن قول شيخ الإسلام: «وأما تسمية العقوبات المقدرة حدًا فهو عرف حادث» يوهم أن هذه التسمية لا عهد للشارع بها، ولكن لا شك أن مقصود شيخ الإسلام إن تخصيص الاسم بهذا المعنى هو الحادث، لا أن الشارع لم يسم العقوبات المقدرة حدودًا على وجه الإطلاق، ولهذا فربما كانت عبارة الإمام ابن القيم في هذا الصدد أدق حيث يقول: «الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك، فإنه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة»٨٧٧إعلام الموقعين: (3/29)..

ويقول العلامة بكر أبو زيد -وفقه الله-: «فابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف «الحد»، ولكن يعارض بكل شدة أن يقضى بالاصطلاحات الحادثة على نصوص الشارع، فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها، ولا شك أن هذا من الغلط البين على نصوص الكتاب والسنة، ومن هذا الغلط غلط من فسر لفظ (حدود الله) في الحديث المذكور؛ بمعنى «ذات العقوبة المقدرة»، فهذا قضاء على عموم معنى النص باصطلاح حادث، وإنما معناه ما حرم لحق الله فإن (حدود الله) هي «حقوق الله»، وهذا يشمل ويعم المقدرة وغيره»٨٧٨الحدود والتعزيرات: (25)..

ص 489

ولهذا فإن قول الإمام الشوكاني في اعتراضه على هذا القول: «واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة، ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف إن أخف الحدود ثمانون»٨٧٩نيل الأوطار: (7/150).، لا يصلح للمعارضة، ولا يقوى على دفع ما تمسك به من اعترض عليهم، فإنه قد ظهر أيضًا أن الشارع يطلق الحدود ويريد بها معاني أخرى سوى الحدود المقدرة، فكونه يسمي العقوبات المقدرة حدودًا في بعض المواطن، لا يقتضي بالضرورة أنها هي المعنية في هذا الموطن والله تعالى أعلم.

الثاني: من اعتراضات ابن دقيق العيد على المالكية وابن تيمية ومن قال بقولهم قوله:

«أنا إذا حملناه على ذلك، وأجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد، لم يبق لنا شيء يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط، إذ ما عدا المحرمات كلها التي لا تجوز فيها الزيادة ليس إلا ما ليس بمحرم، وأصل التعزير فيه ممنوع، فلا يبقى لخصوص منع الزيادة معنى.. وقد يعتذر عنه بما أشرنا إليه من أنه لا يخرج عنه إلا التأديبات على ما ليس بمحرم، ومع هذا فيحتاج إلى إخراجها عن كونها من حقوق الله»٨٨٠إحكام الأحكام: (4/382)، [ذات ما قيل في حاشية الصفحة (485)]..

وملخص كلامه أنه إن قيل إن كل حقوق الله تعالى تجوز فيها الزيادة على عشرة أسواط، فما الذي بقي مما يستوجب التعزير بحيث تحرم فيه الزيادة؟ فإن قيل التأديبات، فكيف أخرجت التأديبات عن حقوق الله حتى جُوّزت فيها الزيادة على العشر؟ وقد نقل الإمام ابن حجر رحمه الله كلام ابن دقيق العيد ثم أجاب عنه بقوله: «ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين علي العصري المذكور إن كان ذلك مراده»٨٨١فتح الباري: (12/178)..

ص 490

والذي ينبغي أن يعرف أولًا أن اعتماد من أجاز الزيادة على العشرة ليس مقتصرًا على النظر فحسب، بل عليه وعلى الأثر وذلك مما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم من القضايا المتعددة والمشتهرة التي قضوا فيها بالزيادة على عشرة أسواط بكثير، وهذا في غير الحدود المقدرة، وقبل ذلك ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك -إن صح عنه- فأقوال وأفعال الصحابة الثابتة عنهم في ذلك لا ينبغي إهمالها وتجاوزها في فهم النص والوصول إلى مدلوله الصحيح؛ لأنهم أعرف الناس بألفاظ الشارع وأكثرهم إدراكًا لعرفه، وأعظمهم إحاطة بالمعاني المقصودة من كل لفظ.

بل الواجب أن نسعى للوصول إلى فهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا عبر أفهامهم، وأن نسلك في إدراك المعاني الصائبة مسالكهم، وأن لا نجعل أقوالهم وأفعالهم المتواطئة المنبثقة من فهمهم للنص في طرف، ثم ننحاز بالنص الشرعي إلى طرف آخر لنحكم على تلك الأقوال والأفعال المتفقة على معنى عام يشمله النص بالخطأ والمخالفة، فكيف إذا ثبت أن هذا الحديث لم يذهب أحد من الصحابة بل ولا من التابعين إلى العمل بما ظنه البعض ظاهرًا فيه؟ فهذه أقوال أرباب استقصاء الآثار وتتبع المرويات، والتفتيش عن الأخبار صحيحها وضعيفها من أمثال الإمام ابن أبي شيبة، والإمام ابن حزم، والإمام ابن عبد البر، والإمام ابن حجر وغيرهم لم يذكروا أن أحدًا من الصحابة ولا من التابعين قد ذهب إلى أن الزيادة على عشرة أسواط لا تجوز أخذًا من هذا الحديث.

إلا أن الحافظ ابن حجر نسب هذا القول لبعض التابعين ولم يسمه، فقال في بيان بعض الأوجه التي رُد بها الاستدلال بهذا الحديث: «ومنها: أنه منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين»٨٨٢فتح الباري: (12/178).، بل أقوالهم وأفعالهم تدل على خلاف ذلك كما سنذكر طائفة منها في موضعها إن شاء الله.

ص 491

وأقدم من عرف عنه هذا القول فيما نقله أهل الآثار الليث بن سعد رحمه الله، وبعيد كل البعد أن يبقى حديث كهذا -وفي مسألة هي في غاية الأهمية، فالناس في أشد الحاجة إليها لتكرر موجبها- خافيًا حكمه على كبار وصغار الصحابة والتابعين، بل مع العمل والفتوى بخلافه، مع وجود رواة الحديث بين أظهر من قضى بالزيادة على العشر، وتكرر ذلك منه، من غير أن يعلم أن هناك مخالفًا أو منكرًا منهم على الخروج عن مفهوم النص فإن هذا من أمحل المحال والله تعالى أعلم.

وبعدُ، فعودة إلى اعتراض العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله، فمن المتفق عليه أن لفظة «حدود الله» قد وردت في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ويراد بها معانٍ متعددة، وليست محصورة في معنى العقوبات المقدرة التي جرى عليها عرف الفقهاء واستقر اصطلاحهم، فهذه المقدمة ينبغي أن لا يختلف فيها لثبوتها الجلي بآيات وأحاديث عدة، وما دام اللفظ يحتمل اندراج كل المعاني فيه واشتماله عليها فالواجب حمل اللفظ عليها ليكون الحكم منسحبًا على كل فرد من أفراد المعنى، ولا يستثنى من تلك المعاني شيء إلا بدليل ثابت صحيح.

فقول النبي ﷺ في الحديث: (إلا في حد من حدود الله)، يعد صالحًا لأن يشمل كل ما يدخل في حدود الله من المعاني الشرعية، ولا شك أن ذلك لا يقتصر على العقوبات المقدرة فحسب، وما دام اللفظ يمكن إجراؤه على تلك المعاني كلها فمن أين لنا أن نخرج بعضها ونبقي بعضها بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ فحمل هذا اللفظ على معنى الحد حسب اصطلاح الفقهاء هو في الوقت نفسه تفريغ للّفظ من باقي معانيه وهذا لا يكون بغير دليل شرعي، فإذا انضم إلى صلاحية شمول اللفظ لكل ما يسمى شرعًا «حدود الله» فعلُ الصحابة والتابعين بخلاف المفهوم السائد بين الفقهاء ازداد تأكد دخول باقي المعاني في اللفظ ووجب حمله عليها جميعها.

ص 492

أما كون التعزير مقتصرًا على المحرمات فقط فإذا أدْرَجناها جميعها في معنى الحد فلا يبقى للاستثناء فائدة، فجوابه أن ما ليس محرمًا لا يجوز التعزير عليه أصلًا حتى يقال لا يضرب فيه أكثر من عشرة أسواط، لأن حكم التحريم إنما يثبت في حق المكلف الذي هو البالغ العاقل، أما إن اختل أحد هذين الوصفين «البلوغ والعقل» أو هما معًا فإن أفعالهم في تلك الحال لا توصف بالتحريم إذا ما أضيفت إليهم، وإن كان محرمًا بالنظر إلى أصل نهي الشارع عنه نهيًا جازمًا، فإن المحرم -كما عُرِّف بآثاره-: «هو ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه امتثالًا»٨٨٣[توضيح الأحكام من بلوغ المرام: (1/30)].، وهؤلاء لا يعاقبون عقابًا أخرويًا على فعل ما نهى الشارع عنه.

ورغم ذلك فإن المجنون الذي يعتدي على الناس ويؤذيهم فيجوز عقابه بالضرب، أو الحبس، أو نحو ذلك، وكذلك الصبي المميز تجوز معاقبته على ارتكاب المحظورات الشرعية أو على تركه لبعض الأوامر المتحتمة كالصلاة بعد العشر كما أمر النبي ﷺ رغم أنها ليست واجبة عليه وجوبًا تترتب عليه أحكام تركها، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فأما التعزير بالضرب ونحوه، فلم يرفع عن المميز من الصبيان، بل قال النبي ﷺ: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع)٨٨٤[ذكره الشيخ بالمعنى، وقد تقدم تخريجه بلفظه في (373)].؛ فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى، وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع، أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته»٨٨٥درء تعارض العقل والنقل: (6/64)..

فهذه صور لأفعال يجوز التعزير عليها مع أنها إذا ما أضيفت إلى فاعليها فلا توصف بالحرمة، لأن وصف التحريم فرع عن التكليف، وأصحابه هنا ليسوا بمكلفين، فعلى مثل هذه الصور يحمل الاستثناء في الحديث والله تعالى أعلم.

الثالث: نقل العلامة ابن دقيق العيد قول عبد الرحمن بن عوف: «أخف الحدود ثمانون»، ثم قال: «فإنه يقطع دابر هذا الوهم، ويدل على أن مصطلحهم في الحدود إطلاقها على المقدرات التي يطلق عليها الفقهاء اسم «الحد» فإن ما عدا ذلك لا ينتهي إلى مقدار أربعين فهو ثمانون، وإنما المنتهي إليه هي الحدود المقدرات»٨٨٦إحكام الأحكام: (4/383)..

ص 493

وقد نقلنا كلام الإمام الشوكاني واستدلاله بهذا الأثر على ما قاله ابن دقيق العيد، وأصرح من هذا الأثر أحاديث نبوية كثيرة تدل على إطلاق الحد على المقدرات كقوله ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٨٨٧[تقدم في (268)].، وكما ذكرنا من قبل فإن من حمل الحديث على المعاصي بعمومها (حقوق الله) لا ينازع في أن الحد حسب اصطلاح الفقهاء قد ورد في كلام الشارع، ولكن لا يرتضي حصر واختزال معنى الحدود فيما ذهب إليه الفقهاء، والفرق بين القولين بيّن والله تعالى أعلم.

إذًا فالمترجح والله أعلم هو جواز الزيادة على عشرة أسواط في التعزير، لأن الحديث يدل على ذلك ولا ينافيه ويؤيده ولا يعارضه، ولكن ما كان من المعاصي قد شرع في جنسه حد من الحدود المقدرة؛ فلا يجوز أن يبلغ بالتعزير الحد المقدر، وذلك هو المشهور من أفعال الصحابة رضوان الله عليهم، ومن جهة النظر فإن المعاصي التي شرعت فيها الحدود المقدرة تعتبر على العموم من أقبح الموبقات، وأفظع المحرمات، وقد شرع الله فيها ما يعلم أنه زاجر عنها، فما ارتكب من المعاصي وهو من جنسها فهو بلا شك دونها في القبح، والمراعى في التعزير هو اختيار العقوبة الأنسب من غير زيادة ولا نقصان.

فإذا قيل بالزيادة على الحدود في المعاصي التي هي من جنس ما شرعت له فإن ذلك يعتبر عقوبة زائدة على القدر المطلوب، فمن قبّل امرأة أجنبية فإن عقوبته تكون دون حد الزنا، ومن قذف بغير الزنا فضربه يكون أقل من حد القذف، ومن سرق من غير حرز أو دون النصاب فيعاقب بما دون القطع وهكذا، ولكن قد تجتمع في شخص واحد معاص عدة وهي بمجموعها من جنس ما شرع فيه حد من الحدود فيجوز في هذه الحالة أن يعاقب على كل معصية بمفردها ولو أدى مجموع أسواط التعزير على تلك المعاصي إلى مجاوزة الحد والله أعلم.

ص 494

قال ابن الشاط المالكي في تعليقه على فروق القرافي: «قلت جميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، لكنه أغفل من الأجوبة عن قوله ﷺ: (لا تجلدوا فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله)٨٨٨[تقدم في (268)].، أصحها وأقواها، وهو أن لفظ الحدود في لفظ الشارع ليس مقصورًا على الزنا وشبهه، بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه، فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى، فإن قيل: الحديث يقتضي مفهومه أنه يجلد عشر جلدات فما دونها في غير الحدود، فما المراد بذلك؟ الجواب: أن المراد به جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم»٨٨٩الفروق: (4/319)..

وقال ابن فرحون: «وتأول أصحابنا الحديث على أن المراد بقوله في غير حد... إلخ؛ أي في غير حق من حقوق الله تعالى، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها لأن، المعاصي كلها من حدود الله تعالى»٨٩٠[المصدر السابق نفسه]..

ص 495

وقال الإمام ابن القيم: «فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي ﷺ: (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٨٩١[تقدم في (268)].، قيل: نتلقاه بالقبول، والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرناه، فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك، فإنه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة، كقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187]، وقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ [البقرة: 229]، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال، وقال النبي ﷺ: (إن الله حد حدودا فلا تعتدوها)٨٩٢[هو جزء من حديث، رواه الحاكم: (٧١١٤) وغيره، وحسنه النووي في الأربعين النووية رقم (30)، وحسنه الأرنؤوط في تحقيقه لسير أعلام النبلاء (17/626)، ولكن الألباني ضعفه في غاية المرام رقم (17)]....، ويراد به تارة جنس العقوبة، وإن لم تكن مقدرة، فقوله ﷺ: (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٨٩٣[سبق في (268)].، يريد به الجناية التي هي حق الله، فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المراد بالحد الجناية؟، قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط، فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق»٨٩٤إعلام الموقعين: (2/48)..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما تسمية العقوبة المقدرة حدًا فهو عرف حادث، ومراد الحديث: إن ضرب لحق نفسه -كضرب الرجل امرأته في النشوز- لا يزيد على عشر جلدات»٨٩٥السياسة الشرعية: (91)..

والأولى أن يقال: إن تخصيص الحد بالعقوبات المقدرة عرف حادث، أما تسميته به فقد ورد في أحاديث وآثار كثيرة كما رأينا والله أعلم.

وهذا من حيث جواز الزيادة على العشرة، أما من حيث عدم تجاوز الحد في المعاصي التي شرع في جنسها عقوبة مقدرة فقد نقلنا في ذلك أقوال المذاهب المشهورة، وما من مذهب إلا وفيه هذا القول، إلا المالكية فإنهم يجوّزون العقوبة بما أدى إليه اجتهاد الإمام مطلقًا دون نظر إلى ما شرع في جنسه حد، والأول هو الذي رجحه شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما.

ص 496

قال شيخ الإسلام: «وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، أحدهما: عشر جلدات، والثاني: دون أقل الحدود إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والثالث: إنه لا يتقدر بذلك، وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر، مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به الحد، وهذا القول أعدل الأقوال عليه دلت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي ﷺ بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مئة، ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مئة، مئة، وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مئة، ثم ضربه في اليوم الثاني مئة، ثم ضربه في اليوم الثالث مئة، وضرب صبيغ بن عسل لما رأى بدعته ضربًا كثيرًا لم يعده»٨٩٦مجموع الفتاوى: (28/108)..

وقال الإمام ابن القيم: «الثاني -وهو أحسنها- أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها، فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد»٨٩٧الطرق الحكمية: (107)..

وقال الزركشي الحنبلي رحمه الله: «وقال أبو محمد -هو ابن قدامة-: إن كلام أحمد في وطئ الأمة المشتركة ونحوها، وكلام الخرقي يحتمل أن لا يبلغ بالتعزير في الذنب حد جنسه، ويجوز أن يزيد على حد جنس آخر، وهو أقعد من جهة الدليل وإلى هذا ميل أبي العباس -هو ابن تيمية-، لما روي عن عمر رضي الله عنه أن رجلًا نقش على خاتمه، وأخذ من بيت المال، فضربه مئة، وضربه في اليوم الثاني مئة، ثم ضربه في اليوم الثالث مئة، وهذا كله دون حد جنسه وهو القطع، وحديث النعمان٨٩٨[المذكور في (467)]. لم يبلغ به الحد في جنسه، لأن حد واطئ جارية امرأته الرجم لإحصانه، وكذلك قصة عمر والخلفاء رضي الله عنهم في الأمة المشتركة، وفيمن وجد مع امرأة في لحاف، ويحمل حديث أبي بردة رضي الله عنه٨٩٩[المذكور في (268)]. على أن أحدًا لا يؤدب فوق عشرة أسواط، والتأديبات تكون في غير محرم، وقوله تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187] وذلك يشمل الحدود المقدرة وغيرها»٩٠٠شرح الزركشي على مختصر الخرقي: (6/408)..

جواز الزيادة على العشرة في التعزير في قضايا متعددة ومشهورة بين الصحابة رضي الله عنهم:

وكما نرى فقد دلت آثار الصحابة رضوان الله عليهم في مواضع متعددة على جواز الزيادة على العشرة في التعزير في قضايا متعددة ومشهورة بينهم؛ منها:

ص 497

الأولى: ضرب عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل عندما كان يسأل عن المتشابه من القرآن، ولفظها عنده كما ذكره الزرقاني قال: «وأخرج ابن الأنباري وغيره بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر، فسأله عن الذاريات الحديث... وفيه فأمر عمر فضرب مئة سوط، فلما برأ دعاه فضربه مئة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى حرم على الناس مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى، فحلف له أنه لا يجد في نفسه شيئًا، فكتب إلى عمر أنه صلح حاله، فكتب إليه خل بينه وبين الناس، فلم يزل صبيغ وضيعًا في قومه بعد أن كان سيدًا فيهم»٩٠١شرح الزرقاني على الموطأ: (3/33)، وهي قصة ثابتة رواها غير واحد من الأئمة بأسانيد متعددة، منهم الدارمي [(146) وقال د. مرزوق الزهراني: رجاله ثقات]، والبزار [299]، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة [1136]، وابن الأنباري..

فهذا عمر رضي الله عنه يضرب صبيغًا ضربًا متكررًا متفرقًا حتى ورد في بعض الروايات أنه أدمى رأسه، وفي بعضها حتى ترك ظهره وبرة، وفي مجمع من الصحابة، ثم أمر أبا موسى الأشعري بأن ينهى الناس عن مجالسته، مما يعني زيادة تـأكيد اشتهار قصته ومعرفة الناس بها، وورد في بعض الروايات أنه حرمه عطاءه، فيكون عمر قد جمع عليه من العقوبات التعزيرية: الضرب، والهجر، والمنع من المال، ومحال تكون قصة كهذه لم تبلغ أبا بردة رضي الله عنه راوي حديث: (لا يجلد فوق عشر أسواط إلا في حد من حدود الله)٩٠٢[سبق في (ص 268)].، وأمحل من ذلك أن تبلغه ويكون معنى الحد عنه وعند عمر العقوبات المقدرة ثم لا ينبه عمر لمخالفته الحديث، فإن الصحابة رضوان الله عليهم معروفون بالنصح لبعضهم، والتذكير عند نسيانهم، وعدم خوفهم في الله لومة لائم، ولاشتهار القصة بين السلف، ومعرفتهم بها، وأن ضربها خرج عن القدر المألوف والمعروف في باقي الجنايات.

ص 498

قال ابن عباس في حق الذي ألح عليه في السؤال عن معنى الأنفال: «أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب»، فقد روى مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: «سمعت رجلًا يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: «الفرس من النفل، والسلب من النفل»، قال ثم عاد الرجل لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه، ثم قال ابن عباس: «أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب»»٩٠٣الموطأ: (2/455) [ح ١٦٥٥]..

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا، فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا﴾ [الذاريات: 1]؛ فقال: ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر، وضربه الضرب الشديد.

وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ؛ وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام، كما قال النبي ﷺ: (إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه)٩٠٤[هو جزء من حديث رواه البخاري: (٤٥٤٧)، ومسلم: (٢٦٦٥)، وغيرهما].، وكما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ﴾ [آل عمران: 7]، فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد، كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض)٩٠٥[جزء من حديث رواه أحمد: (6845) وغيره، وصححه الأرنؤوط]. فإن ذلك يوقع الشك في قلوبهم»٩٠٦مجموع الفتاوى: (13/311)..

الثانية: عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: «أُتي علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثم قال: «إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله ﷻ»»٩٠٧رواه البيهقي: [17609]، وابن أبي شيبة: [١٣٥٥٦]، والطحاوي في شرح معاني الآثار: [(٤٨٩٥)، واللفظ له]، وحسنه الألباني في (إرواء الغليل: 2399)، وروي نحو هذا عن عمر أيضًا ففي مصنف ابن أبي شيبة [٣٠٦٠١] عن أبي سنان البكري قال: «أتي عمر برجل شرب خمرًا في رمضان، فضربه ثمانين وعزره عشرين»، وروى ابن حزم مثله عن ابن مسعود في (الإحكام: 7/456)..

ص 499

فهذا علي رضي الله عنه جلد النجاشي عشرين جلدة بعد حبسه، وهي زيادة على عشرة أسواط، وزيادة على حد شارب الخمر سواء قلنا أربعين أم ثمانين، ثم بيّن سبب ذلك الجلد وهو إفطاره في رمضان وجرأته على الله تعالى.

الثالثة: ما رواه عبد الرزاق٩٠٨[14601]. عن الثوري عن حميد الأعرج عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري ولا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطًا، فهذا الأثر الصحيح عن عمر -وإن كان ألزم فيه أبا موسى بعدم الزيادة على العشرين- يدل على أن عمر رضي الله عنه يجوّز الزيادة على عشرة أسواط.

ولو كان أبا موسى رضي الله عنه يرى عدم الزيادة على عشرة لرد الأمر على عمر أو نبهه على ذلك، بل قد ورد أن أبا موسى ضرب في التعزير عشرين سوطًا كما روى ذلك البيهقي بسنده: «أن رجلًا كان ذا صوت ونكاية على العدو مع أبي موسى فغنموا مغنمًا، فأعطاه أبو موسى نصيبه ولم يوفه، فأبى أن يأخذه إلا جميعًا، فضربه عشرين سوطًا وحلق رأسه، فجمع شعره وذهب به إلى عمر رضي الله عنه.. فأخرج شعرًا من جيبه، فضرب به صدر عمر رضي الله عنه، قال مالَكَ؟ فذكر قصته، قال فكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى:

سلام عليك، أما بعد: فإن فلان بن فلان أخبرني بكذا وكذا، وإني أقسم عليك إن كنت فعلت ما فعلت في ملأ من الناس، جلست له في ملأ من الناس فاقتص منك، وإن كنت فعلت ما فعلت في خلاء فاقعد له في خلاء فليقتص منك، قال له الناس: اعف عنه، قال: لا والله، لا أدعه لأحد من الناس، فلما دفع إليه الكتاب قعد للقصاص رفع رأسه إلى السماء قال قد عفوت عنه لله»٩٠٩[١٦١٢0]، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة [(٣٦٠٩١)، وصححه سعد الشثري]..

وظاهر من هذه القصة أن عمر لم يكن إنكاره على أبي موسى بلوغه في التعزير عشرين سوطًا، وإنما لأجل منع الرجل من حقه وضربه لما طالبه به، وحلقه لرأسه من غير موجب، ولعل هذه القصة هي التي دفعت عمر إلى أن يكتب لأبي موسى أن لا يبلغ بنكال عشرين سوطًا والله أعلم.

ص 500

الرابعة: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: «أتي عبد الله بن مسعود برجل وجد مع امرأة في لحاف، فضرب كل واحد منهما أربعين سوطًا، وأقامهما للناس، فذهب أهل المرأة وأهل الرجل، فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لابن مسعود: ما يقول هؤلاء؟ قال: قد فعلت ذلك، قال أوَ رأيت ذلك؟ قال: نعم، فقال: نِعْمَ ما رأيت، فقالوا أتيناه نستأذنه فإذا هو يسأله»٩١٠ورواه أيضًا عبد الرزاق [١٣٦٣٩]، ومن طريقه الطبراني [٩٦٩٤] في (الكبير: 9/341)، قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 6/270)..

فهذا أثر ثابت صحيح تجاوز فيه عبد الله بن مسعود -وهو من فقهاء الصحابة وكبارهم- العشرة أسواط في التعزير، وأقره عمر على ذلك، ومدح فعله، وصوب اجتهاده.

الخامسة: ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي وائل: «أن رجلًا كتب إلى أم سلمة في دين له قبلها، يحرج عليها فيه، فأمر عمر بن الخطاب أن يضرب ثلاثين جلدة»٩١١رواه ابن أبي شيبة [٣٠٨٠١]، ومن طريق ابن عيينة أيضًا رواه ابن حزم في (المحلى 11/403)، وابن عبد البر في (التمهيد 5/330): «قال كان رجل له على أم سلمة دين، فكتب إليها كتابًا يحرج عليها، فأمر به عمر بن الخطاب أن يجلد ثلاثين جلدة، كلها تبضع اللحم وتحدر الدم، قال سفيان: لأنها أمه ولا ينبغي للرجل أن يضيق على أمه»..

فهذا أثر ثابت عن عمر رضي الله عنه أمر فيه بضرب من أحرج أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ضربًا مبرحًا ثلاثين جلدة، وهي زيادة على العشرة أسواط.

السادسة: ما اشتهر في كتب الفقهاء من أن عمر رضي الله عنه ضرب معن بن زائدة لما زوّر عليه كتابًا نقش عليه خاتم عمر ليأخذ بذلك مالًا من بيت المال، فضربه عمر في اليوم الأول مئة، ثم ضربه في اليوم الثاني مئة، ثم ضربه في الثالث كذلك.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ذكر أبو الحسن بن القصار المالكي أن عمر رفع إليه كتاب زوره عليه معن بن زائدة، ونقش مثل خاتمه، فجلده مئة، ثم سجنه، فشفع له قوم فقال: ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، ثم جلده مئة أخرى، ثم جلده مئة ثالثة، وذلك بمحضر من العلماء، ولم ينكر عليه أحد فكان ذلك إجماعًا»٩١٢الإصابة: (6/396)..

ص 501

وقال ابن فرحون رحمه الله: «وقال المازري في المعلم: ومذهب مالك رحمه الله أنه يجيز في العقوبات فوق الحد، لما تقدم من فعل عمر رضي الله عنه في ضرب الذي نقش خاتمه مئة، ونقل ابن القيم الجوزية ما تقدم أنها ثلاث مئة في ثلاثة أيام، وذكرها القرافي، وأن صاحب القضية معن بن زائدة زور كتابًا على عمر، ونقش خاتمه فجلده مئة، فشفع فيه قوم فقال: ذكرتموني الطعن وكنت ناسيًا؟ فجلده مئة أخرى، ثم جلده بعد ذلك مئة أخرى، ولم يخالفه أحد فكان إجماعًا»٩١٣تبصرة الحكام: (2/295)..

وقال ابن القيم رحمه الله: «وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الذي زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مئة»٩١٤الطرق الحكمية: (1/157)..

والقصة وإن كانت تحتاج إلى إثبات صحتها إلا أن تناقل هؤلاء الأئمة لها يدل على أن لها أصلًا، مع أنها ليست هي المعتمد في الباب مع كل ما سبق ذكره، قال الحافظ ردًا على ابن القصار دعواه الإجماع بهذه القصة: «قلت: الشأن في ثبوت ذلك، فإن ثبت فيحتمل أن يكون فعل ذلك بطريق الاجتهاد، فلم ينكره لأن مجتهدًا لا يكون حجة على مجتهد، فلا يلزم أن يكونوا قائلين بجواز ذلك فأين الإجماع؟!»٩١٥الإصابة: (6/396)، [وقد علّق على القصة محَقِّقا المغني د. التركي ود. عبد الفتاح الحلو بالقول: «لم نجده فيما بين أيدينا، ومعن بن ‌زائدة من أجواد العرب، أدرك العصرين الأموي والعباسي، فكيف يدرك ‌عمر رضي الله عنه!» المغني: (12/525)]..

وفي كلام الحافظ رحمه الله ما فيه، وذلك لو ثبت أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم يرى أن الزيادة على العشرة في التعزير لا تجوز بدلالة النص لقول النبي ﷺ: (لا يجلد فوق عشرة أسواط.. الحديث)٩١٦[تقدم في (ص 268)].، ثم رأوا عمر رضي الله عنه يخالف هذا الحديث باجتهاده، لما سكتوا عنه ولما وسعهم ذلك أصلًا؛ لأن الأمر حينها لم يعد اختلاف مجتهد مع مجتهد، وإنما مخالفة مجتهد لقول النبي ﷺ، واجتهاد في مورد النص، ومن القواعد الأصولية المعروفة والمقررة أنه لا اجتهاد مع النص.

ص 502

فالحاصل -بعد ثبوت هذه القصة- إما أن يكون الصحابة رضي الله عنهم علموا ما فعله عمر بمعن ووافقوه على اجتهاده، وأقروه على فعله لأنهم يصوبون ما فعل سواء بسبب عدم سماعهم بقول النبي ﷺ أصلًا، أو لأنهم يرون أن الحد المذكور في الحديث هو مطلق المعاصي التي هي حقوق الله تعالى، فيكون عدم إنكارهم إجماعًا سكوتيًا عند من يقول به، وإما أنهم لم يعلموا ولم يسمعوا بفعله أصلًا فتكون الحجة في فعل عمر وحده، أما أنهم يعتقدون أن المقصود بالحد المذكور في الحديث هو الحدود المقدرة، ثم يرون عمر رضي الله عنه يخالف ذلك النص ويتجاوز في ضربه لمعن عشرة أسواط ثم يسكتون عنه ولا ينبهونه على خطأ اجتهاده فهذا ما لا يُظن بالصحابة وهم أبعد الناس عن ذلك، هذا مع أن فيما نُقل قبلها من الآثار الصحيحة الثابتة غنية وكفاية في الاحتجاج للزيادة على عشرة أسواط من آثار الصحابة رضي الله عنهم.

السابعة: عن سعيد بن المسيب في جارية كانت بين رجلين فوقع عليها أحدهما؟ قال: «يضرب تسعة وتسعين سوطا»٩١٧رواه ابن أبي شيبة [٣٠٤٢٣]، قال الشيخ الألباني في الإرواء: (8/22): وإسناده صحيح، كما أخرج من طريق جعفر بن برقان قال: «بلغنا أن عمر بن عبد العزيز أتى بجارية كانت بين رجلين فوطئها أحدهما، فاستشار فيها سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير؟ فقالوا: نرى أن يجلد دون الحد، ويقيمونه قيمة، فيدفع إلى شريكه نصف القيمة»، وعند عبد الرزاق [١٣٤٥٨] من طريق داود بن أبي عاصم «عن جارية كانت بين رجلين شطرين فأصابها كلاهما في طهر واحد، بينهما ثلاث ليال، فولدت غلامًا فكتب عبد الملك إلى عامله بالمدينة أن سل سعيد بن المسيب، فقال ابن المسيب اكتبوا إليه، وأبى هو أن يكتب: أن تدعوا القافة فألحقوه بشبهها، وليجلد كل واحد منهما شطر العذاب، فإنما درأ عنهما الرجم نصيب كل واحد منها، ثم ليبع كل شطر الغلام الذي لم يلحق به من الذي لحق به وليقاربه فيه ففعل ذلك عبد الملك» المصنف (7/365)..

وما ينبغي أن يعلم في هذا الموضع أن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم في هذه القضايا حول مقدار التعزير ليس اختلافًا ناشئًا عن تعدد آرائهم في أقصى التعزير، كما أنه ليس اختلافًا في جواز الزيادة على عشرة أسواط، وإنما تعدد قدر التعزير في هذه المواضع راجع إلى الاجتهاد في اختيار العقوبة الأنسب لكل معصية.

ص 503

فلهذا نرى عمر ضرب صبيغًا ضربًا كثيرًا تجاوز المئة أو المئتين، وضرب من أحرج أم سلمة ثلاثين، وأقر ابن مسعود لما ضرب الرجل والمرأة أربعين، أربعين، وأمر أبا موسى أن لا يتجاوز العشرين، فهذه كلها اجتهادات من عمر -ومثله غيره ممن نُقل عنه التعزير- في كل قضية بعينها وفي كل معصية بحسبها.

فالصحابة متفقون -حسب هذه الوقائع وغيرها- على جواز الزيادة على عشرة أسواط وهو قاسم مشترك تشمله كل الآثار التي نُقلت والله تعالى أعلم.

تنبيه:

روى ابن ماجة في سننه قال: حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا عباد بن كثير عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تعزروا فوق عشرة أسواط)٩١٨[٢٦٠٢] وهذا الحديث قد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في: صحيح الجامع (7369)، وحسنه في صحيح سنن ابن ماجة (2/89) وقال: «حسن لغيره»..

والحديث الذي قبله هو ما رواه أبو بردة بن نيار رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (لا يجلد فوق عشرة جلدات إلا في حد من حدود الله)٩١٩[تقدم في (ص 268)].، وهذا الحديث قد أخرجه الأئمة البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وغيرهم، ولكن بالتأمل -والله أعلم- يظهر أن هذا الحديث الذي صححه الشيخ الألباني ضعيف وذلك لأمور:

ص 504

الأول: أن في إسناده إسماعيل بن عياش أبا عتبة العنسي الحمصي، وقد ضعفوا روايته عن غير الشاميين وهذا منها، قال أحمد رحمه الله: «ما روى عن الشاميين صحيح، وما روى عن الحجازيين فليس بصحيح»٩٢٠[المغني في الضعفاء للذهبي: (1/85)].، وقال عنه الحافظ في التقريب: «صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم»٩٢١[تقريب التهذيب: (ص 109)].، وقد نص الشيخ الألباني على هذا فقال في مواضع متعددة: «إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين»٩٢٢انظر على سبيل المثال السلسلة الضعيفة (1/632، 2/309-303-237)، والذي يروي عنه إسماعيل بن عياش هذا الحديث هو عباد بن كثير الثقفي البصري، فهذه هي العلة الأولى للحديث..

الثاني: أن عباد بن كثير متروك، قال فيه البخاري: «تركوه»٩٢٣[الضعفاء الصغير للبخاري: (ص 89)].، وقال الإمام أحمد: «روى أحاديث كاذبة»٩٢٤[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (6/84)].، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء في الحديث»٩٢٥[المجروحين لابن حبان: (2/167)].، وقال النسائي: «متروك»٩٢٦[الكامل في ضعفاء الرجال للجرجاني: (5/539)].، وقال الدارقطني: «ضعيف»٩٢٧[ذكره الدارقطني في «الضعفاء والمتروكون»: (2/165)].، وفي خطبة مسلم قال ابن المبارك: «قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، فإذا حدث جاء بأمر عظيم فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه، قال: بلى، قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد، أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه»٩٢٨[إكمال المعلم بفوائد مسلم: (1/134)]..

ص 505

وقال الحافظ في التقريب: «متروك»٩٢٩[تقريب التهذيب: (ص 290)]، فمن كانت هذه حاله فلا يصحح حديثه بالشواهد، وقد ذكر الشيخ الألباني في مواضع من السلسلة الضعيفة٩٣٠السلسلة الضعيفة منها (1/700).: أن عبادًا متهم؛ وهذا يعني أن حديثه لا يتقوى بالشواهد، وقد صرح الشيخ الألباني أن تحسينه لحديث أبي هريرة: (لا تعزروا فوق عشرة أسواط)٩٣١[سبق قبل قليل].، إنما هو بحديث أبي بردة المتفق عليه فقال: «حسن بما قبله»، وقد سبق الشيخ الألباني في جعل حديث أبي بردة شاهدًا لحديث أبي هريرة الكنانيُّ فقال بعد رواية الحديث السابق: «هذا إسناد ضعيف عباد بن كثير قال فيه أحمد بن حنبل روى أحاديث كذب لم يسمعها - إلى أن قال -: قلت: وله شاهد من حديث أبي بردة بن نيار»٩٣٢[تقدم مرارًا، وخُرِّج في (ص 268)]، رواه الأئمة الستة وأحمد والدار قطني، مصباح الزجاجة (3/115)..

الثالث: الاضطراب في متن الحديث، فعند ابن ماجه٩٣٣[٢٦٠٢]. بلفظ: (فوق عشرة أسواط)، وهو كذلك عند الطبراني٩٣٤المعجم الأوسط (7/292)، [(٧٥٢٨)، بلفظ (لا تعزير) بدل (لا تعزروا)].، وكذا العقيلي٩٣٥الضعفاء (1/65)، [بلفظ (لا تعزير)].، وقد روي هذا الحديث بلفظ: (فوق عشرين سوطًا) بدل (عشرة أسواط)٩٣٦كما في المجروحين (2/301) لابن حبان، ومثله في ميزان الاعتدال (6/33)، وهو ما لم يرد في شيء من ألفاظ الحديث الصحيح المتفق عليه..

وحديث ابن ماجة رواه أيضًا الطبراني في الأوسط٩٣٧[٧٥٢٨]. بلفظ: (لا تعزير فوق عشرة أسياط)، فقال: حدثنا محمد بن إبراهيم العسال ثنا إبراهيم بن محمد الشامي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تعزير فوق عشرة أسياط)، وهو ضعيف أيضًا؛ فإن فيه إبراهيم بن محمد الشامي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: «قال الدار قطني: كذاب، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة»٩٣٨[ميزان الاعتدال: (3/446)]. وقال عنه العقيلي: «إبراهيم بن محمد الشامي مجهول، وقع إلى أصبهان حديثه منكر غير محفوظ»٩٣٩[الضعفاء الكبير: (1/65)]..

ص 506

وقال عنه ابن حبان أيضًا: «محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله شيخٌ كان يدور بالعراق ويجاور عبادان يضع الحديث على الشاميين، أخبرنا عنه أبو يعلى والحسن بن سفيان وغيرهما، لا تحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار، روى عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا تعزير فوق عشرين سوطًا)، فيما يشبه هذا مما لا أصول لها من كلام رسول الله ﷺ لا يحل الاحتجاج به»٩٤٠[المجروحين: (2/301)].، ولا يبقى مع كلام هؤلاء الأئمة في سند هذا الحديث وبيان حال بعض رواته شك في ضعفه، والله تعالى أعلم.

أما من حيث المعنى، فحديث أبي بردة رضي الله عنه مشتمل على تخصيص وهو الاستثناء الذي في قول النبي ﷺ: (إلا في حد من حدود الله)، وليس هذا الاستثناء فيما رواه ابن ماجة: (لا تعزروا فوق عشرة أسواط)٩٤١[سبق في: (ص 503)].، فلو أبقي حديث ابن ماجة خاليًا عن الاستثناء؛ لكان نصًا في النهي عن الزيادة على عشرة أسواط في التعزير -إن كان التعزير بمعناه الاصطلاحي عند الفقهاء يطابق معناه الشرعي- وعليه فيكون المعنى في هذه الحالة موافقًا لمن فهم منع الزيادة على عشرة أسواط من حديث أبي بردة، وأما مع حمل حديث أبي هريرة على حديث أبي بردة ليكون في معنى: (لا تعزروا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) فهنا أمران:

الأول: عند حمل لفظ (حدود الله) الذي في الاستثناء على العقوبات المقدرة يكون قوله: (لا تعزروا) شاملًا للعقوبات المقدرة وغيرها وهي التعازير، وليس في معهود الشارع ولا فيما هو معروف عنه ولا فيما جاء عن الفقهاء إطلاق لفظ التعزير على الحدود المقدرة، هذا إذا قلنا إن الاستثناء متصل، وأما إذا حمل على الانقطاع؛ فيكون المعنى لا تعزروا فوق عشرة أسواط، ولكن في حد من حدود الله فلكم أن تجلدوا أكثر منها، إلا أن الأصل في الاستثناء أن يحمل على الاتصال وحمله على الانقطاع يحتاج إلى دليل.

ص 507

الثاني: أما عند حمل لفظ (حدود الله) في الاستثناء على حقوق الله وهي كل ما حرمه سبحانه ونهى عن تجاوزه أو تعديه، فهذا يؤيد أن من أسباب التعزير وموجباته ما يعد داخلًا في حقوق الله فتجوز الزيادة عليها، وأن منها ما لا يدخل في ذلك وهي التأديبات فلا يجوز أن يتجاوز بها عشرة أسواط؛ لأنه يصبح في معنى: لا تعزروا فوق عشرة أسواط إلا إن عزرتم في حد من حدود الله التي هي حقوقه فلكم عندها أن تتجاوزوا، ويتقوى هذا المعنى بمجيئه بلفظ (لا تعزروا) إلا أن الحديث كما اتضح ضعيف لا يحتج به فلا يحتاج إلى كل هذا التطويل ويغني عنه الحديث الصحيح المتفق عليه، والله أعلم.

كيفية اختيار العقوبات التعزيرية

قد اتضح لنا من قبلُ أن أمر اختيار العقوبات التعزيرية يوكل إلى اجتهاد الإمام وما يراه مناسبًا وملائمًا للجناية التي سيعاقب عليها، وهذا يقتضي النظر في حال الجناية، وحال الجاني، وحال المجني عليه، ثم ينظر إلى العقوبة التي سيوقعها؛ فهذه أربعة أمور يجب مراعاتها والنظر إليها عند اختيار العقوبة، فإن التقصير في معرفة أي جزئية من هذه الجزيئات الأربع قد يقود إما إلى الزيادة في العقوبة على القدر المطلوب والمناسب للجناية، أو التقصير في إيقاع الزاجر الملائم، فتكون العقوبة أقل مما يحتاج إليه الجاني ليردعه، فالنظر في حال الجناية يكون من جهة كونها كبيرة أو صغيرة، وهل هي متكررة ممن ارتكبها أم كانت فلتة وهفوة، وما مدى انتشارها بين الناس وانكبابهم وتهافتهم عليها وتساهلهم في اقترافها، فإن تغليظ العقوبة واختيار الطريقة الأنسب لإيقاعها قد لا يكون من أجل زجر الجاني فقط.

ص 508

بل قد ينضاف إلى ذلك إرادة تخويف الناس، وترهيبهم من مقارفة ذلك النوع من الجنايات، ولهذا فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله فائدة في هذا السياق، وهو أنه إن وجد من يستحق القتل بموجب حكم شرعي، وكان بين الناس معصية عظيمة متفشية لا تكفي عقوبات الضرب والسجن ونحوها في كفهم عنها؛ فإن للإمام في مثل هذه الحال أن يقتل ذلك الشخص الذي استحق القتل شرعًا، ثم يشيع بين الناس أن سبب القتل هو اقترافه لذلك الذنب الذي فشا بينهم؛ وذلك من أجل ردعهم وترهيبهم، واستأنس لقوله هذا بأن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها فقد جاء في الاختيارات العلمية: «فأما حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل ويقوى ذلك أن يعاقب الإمام من استحق العقوبة بالقتل وتوهم العامة أنه عاقبه على بعض الذنوب التي يريد الحذر عنها، وهذا يشبه أنه ﷺ إذا أراد غزوة ورّى بغيرها»٩٤٢الفتاوى الكبرى: (1/232)..

وأما جهة النظر إلى الجاني؛ فإن التعازير وإن اتحدت فيها موجباتها أحيانًا فلا يلزم منها اتحاد العقوبة، بل قد تتفاوت باعتبار حال مرتكبها، وهذا المعنى قد أشار إليه قول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٩٤٣[تقدم في: (ص 268)].، فالحديث فرّق في الإقالة عن العثرة والتجاوز عن الزلة والهفوة بين ذوي الهيئات وغيرهم، ثم إن كان هذا في أصل الإقالة والعفو، فإن فيه إشارة إلى أن العقوبة ليست متساوية ومتفقة في حق المجرمين، لأنهم ليسوا على مرتبة واحدة في إجرامهم، فكما أن هيئة ذوي الهيئات شفعت لهم فأسقط عنهم الزاجر رأسًا، فاعتبار مراتب الجناة والتنزل مع أحوالهم شيئًا فشيئًا يوجب تغير العقوبة بحسب حال كل واحد منهم.

ثم إن العلماء اختلفوا في ذوي الهيئات من هم؟ وما هي العثرات التي يقالونها؟، فذهب الإمام الشافعي إلى أنهم: «الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة»٩٤٤[الأم: (6/157)]..

وحكى الماوردي وجهين في معنى ذوي الهيئات:

«أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر.

والثاني: أنهم الذين إذا أتوا الذنب ندموا عليه وتابوا منه»٩٤٥الأشباه والنظائر للسيوطي: (1/489)..

ص 509

وقال أبو المحاسن الحنفي: «والمراد بذوي الهيئات: أهل المروءة والصلاح، يبيّنه ما روي أن رسول الله ﷺ قال: (تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة والصلاح)»٩٤٦معتصر المختصر: (2/135)، [والحديث رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار: (٢٣٧٨)، بلفظ: (تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة، وهو ذو الصلاح)، وتكلم عنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة بما يفيد تضعيفه له (2/237)] ..

وقد أسهب الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان معنى ذوي الهيئات فقال: «فائدة: إقالة العثرات: قوله: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٩٤٧[تقدم في: (ص 268)]. حسن، قال ابن عقيل: المراد بهم الذين دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطة، قلت: ليس ما ذكره بالبين، فإن النبي ﷺ لم يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه، والشرف، والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع التكريم وتفضيل على بني جنسهم؛ فمن كان منهم مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عصب صبره، وأديل عليه شيطانه؛ فلا يسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حدًا من حدود الله، فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف، كما يتعين أخذه من الوضيع، فإن النبي ﷺ قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)٩٤٨[تقدم في: (ص 271)].، وقال: (إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)٩٤٩[هذا والمقطع الذي قبله مقطعان من حديث واحد]. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد»٩٥٠بدائع الفوائد: (3/658)..

ص 510

وقد سُئل العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله: «هل ورد أن ذوي الهيئات لا يعزرون وما المراد بهم؟ فأجاب -نفع الله بعلومه المسلمين- بقوله: قال العز بن عبد السلام في قواعده: من ظن أن الصغيرة تنقص الولاية فقد جهل، وقال: إن الولي إذا وقعت منه الصغيرة فإنه لا يجوز للأئمة والحكام تعزيره عليها، وقد نص الشافعي على أن ذوي الهيئات لا يعزرون للحديث، وفسرهم: بأنهم الذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة فيترك، وفسرهم بعض الأصحاب: بأنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر، وبعضهم: بأنهم الذين إذا وقع منهم الذنب تابوا وندموا، اهـ.

وتفسير الشافعي رضي الله تعالى عنه أظهر وأمتن، والحديث المشار إليه جاء من طرق كثيرة، من رواية جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة منها: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٩٥١[(٧٢٥٥)، بلفظ (ذي) بدل (ذوي)]. أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب، وأبو داود، والنسائي، والطبراني في الكبير، ومنها: (تجاوزوا عن زلة ذوي الهيئة) أخرجه النسائي٩٥٢[تقدم في: (ص 268)].، ومنها: (تجافوا عن ذنب السخي فإن الله تعالى آخذ بيده كلما عثر) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأبو نعيم في الحلية٩٥٣[المعجم الأوسط للطبراني: (٥٧١٠)، ولم أجده بهذا اللفظ في الكبير، وحلية الأولياء: (4/108)].»٩٥٤الفتاوى الفقهية الكبرى: (4/239)..

وقال العلامة شاه ولي الله الدهلوي: «قال ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٩٥٥[(٧٢٥٥)، بلفظ (ذي) بدل (ذوي)].؛ أقول: المراد بذوي الهيئات أهل المروءات، أما أن يعلم من رجل صلاح في الدين، وكانت العثرة أمرًا فرط منه على خلاف عادته، ثم ندم، فمثل هذا ينبغي أن يتجاوز عنه، أو يكونوا أهل نجدة وسياسة وكبر في الناس، فلو أقيمت العقوبة عليهم في كل ذنب قليل أو كثير لكان في ذلك فتح باب التشاحن، واختلاف على الإمام وبغي عليه فإن النفوس كثيرًا ما لا تحتمل ذلك»٩٥٦حجة الله البالغة: (2/429)..

ص 511

وما قاله في حق أهل النجدة ومن بعدهم لا يظهر دخولهم في معنى ذوي الهيئات الذين قصدهم الحديث، إذ التعليل الذي ذكره من أن معاقبتهم على الصغير والكبير يهيج نفوسهم ويبعث فيها التمرد يمكن أن يقع من كل صاحب شوكة ومنعة وكبر، وهذا الأمر تجتمع فيه الحدود والتعازير، ثم مبنى الأمر في مثل هذه الحال ليس راجعًا إلى اعتبار أنهم من ذوي الهيئات، ولكن -إن صح واستقام- فهو مبني على درء مفسدة متوقعة تنجر بسبب مؤاخذتهم بالعقوبة، واعتبار المصالح والمفاسد في التعازير أمر مطرد ومنسحب في كل جزئية من جزئيات العقوبات التعزيرية ولو لم يكن مرتكبها من ذوي الهيئات وأصحاب المروءات، وعلى كل فإن الأقوال في تفسير ذوي الهيئات تكاد تكون متقاربة المعنى والله أعلم.

ولكن ما ينبغي التنبيه عليه هو أن لا يجعل هذا الحديث وتفسيراته متكئًا لضرب حصانة واقية من معاقبة من تكرر فساده، وتمادى في تعدي حدود الله، واستشرى تجاوزه لها، وتطاول على الضعفاء وازداء الخلق بحجة أنه من أهل المروءات الذين تقال عثراتهم، فالشرع ما جعل الإقالة محضنًا لتنامي الشرور وتوالي العبث، وإنما هي العفو عند الهفوة والتجاوز لدى الغفلة والصفح وقت الزلة.

أما من حيث النظر إلى حال المجني عليه، فإن من سب أو شتم رجلًا معروفًا بالصلاح والتقوى والاستقامة ليس كمن سب أو لعن فاسقًا أو مجرمًا مرد على الإجرام، ومن تعرض لامرأة ذات مكانة وشرف وتستر وحياء وصيانة، ليس كمن تعرض لامرأة متهتكة متبرجة مبتذلة لنفسها، فاعتبار حال ومكانة الشخص الذي وقعت عليه الجناية أمر له تأثيره المباشر في اختيار قدر ونوعية العقوبة التي ستوقع على الجاني، فلا بد من ملاحظتها عند اختيار العقوبات التعزيرية.

ص 512

أما عن العقوبة التعزيرية نفسها فينبغي أن لا يعزر بما هو معصية في نفسها كحلق اللحى وقطع الأطراف ونحو ذلك، مع الاجتهاد في اختيار أنسب العقوبات وأجداها قدرًا ونوعًا ووصفًا والاقتصار على ما يؤدي الغرض منها من غير تجاوز، وهذا هو من مهمات القواعد في اختيار العقوبة التعزيرية؛ فيلزم الإمام أو الحاكم أن لا ينتقل إلى عقوبة وهو يعلم أن ما دونها يؤدي الغرض ويفي بالمقصود؛ لأن الغاية من التعزير هو التأديب وليس التعذيب، والزجر وليس القهر، فمتى كانت أدنى العقوبات كافية وجب الاقتصار عليها وصارت الزيادة على ذلك ظلـمًا للجاني، وهذا مما يبيّن أن الاختيار في العقوبات التعزيرية نوعًا وكمًا بعيد كل البعد عن التشهي والانتقاء الذي لا يبنى على المصلحة المنضبطة كما جاء في نهاية المحتاج: «ويتعين على الإمام أن يفعل بكل معزر ما يليق به من هذه الأنواع وبجنايته، وأن يراعي في الترتيب والتدريج ما مر في دفع الصائل فلا يرتقي لمرتبة وهو يرى ما دونها كافيًا»٩٥٧نهاية المحتاج: (8/21)..

وقال الخطيب الشربيني: «وعلى الإمام مراعاة الترتيب والتدريج اللائق بالحال في القدر والنوع، كما يراعيه في دفع الصائل، فلا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافيًا مؤثرًا»٩٥٨مغني المحتاج: (4/192)..

ص 513

وقال العلامة ابن دقيق العيد: «وليس التخيير فيه -أي التعزير- ولا في شيء مما يفوض إلى الولاة تخيير تشه بل لا بد عليهم من الاجتهاد»٩٥٩إحكام الأحكام: (4/384).، ومما يشهد لهذا الأصل، وهو لزوم التدرج في اختيار العقوبة، وأهمية الوقوف عند الحد الزاجر منها، قوله تعالى في معاقبة الزوجة الناشز: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهـۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34]، فهذه الآية أمرت الزوج بالتدرج فيما يرد به زوجته عن نشوزها، وظاهر من الآية الأمر بالارتقاء من الأدنى إلى الأعلى، فلا يجوز الهجر مع جدوى الوعظ والتذكير، ولا يرتقي للضرب مع حصول الغرض بالهجران، ثم إن الضرب يجب أن يكون غير مبرح، ويلزم أن يتوقف بمجرد حصول المقصود منه مباشرة من غير تعدٍ؛ قال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34]، وهكذا تكون عقوبة التعزير سواء في اختيار نوع العقوبات أو قدرها، والله تعالى أعلم.

ص 514

من له إقامة عقوبة التعزير؟

من المعلوم بداهة أن أمر إقامة الحدود يرجع في أصله إلى الإمام أو من يقوم مقامه ممن يوكل إليه هذا؛ وذلك لأن الإمام نائب عن الأمة، وقائم مقامها، ولكن كما نعلم؛ فإن تقرير الأحكام الفقهية إذا كان بمعزل عن الواقع، ودون اعتبار لملابساته وملاحظة لتغيراته فإنه غالبًا ما يكون مجرد ترف فكري يقوم به الفقيه أو الباحث، لا تكاد تجنى به فائدة عملية مما يحتاجها الناس في حياتهم اليومية المتجددة، وإن الفائدة العملية هي أساس الفقه ومقصوده، فالمتكلم عما كتبه الفقهاء وأصلوه في كتبهم ودونوه في مصنفاتهم لا بد له وهو يغترف من ذلك المعين وينهل من ذلك المورد أن يقارن بين البيئة والظروف التي كانت تحيط بهم عند تسطيرهم لتلك الأحكام وبين الواقع الذي يرغب في معرفة حكمه وإنزال ما قرره الفقهاء عليه، حتى لا يبعد النجعة، ويقوّل العلماء ما لم يقولوا، وينسب إليهم ما لم يتبنوا.

وهذه المسألة في غاية الأهمية عند بحث أية جزئية لها ارتباطها الوثيق بالواقع ومتغيراته؛ فرب ظرف من الظروف أو حالة من الحالات أو ملابسة من الملابسات كان لها تأثيرها القوي والبارز في تقرير حكم شرعي معين، فبمجرد تغير ذلك الظرف أو زوال تلك الحالة أو انتفاء تلك الملابسة يصبح الحكم مغايرًا تمامًا لما كان عليه تبعًا لتغير ذلك الواقع، فليس الفقيه فقط من يستطيع أن يستخرج أقوال العلماء من دواوينهم ثم يرجح بينها، وإنما لا بد أن يضيف إلى عمله قدرته على إنزال تلك الأحكام بصورة محكمة ومتقنة وصحيحة على الواقع الذي يعيشه كما استطاع الفقهاء أن يحكموا به على واقعهم الذي عاشوا فيه، ولا نعني بذلك تقرير تطوير الشريعة الذي يدعو إليه بعض المنسلخين، أو تمييعها من أجل ما يسميه بعض المنهزمين «مواكبة العصر»، ولا الخروج عن القواعد والضوابط الأصولية الثابتة المستقرة التي يتم بها الاستنباط والترجيح.

ص 515

ولكن المقصود هو البحث في الواقع والظروف والحالات التي كتب الفقهاء فيها الأحكام الشرعية المتعلقة بها، وتمييز ما له تأثير منها في ترجيحاتهم مما ليس كذلك، ثم البحث في مدى مطابقة أو مشابهة واقع الباحث وظروفه وملابساته للظروف التي اعتبرها الفقهاء وكان لها تأثير في ترجيحات أقوالهم، وإلا فإن إغفال مثل هذا الأمر وعدم «تحقيق المناط» تحقيقًا جيدًا صحيحًا يوقع في اضطراب كبير في الأحكام، ويجعل ما يكتبه الباحث ويقرره في واد وما كتبه الفقهاء وقرروه في واد آخر وإن ظن أن حاله كحالهم وأن ما يكتبه هو عين ما في كتبهم.

ومسألتنا التي نحن بصددها من هذا القبيل أو الجنس؛ وذلك لأن أحوال المسلمين في حياتهم المرتبطة بإقامة الحدود والتعازير لا تخرج عن صورتين:

الأولى: أن يكونوا تحت إمام ممكن له، مطاع فيهم، يقوم بمهامه الشرعية من تجييش الجيوش، وإقامة الجهاد وتنفيذ الحدود والأحكام وغير ذلك مما هو من واجبات الأئمة التي ألزمهم الشارع بها.

الثانية: أن يكون المسلمون بلا إمام يقيم فيهم أحكام الله وينفذ أوامره، وهذه هي حال حياة المسلمين اليوم؛ فالمسلمون يعيشون تحت أحكام الكفر وقوانين الجاهلية والياسقات العصرية، تجري عليهم أحكام الكافرين، وهم ملزمون بالتحاكم إلى تلك القوانين؛ فصارت شرائع الإسلام نسيًا منسيًا، فهم يعيشون بلا راع يحوطهم، ولا إمام يقيم فيهم الملة، وبهذه الحالة أصبحت الصورة الأولى التي ذكرناها في عداد المتمنيات، وما قامت الجماعات الإسلامية إلا وهي تسعى للوصول إلى تلك الحالة وبلوغها.

ص 516

وإذا تأملنا في كلام الفقهاء حول إقامة الحدود ومن يقيمها، والظروف التي دونوا فيها تلك الأحكام لوجدناها منطبقة على الصورة الأولى، حيث وجود إمام ممكّن ذي سلطان وقدرة، يقيم أحكام الله ويلزم الناس بها؛ لأن قولهم مثلًا: «إن التعازير لا يقوم بها إلا الإمام» يقتضي أن هناك إمامًا موجودًا قائمًا قادرًا على إقامة هذه الأحكام، وحيث لا إمام -حسب هذه العبارة- فإن إقامتها تؤخر إلى مجيئه، أو تبطل كليًا لانعدامه، فهل هذا الفهم لكلام الفقهاء يكون وجيهًا؟، بحيث يعيش الناس عند خلو الزمان أو المكان من إمام ممكن في فوضى، ويحرم عليهم أن يقيموا فيما بينهم ما يستطيعون من أحكام الإسلام -التي كانت في أصلها من مهام الإمام- وينفذوا ما في وسعهم من زواجره وعقوباته، بينما يختص التنعم بتلك الأحكام الشرعية والتظلل بظلها بمن كان تحت إمام شرعي ممكّن؟

أنقل أولًا أقوال الفقهاء في هذه المسألة ثم أحاول أن أبين ما يترجح لي في ذلك ومن الله أستمد العون:

قال الإمام الصنعاني رحمه الله: «وليس التعزير لغير الإمام إلا لثلاثة: الأب؛ فإن له تعزير ولده الصغير للتعليم، والزجر عن سيئ الأخلاق، والظاهر أن الأم في مسألة زمن الصبا في كفالته لها ذلك، وللأمر بالصلاة والضرب عليها، وليس للأب تعزير البالغ وإن كان سفيهًا، والثاني: السيد؛ يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى على الأصح، والثالث: الزوج؛ له تعزير زوجته في أمر النشوز كما صرح به القرآن»٩٦٠سبل السلام: (4/38)..

وقد زاد كثير من العلماء على هؤلاء الثلاثة: تأديب المعلم من يتأدب عنده، وقال في نهاية المحتاج عند قول صاحب المتن: «ويجتهد الإمام في جنسه وقدره» قال الشارح: «وأفهم كلامه عدم استيفاء غير الإمام له» ثم قال محشيه: «قوله «عدم استيفاء غير الإمام له» أي فلو فعله لم يقع الموقع، ويعزر على تعديه على المجني عليه»٩٦١نهاية المحتاج: (8/22)..

ولا شك أن المقصود من العقوبات المحددة أو غيرها هو زجر الناس عن ارتكاب المحرمات، وإلزامهم بفعل الواجبات، والمحافظة على دين الناس وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم، وهذا المقصد الشرعي الهام لا يُراعى في حالة دون حالة، ولا في زمن دون زمن أو مكان دون مكان، بل الشريعة جاءت بكل ما يحفظ دين الناس، ويبقي الشرع بعيدًا عن البدع والمحدثات والزيادة والنقص فيه، وجاء فيها من الزواجر والترهيب عن ظلم الناس والتعدي عليهم في أنفسهم، أو الطعن في أعراضهم، وأكل أموالهم بغير حق الكثير الكثير.

ص 517

فبما أن هذه المقاصد الشرعية هي من أهم الأمور المرعية في الشرع، وعلم أنها لا تختص بحالة أو زمن أو مكان، وإنما هي ملازمة لهذا الدين، وأن فساد العالم وخرابه مبني على فساد إحدى هذه الأمور، وصلاحه يكون بحسب صلاحها، علمنا أن الشارع إنما أوكل أمر إقامة الحدود للإمام لما فيه من كف الناس عن الظلم، وقدرته بما لديه من سلطان من الانتصاف للمظلوم ورد الحقوق إلى أهلها على وجه تنعدم أو تقل فيه الفوضى إلى أقصى حد، وتستقيم أمور الناس على الحق، وينتظم معاشهم فيعيشون آمنين مطمئنين، إذ لا يخفى أن إسناد أمر إقامة الحدود إلى آحاد الناس، وإطلاق أيديهم لاستيفائها من بعضهم يجر إلى تهارج لا ينقطع، وفساد لا ينتهي أو يندفع، مما يلغي الفائدة التي جاءت لأجلها الحدود، ويأتي بنتيجة مضادة تمامًا للمقصود، وهذا أمر مدرك بالشرع والعقل.

ومع ذلك فمحال أن يترك الناس سدى من غير رادع ولا وازع عند شغور الزمان من سلطان، وخلوّه من صاحب الشوكة الممكن الذي أوكل إليه أمر إقامة الزواجر، كما أنه من المستحيل أن تجوز الشريعة للناس في مثل هذا الظرف أو غيره أن يتواطؤوا على أحكام ليست من الشرع في شيء ليعتمدوا عليها في فض نزاعاتهم، ورفع خصوماتهم، واسترداد حقوقهم.

ص 518

ولأهمية إقامة الحدود والتعازير بين الناس، ولإيجاب الشارع ذلك عليهم؛ فإن بعض العلماء استدل على وجوب تنصيب الإمام بالأدلة الآمرة بوجوب إقامة الحدود، للعلم بأن انعدام الإمام يجعل حياة الناس فوضى كالأغنام التي لا راعي لها، وإذا لم تقم في الناس حدود الله تعالى ويحكم فيهم بكتابه فلا تسأل بعدها عن مدى الخراب والفساد الذي يصيب دينهم ودنياهم كما نراه اليوم، وفي هذا يقول العلامة ابن عادل الحنبلي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة: 38]؛ «احتجوا بهذه الآية على أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إمامًا معينًا، لأنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة، فلا بُدَّ من شخص يكون مخاطبًا بهذا الخطاب، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا الإمام، فلما كان هذا تكليفًا جازمًا، ولا يمكن الخروج من عهدته إلا بوجود إمام وجب نصبه، لأن ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب»٩٦٢اللباب في علوم الكتاب: (7/332)..

ولا شك أن تنصيب الإمام واجب على الأمة كما حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء، إلا أن هذا لا يعني أن الأمة في سعة من أمرها في ترك القيام بباقي الواجبات حسب الاستطاعة وبما في الوسع سواء منها ما كان موكولًا إلى الإمام أم لا، لأن عموم الواجبات الشرعية ليست مختصة بزمن دون زمن ولا متقيدة بمكان دون آخر وإنما الواجب القيام بها وأدائها حسب المستطاع، وأمر إقامة الحدود من هذا القبيل.

وهنا نشير إلى مسألة مهمة، وهي أن العلماء رغم تنصيصهم على أن الحدود لا يقيمها إلا الإمام، ولا يستوفيها غيره أو من ينوب عنه كما قالوا: «ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه»٩٦٣الشرح الكبير: (10/118).، مع ذلك فقد ذكروا مسألة «التحكيم» وحقيقتها: أنه لو تحاكم اثنان لمن هو أهل للقضاء -والإمام موجود- لنفذ حكمه ومضى ما قضى به، تمامًا كما يمضي حكم من ولاه الإمام ذلك من القضاة على خلاف بينهم في حدود ومجال ما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز.

قال الشيخ ابن ضويان رحمه الله: «فلو حكم اثنان أو أكثر بينهما شخصًا صالحًا للقضاء: نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه؛ لحديث أبي شريح وفيه: أنه قال: (يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، قال: ما أحسن هذا) رواه النسائي٩٦٤[(٥٣٨٧)، ورواه البخاري في الأدب المفرد: (811)، وصححه الألباني، ورواه غيرهما أيضًا].، وتحاكم عمر وأُبيّ إلى زيد بن ثابت٩٦٥[والقصة رواها وكيع في أخبار القضاة: (1/109)].، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم٩٦٦[أيضًا رواها وكيع في نفس الموضع، ورواها البيهقي في السنن الكبرى: (٢٠٥٤٢)، وقال الألباني معلقًا عليها: «مرسل، الشعبي لم يدرك الحادثة»].، ولم يكن أحد منهما قاضيًا»٩٦٧منار السبيل: (2/408)..

ص 519

ولا تكاد المذاهب تختلف في أصل جواز التحكيم وإنما وقع بينهم الاختلاف في حدود هذا التحكيم وما يجوز منه وما لا يجوز، فأطلق بعضهم وحصره بعضهم في قضايا وأمور معينة.

قال البهوتي: «وإن تحاكم شخصان إلى رجل للقضاء بينهما فحكم، نفذ حكمه في المال والقصاص والحد النكاح واللعان وغيرها، حتى مع وجود قاض فهو كحاكم الإمام، لما روى أبو شريح أن رسول الله ﷺ قال له: (إن الله هو الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ قال: إن قومي كانوا إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي الفريقان، قال: فما أحسن هذا، فمن أكبر ولدك؟ قال شريح، قال: فأنت أبو شريح) أخرجه النسائي٩٦٨[تقدم قبل قليل بألفاظ قريبة].، وعنه ﷺ: (من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضيا به فلم يعدل بينهما بالحق فعليه لعنة الله) رواه أبو بكر٩٦٩[قال محققو الكشاف -وهم لجنة من وزارة العدل السعودية-: «أبو بكر هو عبد العزيز غلام الخلال، كما صرح به ابن الجوزي في التحقيق: (2/ 384)، ولم يطبع شيء من كتبه» (15/62)، والحديث رواه بلفظ قريب الأزدي في المخزون في علم الحديث: (ص 118)، والعسكري في تصحيفات المحدثين: (2/273)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة: (٥٩٥٤)].، ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم، ولأن عمر وأبيًا تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكن أحد منهما قاضيًا»٩٧٠كشاف القناع: (6/308)..

فإذا كان هذا والإمام قائم والقضاة موجودون منصَّبون؛ فكيف لا يجوز للناس عند شغور الزمان من القضاة، وخلوه ممن يكون له سلطان وقدرة يقيم بها ما يستطاع من أحكام الشرع وحدوده، أن يقدموا من يرتضونه من أهل العلم والدين والشوكة فيجري عليهم ما في الوسع من تلك الأحكام؟! لا سيما وأن الحدود التعازير قد خوطب بإقامتها مجموع الأمة ابتداء، وإنما الإمام نائب عنهم، وقائم مقامهم، لما أوتي من سلطان وقوة وقدرة يستطيع بها استيفاء الحقوق، ورد المظالم، وقطع التهارش، وكف الأيدي عن الظلم والعدوان.

ص 520

فإذا انعدم هذا الإمام في زمان من الأزمنة، أو انحسر سلطانه في مكان من الأمكنة لعجز أو تفريط، رجع الخطاب إلى مجموع الأمة، وصارت مطالبة بإقامة أحكام الله وحدوده حسب المستطاع وبقدر الإمكان؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، والتحاكم بين الناس إلى مقدم يرتضونه يفصل بينهم بالشرع غالبًا ما يكون في الطوق، وقال الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾ [التغابن: 16]، ولقول النبي ﷺ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)٩٧١رواه البخاري [7288]، ومسلم [1337]، واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه..

وقد أوضح شيخ الإسلام رحمه الله هذه القضية ايضاحًا تامًا وبينها بيانًا كافيًا شافيًا لا مزيد عليه فقال: «خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ﴾ [المائدة: 38]، وقوله: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ﴾ [النور: 2]، وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ﴾ [النور: 4]، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ﴾ [النور: 4]، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بُدَّ أن يكون قادرًا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد، فقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]، وقوله: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 190]، وقوله: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ﴾ [التوبة: 39]، ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين، والقدرة هي السلطان؛ فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.

ص 521

والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك: فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء: إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابًا أوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم؛ فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضًا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك، بل عليهم أن يقيموا ذلك.

وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك، لكان ذلك الفرض على القادر عليه، وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحكام، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مضيعًا لأموال اليتامى أو عاجزًا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعًا للحدود أو عاجزًا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه.

والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه؛ فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه والله أعلم»٩٧٢مجموع الفتاوى: (34/175)..

كما تكلم إمام الحرمين الجويني في هذه المسألة فقال: «فإذا شغر الزمان عن كاف مستقل بقوة ومنعة، فكيف تجري قضايا الولايات، وقد بلغ تعذرها منتهى الغايات فنقول:

ص 522

أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجمع وجر العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر، ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وإذا لم يصادف الناس قوامًا بأمورهم يلوذون به، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عم الفساد البلاد والعباد... وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة، وسكان كل قرية، أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات»٩٧٣الغياثي: (386- 388)..

وقال ابن نجيم: «وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقليد منه، كما هو في بعض بلاد المسلمين، غلب عليهم الكفار في بلاد المغرب كقرطبة الآن وبلنسية وبلاد الحبشة، وأقروا المسلمين عندهم على مال يؤخذ منهم، يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليًا، فيولي قاضيًا ويكون هو الذي يقضي بينهم وكذا ينصبوا إمامًا يصلي بهم الجمعة»٩٧٤البحر الرائق: (6/298)..

وإن كان كلامه يحتمل أن يكون ما يتولاه القاضي في مثل هذه الحال شاملًا للحدود وغيرها، ويحتمل أن تقصر ولايته عنها وتنحصر فيما دونها والأول أظهر.

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «قوله: «إن وقع سببها في زمن ومكان يليه»، أقول: هذا مبني على أن الحدود إلى الأئمة، وأنه لا يقيمها غيرهم على من وجبت عليه، وليس على هذا أثارة من علم، وما استدلوا به من المروي بلفظ «أربعة إلى الأئمة» فلا أصل له، ولا يثبت بوجه من الوجوه، بل هو مروي من قول بعض السلف، ولا شك أن الإمام ومن يلي من جهته هم أولى من غيرهم كما قدمنا، وأما أنه «لا» يقيمها إلا الأئمة وأنها ساقطة إذا وقعت في غير زمن إمام، أو في غير مكان يليه فباطل، وإسقاط لما أوجبه الله من الحدود في كتابه، والإسلام موجود، والكتاب والسنة موجودان، وأهل الصلاح والعلم موجودون، فكيف تهمل حدود الشرع بمجرد عدم وجود واحد من المسلمين؟! ومع هذا فلا يعدم من له ولاية من إمام، أو سلطان، أو متول من جهة أحدهما، أو منتصب بالصلاحية في كل قطر من أقطار المسلمين، وإن خلا عن ذلك بعض البادية لم تخل الحاضرة»٩٧٥السيل الجرار: (4/311)..

ص 523
خلاصة القول في هذه المسألة:

أن الآيات والأحاديث التي جاءت آمرة بإقامة الحدود تدل صيغها على الوجوب، كما أن صورة الخطاب فيها لمجموع المسلمين فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة: 38]، وكقوله: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مئة جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: 2]، وكقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور: 4-5].

وكقوله ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه)٩٧٦رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سبق [في (ص 439)].، ومثل ذلك كثير، ونظيره ما جاء في شأن التعزير كقوله ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٩٧٧[تقدم في (ص 268)].، وكقوله ﷺ: (لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)٩٧٨[تقدم في (ص 268)].، ومن المعلوم أن إقامة الحدود بين الناس تعد من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد امتدح الله سبحانه هذه الأمة لقيامها بهذه الفريضة العظيمة فقال: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ [آل عمران: 110].

وأمر هذه الأمة أن ينتدب منها طائفة تقوم بهذا الواجب الذي تحفظ به نفسها من الانحراف والتفكك وشيوع الفساد والظلم والبغي واستفحال أمر الإحداث في الدين وانتشار البدع بين أهله فقال سبحانه: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

ص 524

إذا علم أن إقامة الحدود يعد أمرًا واجبًا، وأن الأمة بمجموعها هي المعنية في أصل الخطاب بإقامة هذا الواجب، فعليه أن الواجب تنفيذ هذا الأمر الإلهي بقدر الإمكان وبما في الوسع وأن تبذل كافة الوسائل التي تؤدي إلى إقامته، ولا يسقط المطالبة بإقامة هذا الواجب إلا العجز وعدم الاستطاعة، أو كون الصورة التي يمكن بها تنفيذه تؤدي إلى مفسدة أعظم من مفسدة ترك إقامة ذلك الواجب، وهذا أمر مطرد في كل الأوامر الشرعية، وليس خاصًا بإقامة الحدود والتعازير فحسب، قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: «قاعدة: وهي أن من كلف بشيء من الطاعات، فقدر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه لقوله ﷻ: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، وقوله عليه السلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)»٩٧٩قواعد الأحكام: (2/7)، [والحديث تقدم في (ص 520)].، وهي نظير القاعدة الفقهية المعروفة بأن: الميسور لا يسقط بالمعسور، والله تعالى أعلم.

إذًا؛ فالإمام يعتبر نائبًا عن الأمة في إقامة الحدود، وذلك بما لديه من سلطان يستطيع به إلزام الناس بالأحكام، ويجري عليهم الشرائع طوعًا أو كرهًا، فما دام الحاكم أو الإمام صاحب السلطان موجودًا وقادرًا على تنفيذ الأحكام والقيام بما أوكل إليه من مهام ناب فيها عن الأمة فإن الخطاب بإقامة الحدود والتعازير متوجه إليه، وهو مسؤول عنه، وعلى الأمة مراقبته ومتابعته وإعانته في ذلك، فإن عجز الإمام عن القيام ببعض الواجبات أو قصر في بعضها وفرط وثمة من يستطيع إقامة ما عجز أو فرط فيه الإمام تعين عليه إقامته، وتوجه الخطاب إليه ما لم يجر إلى مفسدة هي أعظم من ترك ذلك الواجب.

ص 525

قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «وأما كونه يجب إقامة الحدود على الإمام وواليه، فوجهه واضح ظاهر؛ لأن الله سبحانه قد أمر عباده بإقامة الحدود وقال: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مئة جَلۡدَةٖۖ﴾ [النور: 2]، وقال: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وقال: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ﴾ [المائدة: 33]، والتكليف في هذا وإن كان متوجهًا إلى جميع المسلمين، ولكن الأئمة ومن يلي من جهتهم ومن له قدرة على تنفيذ حدود الله مع عدم وجود الإمام يدخلون في هذا التكليف دخولًا أوليًا، ويتوجه إليهم الخطاب توجهًا كاملًا»٩٨٠السيل الجرار: (4/310)..

ومن المعلوم والْمُشاهد أن كثيرًا من المسلمين بل أكثرهم يعيشون تحت سلطان الكفرة وقهرهم فتجري عليهم أحكام الكافرين، ويلزمون بالحكم والتحاكم إلى قوانينهم الجاهلية وأحكامهم الوضعية، وهذا من أعظم المنكر والفساد الذي يجب على الأمة أن تزيله قدر استطاعتها، وهو أشد ما ابتليت به الأمة في هذا العصر، وتحكيم القوانين الوضعية والنظم الكفرية فوق أنه أمر كفري عظيم ومنازعة لله رب العالمين، فإن المفاسد التي يجرها على الناس في دينهم ودنياهم وأخلاقهم وآدابهم لا تكاد تحصى ويشمل ذلك كله صفـة الضنك التي ذكرها الله بقـوله: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124].

فمهما قيل من المفاسد التي قد تنجم عن تحاكم الناس فيما بينهم لشرع الله بحسب ما يستطيعون -عند فقدهم للإمام- فإنها تعد دون المفسدة الكبرى المتمثلة في ترك شريعة الرحمن، وإقامة وتحكيم شريعة الشيطان كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]، وكما قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]، ومن ذلك إقامة الحدود والتعازير، فإنها من جملة أحكام الله تعالى التي يجب إقامتها، بل هي أبرز ما يكون من تلك الأحكام.

ص 526

فالواجب على المسلمين عند فقدان الإمام الذي يقيمها، والذي أوكل إليه في الأصل أمر تنفيذها واستيفائها أن يتعاونوا فيما بينهم ويتضامنوا في إيجاد الكيفية التي يقيمونها بها، حتى يخرجوا من حرج الحكم والتحاكم إلى القوانين الجاهلية، ومن هنا فالذي يظهر أن المسلمين في كل مصر من الأمصار، سواء منها ما كان تحت سلطان المرتدين أو الكفار الأصليين؛ يجب عليهم أن يتواضعوا على طريقة وكيفية يستطيعون من خلالها إقامة ما يمكنهم من أحكام الله تعالى فيما بينهم، سواء منها الحدود أو التعازير أو فض المنازعات، فهم مسؤولون أمام الله تعالى في ذلك.

فكما أنهم مطالبون شرعًا بالسعي الجاد لتنصيب الإمام الذي يقيم أحكام الملة فيهم، فإنهم أيضًا مخاطبون بإقامة ما في وسعهم من تلك الأحكام وهم أثناء سعيهم لتنصيب الإمام، فلا يقال: إن المسلمين في حل من الالتزام والتعاون فيما بينهم على تنفيذ أحكام الله من الحدود والتعازير وغيرها بمجرد غياب الإمام، فهذا من أبعد الأقوال عن الحق، وأكثرها داعية لفشو الفساد وتمكنه، واستمراء المنكرات العظيمة وانتشارها، وعلى رأسها التحاكم إلى القوانين الوضعية كما هو مشاهد اليوم في أمصار المسلمين.

فالواقع المشاهد يقرر بوضوح أن المسلمين بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يخنعوا لأحكام الكافرين التي علتهم، ويتحاكموا إليها في منازعاتهم، ويفضوا بها خلافاتهم، ويعتبروها قانونًا ساريًا عليهم وملزمًا لهم، وإما أن يسعوا بقدر طاقتهم وبما في وسعهم إلى إيجاد كيفية ينفكون بها عن تلك القوانين ويتنصلون من التحاكم إليها ويتجمعون لإقامة ما في الطوق من أحكام الله؛ سواء منها الحدود والتعازير أو غيرها من الأحكام.

ولا شك أن خضوعهم لنظم الكافرين، وبقاءهم تحت حكمهم، والسعي لفض المنازعات في محاكمهم -ولو كانوا لذلك كارهين-: لا يجوز شرعًا مع إمكانية الخروج من هذه الحال ولو بصورة جزئية محدودة، أما عند العجز الحقيقي فالحكم آنذاك له حالته الخاصة ومجاله المحدود، فالجماعات الإسلامية العاملة في الساحة الإسلامية على اختلاف توجهاتها أول معني بهذا الأمر ونشره بين الناس وإقامته -حسب الاستطاعة ومع المراعاة التامة للمفاسد والمصالح- بين أفرادها المنضوين تحتها، كما بُيّن عند الترجيح لحكم إقامة الحدود في دار الحرب، إذ ليس ثمة تعارض بين ما يقال هنا وبين ما ترجح هناك.

ص 527

ولا شك أن الأنظمة والحكومات القائمة على رؤوس الناس والمتسلطة على الشعوب المسلمة تبذل جهودًا كبيرة ومتواصلة من أجل الحيلولة بين المسلمين وبين إحياء هذه الشرائع، ولهذا فهي تحارب من دعا إلى تطبيقها حربًا لا هوادة فيها سالكة في ذلك جميع الوسائل من سجن وتقتيل وتشريد وتهجير، حرصًا منها على إبقاء تلك الشعوب تحت ربقة قوانينها الجاهلية، فلهذا فإن مراعاة ما يترتب على تنفيذ الحدود وإقامتها من المفاسد وما ستجره من ذلك على مُنفذيها والقائمين عليها وعلى الشعوب ككل أمر واجب ومتحتم، وهي في هذه الحالة داخلة بلا شك في مسألة المقارنة بين المصالح والمفاسد، فرُبَّ عقوبة تقام على شخص واحد أتى بموجبها تجر من المفاسد أضعاف أضعاف مفسدة ترك إقامة تلك العقوبة عليه، كما فصل ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في النقل المذكور سابقًا.

ولهذا فالمعتبر النظر في كل حالة بعينها، إذ بهذه الكيفية أو الطريقة يتم تقدير المصالح والمفاسد المتعلقة بها، وما يمكن إقامته من العقوبات مع مراعاة ما ذكر والتقيد به لا يترك لأجل العجز عن غيرها، فإن الحدود والتعازير تعد من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمرنا شرعًا أن نأتي منه ما استطعنا وأن ننكر ما نقدر على إنكاره.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وما جاءت به الشريعة من المأمورات، والعقوبات، والكفارات وغير ذلك، فإنه يفعل منه بحسب الاستطاعة، فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين فإنه يجاهد من يقدر على جهاده، وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه يعاقب من يقدر على عقوبته، فإذا لم يمكن النفي والحبس عن جميع الناس كان النفي والحبس على حسب القدرة، مثل أن يحبس بدار لا يباشر إلا أهلها، لا يخرج منها، أو أن لا يباشر إلا شخصًا أو شخصين فهذا هو الممكن، فيكون هو المأمور به، وإن أمكن أن يجعل في مكان قد قل فيه القبيح ولا يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور به، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فالقليل من الخير خير من تركه، ودفع بعض الشر خير من تركه كله»٩٨١مجموع الفتاوى: (15/312).، والله تعالى أعلم

ص 528

الضمان في التعزير

لا شك أن اجتهادات ذوي الأمر من الحكام والقضاة والولاة في اختيار عقوبة التعزير كيفًا وكمًا تختلف من شخص إلى آخر، وتتنوع من حالة إلى أخرى؛ فما يراه البعض زاجرًا ورادعًا لبعض العصاة والمجرمين، يعتبره البعض أحيانًا لا يفي بالمقصود ولا يقود إلى الغرض ويجعلونه دون القدر المطلوب وأقل مما يستحقونه، وما يراه بعضهم تارة حدًا أقصى وغايةً قصوى في عقوبة من العقوبات، يعده غيرهم إفراطًا وتجاوزًا وتعديًا كان يغني عنه ما دونه بكثير، وإزاء هذا الاختلاف في الاجتهادات قد ينتج عنه وقوع تلف للمعزَّر، إما أن يكون تلفًا كليًا بحيث يأتي على نفسه، أو جزئيًا بإتلاف عضو من أعضائه أو إذهاب حاسة من حواسه أو نحو ذلك.

فمبحث الضمان الذي نحن الآن بصدده يتحدث عن هذه القضية، وهل يكون على المعزِّر من إمام أو قاض أو وال إن أوقع تلفًا على المعزَّر -أثناء تعزيره- ضمان، أم أن ما أتلفه يكون هدرًا ولا تثريب عليه فيه ولا مؤاخذة؟

أولًا -وقبل الخوض في ذكر اختلاف العلماء حول هذه المسألة-: نعيد التنبيه على ما ذكرناه مرارًا في هذا البحث من أن عقوبة التعزير وإن كانت تفويضية سواء في اختيار نوعها أو قدرها، إلا أن هذا التفويض ليس مبنيًا على التشهي المطلق والانتقاء المجرد والاختيار المنعزل عن الانضباط، بل أن هذا التفويض أو الاجتهاد يستند أساسًا على اختيار ناشئ عن تحري المصلحة الشرعية الواضحة، وتوخي الأحرى والأنفع للجاني وللمجني عليه وللمجتمع؛ بحيث يبذل الإمام أو القاضي أو الوالي جهده ويستفرغ وسعه أثناء اختياره للعقوبة التعزيرية تمامًا كما يبذل الفقيه طاقته عند استنباطه أو ترجيحه لحكم شرعي، بحيث يصدق عليه حقيقة وحكمًا قول النبي ﷺ: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)٩٨٢متفق عليه [البخاري: (٧٣٥٢)، ومسلم: (١٧١٦)] عن عمرو بن العاصي رضي الله عنه..

ص 529

وهذا الأصل كما علمنا متفق عليه بين العلماء سواء منهم من يقول بوجوب إقامة عقوبة التعزير وهم الجمهور، أم من يقول بجواز إقامتها على الجاني وهم الشافعية، وهو أصل عظيم ينبغي استحضاره دائمًا وجعله نصب الأعين حتى يكون اختيار المعزِّر للعقوبة منبثقًا عن علم وفهم ودراية وتقوى، ويصبح دافع اعتماد التعزيرات هو المصالح التي يرجع مردودها ويعود نفعها على الجميع وليس ناتجًا عن مجرد إرادة الانتقام أو الإتلاف أو التعذيب والذي يتضمن ظلـمًا للجاني، وتعديًا للحدود الشرعية، وخيانة للأمانة، وحيفًا عن العدل، ولهذا قرن الله بينهما بقوله: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «فتأويل الآية إذن، إذ كان الأمر على ما وصفنا: إن الله يأمركم يا معشر ولاة أمور المسلمين أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم، وأموالهم وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له، بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها، ولا تستأثروا بشيء منها، ولا تضعوا شيئًا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم. ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله، لا تعدوا ذلك فتجوروا عليهم...

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58]، يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين؛ إن الله نِعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل، إن الله كان سميعًا يقول إن الله لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولم تجاوزوهم به، بصيرًا بما تفعلون فيما ائتمنتكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم بعدل تحكمون، أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله حتى يجازي مُحسنكم بإحسانه، ومُسيئكم بإساءته أو يعفو بفضله»٩٨٣تفسير الطبري: (5/146)..

أما عن أقوال العلماء واختلافاتهم في مسألة الضمان في التعزير؛ فترجع كلها إلى ثلاثة أقوال:
ص 530

الأول: أنه لا ضمان على الإمام إذا عزر شخصًا، فأدى التعزير إلى موته وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد رحمهم الله.

الثاني: أن الإمام إذا عزر شخصًا فمات بسبب التعزير؛ فعليه الضمان، وهو مذهب الشافعي، وقول لبعض المالكية.

الثالث: التفصيل بين ما إذا كان المعزّر يجزم بالسلامة أو يظنها عند الإقدام على التعزير، وبين ما إذا كان يظن عدم السلامة وأحرى إن جزم بذلك، فالأول لا ضمان عليه، وأما الثاني فعليه القود، وأما مع الشك فعليه الضمان وهو تفصيل لبعض المالكية.

القول الأول: ذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أن الإمام إذا عزر من يستحق التعزير فأدى إلى موته أو تلف شيء منه أنه لا ضمان عليه، وعللوا ذلك بأن الإمام مأمور شرعًا بأن يعاقب أرباب المعاصي، فكيف يأمره الشرع بذلك ثم يلزمه الضمان، وقال الأحناف أيضًا: إن إتيان الواجب ليس مشروطًا فيه السلامة كالفصاد ونحوه، وكما علمنا من قبل فإن أصحاب هذا القول يذهبون إلى وجوب إقامة عقوبة التعزير على من استحقها.

قال ابن عابدين رحمه الله: «قوله «من حُدَّ أو عزر» أي من حده الإمام أو عزره كما في الهداية قوله «فدمه هدر» أي عندنا ومالك، وأحمد، خلافًا للشافعي، لأن الإمام مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة... قلت: ومقتضى التعليل بالأمر أن ذلك غير خاص بالإمام، فقد مرَّ أن لكل مسلم إقامة التعزير حال مباشرة المعصية، لأنه مـأمور بإزالة المنكر، إلا أن يفرق بأنه يمكنه الرفع إلى الإمـام فلم تتعين الإقامة عليه، بخلاف الإمام»٩٨٤ابن عابدين: (4/79)..

ص 531

وقال ابن نجيم رحمه الله: «قوله «ومن حد أو عزر فمات فدمه هدر»؛ لأنه فعل ما فعل بأمر الشارع، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة، كالفصاد والبزاغ، قال في ضياء الحلوم: ذهب دمه هدرًا أي باطلًا... وقد ظهر بهذا أن كل ضرب كان مأمورًا به من جهة الشارع، فإن الضارب لا ضمان عليه بموته، وكل ضرب كان مأذونًا فيه بدون الأمر فإن الضارب يضمنه إذا مات، لتقييده بشرط السلامة»٩٨٥البحر الرائق: (3/52)..

وقال الزيلعي بعد أن ذكر مذهب الشافعي في المسألة: «ولنا أن الحد والتعزير يجب عليه إقامته، إذ هو مأمور به، والواجب لا يجامع الضمان كالفصاد والبزاغ إذا لم يتجاوز المعتاد، وكما لو تترس الكفار بالمسلمين، بخلاف المرور في الطريق وضرب الرجل امرأته ونحو ذلك، لأنه مباح، فيتقيد بشرط السلامة، ولأنه فعله بأمر الشرع، فيكون منسوبًا إلى الآمر، فكأنه أماته حتف أنفه فلا يضمن»٩٨٦تبيين الحقائق: (3/211)..

وقال العلامة ابن فرحون: «وفي عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: إذا عزر الإمام إنسانًا فمات في التعزير، لم يضمن الإمام شيئًا لا دية ولا كفارة»٩٨٧تبصرة الحكام: (2/296)..

وقال محمد بن رشد: «وقد أمر مالكٌ صاحب الشُرَط في الذي وُجِد مع صبي في سطح وقد جرده وضمه إلى صدره وغلق على نفسه معه، فلم يشكوا في المكروه بعينه أن يضربه ضربًا مبرحًا، ويسجنه سجنًا طويلًا، حتى تظهر توبته وتتبين، فسجنه صاحب الشرط أيامًا قبل أن يضربه، فكان أبوه يختلف إلى مالك، ويتردد عليه ويقول: اتق الله فما خلقت النار باطلًا، فيقول مالك: أجل وإن الذي ألفي عليه ابنك لمن الباطل، ثم ضربه صاحب الشرط أربع مئة سوط، فانتفخ فمات، فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به، فقيل له يا أبا عبد الله إن مثل هذا من الأدب والعقوبة لكثير، فقال هذا بما أجرم، وما رأيت أنه أمسه من العقوبة إلا بما اجترم، وقال مطرف بن عبد الله في المبسوطة: الأدب إلى الحاكم، موكّل إلى نظره، يؤدب في ذلك باجتهاده، وإن أتى على النفس وإخراج الروح»٩٨٨البيان والتحصيل: (16/278)..

ص 532

وقال البهوتي من الحنابلة: ««ومن مات من التعزير» المشروع «لم يضمن»؛ لأنه مأذون فيه شرعًا كالحد»٩٨٩كشاف القناع: (6/126).، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله ذاكرًا مذهب القائلين بالضمان وبعدمه مع بيان ما احتجوا به: «وإذا مات من التعزير لم يجب ضمانه، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، وقال الشافعي: يضمنه، لقول علي: «ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئًا إنّ الحقّ قَتَلَهُ إلا حد الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يسنه لنا»، وأشار على عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها.

ولنا أنها عقوبة مشروعة للردع والزجر فلم يضمن من تلف بها كالحد، وأما قول علي في دية من قتله حدّ الخمر، فقد خالفه غيره من الصحابة، فلم يوجبوا شيئًا به، ولم يعمل به الشافعي ولا غيره من الفقهاء، فكيف يحتج به مع ترك الجميع له، وأما قوله في الجنين فلا حجة لهم فيه، فإن الجنين الذي تلف لا جناية منه، ولا تعزير عليه، فكيف يسقط ضمانه؟ ولو أن الإمام حد حاملًا، فأتلف جنينها ضمنه، مع أن الحد متفق عليه بيننا على أنه لا يجب ضمان المحدود إذا أتلف به»٩٩٠المغني: (9/149)..

إلا أن بعض علماء الحنابلة قيده بما إذا لم يتعد ولم يسرف وكان ضربه ضربًا وسطًا معتادًا قدرًا وصفةً، أما إذا تعدى وتجاوز المعتاد فعليه الضمان قال ابن ضويان رحمه الله: «أو أدب سلطان رعيته ولم يسرف، أي يزد على الضرب المعتاد فيه، لا في العدد ولا في الشدة، فَهَدَرٌ في الجميع، نص عليه، لفعله ما له فعله شرعًا بلا تعدّ، أشبه سراية القود الحد، وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود فتلف بسببه ضمنه، لتعديه بالإسراف»٩٩١منار السبيل: (2/302)، ونحوه قاله ابن مفلح في الفروع: (8/341)..

ص 533

وقال البهوتي: «ومن أدب ولده، أو أدب امرأته في النشوز، أو أدب المعلم صبيه، أو أدب السلطان رعيته، ولم يسرف الأب، أو الزوج، أو المعلم، أو السلطان، فأفضى التأديب إلى تلفه، أي المؤدَّب، لم يضمن المؤدِّب، لأنه مأذون فيه شرعًا، فلم يضمن ما تلف به كالحد، وإن أسرف في التأديب، بأن زاد فوق المعتاد، أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له، من صبي غير مميز وغيره، كمجنون، ومعتوه، ضمن لأنه غير مأذون في ذلك شرعًا»٩٩٢كشاف القناع: (6/16)..

وقال الحطاب المالكي: «قال في الجواهر: والتعزير جائز بشرط سلامة العاقبة، فإن سرى ضمنت عاقلة المعزِّر بخلاف الحد»٩٩٣مواهب الجليل: (6/321)..

وممن ذهب إلى أن الإمام لا ضمان عليه فيما تلف بالتعزير العلامة الشوكاني رحمه الله حيث قال: «قوله: «ولا شيء فيمن مات بحد أو تعزير أو قصاص»، أقول: الوجه في هذا واضح، لأن الله سبحانه شرع هذا وسوّغ لعباده استيفاءه، فإذا أفضى إلى الموت مع الاقتصار على ما شرعه الله سبحانه، لم يكن في ذلك ضمان، لأنه مات بشرع وجب عليه، فهو قتيل الشرع، وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسـنه»، فهو رضي الله عنه أخبر عما يجده في نفسه تورعًا منه»٩٩٤السيل الجرار: (4/401)، وأثر علي رضي الله عنه تقدم في (ص 273)..

القول الثاني: هو مذهب الشافعي رحمه الله حيث بيّن أن الإمام إذا عزر شخصًا؛ فأدى ذلك إلى موته أنه يضمن، وتكون الدية إما على عاقلته أو في بيت المال، وقد مر معنا أن مذهب الشافعية هو عدم وجوب إقامة عقوبة التعزير إن كان حقًا لله.

قال الإمام الشافعي رحمه الله مبينًا مذهبه وحججه فيما ذهب إليه من وجوب الضمان: «ولا يرفع عن أحد أصاب الآدميين العقل والقود في دار الإسلام إلا الإمام يقيم الحد، فإن هذا أمرٌ لازم ولا يحل له تعطيله، ولو عزر فتلف على يديه كانت فيه الدية والكفارة، وإن كان يرى أن التعزير جائز له، وذلك أن التعزير أدب لا حد من حدود الله تعالى، وقد كان يجوز تركه ولا يأثم من تركه فيه، ألا ترى أن أمورًا قد فعلت على عهد رسول الله ﷺ كانت غير حدود فلم يضرب فيها، منها الغلول في سبيل الله وغير ذلك، ولم يؤت بحد قط فعفاه.

ص 534

فإن قال قائل: كيف يسقط عن الإمام أن يقتص في الجرح ويقطع في السرقة ويجلد في الحد فلا يكون فيه عقل ولا قود، ويكون الإمام إذا أدب -وله أن يؤدب- ضامنًا تلف المؤدب، قيل: الحد والقصاص فرض من الله ﷻ على الوالي أن يقيمه، فلا يحل له ترك إقامته، والتعزير كما وصفت إنما هو شيء وإن رأى بعض الولاة أن يفعله على التأديب لا يأثم بتركه.

وقد قيل بعث عمر إلى امرأة في شيء بلغه عنها فأسقطت، فاستشار فقال له قائل: أنت مؤدب، فقال له علي رضي الله عنه: إن كان اجتهد فقد أخطأ، وإن كان لم يجتهد فقد غش، عليك الديةُ، فقال: عزمت عليك لا تجلس حتى تضربها على قومك، وبهذا ذهبنا إلى هذا، وإلى أن خطأ الإمام على عاقلته دون بيت المال، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا، لأن الحق قتله، إلا من مات في حد الخمر، فإنه شيء رأيناه بعد النبي ﷺ، فمن مات فيه فديته: إما قال على بيت المال، وإما قال عليَّ»٩٩٥الأم: (6/187)، هذا خلاصة ما استدل به الإمام الشافعي، وقد أسهب رحمه الله في تقرير مذهبه بأكثر مما هنا في الأم: (6/198- 191)، إلا أن الحجج لا تكاد تخرج عما نُقل عنه في هذا الموضع..

وقال الإمام النووي رحمه الله: «أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد، فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي، فمات؛ فلا دية فيه ولا كفارة، لا على الإمام، ولا على جلاده، ولا في بيت المال، وأما من مات من التعزير، فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعي، أصحهما: تجب ديته على عاقلة الإمام، والكفارة في مال الإمام، والثاني بجب الدية في بيت المال، وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا، أحدهما: في بيت المال أيضًا، والثاني في مال الإمام، هذا مذهبنا، وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت المال، والله أعلم»٩٩٦شرح النووي على صحيح مسلم: (11/221)..

ص 535

وقال العلامة ابن فرحون: «مسألة: فإن عزر الحاكم أحدًا فمات أو سرى ذلك إلى النفس، فعلى العاقلة الثلث فأكثر... وهذا بخلاف الحد، فلو مات المحدود فلا شيء على الإمام؛ لأنه فعل ما أمره الله تعالى به»٩٩٧تبصرة الحكام: (2/296)..

القول الثالث: وهو التفصيل بين ما إذا أقدم على عقوبة التعزير وهو يجزم بالسلامة أو يظنها فمات المعزَّر فلا ضمان عليه، وبين ما إذا كان يظن عدم السلامة أو يجزم بذلك فمات المعزَّر بذلك فعليه القود، وأما إن شك مُنع ابتداء من التعزير فإن أقدم وأدى إلى تلف المعزَّر فعليه الضمان، وهذا التفصيل ذكره بعض المالكية.

قال الدردير: ««وإن زاد على الحد» بالجلد كأن يزيد عن المئة سوطًا، «أو أتى على النفس» بأن أدى للموت، فلا إثم عليه، ولا دية، إذا لم يقصد ذلك، وإنما قصد التشديد فيما يقتضي التشديد، كَسَبِّ الصحابة، أو آل البيت، ونحو ذلك فأدى إلى الهلاك، فإن ظن عدم السلامة، أو شك مُنع «وضمن» في الشك «ما سرى» على نفس، أو عضو، أو جرح، أي ضمن دية ما سرى، لكن على العاقلة، وهو كواحد منهم، وأما لو ظن عدم السلامة، وأولى إن جزم فالقود.

والحاصل: أنه إن ظن السلامة فخاب ظنه فهدر عند الجمهور، وإن ظن عدمها فالقصاص، وإن شك فالدية على العاقلة، وهو كواحد منهم، وسواء في الثلاثة الأقسام شهد العرف بالتلف منه أم لا، هذا هو الراجح، ويعلم الظن والشك من إقراره، ومن قرائن الأحوال، قال الدسوقي في حاشيته عليه: قوله «وإن زاد على الحد... إلخ»؛ أي وإن زاد الضرب بالسوط على الحد المصور بالجلد.

ص 536

والحاصل: أن الإمام إذا أداه اجتهاده إلى أن يعزره بما يزيد على الحد، ولا يأتي على النفس، كمائتي سوط، أو بما يأتي على هلاكه كألف كرباج مثلًا، فإنه يفعله، ويجوز له القدوم على ذلك، ولا ضمان عليه إذا مات حيث لم يظن الهلاك ابتداء، بل ظن سلامته أو جزم بها، وأما إن لم يظنها ولم يجزم بها، فإنه يمنع من التأديب بما يأتي على النفس، فإن فعل ضمن النفس قودًا إن جزم بعدمها، أو ظن عدمها، وإن شك في السلامة وعدمها فالدية على عاقلته... قوله: «شهد العرف بالتلف»؛ أي بأن قال أهل المعرفة: إن هذا الفعل ينشأ عنه التلف، ولا تنافي بين ظن الإمام السلامة، مع قول أهل المعرفة إنه ينشأ عنه تلف أو عيب، لأنه قد يخيب ظنه»٩٩٨حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (6/371). [و«تت» هو: شمس الدين التَّتَائي، (942 هـ)، محمد بن إبراهيم بن خليل، فقيه مالكي، نسبته إلى «تتا» من قرى المنوفية في مصر، صاحب كتاب: جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر]..

قال العلامة علي العدوي ناقلًا عن بعض علماء المالكية التفصيل المذكور مع بعض الزيادات والاختلافات: «المسائل ثلاث: الأولى: أن يفعل مع ظن السلامة، وينشأ عنه ما فيه هلاك أو عيب، وفي هذه الحالة يجوز له الإقدام على الفعل، وأما الضمان فاختلف فيه، فقيل لا ضمان عليه مطلقًا، سواء قالت أهل المعرفة أنه ينشأ عن فعله هلاك أو عيب أو لا، وهو ما يفيده ما في النوادر والعتبية، وقال في التوضيح إنه قول الجمهور، وهو الموافق لما في تت.

الثانية: أن يفعل مع ظن عدم السلامة، وينشأ عنه الهلاك أو عيب، وفي هذه الحالة لا يجوز الإقدام على الفعل، فإن فعل اقتص منه مطلقًا، أي سواء قالت أهل المعرفة أنه ينشأ عنه هلاك أو عيب أو لا، كما يفيده كلام ابن مرزوق، وكلام تت يقتضي أنه يضمن في هذه الحالة الدية وفيه نظر كما نبه عليه بعض المحشين.

الثالثة: أن يفعل مع الشك في السلامة وعدمها، وينشأ عنه هلاك أو عيب، فلا قصاص عليه ويضمن الدية، أي على العاقلة، والإمام كواحد منهم لأنه لا قصاص بالشك»٩٩٩حاشيته على الخرشي: (8/110)..

ص 537

وقال الدردير في الشرح الصغير: ««وإن زاد» التعزير «على الحد» بالجلد، كأن زاد على مئة «أو أتى على النفس» بأن نشأ عنه موت، فلا إثم ولا دية «إن ظن السلامة» من فعله، وإنما قصد التشديد لما صدر منه كسب الصحابة، «وإلا» يظن السلامة، فإن شك مُنِع و«ضمن» ما سرى على نفس أو عضو: أي ضمن الدية على العاقلة، وهو كواحد منهم، فإن ظن عدم السلامة فالقود، فتحصل أنه إن ظن السلامة فخاب ظنه، وسرى لموت أو عضو فهدر، وإن ظن عدمها فالقصاص، وإن شك فالدية على العاقلة، هذا هو الراجح، ويعلم ظن السلامة أو الشك من إقرار الحاكم ونحوه وقرائن الأحوال»١٬٠٠٠حاشية الصاوي على الشرح الصغير: (4/505)..

أما بالنسبة للأدلة التي اعتُمد عليها في هذه المسألة ومرجع الخلاف ومنشؤه بين العلماء فهي:

الأول: أثر علي رضي الله عنه، فعنه أنه قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسـول الله ﷺ لم يسنه»١٬٠٠١متفق عليه وقد تقدم [في (ص 273)]..

وقد استدل من أوجب الضمان على الإمام إن هو أتلف في التعزير بهذا الأثر، حيث حمل قول علي رضي الله عنه: «فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه» على مطلق العقوبات التعزيرية التي لم يأت فيها شيء مؤقت وملزم من الشرع، وإنما كانت صادرة عن اجتهاد الإمام ونظره، ولهذا استثناها علي رضي الله عنه من الحدود المقدرة الثابتة كحد الزنى، وحد القذف، وحد السرقة.

قال الإمام الصنعاني رحمه الله عن أثر علي رضي الله عنه: «فيه دليل على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله رضي الله عنه، فهو من باب التعزيرات، فإن مات ضمنه الإمام وكذا كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الإمام وإلى هذا ذهب الجمهور»١٬٠٠٢سبل السلام: (4/38).، وعجيب ما حكاه الصنعاني هنا عن الجمهور من أنهم يقولون بالضمان في موت المعزَّر بالتعزير، إذ ما ذكره أكثر العلماء وما هو معروف من مذاهبهم أن من مات بالتعزير فلا ضمان على الإمام فيه، وقد نقل هو نفسه طرفًا من كلام الإمام النووي الذي نص فيه على أن جماهير العلماء على خلاف ما ذهب إليه الشافعية.

ومثل ذلك أيضًا ما ذكره الإمام الشوكاني وذكر القولين وأطلقهما فقال: «أما من مات بتعزير فذهب الجمهور إلى أنه يضمنه الإمام، وذهبت الهادوية إلى أنه لا شيء فيه كالحد، وحكى النووي عن الجمهور من العلماء أنه لا ضمان فيمن مات بتعزير لا على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال، وحكي عن الشافعي أنه يضمنه الإمام ويكون على عاقلته»١٬٠٠٣نيل الأوطار: (7/173)..

ص 538

وقول الإمام الصنعاني عن حد الخمر: «فهو من باب التعزيرات» إن كان يقصد ما زاد على الأربعين؛ فالخلاف جار فيه بين العلماء سواء في اعتباره حدًا، أم في إيجاب الضمان على الإمام إن تلف المحدود بما زاد على الأربعين، أما إن تلف بالأربعين فما دونها فلا خلاف بين العلماء أنه لا ضمان على الإمام في ذلك، وهو إجماع عام شامل لكل الحدود الثابتة المقدرة كما نقله غير واحد من العلماء.

وقد اعتبر الإمام الصنعاني رحمه الله دلالة قول علي صريحة في إيجاب الضمان حيث قال في رده على الهادوية الذين حملوا قول علي على الاحتياط لنفسه: «وتأويلهم لقول علي عليه السلام ساقط، فإنه صريح في أن ذلك واجب لا من باب الاحتياط، ولأن في تمام حديثه لأن رسول الله رضي الله عنه لم يسنه»١٬٠٠٤سبل السلام: (4/38).، وقريب مما نقله عن الهادوية ما رجحه الإمام الشوكاني حيث حمله على الورع فقال: «وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن علي قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله رضي الله عنه لم يسنه»، فهو رضي الله عنه أخبر عما يجده في نفسه تورعًا منه»١٬٠٠٥السيل الجرار: (4/401)..

فانظر ما بين قولي هذين الإمامين الجليلين من الفرق والبعد، هذا يعتبره صريحًا في الإيجاب، وهذا يجعله لا دلالة له على ذلك وإنما هو إخبار عما يجده في نفسه وأداؤه للدية تورعًا واحتياطًا، ومثل هذه الاجتهادات تبين لك أن الأفهام مراتب، والإدراكات منازل، ومجال الاجتهاد إن كان منضبطًا بالقواعد والأصول انضباطًا تامًا واسع، هذا والذي يظهر ويتبادر إلى الفهم من كلام علي رضي الله عنه هو ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله، فمجمل ما اشتمل عليه الأثر ثلاثة أمور:

ص 539

أولها: أن من مات في حد من الحدود الواجبة المقدرة؛ فلا ضمان على الإمام فيه، وأن هذا القسم لا يجد عليٌّ رضي الله عنه منه شيئًا في نفسه، ويوضح هذا ما جاء صريحًا في بعض الروايات كما في أبي داود عن علي رضي الله عنه قال: «لا أَدِي أو ما كنت لِأَدِي من أقمت عليه حدًا»١٬٠٠٦[سنن أبي داود: (٤٤٨٦)، وصححه الألباني].، وعند النسائي١٬٠٠٧[٥٢٥٣]. بلفظ: «من أقمنا عليه حدًا فمات منه فلا دية له»، وهذا القدر متفق عليه بين العلماء.

ثانيها: أن عليًا رضي الله عنه يجد في نفسه إن حَدَّ شارب الخمر فمات، وذلك محمول على ما زاد عن الأربعين، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ومعنى أجد: من الوجد، وله معانٍ اللائق منها هنا الحزن»١٬٠٠٨فتح الباري: (12/68).، والذي يظهر من سياق الكلام -والله أعلم- أن ما يجده عليٌّ هو الحرج الذي يحيك في صدره وليس مجرد الحزن، لأنه رتب على ما يجده في نفسه حكمًا، وأنتج عنه فعلًا، وبنى عليه أمرًا، وهو دفع الدية، وإنما دَفعَ الدية ليُزيل ويرفع ما يجده في نفسه، ومجرد الحزن الناتج عن موت المحدود لا يرتفع بمثل هذا، أما الحرج الواقع في النفس فيمكن رفعه ومحوه عنها بدفع الدية، لا سيما وقد بين السبب الذي جعله يجد في نفسه ما يجد وهو الفقرة الآتية.

ثالثها: قول علي رضي الله عنه: «فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه»، ذكر فيه حكمًا وعلته، فالحكم الذي نتج عن الشعور بالحرج هو دفع الدية، وسبب وقوع ذلك الحرج في نفسه هو أن ما زادوه من الضرب في الخمر لم يكن على عهد النبي ﷺ، وإنما هو شيء رآه الصحابة رضي الله عنهم لما انهمك الناس في شربها، ولا يظهر في سياق كلامه رضي الله عنه أن ما أخبر به عن نفسه من دفع الدية هو حكم عام ثابت ملزم لكل معزر، كما أن عبارته لا تدل على أن هذا هو رأيه فيمن مات بتعزير سوى الضرب في الخمر، وهذا مما يقوي ما ذهب إليه الإمام الشوكاني من أنه إخبار عن نفسه تورعًا واحتياطًا لإزالة الحرج الذي يجده في نفسه، وهذا من تمام ورعه وخشيته، فيكون دفعه للدية تطوعًا وتبرعًا واختيارًا وليس إلزامًا وحتمًا وإجبارًا.

ص 540

هذا وقد اتفق العلماء أن من جلد في الخمر أربعين فما دونها فتلف فليس على الإمام دية ولا كفارة، لأن هذا القدر من الحد في الخمر متفق عليه بينهم، وإنما الخلاف فيما زاد على الأربعين فمنهم من جعله حدًا ثابتًا واجبًا كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، ومنهم من يجعل ما زاد عليها إنما هو من باب التعزير، ومن ثَم يقصر الحد المقدر الواجب على الأربعين فحسب.

قال شيخ الإسلام رحمه الله بعد أن ذكر أثر علي هذا: «وهذا -يعني وجوب دفع الدية- لم يقل به أحد من الصحابة والفقهاء في الأربعين فما دونها، ولا ينبغي أن يحمل كلام علي على ما يخالف الإجماع، وإنما تنازع الفقهاء فيما إذا زاد على الأربعين فتلف، هل يضمن؟ على قولين: فقال جمهورهم: لا يضمن أيضًا، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم، وقال الشافعي: يضمنه، إما بنصف الدية في أحد القولين، جعلًا له قد تلف بفعل مضمن وغير مضمن، وإما أن تقسط الدية على عدد الضربات كلها، فيجب من الدية بقدر الزيادة على الأربعين في القول الآخر، والشافعي بنى هذا على أن الزيادة تعزير غير مقدر، ومن أصله أن من مات بعقوبة غير مقدرة ضمن، لأنه بالتلف يتبين عدوان المعزّر، كما إذا ضرب الرجل امرأته، والمؤدب الصبي، والرائض الدابة.

وأما الجمهور فمنهم من يخالفه في الأصلين، ومنهم من يخالفه في أحدهما، فأبو حنيفة ومالك يقولان الثمانون حد واجب، وهو قول أحمد في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يقول كل من تلف بعقوبة جائزة فالحقُّ قَتَلَه، سواء كانت واجبة أو مباحة، وسواء كانت مقدرة أو غير مقدرة، إذا لم يتعد، وعلى هذا لا يضمن عنده سراية القود في الطرف وإن لم يكن واجبًا»١٬٠٠٩منهاج السنة النبوية: (6/86)..

ص 541

وقال ابن قدامة رحمه الله عند قول الخرقي: «فإن مات في جلده، فالحق قتله»؛ قال: يعني ليس على أحد ضمانه، وهذا قول مالك، وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي إن لم يزد على الأربعين، وإن زاد على الأربعين فمات، فعليه الضمان، لأن ذلك تعزير، إنما يفعله الإمام برأيه... وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئًا، إلا صاحب الخمر، ولو مات وديته، لأن النبي ﷺ لم يسنه لنا»١٬٠١٠[تقدم في (ص 273)].، ولنا أنه حد وجب لله، فلم يجب ضمان من مات به، كسائر الحدود، وما زاد على الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد، وإن كان تعزيرًا، فالتعزير يجب، فهو بمنزلة الحد، وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال: «جلد رسول الله ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين»، وثبت الحد بالإجماع فلم تبق فيه شبهة»١٬٠١١المغني: (9/139)..

الثاني: ومما استدل به القائلون بتضمين الإمام إن أتلف في التعزير ما روي من أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى امرأة فأسقطت ما في بطنها من شدة الخوف فدفع الدية، والقصة رواها عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوراق وغيره عن الحسن قال: «أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة مغيبة، كان يدخل عليها، فأنكر ذلك فأرسل إليها، فقيل لها: أجيبي عمر، فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر، قال فبينا هي في الطريق فزعت، فضربها الطلق، فدخلت دارًا، فألقت ولدها فصاح الصبي صيحتين ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب، قال: وصمت عليّ فأقبل عليه، فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها في سببك، قال فأمر عليًا أن يقسم عقله على قريش، يعني يأخذ عقله من قريش لأنه خطأ»١٬٠١٢المصنف (9/458) [١٨٠١٠]، والقصة رواها أيضًا البيهقي [11673] من حديث سلام عن الحسن، وذكرها الشافعي [في الأم: (6/187)] بلاغًا عن عمر مختصرة، والحسن الذي يروي القصة عن عمر هو البصري الإمام المعروف كما ذكر ذلك الحافظ في تلخيص الحبير (4/36)، ومدار القصة عليه، فالظاهر -والله أعلم- وحسب الإسناد عدم ثبوتها به، وقد نبه الحافظ في التلخيص على ذلك فقال: «وهذا منقطع بين الحسن وعمر»، لأن الحسن رحمه الله لم يسمع من عمر رضي الله عنه، فالحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، هذا من حيث الثبوت، والأثر ذكره أيضًا الإمام ابن حزم في (المحلى 11/24)، والزيلعي في نصب الراية (4/398)، وقال عنه الألباني: في الإرواء (7/301): «لم أره»..

ص 542

وهذا الأثر رغم الانقطاع الذي فيه إلا أن الفقهاء قد دأبوا على الاحتجاج به في كتبهم، ووجه الاستدلال به عند من يوجب الضمان على الإمام في التعزير، أن عمر رضي الله عنه لما تسبب في إسقاط الجنين بسبب الفزع الذي أصاب المرأة أشار عليه علي رضي الله عنه بأن الدية تلزمه، ولم ينكر عليه الحاضرون من الصحابة، لا سيما وأن عليًا قد خطأهم فيما ذهبوا إليه أولًا، فلو لم يكونوا قد رجعوا إلى قوله لبينوا ذلك، وقوّوا ما ذهبوا إليه، وبينوا صحة ما أشاروا به على عمر، فكان سكوتهم رجوعًا إلى قول علي، وموافقة له على رأيه، فيكون إجماعًا منهم على ذلك.

وعليه فكما أن عمر التزم دفع الدية حين تسبب في إسقاط الجنين وقد دعا المرأة ليتبين أمرها ويؤدبها إن ثبت عنده خبرها، فكذلك الإمام إن عزر شخصًا فتسبب في تلف المعزّر لزمه الضمان ولا فرق.

قال الماوردي: «وأما الحكم الثاني -أي من أحكام التعزير- في حدوث التلف عنه، فهو مضمون على الإمام، سواء استوفاه في حقوق الله تعالى أو في حقوق العباد، وقال أبو حنيفة: لا يضمنه في الحالين سواء أوجبه أو أباحه كالحدود، لحدوثه عن تأديب مستحق، ولدينا قصة عمر -ثم ذكرها- وقال: فكان سكوت عثمان وعبد الرحمن عن الجواب رجوعًا منهما إلى قول علي، فصار ذلك إجماعًا من جميعهم»١٬٠١٣الحاوي الكبير: (17/335)..

إلا أن بعض العلماء لم يرَ فيها دليلًا على ما ذهب إليه القائلون بالضمان في التعزير، فقد قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله عقب ذكره لأثر عمر المذكور: «فالصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا، فالواجب الرجوع إلى ما أمر الله تعالى به، بالرجوع إليه عند التنازع إذ يقول تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، وقال تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ [النساء: 135]، وقال تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

ص 543

وقال رسول الله ﷺ: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه)١٬٠١٤[هكذا ذكره ابن حزم، والثابت في كتب الحديث بدون (إن استطاع)، وقد خُرِّج في (ص 1339)].؛ فصح أن فرضًا على كل مسلم قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن المحال أن يفترض الله تعالى على الأئمة أو غيرهم أمرًا إن لم يعملوه عصوا الله تعالى، ثم يؤاخذهم في ذلك، ووجدنا هذه المبعوث فيها، بعث فيها بحق، ولم يباشر الباعث فيها شيئًا أصلًا، فلا شيء عليه، وإنما كان يكون عليه دية ولدها لو باشر ضربها، أو نطحها، وأما إذا لم يباشر فلم يَجْنِ شيئًا أصلًا، ولا فرق بين هذا وبين من رمى حجرًا إلى العدو، ففزع من هويه إنسان فمات، فهذا لا شيء عليه، وكذلك من بنى حائطًا فانهدم، ففزع إنسان فمات وبالله تعالى التوفيق»١٬٠١٥المحلى: (4/112)..

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله في رده على الشافعي استدلاله بهذه القصة: «وأما قوله في الجنين فلا حجة لهم فيه، فإن الجنين الذي تلف لا جناية منه، ولا تعزير عليه، فكيف يسقط ضمانه؟ ولو أن الإمام حد حاملًا، فأتلف جنينها ضمنه، مع أن الحد متفق عليه بيننا على أنه لا يجب ضمان المحدود إذا أتلف به»١٬٠١٦المغني: (9/149)..

الثالث: ومما كان سببًا للاختلاف أيضًا اختلافهم في كون التعزير واجبًا أم جائزًا، وقد مر معنا ذكر هذه المسألة مع بيان ما استُدل به عليها، والذي ترجح والله أعلم هو قول الجمهور القائلين بوجوب إقامة العقوبات التعزيرية حيث ظهرت المصلحة فيها، وخالف في ذلك الشافعية حيث قالوا: بأن تنفيذ العقوبة التعزيرية ليس واجبًا، وعليه بنوا قولهم بوجوب الضمان حيث تلف المعزّر بالتعزير؛ وذلك لأن الإمام لا يجب عليه ابتداءً أن يقيم هذه العقوبة عليه، وإن كان قصده ومغزاه منها هو التأديب والزجر، والجمهور خالفوه في أصل الحكم حيث قالوا بوجوب التعزير، وكذا فيما يترتب عليه وهو عدم الضمان حيث تلف به المعزّر، وفي بناء الخلاف على هذا الأصل.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «فإن قال قائل لم زعمت أن للسلطان أن يؤدب وأن يحد، ثم أبطلت ما تلف بالحد، وألزمته ما تلف بالأدب؟ قلنا: فإن الحد فرض على السلطان أن يقوم به، وإن تركه كان عاصيًا لله بتركه، والأدب أمر لم يبح له إلا بالرأي، وحلال له تركه.

ص 544

قال الشافعي: ولم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن للرجل أن يرمي الصيد، وأن يرمي الغرض، وأنه لو رمى واحدًا منهما ولا يرى إنسانًا، ولا شاة لإنسان، فأصابت الرمية إنسانًا، أو شاة لإنسان، ضمن دية المصاب إذا مات، وثمن الشاة إذا ماتت، فوجدتُ حكمهم له بإباحة الرمية إذا تعقب، فمعناه معنى أن يرمي على أن لا يتلف مسلـمًا، ولا حق مسلم، ووجدته يحل له أن يترك الرمي، كما وجدته يحل للإمام أن يترك العقوبة، وكان الشيء الذي يفعله الإمام وله تركه بالرمية يرميها الرجل مباحة له وله تركها، فيتلف شيئًا فيضمنه الرامي، أشبه به منه بالحد الذي فرض الله ﷻ أن يأخذه، بل العقوبة أولى أن تكون مضمونة إن جاء فيها تلف من الرمية، لأنه لا يختلف أحد في أن الرمية مباحة، وقد يختلف الناس في العقوبات، فيكره بعضهم العقوبة، ويقول بعضهم لا يبلغ بالعقوبة كذا، ويقول بعضهم لا يزاد فيها على كذا»١٬٠١٧الأم: (6/190)..

وخلاصة قول الشافعي أن الإمام لما كان له أن يعاقب في التعزير وله أن يتركه فإنه إن أوقع تلفًا فيمن عزره كان خطؤه بمنزلة من رمى صيدًا أو هدفًا من الأهداف ثم أصابت رميته إنسانًا أو حيوانًا مملوكًا كشاة ونحوها، وذلك بجامع أن كلا من الصيد والتعزير مباح وليس بواجب، فإلحاق التعزير بالصيد أولى من إلحاقه بالحدود الواجبة كحد الزنى وحد القذف وحد الخمر، بل إن قيل إن ضمان ما تلف بالتعزير أولى من ضمان ما تلف في مسألة الصيد المذكورة لكان أولى وأحرى، لأن الصيد متفق على إباحته مطلقًا، أما التعزير فقد يقع الاختلاف في قدر أو جنس عقوبة من العقوبات التي يحصل بها التلف، وما يتطرق الخلاف لجوازه أولى بالضمان مما يُتفق عليه.

ص 545

ومما ينبغي أن ينبه عليه في هذا المقام أن بعض الشافعية بيّن أن محل وجوب الضمان حيث كانت المعصية التي وقع بها التلف معصية قد مضت وانقضت مما ارتكبه المعزّر، أما إن كان الشخص متلبسًا بمعصية سواء كان ارتكابًا لمحرم أو تركًا لواجب فإن عقوبته تستمر، فلو تلف في هذه الحال فلا ضمان على الإمام، هذا إذا تعين الضرب طريقًا للاستصلاح، قال الشيخ زكريا الأنصاري: «ويستثنى أيضًا ما إذا كان التعزير على معصية موجودة كمن عليه حق من دين أو غصب أو وديعة ونحوها وامتنع من أدائه مع إمكانه، فإنه لا ضمان فيه كما أن القتل إذا أدى إليه المقاتلة الجائزة غير مضمون، وقد صرحوا به في تارك الصلاة ويحمل كلامهم هنا على التعزير لمعصية سابقة لأجل الاستصلاح، وهو ظاهر إذا تعين الضرب طريقًا في الخلاص، لأنه يشبه دفع الصائل»١٬٠١٨أسنى المطالب: (4/163)..

وقال ابن نجيم مشيرًا إلى أن الاختلاف مبني على الاختلاف في أصل التعزير هل هو واجب أم جائز: «وقد ظهر بهذا أن كل ضرب كان مأمورًا به من جهة الشارع فإن الضارب لا ضمان عليه بموته، وكل ضرب كان مأذونًا فيه بدون الأمر، فإن الضارب يضمنه إذا مات، لتقييده بشرط السلامة كالمرور في الطريق، وظهر أن الزوج لا يجب عليه ضرب زوجته أصلًا»١٬٠١٩البحر الرائق: (3/52)..

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد اتفق الأئمة على أنه إذا تلف في عقوبة مقدرة واجبة لا يضمن، كالجلد في الزنا، والقطع في السرقة، وتنازعوا في غير ذلك، فمنهم من يقول يضمن في الجائز ولا يضمن في الواجب، كقول أبي حنيفة، فإنه يقول يضمن سراية القود، ولا يضمن سراية التعزير لحق الله تعالى، ومنهم من يقول يضمن غير المقدر، ولا يضمن في المقدر سواء كان واجبًا أو جائزًا كقول الشافعي، ومنهم من يقول لا يضمن لا في هذا ولا في هذا كقول مالك وأحمد وغيرهما»١٬٠٢٠منهاج السنة: (6/86)..

ص 546

والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الإمام إذا اجتهد وتحرى الصواب والمصلحة، ولم يسرف أو يتعد في اختيار العقوبة وفي قدرها، وأدى ذلك إلى تلف المعزّر فلا ضمان عليه، لأن الشارع هو الذي شرع له هذا الاجتهاد، بل أمره به كما في قوله ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)١٬٠٢١[سبق في (ص 268)].؛ فالشارع قد سوى في عدم جواز الإقالة -في حق غير ذوي الهيئات- بين الحدود والتعازير، فليس الإمام على اختياره المطلق في معاقبة المجرمين والعفو عنهم، إذ لو كان ذلك كذلك لما كان ثمة فائدة في استثناء ذوي الهيئات وإفرادهم بالإقالة لعثراتهم والتجوز عنهم.

فلما كان ما تلف بالحدود متفقًا على أنه لا ضمان عليه فيه لإيجاب الشارع لها، فكذلك ينبغي أن يكون في حق التعزير لإيجاب الشارع له، فالإمام يعتبر مطيعًا لله فيما يقوم به، ومحسنًا في تعزيره، والله يقول: ﴿مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ﴾ [التوبة: 91]، وكما أنه يضمن ما أتلفه بتعديه في الحدود بأن زاد عليها -لأنه لم يعد بذلك مطيعًا ولا محسنًا- فكذلك ينبغي أن يضمن ما أتلفه بالتعزير حيث ظهر منه التعدي والإسراف وعدم توخي المصلحة في اختيار العقوبة؛ لأن الشارع لم يأذن له في التعدي، ولم يجوز له التجاوز، بل ألزمه بذل الجهد وأوجب عليه استفراغ الوسع، فحيث قصر في ذلك تقصيرًا بينًا ظاهرًا، أو أفرط في العقوبة إفراطًا جليًا وتعدى تعديًا ليس خفيًا؛ وجب عليه ضمان ما أتلف، وكما مر معنا فإن هذا قد ذكره بعض الحنابلة، وبعض المالكية، قال الإمام مالك رحمه الله: «معلم الكتاب والصنعة إن ضرب صبيًا ما يعلم الأمن منه لأدبه فمات فلا يضمن، وإن جاوز به الأدب ضمن ما أصابه»١٬٠٢٢منح الجليل: (9/358).، والله تعالى أعلم.

ص 547