حكم إقامة الحدود في دار الحرب

تبيَّن لنا فيما سبق أن الديار التي تحكم اليوم بالقوانين الوضعية والنظم الجاهلية والآراء البشرية وتلزم الناس بالتحاكم إليها واللجوء إلى محاكمها هي ديار كفر وردة، وقد ذكرنا من الأدلة وأقوال العلماء ما يغني عن الإعادة، كما أوضحنا أن المقصود بالحدود التي نريد البحث في حكم إقامتها في تلك الديار هي العقوبات المقدرة كحد الزنا والقذف والسرقة والردة وشرب الخمر، والموضوع بمجمله أكثر التصاقًا بالجماعات الإسلامية وخصوصًا الجهادية منها، والتي تسعى بمجموعها لإقامة دين الله تعالى وإعادته إلى تلك البلاد.

فمبنى هذا البحث أنَّنا وكما نعلم أن الحدود قد عطلت وألغيت في تلك الديار، وإن أقيم منها شيء فهو بقيود وحدود ما أنزل الله بها من سلطان، أو بقدر يكفي للتلبيس وإقناع السذج بشرعية تلك الأنظمة لينتصبوا للدفاع عنها وإسباغ الشرعية عليها، أو بما يكفل الحفاظ على الكراسي والعروش فقط، وليس استسلامًا وانقيادًا وإذعانًا لأمر الله تعالى، ولا تعظيمًا وتوقيرًا وتقديمًا لأحكامه، ولذا تراهم يتخيرون من الأحكام ما يشاءون ويدعون ما يريدون، وما أقاموه منها فعلى مضض وكره؛ ولأنهم رأوا أن مصلحة إقامتها تكفل لهم البقاء في الحكم والاستمرار في استئصال شأفة الإسلام.

ص 279

ودليل ذلك أن الاختيار يكون على العقوبات الرادعة التي يمكن إنزالها على من يتجرأ على انتقاد أو معارضة أو فضح تلك الأنظمة، فكلما أراد نظام من هذه الأنظمة المرتدة التنكيل والتشريد بمن يعارضه من المسلمين ورغب في إسباغ الشرعية على عقوبة القتل المنزلة عليهم فزعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [المائدة: 33]، ولا ترى من أحكام هذه الآية إلا القتل الذي اتخذ ذريعة وجعل وسيلة لحفظ الأنظمة والعروش، فهم صيروا هذه الأحكام -التي جاءت رحمة للعالمين- ألعوبة تتقاذفها أهواؤهم يتخيرون منها ما يشاءون.

وإذا كان كلام العلماء الأوائل حول هذه المسألة منصبًا في الأغلب على إقامة الحدود على الجند الضاربين في دار الحرب؛ فإنهم أيضًا تعرضوا لحكم من ارتكب موجبًا من موجبات الحدود في دار الحرب من عامة المسلمين، وهل يقام عليهم الحد أم لا؟ وهذه الصور التي أشار إليها الفقهاء من قبلُ على وجه الإيجاز والاختصار إنما كانت آنذاك صورًا استثنائية قليلة الوقوع، إذ إن تعلقها إنما هو بأفراد معدودين محدودين.

أمَّا اليوم وقد صارت الدولة والصولة للمرتدين، وهم متحكمون في رقاب المسلمين، وملزمون لهم بالتحاكم للقوانين الجاهلية؛ فالمسلمون تحت سلطانهم وفي قبضتهم، وهذه الديار -التي هي ديار كفر وردة- هي أماكن إقامتهم وسكناهم فهذه صورة أخرى، لا سيما وهؤلاء الحكام يحاربون كل من دعا لتحكيم شريعة الله سبحانه وإقامة أحكامه -والتي منها إقامة الحدود- ولا يقبلون إلا الانقياد والرضا والإذعان لتلك القوانين التي سنوها وشرعوها؛ فلا هم أقاموا أحكام الله وشرائعه ولا تركوا من يقيمها، بل لم يقنعوا إلا باستسلام الخلق لأحكامهم وانتظامهم في سلكهم أو بقتالهم ومحاربتهم وتشريدهم ما داموا داعين للحق رافضين لشرائعهم الوضعية الوضيعة، فهذه شريحة من المسلمين -وهم الأكثر- ممن ينبغي أن يعرف حكم إقامة الحدود عليهم في مثل هذه الظروف ومع كل الملابسات التي ذكرنا، وإن كان هذا البحث ليس مقصودًا به هؤلاء أصالة ولكن قد أتعرض لذكرهم تبعًا وإيجازًا والله المستعان.

وفي الوقت نفسه هناك جماعات تسعى لإقامة دين الله في تلك الديار وإعادة الحق لها، ونزع السلطة من الأنظمة الطاغوتية المتسلطة على رقاب الناس، ونخص من هذه الجماعات في هذا الموضع: الجهادية؛ لأنها تمثل في حقيقتها الجيوش التي تكلم الفقهاء على إقامة الحدود على أفرادها، وهي أقربها وألصقها بتلك الصور، ولكن ما يشوب هذا التشبيه أن تلك الجيوش كانت مستقلة متميزة عن الكافرين وديارهم؛ وذلك لأنها تنطلق من دار الإسلام، ومآلها هو الرجوع إليها.

ص 280

أما اليوم؛ فإنَّ هذه الجماعات تتحرك في وسط متداخل وواقع صعب، فإقامة أفرادها هي في وسط هذه الدول التي يحاربونها، وحركاتهم وسكناتهم ومساكنهم تحت المراقبة والمتابعة والرصد، وهم عرضة للمطاردة والاعتقالات بمجرد شعور الأنظمة بانتمائهم لهذه الجماعات، فهذه الأمور كلها وغيرها مما هو معلوم من الواقع اليوم لا بد من وضعها في الاعتبار والعناية بمعرفة مدى تأثيرها في الحكم الشرعي وملاحظتها ملاحظة حقيقية عند نقل كلام العلماء في هذه المسألة؛ فتطبيق الحكم والوصول إلى نتيجة صحيحة في تقريره وإقامته ليست متوقفة فقط على إثباته من حيث الأدلة الشرعية المجردة المعزولة عن الواقع، بل يتحتم التنبه إلى الشق الآخر وجعله جزءًا لا ينفك عن الفتوى والذي هو معرفة مدى ارتباط الحكم المقرر بالواقع الذي يراد إنزاله عليه، وما هي إمكانية تطبيق هذه الأدلة على الواقع.

إذا تبيّن هذا؛ فسنذكر أولًا:

الأقوال المتعلقة بإقامة الحدود على من ارتكب موجبًا من موجباتها من الجند مجملة:

ثم نردفها بذكر أدلة كل قول مع محاولة التوصل إلى الراجح منها، وكما قلت فإن كلام الفقهاء منصب على ما إذا خرج الجيش غازيًا في دار الحرب، وبما أن الجماعات الجهادية اليوم تعيش في ديار الحرب وتتنقل فيما بينها؛ فمبنى الكلام إذن على إقامة الحدود بين أفراد الجماعات في هذه الديار:

القول الأول: أن الحد يقام على من ارتكبه من الجيش إذا خرج معهم الإمام أو من فوض إليه إقامة الحدود من القادة، وإن لم يكن معهم سقط الحد مطلقًا فلا يقام ولو بعد الرجوع إلى دار الإسلام.

القول الثاني: يجب إقامة الحد على من ارتكبه في دار الحرب، كما يقام عليه في دار الإسلام تمامًا، وسواء كان الإمام خارجًا مع الجيش أم لا.

ص 281

القول الثالث: من ارتكب حدًا من الجند في دار الحرب فلا يقام عليه حتى يرجع إلى دار الإسلام.

القول الرابع: أن من ارتكب حدًا فلا يسقط عنه تمامًا بل يؤجل حتى يرجع إلى دار الإسلام، ثم إن أتى من الأعمال الصالحات كالنكاية في العدو والثبات في القتال ما يغلب سيئاته، وظهر منه صدق التوبة فإن الحد يسقط عنه كلية فلا يقام عليه لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام، فالأصل إقامة الحد بعد الرجوع إلى دار الإسلام إلا إن حصل من مرتكبه ما ذكرنا فإنه يهدر في حقه.

فهذه هي الأقوال مجملة، والآن نشرع في ذكر تفاصيل ما احتج به أصحاب كل قول:

القول الأول:

أن الحد يقام على من ارتكبه من الجيش إذا خرج معهم الإمام أو نائبه الذي فوض إليه إقامة الحدود من أمراء الأمصار، وإن لم يكن معهم أحدهما سقط الحد مطلقًا، فلا يقام على من أتى موجبه لا في دار الحرب ولا بعد الرجوع إلى دار الإسلام، وهذا هو مذهب الأحناف، وخلاصة ما ذكروه في هذه المسألة يتمثل في صورتين أساسيتين:

الأولى: أن يدخل الجيش دار الحرب ويكون معهم الإمام أو أحد أمراء الأمصار ممن لهم إقامة الحدود نيابة عن الإمام؛ ففي هذه الصورة ينظر: إذا زنى أو سرق الجندي وهو في الجيش ولم ينفصل عنه؛ ففي هذه الحالة يجب على الإمام أو نائبه من ولاة الأمصار إقامة الحد عليه ولو كان في دار الحرب، ولا ينتظر حتى يقدم إلى دار الإسلام، أما إذا انفصل أحد الجنود عن الجيش -وهم في دار الحرب- ثم ارتكب ما يوجب الحد في أصله كالزنا أو السرقة ونحو ذلك ففي هذه الصورة لا يقام عليه الحد، لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام.

الثانية: أن لا يكون الإمام أو أحد أمراء الأمصار -ممن لهم إقامة الحدود- خارجًا في الجيش، ففي هذه الحالة لا تقام الحدود على الجند مطلقًا لا في دار الحرب ولا بعد الرجوع إلى دار الإسلام، وهذا سواء ارتكب داخل الجيش، أو بعد الانفصال عنه.

ص 282

وفي هذا يقول الإمام السرخسي رحمه الله: «وكذلك سرية من المسلمين دخلت في دار الحرب، فزنى رجل منهم هناك، أو كانوا عسكرًا؛ لأن أمير العسكر والسرية إنما فوض إليه تدبير الحرب، وما فوض إليه إقامة الحدود، وأما إذا كان الخليفة غزا بنفسه، أو كان أمير مصر يقيم الحدود على أهله، فإذا غزا بجنده فإنه يقيم الحدود والقصاص في دار الحرب، لأن أهل جنده تحت ولايته، فمن ارتكب منهم منكرًا موجبًا للعقوبة يقيم العقوبة كما يقيمها في دار الإسلام، هذا إذا زنى في المعسكر، وأما إذا دخل دار الحرب وفعل ذلك خارجًا من المعسكر لا يقيم عليه الحد بمنزلة المستأمن في دار الحرب»٣٤٠المبسوط: (5/100)..

وقال العلامة الكاساني رحمه الله: «وكذلك لو كان أميرًا على سرية أو أمير جيش رجل منهم أو سرق أو شرب الخمر أو قتل مسلـمًا خطأ أو عمدًا لم يأخذه الأمير بشيء من ذلك؛ لأن الإمام ما فوض إليه إقامة الحدود والقصاص لعلمه أنه لا يقدر على إقامتها في دار الحرب، إلا أنه يضمنه السرقة إن كان استهلكها ويضمنه الدية في باب القتل، لأنه يقدر على استيفاء ضمان المال، ولو غزا الخليفة أو أمير الشام ففعل رجل من العسكر شيئًا من ذلك أقام عليه الحد، واقتص منه في العمد وضمنه الدية في ماله في الخطأ، لأن إقامة الحدود إلى الإمام، وتمكنه الإقامة بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش وانقيادها له فكان لعسكره حكم دار الإسلام، ولو شذ رجل من العسكر ففعل شيئًا من ذلك درء عنه الحد والقصاص لاقتصار ولاية الإمام على المعسكر»٣٤١بدائع الصنائع: (7/195)..

وقال الإمام أبو يوسف صاحبأبي حنيفة رحمه الله: «باب إقامة الحدود في دار الحرب: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذ غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر والشام والعراق أو ما أشبه فيقيم الحدود في عسكره»٣٤٢الرد على سير الأوزاعي: (180)..

ص 283

وفي السير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: «باب إقامة الحدود، قلت: أرأيت الجند إذا غزوا أرض الحرب وعليهم أميرهم هل يقيم الحدود في عسكره؟ قال: لا، قلت: فإن كان أمير مصر من الأمصار أو أمير الشام أو أمير العراق غزا أرض الحرب أيقيم الحدود في عسكره ذلك والقصاص؟ قال: نعم، قلت: أفيقطع اليد في السرقة ويحد حد القذف؟ قال: نعم، قلت حد الزنا وحد الخمر؟ قال نعم، قلت: فإذا كان أمير جيش وليس بأمير شام ولا أمير عراق وهو خمسة آلاف أو أربعة آلاف هل يقيم شيئا مما ذكرت لك؟ قال: لا، قلت: وكذلك أصحاب السرايا لا يقيمون شيئا من الحدود؟ قال: نعم»٣٤٣السير الكبير: (148)..

فكلمة الأحناف تكاد تكون متفقة على هذا المعنى، وهو إقامة الحدود في العسكر إذا كان الإمام أو أمير مصر من الأمصار خارجًا معهم في غزوهم لدار الحرب وارتُكب موجب الحد داخل الجيش، وعدم إقامتها في الجند إذا كانت سرية أو جيشًا ليس فيه الإمام أو أمير من أمراء الأمصار، وكذا إذا كان الإمام مع الجيش إلا أن من أتى موجب الحد لم يرتكبه داخل عسكره وإنما شذ عنه إلى دار الحرب وارتكبه ثمة.

هذا وقد جوز بعض علماء الأحناف للإمام -في الصورة التي له إقامة الحد فيها- أن يؤخر إقامته على مرتكبه إذا خشي من ارتداده أو لحوقه بدار الحرب إذا هو أقامه عليه، فيؤجله إلى حين قفوله إلى دار الإسلام وانفصاله عن دار الحرب: جاء الفتاوى الهندية: «وإن كان الخليفة قد غزا بنفسه، أو أمير مصر كان يقيم الحدود على أهله غزا بجنده، يقيم الحدود والقصاص في دار الحرب وهذا إذا زنى بالعسكر، فأما إذا لحق بأهل الحرب وفعل ذلك لا يقام عليه الحد، قالوا: وإنما يقيم هذا الأمير الحد في عسكره إذا كان يأمن على الذي يقيم عليه الحد أن لا يرتد ولا يلحق بالكفار، وأما إذا كان يخاف عليه الارتداد واللحاق فإنه لا يقيم عليه الحد حتى ينفصل عن دار الحرب ويصير في دار الإسلام»٣٤٤الفتاوى الهندية: (2/149)..

ص 284

وهذه الأقوال التي ذكرناها كلها تختص بالغزاة؛ إلا أن الحكم لا يختلف عند الأحناف بالنسبة لعموم المسلمين الآخرين، فمن زنى أو سرق أو شرب الخمر في دار الحرب فلا يقام عليه الحد مطلقًا لا في دار الحرب ولا بعد رجوعه إلى دار الإسلام، وسواء كان ثبوت ذلك عليه عند الإمام بإقرار أو ببينة، وفي هذا يقول الكاساني رحمه الله: «فصل: وأما الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين فأنواع، منها أن المسلم إذا زنا في دار الحرب، أو سرق، أو شرب الخمر، أو قذف مسلـمًا لا يؤخذ بشيء من ذلك، لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية، ولو فعل شيئًا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسـلام لا يقام عليه الحد أيضًا لأن الفعل لم يقع موجبا أصلا»٣٤٥بدائع الصنائع: (7/195)..

وقد استدلوا لمذهبهم هذا بعدة أدلة من السنة ومن آثار الصحابة فمن ذلك:

ص 285

حديث: (لا تقام الحدود في دار الحرب)، يكثر الاستدلال بهذا الحديث في كتب فقه الأحناف على إسقاط الحدود في دار الحرب، وهو عندهم عمدة في المسألة، لذلك يتم التصدير به عند التدليل للمذهب، قال الإمام السرخسي رحمه الله عند ذكره للأدلة واحتجاجه لهذه المسألة ورده على من خالفهم: «ولكنا نستدل بقوله ﷺ: (لا تقام الحدود في دار الحرب)، والمعنى فيه أن الوجوب -أي وجوب إقامة الحد- لا يراد لعينه، بل للاستيفاء وقد انعدم المستوفي، لأنه لا يملك إقامة الحد على نفسه، وليس للإمام ولاية على من في دار الحرب ليقيم عليه الحد، فامتنع الوجوب لانعدام المستوفي وإذا لم يجب عليه حين باشر السبب لا يجب بعد ذلك وإن خرج إلى دارنا»٣٤٦(المبسوط: 5/99).، والحديث المذكور مع ضعفه٣٤٧فقد قال فيه الإمام ابن حجررحمه الله: «حديث: (لا تقام الحدود في دار الحرب) لم أجده، وروى الشافعي في اختلاف العراقيين عن زيد بن ثابت بهذا موقوفًا»، والحديث موقوف على زيد بن ثابت، ومع ذلك فإن فيه راويًا لم يسم، ففي الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف قال: «أخبرنا بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو)»، ومثل هذا لا يصح ولا يصلح الاحتجاج به، ومن هذه الطريق أخرجه البيهقي أيضًا في (السنن الكبرى 13/415) فقال: «أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي قال: قال أبو يوسف حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو)»، ولهذا نعى الشافعي على أبي يوسف اعتماده على هذا الأثر قائلا: «وهو يعيب أن يحتج بحديث غير ثابت، ويقول حدثنا شيخ ومن هذا الشيخ؟! ويقول مكحول عن زيد بن ثابت، ومكحول لم ير زيد بن ثابت» (السنن الكبرى للبيهقي 13/416)، بل قال فيه ابن الهمام الحنفي: «لا يعلم له وجود»، وقال الزيلعي: «الحديث الخامس قال ﷺ: (لا تقام الحدود في دار الحرب) قلت: غريب» (نصب الراية 3/343)، ولهذا لا يستقيم قول من قال من الأحناف إن الحديث مرسل -والمراسيل عندنا حجة كالمسند- (البناية 6/261)، وذلك لأنه موقوف على زيد بن ثابت وليس مرسلًا، مع جهالة أحد رواته وهو شيخ أبي يوسف الذي لم يسمه، زيادة على أن مكحولًا لم ير زيد بن ثابت، فالحديث من حيث ثبوته لا يصلح للاحتجاج لما ذهبوا إليه لِمَا عُلِمَ من ضعفه.؛ فقد تكرر الاحتجاج به في جل كتب الأحناف عند بحثهم لمسألة إقامة الحدود في دار الحرب، أما عن وجه الدلالة فيه فقد حملوا قوله: (لا تقام) على معنى لا تجب، أي لا تقع واجبة في دار الحرب، وذلك حتى يسقط الوجوب من أصله فيكون من زنى أو سرق أو قتل في دار الحرب لم يأت بالموجب كاملًا وإنما ألجأهم إلى هذا التأويل -مع ما فيه من التكلف- قولهم بأن الحد لا يقام حتى بعد الرجوع إلى دار الإسلام.

ففي هذا يقول البابرتي مُبينًا جهة الدلالة في الأثر المذكور: «ووجه التمسك به أنه ﷺ لم يرد به حقيقة عدم الإقامة حسًا، لأن كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحد في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها، فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد»٣٤٨شرح الهداية على العناية: (5/46).، ونظير ذلك ما نقله العيني عن الكاكي حيث قال: «وجه التمسك بحديث الكتاب أنه ﷺ حقق عدم الإقامة لانقطاع ولاية الإمام عنها فكان المراد من عدم الإقامة عدم وجوب الحد»٣٤٩البناية: (6/261)..

ص 286

وهذا التأويل مع بعده والتكلف فيه لأنه خلاف ظاهر اللفظ؛ فإنهم قد ناقضوا أنفسهم حيث أوجبوا على الإمام أو أمراء الأمصار إذا كانوا في الجيش أن يقيموا الحدود على من ارتكبها داخل عسكرهم وإن كانوا في دار الحرب، وهذا بلا شك إقامة للحدود فيها بغض النظر عن الملابسات والتعليلات التي ذكروها، وللخروج من هذا المضيق فرقوا بين ما إذا ارتكب موجب الحد بين الجيش أو خرج عنه وشذ إلى أهل الحرب، فأقاموه على الأول وأسقطوه عن الثاني محتجين بأن الجيش بالنظر إلى مجموعه -مع وجود الإمام- في حكم دار الإسلام، ولهذا قال في الهداية: «ولو غزا من له ولاية الإقامة بنفسه كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على من زنى في معسكره، لأنه تحت يده، بخلاف أمير العسكر والسرية لأنه لم يفوض إليهما الإقامة»٣٥٠[الهداية في شرح بداية المبتدي: (2/347)]..

وقال الكاساني: «ولو غزا الخليفة أو أمير الشام ففعل رجل من العسكر شيئا من ذلك -أي موجب حد أو قصاص- أقام عليه الحد واقتص منه في العمد وضمنه الدية في ماله في الخطأ، لأن إقامة الحدود إلى الإمام وتمكنه الإقامة بما له من القوة والشوكة باجتماع الجيوش وانقيادها له، فكان لعسكره حكم دار الإسلام، ولو شذ رجل من العسكر ففعل شيئًا من ذلك درء عنه الحد والقصاص لاقتصار ولاية الإمام على المعسكر»٣٥١البدائع: (7/195)..

وفي الرد على استدلال الأحناف بهذا الأثر يقول بكر أبو زيد -وفقه الله-: «وهذا الاستدلال مناقش بما يلي: أن الاستدلال به على خلاف الدعوى، فإن مذهب أبي حنيفة سقوط الحد بشرط أن لا يكون الإمام مع المعسكر، والحديث لا إشارة فيه إطلاقًا إلى وجوب إقامة الحد مع وجود الإمام في المعسكر بدار الحرب بل ينافيه.

أن هذا الحديث لا تثبت به دعوى سقوط الحد من أصلها لأن عدم إقامة الحد في دار الحرب لا تستلزم سقوطه، بل تحتمل التأخير إلى القفول من الغزو، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، بل إن معناه في تأخير الحد أظهر ويدل عليه أقضية الصحابة رضي الله عنهم»٣٥٢الحدود والتعزيرات عند ابن القيم: (62-63)..

والخلاصة: أن الحديث الذي استندوا إليه لا يصح الاستدلال به لا من حيث الثبوت ولا المعنى؛ لما عُلم من ضعفه من جهة ومناقضته ومنافاته لبعض ما ذهبوا إليه من جهة أخرى، وذلك لأن التخصيص من غير دليل تحكم محض، ومن ذلك استثناء الإمام أو أمراء الأمصار من العموم إذ أن الجيش -وإن كان فيه الإمام- ما لم يقفل من غزوه إلى دار الإسلام؛ فيقال إنه في دار الحرب وهو الموضع الذي نهى الحديث عن إقامة الحدود فيه.

ص 287

* أما استدلالهم بآثار الصحابة؛ فمنها: الأثر الذي يروى عن عمر رضي الله عنه في ذلك، ففي الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف قال: «حدثنا بعض أشياخنا عن ثور بن يزيد عن حكيم بن عمير أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه وإلى عماله ألا يقيموا حدًا على أحد من المسلـمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة»٣٥٣[رواه البيهقي في السنن الكبرى: (١٨٢٧3)]، وقد أخرج نحو هذا الأثر سعيد بن منصور [2500] قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: «أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا، لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار»، وابن أبي شيبة في المصنف [30791، وضعفه محققه الشثري] بسنده عن أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير قال: «كتب عمر بن الخطاب ألا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع على الدرب، لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار»، ورواه أيضًا عبد الرزاق [9370] قال: «إن عمر بن الخطاب كتب أن لا يحد أمير الجيش ولا أمير سرية رجلا من المسلمين حتى يطلع الدرب قافلا فإني أخشى أن تحمله الحمية على أن يلحق بالمشركين»..

وهذا الأثر استدل به الإمام أبو يوسف في رده على الأوزاعي الذي يقول: بأن الإمام أو أمير المصر أو قائد الجند يجب عليهم أن يقيموا الحدود كلها على من ارتكب موجبها من الجند في دار الحرب، واستثنى -أي الأوزاعي- من ذلك القطع؛ فإنه قال: يؤجل حتى يقفلوا إلى دار الإسلام، ودلالة الأثر لا توافق ما ذهبوا إليه، لأن عمر قد نص على تأخير إقامة الحد حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة، وليس فيه إسقاطه كلية، وهذا يعني أنه حين يسرق أو يزني أو يقتل قد أتى ما يوجب الحد أو القصاص خلافًا لقولهم، فعمر لم يقل بإسقاطه تمامًا كما هو مذهبهم بل بتأخيره فقط، ولا يوجد في الأثر إشارة إلى اشتراط وجود الإمام أو أمير المصر في الجيش، وليس في كلام عمر أدنى إشارة إلى أن إقامة الحد على الجيش موكول للإمام أو أمير المصر دون قادة الجند.

ص 288

وهذه الآثار إن صحت؛ فإنها تدل دلالة صريحة على خلاف ما ذهب إليه الأحناف من أن إقامة الحدود على الجنود إنما هي للإمام أو أمير الأمصار فحسب، وأن من ارتكب موجبًا لها وعليه أمير سرية أو جيش فإن الحد ساقط عنه، فهي قد تواطأت على قول عمر: «لا يجلدن أمير جيش ولا سرية»، فقد جعل لأمراء الجيوش والسرايا إقامة الحدود، وإنما أمرهم بتأخيرها إلى أن يقطعوا الدرب راجعين؛ فهو صريح في عدم سقوطها مطلقًا، وعلل ذلك بالخشية من أن تأخذه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، وهذه العلة ليست مقتصرة على السرايا والجيوش التي يقودها من هو دون الإمام أو أمير مصر، بل حمية الشيطان والغضب للنفس واللحاق بدار الحرب يمكن أن تقع ولو كان الإمام أو أحد أمراء الأمصار على الجيش.

* واستدلوا أيضًا بما نسب للنبي ﷺ أنه قال: (إذا هرب الرجل وقد قتل أو زنى أو سرق إلى العدو ثم أخذ أمانًا على نفسه فإنه يقام عليه ما فر منه، وإذا قتل في أرض العدو أو زنى أو سرق ثم أخذ أمانا لم يقم عليه شيء مما أحدث في أرض العدو)٣٥٤وهذا الأثر ذكره محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير عن عطية بن قيس الكلابي أن رسول الله ﷺ قال.. ثم ذكره، وعطية هو أبو يحي مات سنة (121 هـ) روى عن معاوية وغيره، ولا يعرف هذا الأثر في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا يعرف له إسناد، وهو أشبه بكلام الفقهاء وتقسيماتهم من كلام النبي ﷺ، ومع ذلك فقد قال عنه السرخسي في شرحه للسير الكبير(5/109): «فهو الأصل لعلمائنا -رحمهم الله تعالى- في اعتبار المواضع التي يرتكب فيها السبب الموجب للحد»، فلا موجب لإطالة الكلام على دلالة الأثر مع ظهور بطلانه وبُعدِ ثبوته، [وقد رواه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٠٥) عن عطية بن قيس بلفظ: (إذا لحق الرجل من أصحابه العدو فقتل فيهم، أو ‌زنى، أو ‌سرق، ثم أخذ أمانا على نفسه بما أصاب، فأعطاه الأمان، لم يقم عليه ما أصاب في الشرك، وإذا أصاب في الإسلام شيئا من ذلك فلحق بالشرك، ثم أخذ على نفسه أمانا، فإنه يقام عليه ما ‌فر منه)]..

ومما استدل به الأحناف على مذهبهم من جهة النظر: أن الإمام لا ولاية له على دار الحرب، ومن ثمَّ لا يستطيع أن يستوفي الحدود فيها لانتفاء القدرة، فكيف يوجب الشرع عليه إقامتها في موضع لا ولاية له عليه؟، ويشبه هذا أن يكون قريبا من القول الأول الذي حملوا فيه معنى إقامة الحدود في حديث: (لا تقام الحدود في دار الحرب)٣٥٥[وقد سبق الكلام عليه (ص 284)]. على معنى: لا تجب، بيان ذلك عندهم أن إيجاب الحد شرعًا ليس مقصودًا لذاته بل للاستيفاء «إقامته وتطبيقه» الذي هو ثمرة وفائدة الوجوب، فإذا كان الاستيفاء متعذرًا لانقطاع ولاية الإمام على دار الحرب وفقدان قدرته على ذلك؛ فهذا يؤدي إلى إسقاط الوجوب حين ارتكاب الموجب كالزنى أو السرقة أو القتل العمد لانعدام الفائدة منه وفقدان ثمرته.

ص 289

وهذا يقود إلى أمر آخر وهو سقوط إقامة الحد ولو بعد رجوعه إلى دار الإسلام؛ لأنَّ ما لم يكن واجبًا عند مباشرة السبب وارتكاب الموجب لا يكون واجبًا فيما بعد؛ بمعنى أنه لا يطرأ عليه إيجاب جديد، وفي هذا يقول السرخسي: «والمعنى فيه: أن الوجوب لا يراد لعينه بل للاستيفاء وقد انعدم المستوفي، وإذا لم يجب عليه حين باشر السبب لا يجب بعد ذلك وإن خرج إلى دارنا»٣٥٦المبسوط: (5/100)..

وقال العيني في شرحه للهداية: «ولأن المقصود -أي من إقامة الحد- هو الانزجار، وذا لا يحصل بنفس الوجوب، بل الاستيفاء، ولا يمكن استيفاؤه ثمة لعدم ولاية الإمام؛ فامتنع الوجوب لعدم فائدته وهو الاستيفاء، أشار إليه المصنف بقوله: «وولاية الإمام منقطعة فيهما» -أي في دار الحرب ودار البغي كذلك- فيعرى الوجوب عن الفائدة «هو الاستيفاء» ولا يقام بعدما خرج لأنها لم تنعقد موجبة -أي لأن هذه الفعلة أو الزنية لم تنعقد حال كونها موجبة للحد- بعد الخروج إلينا فلا يحد»٣٥٧البناية شرح الهداية: (6/261-262).، وقال الكاساني: «المسلم إذا زنى في دار الحرب أو سرق أو شرب الخمر أو قذف مسلـمًا لا يؤخذ بشيء من ذلك؛ لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية، ولو فعل شيئًا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضًا لأن الفعل لم يقع موجبًا أصلا»٣٥٨البدائع: (7/195)..

ويرد هذا القول؛ أن أدلة إيجاب إقامة الحدود جاءت مطلقة ولم تفرق بين ما إذا كان مرتكبها في دار الإسلام أو دار الحرب، وما استدلوا به من السنن والآثار لا يساعدهم فيما ذهبوا إليه وذلك لضعفها؛ أولًا: ولتعليلها.

ص 290

ثانيًا: بخشية اللحوق بدار الحرب ثم بتنصيصها على التأجيل والنسأ إلى الرجوع إلى دار الإسلام؛ فما جاء في السنة والآثار الواردة عن الصحابة -وسيأتي ذكرها- إنما هي في تأخير إقامتها على مرتكبها إلى أن يرجع إلى دار الإسلام لعارض ذكروه وبينوه لا في إسقاطها كلية، وذلك كما يؤخر الحد عن الحبلى والمريض ونحوهما، أما كون الإمام غير قادر على إقامتها في دار الحرب ومدار إقامتها عليها؛ فهذا الإطلاق مع ما فيه؛ فما الذي يمنع من إقامتها إذا رجعوا إلى دار الإسلام؟ أليست القدرة على إقامتها موجودة فيها.

ثم هم قد فرقوا بين ما إذا كان أمير الجيش هو الإمام أو أحد أمراء الأمصار، وبين ما إذا كان قائدا من قواده الآخرين؛ فأقاموه في الحالة الأولى بشرطه عندهم، وأسقطوه في الثانية بحجة أن إقامة الحدود ليست له، وكثيرًا ما تكون الجيوش التي لا يخرج فيها الإمام بنفسه أكثر عددا وعدة فإن كان مناط إقامة الحد هو القدرة فقط فإن القدرة في مثل هذه الحالة أوفر منها فيما لو خرج الإمام مع جيش أقل من هذا، وعليه إما أن يقولوا إن لأمير الجيش في مثل هذه الحالة إقامة الحد على مرتكبه تماما كما لو كان معهم الإمام، أو يقولوا إن الحد يؤخر إلى حين رجوعهم لدار الإسلام فيقيمه عليه من له ولاية ذلك أو يلتزموا إسقاط الحدود في دار الحرب على كل حال دون النظر لوجود الإمام أو غيره، وهم لا يذهبون إلى شيء من هذا.

بل كما نقلنا عنهم: يجوزون في بعض الأحيان للإمام أن يؤخر إقامة الحد إن خشي على مرتكبه اللحاق بدار الكفر، ففي الفتاوى الهندية: «وإنما يقيم هذا الأمير الحد في عسكره إذا كان يأمن على الذي يقيم عليه الحد أن لا يرتد ولا يلحق بالكفار، وأما إذا كان يخاف عليه الارتداد واللحاق فإنه لا يقيم عليه الحد حتى ينفصل عن دار الحرب ويصير في دار الإسلام»٣٥٩[الفتاوى الهندية: (2/149)]..

وهذا يعني أن الإمام قد يكون من الضعف بحيث لا تسمح له قدرته ولا سلطانه منع من يقام عليه الحد من الفرار إلى الكفار، فلماذا وقع الحد في مثل هذه الحال موجبا ولهذا استحق إقامته عليه بعد قفوله إلى دار الإسلام.

ص 291

وتعلقهم في إسقاطها رأسًا بأنها لم تنعقد حين الارتكاب موجبة فلا تنقلب موجبة: كلام لا يسلم؛ لأن وجوب إقامة الحد إنما يتعلق بوجود الموجب لا غير؛ كالسرقة أو الزنى أو القذف وقد وجدت هذه الأمور.

قال الشيخ بكر أبو زيد في مناقشته لهذا الاستدلال: «نسلم أن مناط إقامة الحدود هو القدرة، لكن ما الذي أسقطه بالكلية حتى ولو عاد إلى دار الإسلام، فإن المسلم إذا عاد إلى دار الإسلام صار تحت يد الإمام، فالقدرة ثابتة عليه، فإذا لم تقم عليه الحدود أهدرنا مقتضيات النصوص الآمرة بإقامة الحدود، أما إذا قلنا بتأخيره فقد راعينا المصلحة ولم نهدر الحد بالكلية.

أما قولهم بإقامة الحد إذا كان الإمام في المعسكر لوجود القدرة فيقال: هذا غير مسلم لأنه ليس مناط إقامة الحد وجود القدرة فحسب، بل معها أيضًا عدم وجود المعارض... ومن القواعد المقررة: أنه إذا وجد المانع والمقتضي قدم المانع على المقتضي؛ فإذا زال المانع بأن رجعوا إلى دار الإسلام أقيم الحد لوجود المقتضي وانتفاء المعارض، وهذا له نظائر في الحدود كما في تأخير الحد لمصلحة المحدود كتأخيره عن الحامل ونحوها»٣٦٠الحدود والتعزيرات: (65)..

وبهذا يظهر أن الأدلة من الأحاديث والآثار والتعليلات التي استند إليها الأحناف في إسقاط الحدود عن مرتكبها في دار الحرب لا تساعدهم فيما ذهبوا إليه.

ونشير هنا إلى أن هذه الأحكام يجريها الأحناف على دار الكفر الأصلية وعلى الدار التي كانت دار إسلام ثم انقلبت دار كفر، فعند ابن عابدين: «ويتفرع على كونها صارت دار الحرب أن الحدود والقود لا يجري فيها، وأن الأسير المسلم يجوز له التعرض لما دون الفـرج، وتنعكس الأحكام إذا صارت دار الحرب دار الإسلام فتأمل»٣٦١حاشية ابن عابدين: (4/175).، والله تعالى أعلم.

ص 292

تنبيه مهم: قد يفهم بعض الناس أن إسقاط الأحناف للحدود في دار الحرب مطلقًا هو تجويزهم لموجباتها؛ فربما تبادر إلى أذهانهم أنهم يجوزون لمن دخل دار الحرب الزنى أو السرقة أو القتل لمسلم أو القذف أو شرب الخمر، وهذا القول لا يحل نسبته إليهم بحال، وليس في كلامهم أدنى إشارة لمثل هذا الفهم، وإنما أسقطوا الحدود وأهدروها في حق من ارتكب موجباتها اعتمادًا على الأدلة التي ذكروها، واعتبارًا للشبهة التي تصوروها وقرروا قيامها في دار الحرب، ولا يفهم التلازم بين القول بإسقاط الحد وبين حل سببه إلا سقيم الإدراك كليل الفهم صريع الهوى والشهوات.

القول الثاني:

أن الحدود يجب إقامتها في دار الكفر كما تقام في دار الإسلام، وسواء أكان الإمام هو قائد الجيش أم من سواه من أمراء الأمصار أو غيرهم، ولا يؤخرها الإمام أو نائبه إلى أن يرجع إلى دار الإسلام، بل يقيمها حيث هو، وهذا هو مذهب المالكية، ومذهب الشافعي كذلك؛ إلا أنه قال: إن وَلِيَ أمير الجند إقامة الحدود أقامها حيث هو في دار الكفر، وإن لم يول ذلك تريث حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقيمها الإمام أو والي المصر، واستدلوا على ذلك بأن الأدلة الواردة في وجوب إقامة الحدود جاءت مطلقة، ولم تقيد بزمان ولا مكان وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة: 38]، وقوله تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مئة جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: 2]، وغيرها من الآيات.

ص 293

ففي مذهب المالكية: جاء في المدونة: «قلت: أرأيت أمير الجيش إذا دخل أرض الحرب فسرق بعضهم من بعض في أرض الحرب، أو شربوا الخمور، أو زنوا، أيقيم عليهم أميرهم الحدود في قول مالك؟ قال: قال لي مالك: يقيم عليهم الحدود في أرض الحرب أمير الجيش، وهو أقوى له على الحق، كما تقام الحدود في أرض الإسلام، قلت: أرأيت لو أن تجارا من المسلمين دخلوا أرض الحرب بأمان، فسرق بعضهم من بعض، ثم شهدوا على السارق بالسرقة حين خرجوا إلينا أيقام الحد على السارق أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك في الجيش إذا كانوا في أرض الحرب: إنه يقام على السارق الحد، فكذلك هؤلاء الذين دخلوا بأمان، ولأن مالكًا لا يلتفت إلى اختلاف الدارين، وهؤلاء مسلمون مقرون بأحكام الإسلام ليسوا بمنزلة المشركين الذين لا يقرون بأحكام المسلمين، قلت: وكذلك إن زنى في دار الحرب بعض هؤلاء التجار أو شرب الخمر فشهدوا عليه بعد ما خرج، أيقيم عليه الإمام الحد؟ قال: نعم في رأيي»٣٦٢المدونة الكبرى: (16/291)..

وفيها أيضًا: «قلت أرأيت القوم يخرجون تجارا إلى أرض الحرب فيقطع بعضهم الطريق على بعض وكلهم مسلمون، إلا أنهم قد قطعوا الطريق في دار الحرب على مسلمين مثلهم أو ذميين دخلوا دار الحرب بأمان؟ قال: قال مالك في هؤلاء الخناقين الذين يخرجون مع الجيش إلى أرض الحرب فيخنقون الناس على أموالهم في دار الحرب في الطوائف قال: بلغني عن مالك أنه قال: يقتلون، قلت: والخنـاق محارب عند مالك؟ قال: نعم، الخناق محارب، إذا خنق على أَخْذِ مال»٣٦٣المدونة الكبرى: (16/304).،

وقال القرطبي رحمه الله: «واختلفوا في قطع اليد في السفر وإقامة الحدود في أرض الحرب فقال مالك والليث بن سعد تقام الحدود في أرض الحرب، ولا فرق بين دار الحرب والإسلام -إلى أن قال- استدل من قال بالقطع بعموم القرآن وهو الصحيح إن شاء الله تعالى»٣٦٤الجامع لأحكام القرآن: (6/171)..

وقال الدسوقي رحمه الله: «إذا صدر موجب حد كزنا، أو سرقة، أو قتل، أو شرب خمر، من أحد سواء كان من الجيش أو كان أسيرا أو ممن أسلم فإنه يجب إقامة الحد عليهم ببلدهم ولا يؤخر حتى يرجع لبلدنا»٣٦٥حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (2/486).، ولكنه مع ذلك مال إلى تأخير الحد إن خيف وقوع مفسدة بإقامته في دارهم، ولهذا عقبه بقوله: «والظاهر أنه إن خيف من إقامة الحد ببلدهم حصول مفسدة فإنه يؤخر ذلك للرجوع إلى بلدنا لا سيما إن خيف عظمها».

ص 294

وقال الإمام القرافي رحمه الله: «إن أدلة الوجوب قائمة فتجب، لأنه من أعظم الطاعات، فيكون من أقوى أسباب المعاونات، وفي «اللباب» إن زنا الأسير بحربية ثم خلص: قال ابن القاسم: عليه الحد خلافًا لعبد الملك»٣٦٦الذخيرة: (3/411).، فقد أفاد أن عبد الملك بن الماجشون لا يقول بإقامة الحد في دار الحرب إما في هذه الصورة التي ذكرها وإما مطلقًا، وقال الآبي الأزهري: «وجاز -أي أذن للإمام- ببلدهم -أي الكفار- إقامة الحد الشرعي لزنا أو سرقة أو قتل أو حرابة على من فعل موجبه لأنه واجب عليه أن يقيمه ببلدهم ولا يؤخره حتى يرجع لبلده»٣٦٧جواهر الإكليل: (1/359)..

فمذهب المالكية في هذه المسألة واضح وجلي وهو القول بوجوب إقامة الحد حيث ارتكب موجبه ولا يشترطون أن يقوم على استيفائه الإمام، وهذا الحكم منسحب على الجنود وهم في دار الحرب وعلى غيرهم من عموم المسلمين الذين يدخلون دار الحرب كالتجار وغيرهم، أو من أسلم في دارهم أصلًا، أو كان أسيرًا عند الكفار، وجوّز بعضهم تأخير الحد إلى حين القفول لدار الإسلام إن خيف وقوع مفسدة من إقامته ببلد الكفار.

ص 295

أما مذهب الشافعية: فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله مُبينًا مذهبه في هذه المسألة بكل وضوح: «يقيم أمير الجيش الحدود حيث كان من الأرض إذا ولي ذلك، فإن لم يول فعلى الشهود الذين يشهدون على الحد أن يأتوا بالمشهود عليه إلى الإمام والي ذلك، ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام، ولا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيما أوجب الله على خلقه من الحدود؛ لأن الله ﷻ يقول: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وقال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مئة جَلۡدَةٖۖ﴾ [النور: 2]. وسن رسول الله ﷺ على الزاني الثيب الرجم، وحد الله القاذف ثمانين جلدة، لم يستثن من كان في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر، ولم يضع عن أهله شيئًا من فرائضه، ولم يبح لهم شيئًا مما حرم عليهم ببلاد الكفر ما هو إلا ما قلنا، فهو موافق للتنزيل والسنة، وهو مما يعقله المسلمون ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في دار الكفر، والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر؛ فمن أصاب حرامًا فقد حده الله على ما شاء منه، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئًا، أو أن يقول قائل: إن الحدود بالأمصار إلى عمال الأمصار فمن أصاب حدًا ببادية من بلاد الإسلام فالحد ساقط عنه؟! وهذا مما لم أعلم مسلـمًا يقوله، ومن أصاب حدًا في المصر ولا والي للمصر يوم يصيب الحد كان للوالي الذي يلي بعد ما أصاب أن يقيم الحد، فكذلك عامل الجيش إن ولي الحد أقامه، وإن لم يول الحد فأول من يليه يقيمه عليه، وكذلك هو في الحكم والقطع ببلاد الحرب وغير القطع»٣٦٨الأم: (4/ 374- 375)..

وقال أيضًا: «إذا كان المسلمون أسرى أو مستأمنين أو رسلا في دار الحرب، فقتل بعضهم بعضًا، أو قذف بعضهم بعضًا، أو زنوا بغير حربية، فعليهم في هذا كله الحكم كما يكون عليهم لو فعلوه في بلاد الإسلام، وإنما يسقط عنهم لو زنى أحدهم بحربية إذا ادعى الشبهة، ولا تسقط دار الحرب عنهم فرضًا كما لا تسقط عنهم صومًا ولا صلاة ولا زكاة؛ فالحدود فرض عليهم، قال: وإذا أصاب الرجل حدًا وهو محاصر للعدو أقيم عليه الحد، ولا يمنعنا الخوف عليه من اللحوق بالمشركين أن نقيم حدًا لله تعالى، ولو فعلنا توقيًا أن يغضب ما أقمنا عليه الحد أبدًا، لأنه يمكنه من أي موضع أن يلحق بدار الحرب، والعلة أن يلحق بدار الحرب فيعطل عنه الحد إبطالًا لحكم الله ﷻ ثم حكم رسول الله ﷺ بعلة جهالة وغيا، قد أقام رسول الله ﷺ الحد بالمدينة والشرك قريب منها، وفيها شرك كثير موادعون وضرب الشارب بحنين والشرك قريب منه»٣٦٩الأم: (4/288)..

ص 296

قال المزني: «قال الشافعي: وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم»٣٧٠[مختصر المزني: (8/380)].، قال الماوردي في شرحه: «وهذا كما قال؛ كل معصية وجب بها الحد في دار الإسلام على مسلم أو ذمي وجب بها الحد في دار الحرب على المسلم أو الذمي سواء كان فيها الإمام أو لم يكن -إلى أن قال- ودليلنا: عموم الآيات في الحدود الموجبة للتسوية بين دار الإسلام ودار الحرب، وقول النبي ﷺ: (من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه)٣٧١[هكذا ذكره الماوردي بالمعنى، ولفظه (فمن أصاب من هذه القاذورات شيئا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ﷻ)، رواه الإمام مالك في الموطأ: (2386)، والبيهقي في السنن الصغير: (3714)].؛ فعمّ ولم يخص، ولأنها حدود تجب في دار الإسلام؛ فاقتضى أن تجب في دار الحرب، كما لو حضر الإمام، ولأنها حدود تجب بحضور الإمام؛ فاقتضى أن تجب بغيبة الإمام كدار الإسلام، ولأنه لما استوت الداران في تحريم المعاصي؛ وجب أن تستويا في لزوم الحدود، ولأنه لما لم تختلف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة والصيام باختلاف الدارين؛ وجب أن لا تختلف أحكام المعاصي باختلاف الدارين»٣٧٢الحاوي الكبير: (18/241- 242)..

ولكن قد ذكر المزني أن للشافعي قولًا في تأخير الحكم إلى حين الرجوع من دار الكفر فقال ناقلا كلام الشافعي رحمه الله: «وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم، لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم، وقال في كتاب السير: ويؤخر الحكم عليهم حتى يرجعوا من دار الحرب»٣٧٣الأم: (8/480)..

ص 297

وقد استدل البيهقي للشافعي بعدة أدلة؛ منها: إطلاق الحكم في الآيات، وببعض الأحاديث؛ من ذلك ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: إن النبي ﷺ صلى إلى بعير من المقسم فلما فرغ من صلاته أخذ منه قَرَدَةً بين إصبعيه وهي في وبرة فقال: (ألا إن هذا من غنائمكم، وليس لي منه إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأصغر من ذلك وأكبر، فإن الغلول عار على أهله في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب منهم والبعيد، ولا يأخذكم في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وعليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم)٣٧٤[رواه البيهقي في السنن الكبرى: (18268)]، والحديث باشتماله على موضع الشاهد وهو قوله: (وأقيموا حدود الله في السفر والحضر) رواه أيضًا الإمام أحمد، والطبراني في مسند الشاميين، وقال عنه الإمام ابن كثير في التفسير: هذا حديث حسن عظيم ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، والمقدسي في الأحاديث المختارة، ورواه كذلك أبو داود في المراسيل، كلهم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، والحديث صححه الشيخ الألباني في (الصحيحة4/620)، وللحديث ألفاظ أخر مشابهة إلا أن فيها (وجاهدوا في سبيل الله تعالى القريب والبعيد، في الحضر والسفر... وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد)...

ص 298

كما استدل الإمام البيهقي أيضًا ببعض آثار الصحابة منها: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد في جيش، فبعث خالد ضرار بن الأزور في سرية في خيل فأغاروا على حي من بني أسد، فأصابوا امرأة عروسا جميلة، فأعجبت ضرارًا فسألها أصحابه فأعطوها إياه، فوقع عليها فلما قفل ندم وسقط به في يده، فلما رفع إلى خالد أخبره بالذي فعل، فقال خالد: فإني قد أجزتها لك وطيبتها لك، قال: لا حتى تكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر: أن ارضخه بالحجارة، فجاء كتاب عمر رضي الله عنه وقد توفي، فقال: ما كان الله ليخزي ضرار بن الأزور»٣٧٥والقصة ذكرها ابن حجر فقال: «وأخرجه يعقوب بن سفيان مطولا من هذ الوجه فقال... فذكرها» (الإصابة2/926)، والوجه الذي أشار إليه ابن حجر هو ما ذكره البخاري رحمه الله في (التاريخ الكبير 4/338) من غير التفصيل الذي ذكره البيهقي فقال: «حدثني أحمد بن أبي رجاء بن أبي سلمة عن بن المبارك عن كهمس بن الحسن عن هارون بن الأصم قال: جاءني كتاب عمر وقد توفي ضرار بن الأزور فقال يعني خالد بن الوليد: ما كان الله ليخزي ضرار بن الأزور»، وقال ابن حجر أيضًا: «جاء كتاب عمر بسبب ما فعله ضرار وقد مات ضرار، فقال خالد بن الوليد: ما كان الله ليخزي ضرارا، وشرح هذه القصة أورده يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند له: أن خالدا بعث ضرارا في سرية فأغاروا على حي، فاخذوا امرأة جميلة، فسأل ضرار أصحابه أن يخصوه بها ففعلوا، فوطئها ثم ندم فقدم على خالد فقال له: قد طيبتها لك فقال لا حتى تكتب إلى عمر، فجاء كتاب عمر أن ارجمه فمات ضرار قبل الكتاب» (تعجيل المنفعة 1/196).، ووجه الدلالة الذي يرمي إليه البيهقي في هذا الأثر -والله أعلم- أن ضرار بن الأزور رضي الله عنه لما ارتكب موجب الحد وهو وطؤه المرأة -وكان في أرض الحرب حيث أمَّره خالد على سرية- حكم عمر عليه بإقامة الحد، ولم يمنعه من ذلك كونه في دار الحرب، وهذه القصة لو صحت لما كان فيها دلالة على ما ذهب إليه؛ لأن عمر إنما أرسل لخالد بإقامة الحد على ضرار بعد أن رجع عن أرض العدو، والكلام ليس في إقامة الحدود بعد الرجوع عن ديارهم ولكن في إقامتها أثناء وجود الجيش فيها، وقد نقلنا من قبل أن عمر قد قال: «أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا؛ لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار»٣٧٦[ضعيف: رواه سعيد بن منصور في سننه: (2500)، واللفظ له سوى «الجيش» فقد رواها بدون تعريف، وابن أبي شيبة في المصنف: (28861)، وفي إسناده الأحوص بن حكيم متكلم فيه، وكذلك أبوه حكيم بن عمير لم يسمع من عمر، قال الشافعي: ما روي عن عمر رضي الله عنه منكر غير ثابت. نقلا عن تحقيق الإعلام – عطاءات العلم (3/433)]..

أو يقال: إن عمر لما أمِن وقوع ما علل به المنع من إقامة الحدود -وهو اللحاق بالكفار- أمر خالدا بذلك في حق ضرار؛ إذ إن حده الرجم فلا يتصور لحاقه بدار الحرب بعد إقامته عليه، إضافة إلى ذلك أن ضرارا رضي الله عنه هو الذي طلب من خالد أن يكتب لعمر ما حدث وأصر على ذلك، وهذا يدل على أنه راض بما سيحكم به عمر في حقه؛ فالمحذور منتف، وكل هذا بعد إثبات صحة القصة بهذا التفصيل، إذ كيف يأمر عمر برجمه ولم يكن ما فعله ضرار زنى يستوجب الحد؛ فإن المرأة قد صارت ملكًا له بتنازل الغانمين عن حقهم في ذلك، وتطييب خالد المرأةَ لضرار، وأقصى ما يقال فيما فعله ضرار: أنه واقعها قبل أن يستبرئها وهذه معصية لا توجب حد الزنا والله تعالى أعلم، ثم إن الشافعية لا يوجبون الحد على من وقع على جارية قبل قسمتها في المغنم لوجود الشبهة، فكيف يستدل على إقامة الحد في دار الحرب بهذا الأثر مع أن الشبهة فيه أقوى ودرء الحد في صورته أحرى.

ص 299

أما الاستدلال بحديث: (وأقيموا حدود الله في السفر والحضر)٣٧٧[سبق تخريجه، انظر: (ص 296)].، فكلمة السفر تحتمل أن يراد بها السفر في الغزو وفي غير الغزو، وهي في غير الغزو أظهر، ويمكن أن يكون المعنى أن الحدود لا تسقط عن مرتكبها بحال ما دام أتى بموجبها، ولا يلزم من ذلك المبادرة إلى إقامتها إذا كان فيها ضرر بَيّن كالفرار للكفار أو الردة أو نحو ذلك، ولهذا قال ابن الجوزي: «ثم نحمله على غير سفر الغزو»٣٧٨التحقيق في أحاديث الخلاف: (2/333).، وذلك توفيقًا بينه وبين ما ورد عن الصحابة من الآثار الدالة على تـأخير إقامة الحد عن دار الحرب درءا للمفاسد المتوقعة في مثل تلك الحالات والأماكن من قبيل الفرار للعدو والردة، وهي التي لم يعتبرها الشافعي رحمه الله ولهذا قال: «فأما قوله يلحق بالمشركين، فإن لحق بهم فهو أشقى له، وترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم التي اتصلت ببلاد الحرب مثل طرسوس وما أشبهها وما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منكر غير ثابت»٣٧٩الأم: (4/375)..

ولا شك أن المحدود لو نكص على عقبيه وارتد ولحق بدار الحرب هو أشقى له، ولكن إبعاده عن تلك الشقاوة والمحافظة على دينه بتأخير الحد عنه واعتبار الحال والظرف الذي قد يدفعه لذلك؛ أمر معتبر ومقصد شرعي ملحوظ، وبهذا تكون إقامته عليه بعد رجوعه لدار الإسلام أولى وأحرى، إذ به يتم الجمع بين الأمرين: إقامة الحد، وإبقاء المحدود على دينه باتخاذ الأسباب الممكنة في ذلك، وإذا كان العلماء من الشافعية وغيرهم قد جوزوا تأخير الحد لعارض من نحو مرض أو برد أو حر شديدين اعتناء بمصلحة المحدود ودفعا وتلافيا لأسباب الإتلاف؛ فما الذي يمنع من اعتبار مثل تلك المصلحة الكبرى التي أشار إليها الصحابة واعتبروها وحكموا بتأخير الحدود لأجلها؟

وأما ما ذكر من إطلاق الآيات للحكم ولم تخصه بمكان دون مكان؛ فهذا القول يصلح ردًا على من أسقط الحد رأسا لا على من أخره لعارض اقتضى ذلك، فمَن زنى أو سرق أو قتل في أرض الحرب فلم يقم عليه الحد إلا بعد إيابه لدار الإسلام، فهذا قد أقيم عليه الحد وعمل في حقه بمقتضى الآيات الآمرة بإقامة الحدود، وتأخير الحد لمصلحة معتبرة متعلقة بالمحدود شيء وإسقاط الحد من أصله شيء آخر.

ص 300

كما قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «فأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه، لعموم الآيات والأخبار، وإنما أخر لعارض، كما يؤخر لمرض أو شغل، فإذا زال العارض أقيم عليه الحد، لوجود مقتضيه، وانتفاء معارضه، ولهذا قال عمر حتى يقطع الدرب راجعًا»٣٨٠المغني: (13/174).، وقال العلامة ابن القيمرحمه الله: «وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى»٣٨١إعلام الموقعين: (3/7)..

قال الشيخ بكر أبو زيد: «إن من المناهج والقواعد الأصولية المقررة لدى المالكية وغيرهم من أهل العلم: أن العام يخص، والمطلق يقيد، ولهذا قال المالكية كغيرهم: إن الحد يؤخر لمصلحة المحدود لعارض كحر أو برد شديدين، وهذا تقييد لإطلاق النص، فما الذي يمنع من تأخيره هنا مع أن المصلحة أظهر وأشمل فهي لمصلحة المحدود خوفًا من لحوقه بالكفار وارتداده عن الإسلام، ولمصلحة المسلمين تكثيرًا لصفهم ومحافظة على وحدتهم وهذا هو محض فقه الصحابة رضي الله عنهم، إذن فيكون ورود هذا القيد أولى من تقييد مطلق الأمر بنحو حر أو برد شديدين»٣٨٢الحدود والتعزيرات: (66)..

ونشير في هذا الموطن إلى أن الإمام ابن قدامة رحمه الله ذكر أن مذهب الشافعي رحمه الله تأخير الحد عن مرتكب موجبه إن كان أمير الجيش ليس الإمام أو أمير مصر، فأما إن كان أحدهما فيجب إقامة الحد في دار الحرب ولا يُؤخر، إلا إذا كان الجيش يحتاج إليه أو هم في اشتغال عنه؛ فحينئذٍ يؤخر.

ص 301

قال رحمه الله وهو يحكي مذهب القائلين بإقامتها مطلقًا: «وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يقام الحد في كل موضع، لأن أمر الله تعالى بإقامتها مطلق في كل مكان وزمان، إلا أن الشافعي قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإمام، أو أمير إقليم، فليس له إقامة الحد ويؤخر حتى يأتي الإمام، لأن إقامة الحدود إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود، أو قوة به، أو شغل عنه آخر»٣٨٣المغني: (13/173).، ولكن الذي يدل عليه كلام الشافعي في الأم وقد نقلناه آنفا أن استيفاء الحد ليس معلقًا على وجود الإمام أو أمير الإقليم من عدمه ولكن أن يكون أمير الجيش قد ولاه الإمام إقامة الحدود، فإن كان كذلك فيقيمها عليهم كما يقيمها الإمام سواء بسواء.

كما قال: «يقيم أمير الجيش الحدود حيث كان من الأرض إذا ولي ذلك، وقال أيضًا: فكذلك عامل الجيش إن وَلِي الحد أقامه، وإن لم يول الحد فأول من يليه يقيمه عليه، وكذلك هو في الحكم والقطع ببلاد الحرب وغير القطع»، وأما ما ذكره الإمام ابن قدامة من أنه قد يؤخر الحد «إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود، أو قوة به، أو شغل عنه»؛ فهو دليل على أن الشافعي قد يعتبر بعض المصالح ويجعلها مؤثرة في تأخير إقامة الحد على من أتى بموجبه، كما حكاه المزني عنه، ونظير ما ذكره ابن قدامة هو ما بينه الإمام الماوردي بقوله: «فإذا ثبت وجود الحدود فيها -أي في دار الحرب- نظر: فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها، أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم، نظر: فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود، أخر حده إلى دار الإسلام، وإن لم يكن له عذر؛ قدم حده في دار الحرب»٣٨٤الحاوي الكبير: (18/242)..

ص 302

وسيأتي تفصيل أكثر عند نقل أقوال القائلين بتأخير الحد إلى الرجوع لدار الإسلام، ولعل القول الثاني هو قول الإمام ابن حزم أيضًا حيث سوى في إيجاب إقامة الحد بين ما ارتكب في دار الحرب وما ارتكب في دار الإسلام، ولم يعلق أمر إقامتها إلا على القدرة فقط، وفي هذا يقول رحمه الله: «ولا يُسقط عن اللاحق بالمشركين لحاقه بهم شيئًا من الحدود التي أصابها قبل لحاقه، ولا التي أصابها بعد لحاقه، لأن الله تعالى أوجب الحدود في القرآن على لسان رسوله ﷺ ولا أرسلها ولم يسقطها، وكذلك لم يسقطها عن المرتد، ولا عن المحارب، ولا عن الممتنع، ولا عن الباغي، إذا قدر على إقامتها عليهم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا﴾ [مريم: 64]. ونحن نشهد بشهادة الله تعالى أن الله ﷻ لو أراد أن يستثني أحدًا من هؤلاء لما سكت عن ذلك إعناتًا لنا، ولا أهمله، ولا أغفله؛ فإذ لم يعلمنا بذلك فنحن نقسم بالله تعالى أن الله تعالى ما أراد قطُّ إسقاطَ حد أصابه لاحق بالشرك قبل لحاقه، أو أصابه بعد لحاقه بهم، أو أصابه مرتد قبل ردته أو بعدها، وأن من خالف هذا فمخطئ عند الله تعالى بيقين لا شك فيه»٣٨٥المحلى: (12/25)..

وقال أيضًا: «وأما قولنا: بأن كل ما ذكرنا فهو من قتل عمدا مسلما في دار الحرب، وهو يدري أنه مسلم في دار الحرب، كما لو فعل ذلك في دار الإسلام ولا فرق؛ فلعموم نص القرآن والسنة التي أوردنا في ذلك ولم يخص إحدى الدارين من الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا﴾ [مريم: 64] وهو قول مالك، والشافعي، وأبي سليمان، وجميع أصحابهم، وبه نأخذ»٣٨٦المحلى [10/251]..

القول الثالث:

إذا ارتُكب حد من الحدود في دار الحرب فلا يقام على صاحبه حتى يرجع إلى دار الإسلام، وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو أن الحدود لا تقام في أرض الحرب، كما أنها لا تسقط عمن أتى بموجبها من الجند أو غيرهم سواء في دار الحرب أو في دار الإسلام، فمن زنى أو سرق أو قتل وهو في دار الحرب، لم يقم عليه الحد ما دام فيها فإذا رجع إلى دار الإسلام أقيم عليه، واستدل أهل المذهب على ذلك بالسنة وبعدة آثار للصحابة رضي الله عنهم، فأما السنة فعمدتهم في ذلك حديث رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: (لا تقطع الأيدي في الغزو)٣٨٧أخرجه أبو داود [٤٤٠٨]، والنسائي [٤٩٧٩]، والترمذي [(1450)، وصححه الألباني] عن بسر بن أرطاة، وهذا لفظ الترمذي ونحوه عند أحمد [17626]، والطبراني في الكبير [١٨٢٢٣]، والدارمي [٢٥٣٤]، وقال الترمذي بعد أن ذكره: «هذا الحديث غريب، وقد روى غيرُ ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا، ويقال بسر بن أبي أرطاة أيضًا، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه، كذلك قال الأوزاعي»، ولفظ أبي داود والنسائي في «السفر» بدل لفظ «الغزو»، ورواية الترمذي تبين أن المقصود بالسفر المذكور في الحديث هو سفر الغزو، أو يكون الحديث شاملا لنوعي السفر الغزوِ وغيرِه، وقصة الحديث تشهد لهذا كما في أبي داود عن جنادة بن أبي أمية قال: «كنا مع بسر بن أبي أرطاة في البحر فأتي بسارق يقال له مِصْدرٌ قد سرق بُخْتِيَّةً، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقطع الأيدي في السفر) ولولا ذلك لقطعته»، إلا أن هذا يحتمل أنهم كانوا في سفر غزو أو غيره، وبالاعتبار الأول بوب عليه أبو داود مع أن لفظ [قال محققه: يبدو أن ثمةَ سقطٌ هنا...]..

ص 303

وبما أن الحديث قد تجاوز قنطرة التضعيف يبقى الكلام على مدى دلالته على ما احتج به من يقول بعدم إقامة الحدود في دار الحرب وتأخيرها إلى دار الإسلام، وهو ما ينازع فيه بعض العلماء، وذلك لأن أصحاب هذا المذهب لم يقتصروا على القول بإسقاط حد السرقة خاصة، بل قالوا بتأخيره وتأخير كل الحدود كحد الزنا والقذف وشرب الخمر ومثلها القصاص، وهو أمر زائد على مجرد الإسقاط، إذ إنه قد تضمن زيادتين في الحكم:

الأولى: تأخير إقامة الحدود.

والثانية: عدم قصر هذا الحكم على حد السرقة؛ بل أعطيت الحدود الأخرى الحكم نفسه، والذي يظهر بادئ ذي بدء أن الحكم الذي دل عليه الحديث إنما هو إسقاط حد السرقة في الغزو أو في السفر لا غير، كما أن بعض العلماء المعترضين على الاستدلال بهذا الحديث حمله على السرقة من الغنيمة التي يكون فيها السارق شريكًا للغانمين ومن ثم فإن هذا يورث شبهة تمنع من إقامة الحد عليه؛ فقد قال المباركفوري: «قال القاضي: ولعله ﷺ أراد المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم»٣٨٨تحفة الأحوذي: (5/11) [ربما وهم الشيخ في تخريج هذا النقل، فالصواب أنه من فيض القدير (6/416)]..

ص 304

وقد جعله البعض معارضًا لقول النبي ﷺ: (جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر)٣٨٩[رواه أحمد: (22699) بلفظ (حدود الله) بدل (الحدود)، عن عبادة بن الصامت، وحسنه الأرنؤوط]. وقد سبق، ولهذا لما ذكر ابن تيمية الجد في المنتقى حديث بسر بن أبي أرطاة أتبعه بهذا الحديث، وقال ابن حجر: «هذا يعارضه خبر البيهقي: (أقيموا الحدود في السفر والحضر، على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم)»٣٩٠فيض القدير: (6/513).، إلا أن كل هذه الاعتراضات ردها من استدل بالحديث، وبينوا صحة وسلامة ما استدلوا به عليه، وأقوالهم في ذلك كثيرة نقتصر على ما يفي بالغرض منها:

قال الخرقي رحمه الله: «مسألة: ولا يقام الحد على مسلم في أرض العدو»٣٩١[مختصر الخرقي: (142)].، قال ابن قدامة في شرحه: «وجملته أن من أتى حدًا من الغزاة أو ما يوجب قصاصًا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده، وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق»، إلى أن قال في رده على مخالفيهم: «ولنا على وجوب الحد أمر الله تعالى ورسوله به، وعلى تأخيره ما روى بسر بن أبي أرطاة أنه أتى برجل في الغزاة قد سرق بختية فقال لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزاة) لقطعتك، أخرجه أبو داود وغيره»٣٩٢[المغني: (13/172-173)، وقد تقدم الكلام على الحديث المذكور]..

وفي المحرر لابن تيمية رحمه الله: «ومن أتى في الغزو حدًا لم يستوف منه في أرض العدو فإن رجع أقيم عليه في دار الإسلام»٣٩٣المحرر: (2/166)..

وقال المرداوي: «الثالثة: قوله «ومن أتى حدا في الغزو: لم يستوف منه في أرض العدو، حتى يرجع إلى دار الإسلام، فيقام عليه»٣٩٤[الصواب أنه ليس بحديث، وإنما قاله فقهاء الحنابلة كابن قدامة المقدسي في المقنع (432)]. وهو صحيح، وهو من مفردات المذهب، وكذلك لو أتى بما يوجب قصاصًا، قاله المصنف وغيره»٣٩٥الإنصاف: (10/169)..

ص 305

بل قد حكى ابن مفلح الحنبلي إجماع الصحابة على ذلك فقال: «ومن أتى حدًا في الغزو -وفي المغني والشرح أو ما يوجب قصاصًا- لم يستوف منه في أرض العدو، لأنه ربما يحمله الغضب على أن يدخل والعياذ بالله في الكفر، حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه، وقاله الأوزاعي وإسحاق، وقال أحمد: لا تقام الحدود بأرض العدو، ونقل صالح وابن منصور إن زنى الأسير أو قتل مسلـمًا ما أعلمه إلا أن يقام عليه الحد إذا رجع، لما روى بسر بن أبي أرطاة أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق، فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزاة) لقطعتك رواه أبو داود وغيره، وهو إجماع الصحابة، ولأنه إذا رجع أقيم عليه الحد في دارنا لعموم الآيات والأخبار، فإن تأخيره لعارض من مرض أو شغل جائز، فإذا زال أقيم عليه لوجود المقتضي السالم عن المعارض»٣٩٦المبدع: (9/59)..

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: «فصل: النهي عن قطع الأيدي في الغزو، المثال الثاني: أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام على أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتي بسر بن أبي أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة، فقال لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزو) لقطعت يدك. رواه أبو داود»٣٩٧إعلام الموقعين: (3/5)..

ص 306

فابن القيم رحمه الله بين هنا العلة التي لأجلها منع الشارع من إقامة الحدود في أرض العدو وهي الخوف من أن تأخذ المحدود الحمية فيلحق بأهل الكفر وينقلب على عقبيه، وهذا التعليل قد جاء في آثار صحيحة عن عدد من الصحابة كما سيأتي ذكرها، وإذا كانت تلك هي علة المنع فإنها لا تكون مقتصرة على حد السرقة فحسب؛ إذ الحكم يدور مع علته حيث دار، وقد زاد ابن القيم الأمر بيانًا فقال: «وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل، والمرضع، وعن وقت الحر، والبرد، والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى»٣٩٨إعلام الموقعين: (3/7)..

وقال شمس الحق آبادي: «وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: قوله: (في السفر) أي في سفر الغزو مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو، فإذا رجع قطع، وبه قال الأوزاعي، قال: وهذا لا يختص بحد السرقة بل يجري حكمه في ما في معناه من حد الزنا وحد القذف وغير ذلك»، وقال أيضًا: «وقال القاري: قال التوربشتي: ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب، أو رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع، ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش»٣٩٩عون المعبود: (12/54)..

وكما نرى فقد ذكر هنا احتمالين للتعليل؛ أما أحدهما فيصلح لأن يشمل كل الحدود وهو خوف اللحاق بدار الحرب -وهو الذي علل به بعض الصحابة-، وأما الآخر فيجعل العلة قاصرة على حد السرقة وهي كون قطع اليد يمنع المحدود من المشاركة في القتال، ولا يبعد نسبة هذا التعليل للأوزاعي، ولهذا فإن بعض العلماء الذين ذكروا مذهبه في المسألة؛ قالوا: إنه إن سرق أخر عنه الحد إلى أن يرجع إلى دار الإسلام، وأما إن زنى أو قذف فيقام عليه وهو في دار الحرب وممن نقل هذا عن الأوزاعي الأمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فقال: «وقال الأوزاعي رحمه الله من أمّر على جيش وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار أقام الحدود في عسكره غير القطع حتى يقفل من الدرب فإذا قفل قطع»٤٠٠الرد على سير الأوزاعي: (1/80)..

ص 307

وبعضهم ذكر أن هذا هو مذهبه في كل حد سواء السرقة أو الزنى أو القذف فقد قال العلامة المناوي في شرح الحديث: «لا تقطع الأيدي في السفر، أي: سفر الغزو، بدليل الرواية الأخرى في الغزو بدل السفر، يعني: لا تقطع إذا سرق من الغنيمة لأنه شريك بسهمه فيه، وكذا لو زنى لا يحد، وحمله بعضهم على العموم لأنه قال: مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو، فإذا رجعوا قطع، وبه أخذ الأوزاعي وأجراه في كل حد»٤٠١فيض القدير: (6/513)..

والخلاصة: فإن هذا الحديث لا يعارض الآيات الآمرة بإقامة الحدود؛ فالحكم الذي اشتمل عليه هو عدم إقامة حد السرقة في الغزو، فعدم القطع متعلق بفترة الغزو وهي المدة التي يكون فيها الجيش في دار الكفر، فالمنع من القطع محصور في هذا الظرف، فإذا انتقل عنه ولم يكن السارق في دار الحرب (في الغزو) رجع الحكم إلى أصله وهو وجوب القطع ما لم يكن في الغزو، فالغزو المذكور إنما هو عارض يؤخر الحد لأجله ولا يسقطه، تماما كما يؤخر عن الحامل أو المرضع أو المريض أو في شدة الحر أو البرد، فعند انتفاء هذا العارض وزواله يعود الأمر على ما كان عليه.

قال ابن قدامة رحمه الله: «فأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه لعموم الآيات والأخبار، وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل فإذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه»٤٠٢المغني: (13/174).، أما ما ذكر من معارضته لحديث عبادة: (وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر)٤٠٣[سبق تخريجه، انظر: (ص 296)].، فقد قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «ولا معارضة بين الحديثين لأن حديث بسر أخص مطلقًا من حديث عبادة فيبنى الخاص على العام، وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقًا من الغزو المذكور في حديث بسر، لأن المسافر قد يكون غازيًا وقد لا يكون، وأيضًا حديث بسر في حد السرقة وحديث عبادة في عموم الحد»٤٠٤نيل الأوطار: (7/138)..

ص 308

أما الشق الأول مما دفع به الشوكاني التعارض يناسب مذهب القائلين بتأخير الحد ويستقيم معه، ويبقى الكلام على الشطر الثاني وهو جعله حديث بسر خاصًا بالسرقة؛ وذلك لأن القائلين بالتأخير لم يقصروا الحكم على حد السرقة بل أجروه في كل الحدود، وهذا هو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم في آثار متعددة، ولم أجد من يقول بقصر الحكم على حد السرقة إلا ما نسبه الإمام أبو يوسف للأوزاعي مع أن الناقلين لمذهبه من غيره لم يشيروا إلى أنه يحصر الحكم في السرقة، بل نصوا على أنه عدّاه لغيره من الحدود، وعليه فدفعًا للتعارض يخصص حديث عبادة بحديث بسر فيكون استيفاء الحدود واجبًا في الحضر والسفر إلا سفر الغزو، وكلما أمكن الجمع والتوفيق بين الأدلة فإنه يتعين وهذا منها والله أعلم.

كما استدل القائلون بعدم إقامة الحد على صاحبه إلا بعد الرجوع إلى دار الإسلام بآثار للصحابة في ذلك، وهم أعلم الناس بكلام النبي ﷺ، وأعمقهم فهمًا لمقاصد الشريعة وأكثرهم إدراكًا لمصالحها، وأشدهم حرصًا على إقامتها وبعدًا عن تعطيلها، بل قد حكى بعضهم إجماعهم على ذلك كما نقلناه قريبًا عن ابن مفلح الحنبلي رحمه الله فمن تلك الآثار:

الأول: عن حكيم بن عمير أن عمر رضي الله عنه كتب إلى الناس: «أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلًا من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار»٤٠٥[سبق الكلام عليه]، رواه سعيد بن منصور، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير قال: «كتب عمر بن الخطاب ألا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع على الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار»، ورواه أيضًا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: «أخبرني بعض أهل العلم أن عمر بن الخطاب كتب: أن لا يحد أمير الجيش ولا أمير سرية رجلا من المسلمين حتى يطلع الدرب قافلا، فإني أخشى أن تحمله الحمية على أن يلحق بالمشركين»، فهذه الآثار المروية عن عمر رضي الله عنه فيما يظهر تتقوى ببعضها، وقد مر ذكرها من قبل..، وهو يدل دلالة واضحة على أن الحكم ليس مقصورًا على حد السرقة، بل كلامه صريح في الإطلاق، كما أنه نص على العلة التي لأجلها منع قادة الجيوش والسرايا من إقامة الحدود وهي خوف لحاق المحدود بدار الحرب، لأن الحمية قد تدفعه لذلك كما أنه بين أن الحد لا يسقط عمن أتى موجبه إنما يؤخر عنه إلى حين قفوله لدار الإسلام، وفي هذه الآثار أيضًا أن إقامة الحدود ليست مقتصرة على الإمام أو أمراء الأقاليم، وإنما تشمل أمراء الجيوش والسرايا، فإن قوله: حتى يقطع الدرب قافلًا؛ أي فعند ذلك يقيمه عليه، ونَهْيُ عمر رضي الله عنه عن إقامة الحدود كان موجهًا لأمراء الجيوش والسرايا.

الثاني: عن أبي الدرداء أنه كان ينهى أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله حتى يقفل، مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم٤٠٦رواه بهذا اللفظ سعيد بن منصور في سننه [2499]، ونحوه عند ابن أبي شيبة [28862] مختصرًا، كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف..

الثالث: عن علقمة قال: «أصاب أمير الجيش وهو الوليد بن عقبة شرابًا فسكر، فقال الناس لأبي مسعود وحذيفة بن اليمان: أقيما عليه الحد فقالا: لا نفعل، نحن بإزاء العدو، ونكره أن يعلموا فيكون جرأة منهم علينا وضعفًا بنا»٤٠٧رواه عبد الرزاق [١٠٢٠٤]، ولفظ القصة عند سعيد بن منصور [٢٥٠١]: عن علقمة قال كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، قال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم، فبلغه فقال: لأشربن وإن كانت محرمة، ولأشربن على رغم من رغم، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة [19451]، وإسناده عند جميعهم صحيح على شرط الشيخين..

ص 309

وأبو مسعود المذكور في رواية عبد الرزاق لعله أبو مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدري؛ فعلقمة بن قيس ممن روى عنه فإن كان هو -وهو الظاهر- ففي الأثر أن صحابيين جليلين نهيا عن إقامة الحد في أرض العدو، ولم يكن الحد حد السرقة، وبينا العلة في ذلك واتفقا عليها، وهي عدم إغراء العدو بهم، وحتى لا يظهروا أمامه بأنهم مختلفون على أميرهم فتزداد جرأتهم، وهذا التعليل يبدو مغايرًا لما ورد عن عمر وروي عن أبي الدرداء، إلا أن الروايات تجتمع على عدم إقامة الحد في أرض العدو مراعاة للمصلحة الكبرى سواء كانت متعلقة بالمحدود كخشية أن تأخذه الحمية فتدفعه للحاق بدار الحرب، أو بالجيش كله ككونهم محتاجين إلى المحدود أو يخشون أن يكون ذلك مغريًا لأعدائهم، كما أن تلك الآثار متفقة على أن الحكم ليس خاصًا بحد السرقة.

قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد مُبينًا وجه دلالة أثر حذيفة على تأخير الحد: «ووجه الاستدلال منه على تأخير الحد عن الغزاة ظاهر؛ فإن حذيفة لم يسقطه ولكن استنكر عليهم تعجيله وهم عند أرض العدو مخافة أن يطمع فيهم الأعداء، فهذا ينبئ عن أن العلة في استنكاره هي قربهم من العدو خشية طمعه فيهم؛ فدل على أنه بعد العودة يعود الحكم بالحد لزوال علته، وعليه فإن قول حذيفة رضي الله عنه دال على التأخير لا غير»٤٠٨الحدود والتعزيرات: (56)..

الرابع: ما رواه عبد الرزاق عن رجل أنه سمع أبا بكر الهذلي أنه سمع الحسن قال: سرق رجل من المسلمين فرسًا، فدخل أرض الروم فرجع مع المسلمين بها، فأرادوا قطعه، فقال علي بن أبي طالب: «لا تقطعوا حتى يخرج من أرض الروم»٤٠٩[٩٣٧٣]، والأثر كما هو واضح ضعيف، وساقه عبد الرزاق تحت باب: هل يقام الحد على المسلم في بلاد العدو..

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

كَفَى حُزْنًا أَنْ تُطْرَدَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا

وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وِثَاقِيَا

ص 310

فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك الله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني، قال فحلته حين التقى الناس، فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، وأخبرت ابنة حفصة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلا سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ بَهْرَجْتَنِي فلا والله لا أشربها أبدًا»٤١٠رواه سعيد بن منصور [٢٥٠٢]، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة [33746]، فقال الحافظ ابن حجر: «وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين: كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون... فذكر القصة» (الإصابة4/2351)، وقوله «بهرجتني»، قال ابن الأثير: «أي أهدَرتني بإسقاط الحد عني» (النهاية في غريب الحديث1/168)..

قال الإمام ابن قدامة بعد أن ساق هذه القصة: «وهذا اتفاق لم يظهر خلافه»٤١١[المغني: (13/174)]..

وبعد التأمل لم يظهر لي أن هذه القصة تصلح للاحتجاج على تأخير الحد؛ وذلك لأن سعدًا رضي الله عنه قال: «لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم»، ولكن القصة تدل على إسقاط الحد في دار الحرب، أمَّا إقامته على من أتى بموجبه بعد الرجوع إلى دار الإسلام فهذا يؤخذ من باقي النصوص والآثار، بمعنى أن دلالة الحادثة -إن استقامت- فهي جزئية ومقتصرة على إهدار حدٍّ في أرض العدو، وعلى كل حال فإن قصة أبي محجن يبقى الاستدلال بها على هذا المذهب ليس قويًا لكثرة ما فيها من الاحتمالات وعليها من الاعتراضات والإيرادات، ولكنها في الوقت نفسه لا يستقيم بها الاحتجاج للمذاهب الأخرى، بل كل صاحب قول مما ذكرنا يمكن أن يأخذ منها بطرف يدعم ما ذهب إليه.

القول الرابع:

ص 311

أن من ارتكب حدًا فلا يسقط عنه تمامًا بل يؤجل حتى يرجع إلى دار الإسلام، ثم إن أتى من الأعمال الصالحات كالنكاية في العدو والثبات في القتال ما يغلب سيئاته، وظهر منه ما يدل على صدق التوبة؛ فإن الحد يسقط عنه كلية فلا يقام عليه لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام، وهذا القول موافق لما قبله في أن الحدود لا تقام في دار الحرب، وأنها لا تسقط عن مرتكب موجباتها إنما تؤخر إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، وزاد على سابقه بأن من أتى ما يستحق به إقامة الحد كسرقة أو زنى أو شرب خمر، ثم ظهر منه علامات التوبة الصادقة، وكانت له من الأعمال الصالحات ما تربو على ذلك الحد كحسن البلاء في المعركة والذود عن المسلمين، فإن الحد يسقط عنه من أصله ولا يقام عليه مطلقًا لا في دار الحرب حيث ارتكب الموجب ولا في دار الإسلام بعد القفول، وهذا القول-فيما اطلعت- لم أره إلا للإمام ابن القيم رحمه الله.

فأما عن عدم استيفاء الحدود في دار الحرب وتأخيرها إلى أن يرجع الجيش إلى دار الإسلام فقد استدل على ذلك بعين ما استدل به أهل هذا المذهب من الآثار فقد قال رحمه الله: «فصل: النهي عن قطع الأيدي في الغزو، المثال الثاني: أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام على أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتي بسر بن أبي أرطاة برجل من الغزاة قد سرق بختية فقال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزو) لقطعت يدك». رواه أبو داود٤١٢[تقدّم تخريجه في (302)]..

ص 312

وقال أبو محمد المقدسي٤١٣[هو صاحب المغني: ابن قدامة المقدسي، وأبو محمد كنيته].: وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: «أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار»، وعن أبي الدرداء مثل ذلك وقال علقمة: «كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم، فيطمعوا فيكم؟» ثم قال بعد أن ساق قصة أبي محجن الثقفي بطولها: وليس في هذا ما يخالف نصًا، ولا قياسًا، ولا قاعدة من قواعد الشرع، ولا إجماعًا، بل لو ادعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه، قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى»٤١٤إعلام الموقعين: (3/7)..

أما عن إسقاط الحد كلية عمن بدت منه علامات التوبة النصوح، وكان له بلاءٌ حسن -وهو الأمر الزائد عن المذهب السابق- فقد استند الإمام ابن القيم في ذلك على إسقاط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن حين قال له: «لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله»٤١٥[تقدّم تخريجه في (310)]..

ورد على من يمكن أن يتعلق بهذه العبارة في إسقاط الحد كلية في دار الحرب أو في دار الإسلام كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فقال في ذلك: «فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فأسقط عنه الحد؟ قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كما يقوله أبو حنيفة، ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين، وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة، وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت.

ص 313

وأيضًا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له حده، كما قال النبي ﷺ للرجل الذي قال له: يا رسول الله أصبت حدًا فأقمه علي، فقال: (هل صليت معنا هذه الصلاة)؟ قال: نعم، قال: (اذهب فإن الله قد غفر لك حدك)٤١٦[ذكره الشيخ بالمعنى، وقد رواه بلفظ قريب البخاري: (6823)، ومسلم: (2765)].، وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته فقال: والله لا أشربها أبدًا، وفي رواية: أبد الأبد، وفي رواية: قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا٤١٧[هذا في قصة أبي محجن السابقة، ومضى تخريجها]..

وقد برئ النبي ﷺ مما صنع خالد ببني جذيمة وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)٤١٨[صحيح البخاري: (4339)].، ولم يؤاخـذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام»٤١٩إعلام الموقعين: (3/9)..

قال الشيخ بكر أبو زيد حاكيًا مذهب ابن القيم: «يظهر جليًا من مباحثه رحمه الله في ذلك: اختياره قاعدة يرد عليها استثناء واحد، ذلك: أن من باشر ما يوجب حدًا في دار الحرب فإنه لا يسقط عنه الحد بالكلية وإنما يؤخر حتى يقفل من دار الحرب ويعود إلى أرض الإسلام، لكن إن كان لمن وجب عليه الحد من الحسنات والنكاية في العدو ما يغمر سيئته التي وقع فيها، وظهرت منه مخايل التوبة النصوح فإنه يسقط عنه الحد بالكلية»٤٢٠الحدود والتعزيرات [39]..

وقال أيضًا في ترجيحه لهذا القول واختياره له: «فإن الذي يظهر-والله أعلم- سلامة اختيار ابن القيم؛ لأن به تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وهو الذي يساير روح التشريع ومراعاة الحكم والمصالح وتسنده الأدلة شرعًا وعقلًا، وعليه: فإن من قارف موجبًا لحد من الحدود وهو في دار الحرب صار تأخيره إلى حين عودته إلى دار الإسلام فيقام عليه موجبه المقدر شرعًا: من قتل أو قطع أو جلد، وأن من كانت حاله كحال أبي محجن: له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهر منه مخايل التوبة النصوح: فإنه يخلى سبيله والله أعلم»٤٢١الحدود والتعزيرات: (68)..

ص 314

قال العلامة الدهلوي: «قال رسول الله ﷺ: (لا تقطع الأيدي في الغزو)٤٢٢[سبق تخريجه في (ص 302)].، وسرُّه ما بينه عمر رضي الله عنه ألا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، ولأنه كثيرًا ما يفضي إلى اختلاف بين الناس وذلك يخل بمصلحتهم»٤٢٣حجة الله البالغة:(2/427)..

هذه هي مذاهب العلماء وأقوالهم وأدلتهم في مسألة إقامة الحدود على المسلم في دار الحرب.

[الراجح في المسألة]:

والذي يظهر رجحانه منها -والله أعلم- هو القول الثالث، وهو قول من قال إنها لا تقام عليهم ما داموا في دار الحرب، بل تُؤَخَّر إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، وذلك إما لمصلحة متعلقة بالمحدود نفسه كخشية لحوقه بالكفار وانحيازه إليهم، أو لمصلحة عامة ترجع للجيش كله ككونهم محتاجين إليه أو الخوف من أن يكون سببًا في إغراء الكافرين وتنشيطهم لقتال المسلمين، وينظر فيما يشبهها ويلحق بها من المصالح الكبرى التي شهد لها الشرع بالاعتبار.

وقبل ذلك كله؛ فإن الحديث قد صح في النهي عن القطع في الغزو، وهو نص في محل النزاع بالنسبة لحد السرقة، وتلك المصالح التي يؤخر لأجلها الحد جاء بعضها منصوصًا في كلام الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أفقه هذه الأمة وأعلمهم بمقاصد الشرع وملابستهم لأحوال وأسباب التنزيل، وما تضل الأفهام وتزل الأقدام إلا كلما ابتعدت عن هديهم وانحازت عن فقههم، كما أنه رغم انتشار تلك المسائل واشتهارها بينهم -كما يظهر- لا يعلم أن أحدهم خالف أو اعترض على ذلك، والأولى اتباعهم في هذا الفهم، والتمسك بمذهبهم فهو أحرى وأقوم، والاقتداء بهم إذ هم أفقه وأعلم.

أما ما ذهب إليه الإمام ابن القيم من الاستدلال بقصة أبي محجن على إسقاط الحد كلية بالاعتبارات التي ذكرها، فلا بد من الوقوف عنده وتأمله، ذلك أن القصة تتضمن بعض الإشكالات المهمة والتي لا بد لمن أراد أن يستدل بها الإجابة عليها:

ص 315

أولًا: بالتأمل في كلام ابن القيم السالف لم يظهر لي أن مذهبه في هذه المسألة هو إسقاط الحد عمن كانت له حسنات تربو على موجب الحد الذي اقترفه، وغاية ما في تعليقه على قصة أبي محجن مع سعد هو رد لإشكال يرد عليها وجواب على سؤال قد ذكره في كلامه، فالأمر لا يتعدى أن يكون دفعًا لإيهام تشتمل عليه الحادثة، خاصة وأن ابن القيم قد صدر كلامه بالاستدلال بحديث بسر بن أرطاة وأردفه بكلام الصحابة الصريح في تأخير الحد وعدم إقامته في دار الحرب وبين أن هذا الأمر -وهو التأخير-: ليس فيه: «ما يخالف نصًا، ولا قياسًا، ولا قاعدة من قواعد الشرع، ولا إجماعًا، بل لو ادعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب»٤٢٤[هذا وما بعده من نقولات مأخوذة من كلام ابن القيم المذكور آنفًا]..

ثم بعد أن قرر هذا الأصل واستقر عنده الحكم فيه وأوضحه ايضاحًا تامًا؛ أورد بعد ذلك سؤالًا يشكل على ما قرره فقال: «فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فأسقط عنه الحد؟»، ولا يخفى أن قوله ما تصنعون يقصد بهم القائلين بتأخير الحد وعدم إقامته في دار الحرب، خاصة وأن قصة أبي محجن قد استدل بها هؤلاء على مذهبهم كما نقلناه عن ابن قدامة رحمه الله فهو إشكال وارد عليهم بلا شك؛ ذلك أن قصة أبي محجن قد حوت أمرًا زائدًا على مجرد تأخير الحد وهو إسقاطه كلية، ولهذا فقد بين الإمام ابن القيم رحمه الله أن هذا لا يصلح أن يكون دليلًا لمن ذهب إلى إسقاط الحدود مطلقًا في دار الحرب فقال: «قد يتمسك بهذا من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كما يقوله أبو حنيفة، ولا حجة فيه».

ص 316

فالذي يظهر لي -والله أعلم- أن كلام ابن القيم منحصر في هذا الموضع، وهو في حقيقة أمره تخريجٌ لما فعله سعد ودفع لإشكال يرد عليه لا أنه استدلال به على مذهب معين واختيار مستقل، ولم أر في كلامه ما ينص على أنه يجعل هذا دليلًا ثابتًا ومستمرًا، وتأمل كلامه: «والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين، وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد؛ لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة، وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضًا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له الحد»؛ فهو قد طرح إشكالًا على حادث معين في موضع محدد وأجاب بدفع ذاك الإشكال عن الموضع نفسه.

أما عما ساقه بعد ذلك من الأحاديث التي يقوي بها ما فعله سعد مع أبي محجن وقوله إن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإن اختيار ابن القيم رحمه الله هو سقوط وجوب إقامة الحد أصلا عمن جاء تائبًا قبل القدرة عليه، وهذا يشمل من كان في دار الإسلام ومن هو في دار الحرب، مع أن القول بأن سعدًا أسقط الحد عن أبي محجن بسبب توبته موضع بحث ونظر كما سنذكره قريبًا، وفي سقوط وجوب إقامة الحد عمن جاء تائبًا قبل القدرة يقول ابن القيم رحمه الله: «فإن قيل: فماعز جاء تائبًا، والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد، قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبهما احتج أصحاب القول الآخر.

ص 317

وسألت شيخنا -أي ابن تيمية- عن ذلك فأجاب: بما مضمونه بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد فقال في حق ماعز: (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه)٤٢٥[رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: (29379) واللفظ له، وفي مسنده: (648)، وأبو داود في سننه: (4419)، والبيهقي في الكبرى: (16958)، والنسائي في سننه: (7167)، والحاكم في المستدرك: (8082)، وأحمد في مسنده: (21940) وصححه الألباني].، ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخير بين أن يتركه، كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: (اذهب فقد غفر الله لك)٤٢٦[تقدّم تخريجه في (313)].، وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته، وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي ﷺ مرارًا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما، وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة، وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم»٤٢٧إعلام الموقعين: (2/98)..

وإذا كان سبب إسقاط الحد هو علم سعد بصدق توبة أبي محجن بما ظهر من حاله وبعزمه على عدم العود للشرب -وإن كان هذا بعيدًا-؛ فالأمر إذن لا يتعلق بمسألة استثناء عن الأصل الذي قرره ودلل عليه في رأس المسألة وهو تأخير الحد عمن أتى موجبه في دار الحرب، وذلك لأن التعليل بهذا الأمر يجعل الحكم أو الاستثناء ليس فقط متعلقًا بكونه في دار الحرب أو في دار الإسلام، بل هو استثناء عام من أصل مسألة وجوب إقامة الحدود لا من تأخيرها، بمعنى آخر إن اختيار ابن القيم الذي صرح به وأكده ودلل عليه ورد على مخالفيه فيه هو أن من ارتكب موجبًا للحد ثم جاء تائبًا قبل قدرة الإمام عليه؛ فإن وجوب إقامة الحد يسقط عنه والإمام بعدها بالخيار بين إقامته وإسقاطه، ومعلوم أن هذا ليس محصورًا أو خاصًا بمن كان غازيًا في دار الحرب.

ويقوي ذلك أن ابن القيم قد ساق من السنة ما يؤيد به فعل سعد رضي الله عنه وذكر في ذلك حديثين: الأول: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة؛ فصلى مع النبي ﷺ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم فيَّ كتاب الله، قال: (أليس قد صليت معنا)؟ قال: نعم، قال: (فإن الله قد غفر لك ذنبك)، أو قال: (حدك)»٤٢٨[تقدّم تخريجه في (313)].، وهذا الحديث قد استدل به الإمام ابن القيم في موضع آخر على أن التوبة تسقط وجوب الحد إن كانت قبل القدرة، ومعلوم أن هذا الرجل كان في دار الإسلام -وهي المدينة- لقول أنس رضي الله عنه: «وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ».

ص 318

فإن كان إسقاط سعد الحد عن أبي محجن بسبب توبته كما أسقط النبي ﷺ الحد عن هذا الرجل بسبب توبته؛ فلا يبقى بعدها وجه لحصر الاستثناء -وهو إسقاط الحد- عمن كان في دار الحرب فقط، بل كل من يقول بأن التوبة تسقط وجوب إقامة الحد فلا شك أنه يجري ذلك على من كان في دار الإسلام أو في دار الحرب سواء.

الثاني: ما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر قال: «بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا، صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يومٌ أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين»٤٢٩[تقدّم تخريجه في (314)]..

قال ابن القيم رحمه الله: «وقد برئ النبي ﷺ مما صنع خالد ببني جذيمة وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام».

والاستدلال بقصة تقتيل خالد لبني جذيمة على عدم المؤاخذة لمن ارتكب موجب حد لا يظهر؛ وذلك لأن خالدًا رضي الله عنه قد فعل ما فعل مجتهدًا ظانًا أن هذا هو الحكم الشرعي في حق أولئك القوم وكان في ذلك كله متأولًا، ولهذا لم يكن ثمة ما يستحق العقوبة عليه أصلًا، واجتهاده في هذا الموضع كاجتهاد أي عالم في المسألة الشرعية إن اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر كما صح بذلك الخبر، ولما كان أمره على هذه الكيفية فإن النبي ﷺ إنما تبرأ من الفعل لا من الفاعل، وعلى هذا تدل ترجمة الإمام البخاري حيث ساق الحديث تحت: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد.

ص 319

وفي هذا يقول ابن حجر: «قال الخطابي: الحكمة في تبرئه ﷺ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدًا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله، انتهى ملخصًا، وقال ابن بطال: الإثم وإن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال،... قال ابن حجر: والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود»٤٣٠فتح الباري: (13/182)..

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله: «فإن قيل: كيف يكون متأولًا ورسول الله ﷺ يبرأ إلى الله تعالى من فعله؟ قلنا: نعم قد برئ رسول الله ﷺ من كل خطأ خالف الحق، ونحن نبرأ إلى الله ﷻ منه، وإن كان فاعله مأجورا أجرًا واحدًا، ولم يبرأ رسول الله ﷺ من خالد قط، إنما برئ من فعله، وهكذا نقول: نبرأ إلى الله ﷻ من كل تأويل أخطأ فيه المتأول ولا نبرأ من المتأول، ولو برئ ﷺ من خالد لما أمَّره بعدها»٤٣١المحلى: (10/368)..

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذلك خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولًا، ورفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»٤٣٢منهاج السنة النبوية: (5/518).، وفرق بين من يرتكب معصية وهو يعلم أنها معصية ثم يتوب ويؤوب، وبين من يفعل فعلًا معتقدًا أنه حكم الله وشرعه ثم يتبين خطؤه بعد.

وعلى كلٍ؛ فقول الإمام ابن القيم عما جاء عن النبي ﷺ في حق خالد: «ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام»٤٣٣إعلام الموقعين: (2/98)، يبدو أن الأَولى منه القول بأن خالدًا فعل ما فعل متأولًا مجتهدًا فأخطأ، فتبرأ النبي ﷺ من فعله الذي أخطأ فيه ودفع الدية عن القتلى كما في بعض الروايات، أما عزل خالد أو مؤاخذته؛ فمثل هذا لا يستدعي ذلك لعلم النبي ﷺ أنه لم يفعل ذلك عالِمًا متعمدًا حتى يستحق أن يؤاخذ عليه.

ص 320

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومع هذا فالنبي ﷺ لم يعزل خالدًا عن الإمارة، بل ما زال يؤمره ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أُمر بالرجوع عن ذلك وأقر على ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي ﷺ بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية»٤٣٤منهاج السنة النبوية: (5/518)..

والشاهد من هذا كله؛ أن هناك فرقًا بين قصة خالد مع بني جَذِيمة وعدم مؤاخذة النبي ﷺ إياه، وبين ما فعله سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن؛ حيث ذكرت بعض الروايات أنه حبسه وقيده لأجل شربه الخمر وتكرار ذلك منه؛ فهو ليس مجتهدًا في ذلك ولا متأولًا وبين الصورتين فرق جلي، والله أعلم.

فتلخيص ما مضى بشأن كلام الإمام ابن القيم رحمه الله أن يقال: إما أن يكون ما ذكره -من أن سعدًا رضي الله عنه أسقط الحد عن أبي محجن لأجل حسن بلائه وظهور مخايل التوبة النصوح- مقصورًا على هذه الحادثة وخاصًا بها وهو اجتهاد من سعد رضي الله عنه في إهدار الحد في حق أبي محجن؛ فيكون مذهب ابن القيم في مسألة إقامة الحدود في دار الحرب هو عين مذهب القائلين بتأخيرها إلى دار الإسلام، وكل ما ذكره في قصة أبي محجن هو تخريج ودفع لإشكال متعلق بحادثة عينية قد يعترض به على هذا المذهب.

وإما أن يكون كلام ابن القيم عامًا في كل من كان له بلاء حسن ونكاية في العدو وثبات في المعركة مع ظهور ما يدل على صدق توبته، وعليه فيكون في استدلاله بقول النبي ﷺ: (اذهب فقد غفر لك حدك)، وقوله لخالد: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)٤٣٥[تقدّم في (314)]. نظر؛ ففي الأول لأن اختياره أن التوبة تسقط وجوب إقامة الحد في كل حال إذا كانت قبل القدرة سواء ارتكبت في دار الحرب كحال أبي محجن أو في دار الإسلام كحال الرجل الذي قال له النبي ﷺ ما قال؛ وإذا كان ذلك كذلك فإما أن يكون سعد قد أهدر حد أبي محجن لأجل توبته والتي تلمحها من خلال أفعاله كرجوعه للقيد.

ص 321

وعليه؛ فإن قاعدة سقوط وجوب إقامة الحدود على من جاء مقرًا تائبًا تبقى مطردة في كل الأحوال، وليس الأمر خاصًا باستثناء عن إقامة الحد في دار الحرب، إنما هو من إقامة الحدود أصلا، فكل من جاء تائبًا قبل القدرة عليه فإن ذلك يسقط عنه وجوب إقامة الحد عليه سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام، وإما أن يكون سعد قد أسقط الحد لأجل ما قام به أبو محجن من البذل والتضحية والذود عن المسلمين فيكون في الاستدلال بحديثي النبي ﷺ على ما فعل سعد نظر.

ثانيًا: لقائل أَن يقول: إن سعدًا رضي الله عنه قد بين السبب الحقيقي الذي لأجله أسقط الحد عن أبي محجن كما قال: «لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله»٤٣٦[تقدّم في (310)].، فقد أنعم الله به على المسلمين في هذه المعركة حتى ظنوه ملكًا من الملائكة، فشدة بأسه فيها وعظم غنائه ودفاعه عن المسلمين هي التي جعلت سعدًا يهدر الحد في حقه، وهذه الأمور قد يفعلها من لا يصدق التوبة، بل قد تقع ممن لا خلاق لهم كما قال النبي ﷺ: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم)٤٣٧[ذكره أبو حامد الغزالي هكذا في الإحياء: (3/319)، وابن تيمية في المجموع: (28/579)، لكنه حديثان، الأول متفق عليه، عند البخاري برقم: (3062) واللفظ له، وعند مسلم برقم: (111)، والثاني رواه بألفاظ قريبة النسائي: (8885) وأحمد: (20472) وغيرهما، وقال الأرنؤوط: «صحيح لغيره»]..

ص 322

وكما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (التقى النبي والمشركون في بعض مغازيه، فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فَاذَّةً إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل: يا رسول الله ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان، فقال إنه من أهل النار، فقالوا أَيُّنَا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟! فقال رجل من القوم: لأتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي فقال: أشهد أنك رسول الله فقال: وما ذاك؟ فأخبره فقال إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) رواه الشيخان٤٣٨[البخاري: (4207)، واللفظ له، ومسلم: (112)]..

وهذا أمر مشهود مشهور فإن من الأبطال والشجعان الذين يبلون في المعارك بلاء حسنًا ويكون نفعهم في الحروب عظيمًا وغناؤهم كبيرًا من يكون على غير الطريق المرضية في سلوكهم وأخلاقهم، بل قد يستدل على أن أبا محجن رضي الله عنه قبل إسقاط الحد عنه من قِبَل سعد رضي الله عنه كان مضمرًا لنية العود لشرب الخمر اعتمادًا منه على أن الحد يطهره من إثمها؛ ولهذا قال: «قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأطهر منها، فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدًا»٤٣٩[قد تقدّم في (745)].، وفي رواية عبد الرزاق٤٤٠[(17077) بسند صحيح كما في الإصابة (12/590)].: «وقال -أي سعد رضي الله عنه-: لا نجلدك في الخمر أبدًا، قال أبو محجن: وأنا والله لا تدخل في رأسي أبدًا إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك. قال: فلم يشربها بعد ذلك»؛ فهذا يدل على أنه عزم على عدم الشرب وأقدم على نية الإقلاع عنها بعدما سمع سعدًا قد أسقط الحد عنه، وفي هذا ما يومئ إلى أنه لم يتب من شربها من حين فك القيد عنه إلى قبيل إهدار سعد الحد عنه، وهو يقوي القول بأن سعد بن أبي وقاص إنما أسقط عنه الحد لما رأى منه حسن البلاء وعظيم التضحية في المعركة؛ حيث شهد له فيها المسلمون بذلك حتى حسبوه ملكًا مرسلًا من السماء.

ولهذا لم يصرح ابن القيم أن سعدًا إنما أسقط الحد عنه بسبب توبته ولكن قال: «ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت»٤٤١[إعلام الموقعين: (3/9).].، ولكن جعل هذه الأمور بمجموعها تدل دلالة عامة على نية التوبة الصادقة وذلك بحسب ما ظهر منه من الأعمال، ولكن ما دام سعد رضي الله عنه قد بين وبجلاء السبب الذي جعله أسقط الحد عن أبي محجن فينبغي الاقتصار عليه والوقوف عنده، وهذا ما يقوي أن الأمر كان خاصًا بتلك الحال يؤكد ذلك الإشكال الآتي.

ص 323

ثالثًا: ومما يزيد الأمر إشكالًا ما ورد في بعض الروايات من أن سعدًا رضي الله عنه قال لأبي محجن: «والله لا نجلدك في الخمر أبدًا، وقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم»٤٤٢وهذا اللفظ ذكره الإمام ابن عبد البر في (الاستيعاب 4/311)، وكذا الحافظ في الإصابة، وهي عند عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: «كان أبو محجن لا يزال يجلد في الخمر إلى أن قال: فدعا به - أي بأبي محجن - وحل عنه قيوده وقال لا نجلدك في الخمر أبدًا قال أبو محجن وأنا والله لا تدخل في رأسي أبدًا إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك قال فلم يشربها بعد ذلك» (المصنف 9/244)..

ووجه الإشكال أن سعدًا قد نص وعزم على عدم جلد أبي محجن في الخمر أبدًا، وظاهره أنه إسقاط للحد كلية فيما استحقه سابقًا وفيما يستقبل من الزمان إن هو شربها، ومما لا شك أن التوبة مهما كانت فإنها إن أسقطت حدًا مضى فلا تسقط من أتى موجبه فيما بعد إلا بتوبة جديدة مستأنفة مستقلة، فمن شرب الخمر مثلًا ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه فإن وجوب إقامة الحد يسقط عنه -عند من يقول بذلك- ولكن إن غلبته نفسه ورجع إلى شربها من جديد فلا شك أن التوبة السالفة لا تسقط عنه الحد المتعلق بهذا الشرب المتأخر الجديد، فكيف يسقط سعد رضي الله عنه الحد عن أبي محجن إسقاطا كليًا مؤبدًا سواء كان السبب هو توبته أو حسن بلائه في المعركة؟

يُبَيِّن ذلك أن أهل بدر قد قال الله في حقهم كما في الحديث: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)٤٤٣[في الأصل: (اعلموا) بدل (اعملوا)، والصواب ما أثبتُّه، رواه البخاري: (3007)، ومسلم: (6485)].، فلو كان ثمة أحد يستحق أن يُسقَط عنه حد إسقاطًا دائمًا لكان أهل بدر لما في هذا الحديث من الدلالة الواضحة على غفران الله لذنوبهم، ومع ذلك فإن الحدود لا تسقط عن بدري أتى بموجبها بالإجماع كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها، والله أعلم»٤٤٤الفتح: (7/306)..

ص 324

وقال الإمام النووي رحمه الله: «قوله ﷺ: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)٤٤٥[تقدّم قبل قليل].، قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره؛ أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد وأقامه عمر على بعضهم، قال: وضرب النبي ﷺ مِسْطحًا الحد وكان بدريًا»٤٤٦شرح النووي على مسلم: (16/56).، وقال شمس الحق آبادي: «المراد غفران ذنوبهم في الآخرة وإلا فلو وجب على أحدهم حد مثلًا لم يسقط في الدنيا»٤٤٧عون المعبود: (7/224)..

وللجواب عن هذا الإشكال: فإن القاعدة المتفق عليها والأصل المقرر الذي لا تنازع فيه أن كل من ارتكب موجبًا من موجبات الحدود كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم ثبت عليه ثبوتًا شرعيًا لا مطعن فيه ووقع في يد الإمام قبل أن يجيء تائبًا أن الحد يقام عليه ولا بد، وليس لأحد أن يهدره؛ فهذا هو المحكم في هذه المسألة، وذلك لقول النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)٤٤٨[تقدم في 268].، ولقوله: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)٤٤٩رواه أبو داود [٤٣٧٦]، والنسائي [٤٨٨٦]، والحاكم [(٨١٥٦) بخلاف يسير] وغيرهم عن عبد الله بن عمرو، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: (2954).، فكل ما أتى وهو مخالف لهذا الأصل أو ظاهره المخالفة فلا تردد في رده أو تأويله وحمله محملًا يوافقه فيه، لا سيما إذا كان ذلك من صحابي أحرى أن يكون من صحابي بدري جليل كسعد رضي الله عنه وهو مَن هو.

ص 325

وهنا ينبغي أن نشير لألفاظ الروايات الأخرى التي وردت في هذا الموضع مما قد يبين المراد ويحل الإشكال، ففي سنن سعيد ابن منصور٤٥٠[2502]. قال سعد: «لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم فخلى سبيله»، وفي مصنف ابن أبي شيبة٤٥١[34435].: «فقال سعد: والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم» دون زيادة «بعد»، وفي الاستيعاب٤٥٢[4/1751]. من طريق ابن أبي شيبة أيضًا: «والله ما أبلى أحد من المسلمين ما أبلى في هذا اليوم لا أضرب رجلا أبلى في المسلمين ما أبلى»، وفي الإصابة٤٥٣[7/299].: «لا والله لا أحد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم».

فبالتأليف بين هذه الألفاظ يمكن الخلوص إلى معنى صحيح هو ظاهر في بعضها ومحتمل في الأخرى وبعيد في غيرها، وذلك بحمل كلام سعد رضي الله عنه على إسقاط حد شرب الخمر الذي استحقه أبو محجن وأقوى الروايات في هذا المعنى ما في مصنف ابن أبي شيبة: «لا أضرب اليوم»، وما في الإصابة: «لا والله لا أحد اليوم رجلا» ثم ما في سنن سعيد بن منصور: «لا أضرب بعد اليوم رجلا»، بحمل كلامه هنا وفي رواية عبد الرزاق على المبالغة في التصريح باستحقاق أبي محجن إهدار حده عنه بسبب بلائه في المعركة؛ فيصبح المعنى إن ما فعله أبو محجن من الثبات والقتال والدفع عن المسلمين لا يمكن أن يقام معه عليه حد، بل لو كان لي إسقاط الحد عنه لأسقطته وأهدرته كلية بسبب ما فعل وبذل؛ فيكون كلام سعد رضي الله عنه ليس متوجهًا أصالة إلى إهدار الحد بقدر ما هو إبداء لإعجابه وانشراح صدره ورضاه بما قام به أبو محجن رضي الله عنه هذا ما ظهر لي في هذا الموضع، والمقصد الأساس والأول هو دفع ما يتوهم من أن سعدًا رضي الله عنه قد ألغى حد الخمر كلية عن أبي محجن مهما شربها، فهذا ما لا يتصور أن يصدر من أحد من المسلمين فضلا عن أن يكون سعدًا.

ص 326

ولهذا قال الحافظ ابن حجر: «وأنكر بن فتحون قول من روى أن سعدًا أبطل عنه الحد، وقال: لا يظن هذا بسعد، ثم قال: لكن له وجه حسن لم يذكر، وكأنه أراد أن سعدًا أراد بقوله لا يجلده في الخمر بشرط أضمره وهو إن ثبت عليه أنه شربها»٤٥٤المصنف: (9/243).، كذا ولعله سقط من الجملة حرف «إلا» قبل «إن» فيكون الكلام على سياق: وهو «إلا» إن ثبت عليه أنه شربها، حتى يستقيم المعنى والله تعالى أعلم.

رابعًا: إن قول أبي محجن: «قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأطهر منها، فإما إذ بهرجتني فلا والله لا أشربها أبدًا»٤٥٥[تقدم في (311)].، يدل على أن حد الخمر كان يقام عليه، وظاهر كلامه أيضًا أن الذي كان يقيمه عليه هو سعد رضي الله عنه، كما أن كلامه يحتمل أن يكون شرابه لها وإقامة الحد عليه كان وهو معهم في الجيش؛ لأنه قال لسعد: «فأما إذ بهرجتني»، أي أهدرت الحد في حقي وأسقطته عني، وأصرح من ذلك رواية عبد الرزاق: «إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك قال فلم يشربها بعد ذلك»٤٥٦الإصابة: (7/363).، ورواية عبد الرزاق صحح الحافظ ابن حجر إسنادها، فهو قد نص على أن سعدًا قد جلده عليها، وذكرها في الإصابة بلفظ: «من أجل جلدكم» بخطاب الجمع وكذلك ذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب.

وعلى كل فهذا اللفظ ظاهر في أن سعدًا كان قد جلد أبا محجن في الخمر، فالقصة بذلك تنتج خلاف ما استدل بها على تأخير الحد، فلو كان هذا المعنى متوجهًا وقويمًا لكان فيه دليل -من آثار الصحابة- لمن يقول بأن الحد يقام على من أتى موجبه ولو كان في دار الحرب كما هو مذهب مالك والشافعي، فإن قال المستدلون بها على تأخير الحد إن سعدًا لم يكن إذ ذاك في دار الحرب وإنما كان محاذيًا لها وقريبًا منها، قيل: ولكنكم اعتمدتم عليها في الاستدلال وجعلتم إسقاط سعد للحد دليلًا على عدم إقامته في دار الحرب.

ص 327

فإما أن يكون سعد في دار الإسلام عند إقامة الحد على أبي محجن وعند إسقاطه عنه فلا يبقى في القصة دليل لكلا الفريقين، وإما أن يكون في دار الحرب فعلى من استدل بإسقاط سعد للحد أن يجيب على قول أبي محجن: «إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك»، إلا أن يقال: يحتمل أن الحد كان يقام عليه كلما شرب الخمر وقد تكرر منه شربها مرارًا، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون قد أقيم عليه وهو في الغزو ولا أن الذي أقامه عليه هو سعد وذلك اعتمادًا على قوله: «من أجل جلدكم»؛ فيحمل على أنه يقصد عموم من أقاموا عليه الحد، لا سيما وقد روى عبد الرزاق أن أبا محجن قد حده عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الخمر سبع مرات.

قال الإمام ابن حجر رحمه الله: «وذكر المدائني عن إبراهيم بن حكيم عن عاصم بن عروة: أن عمر غرَّب أبا محجن وكان يدمن الخمر، فأمر أبا جَهْراء البصري ورجلًا آخر أن يحملاه في البحر فيقال: إنه هرب منهما وأتى العراق أيام القادسية، وذكر أبو عمر نحوه وزاد أن عمر كتب إلى سعد بأن يحبسه فحبسه»٤٥٧[الإصابة: (7/300)].؛ وهذا يؤيد أن حبس سعدٍ له لم يكن لشربه الخمر عنده وإنما استجابة لأمر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهذا يقوى أن يكون عمر رضي الله عنه هو الذي تولى جلد أبي محجن في الخمر فلما أكثر منها نفاه.

بل ذكرت بعض كتب التاريخ أن حبس سعد لأبي محجن لم يكن لأجل شربه الخمر إنما بسبب اعتراضه على تأمير خالد بن أبي عرفطة وتشغيبه عليه بذلك؛ فقد قال الطبري رحمه الله: «وكان بسعد عرق النسا ودماميل، وكان إنما هو مكب، واستخلف خالد بن عرفطة على الناس فاختلف عليه الناس، فقال: احملوني وأشرفوا بي على الناس به، فأكب مطلعًا عليهم والصف في أصل حائط قديس، يأمر خالدًا فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وشتمهم وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالًا لغيركم، فحبسهم ومنهم أبو محجن الثقفي وقيدهم في القصر»٤٥٨تاريخ الطبري (2/407)، كما ذكر بعضهم أن حبسه كان بسبب أشعار قالها في الخمر ففي الإصابة نقلًا عن كتاب الفتوح لما سألته امرأة سعد فيم حبسه فأجاب: «والله ما حبست على حرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية فند كثيرًا على لساني وصفُها، فحبسني بذلك فأعلمت بذلك سعدًا فقال اذهب فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله» ومثل ذلك في تاريخ الطبري، ولكن كما قال الحافظ ابن حجر: «سيف ضعيف والروايات التي ذكرناها أقوى»..

ص 328

وخلاصة القول:

أن ما تطمئن إليه النفس في حكم إقامة الحدود في دار الحرب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث وهم القائلون بعدم إقامتها ما دام الجيش في دار الحرب، سواء كان قائد الجيش هو الإمام أو أمير من أمراء الأمصار أو من سواهم من قادة الجند، فإذا قفل الجيش إلى دار الإسلام فعندها يقام الحد على من أتى بموجبه، والأدلة على ذلك ما ذكره أصحاب هذا المذهب من السنة النبوية ومن آثار الصحابة رضي الله عنهم الدالة على تأخير إقامتها لمصالح راجحة واضحة مما يتعلق بصاحب الحد نفسه أو بالجيش كله، وبهذا القول يتم الجمع بين الأدلة وتأتلف على معنى صحيح.

ص 329

وأما عن حادثة أبي محجن مع سعد رضي الله عنهم فالذي ظهر -والله تعالى أعلم- أن إسقاط الحد فيها كان للسبب الذي صرح به سعد نفسه وهو أن الله قد أبلى المسلمين ما أبلاهم، والأولى هو قصر القصة على الموضع الذي وردت فيه وجعلها من خصوصية أبي محجن وذلك لما ذكرناه من الإشكالات الواردة عليها، وهي كما رأينا منزع لكل من أراد أن يستدل بها على ما ذهب إليه، قال السيوطي رحمه الله وهو يقرر قتل من تكرر منه شرب الخمر، ويرد على ما استدل به القائلون بالنسخ: «أن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم؛ فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم، وقد ورد بقصة نعمان لما قال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)٤٥٩[اللفظ لعبد الرزاق الصنعاني: (13552)، والبزار: (269)، ورواه البخاري: (6780) وغيره بلفظ قريب].، فعلم النبي ﷺ من باطنه صدق محبته لله ورسوله، فأكرمه بترك القتل، فله أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام... وقد ترك عمر إقامة حد الخمر على فلان لأنه من أهل بدر، وقد ورد فيهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)٤٦٠[تقدم في (324)]. وترك سعد بن أبي وقاص إقامته على أبي محجن لحسن بلائه في قتال الكفار فالصحابة رضي الله عنهم جميعًا جديرون بالرخصة إذا بدت من أحدهم زلة»٤٦١الإصابة: (7/363)، [انظر: قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي (1/381-382) قال ابن حجر في الإصابة عن سعد: «لا والله لا أحد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم. قال: فخلى سبيله»]..

وقول السيوطي رحمه الله: «وقد ترك عمر إقامة الحد على فلان لأنه من أهل بدر»، لم يبين متى وأين وقعت هذه الحادثة، بل الثابت أن عمر رضي الله عنه أقام حد الخمر على قدامة بن مظعون لما شرب الخمر متأولًا مع أنه كان بدريًا، وهذا هو مقتضى الإجماع الذي ذكره بعض العلماء من عدم سقوط الحدود عن البدريين، أما عن إسقاط الحدود بالتوبة فهذا مبحث آخر ولا تعلق له بإقامة الحدود في دار الحرب من غيرها، فمن يقول بجواز إسقاط الحد عمن جاء تائبًا إلى الإمام قبل القدرة عليه يجعل هذا الحكم مطلقًا وعامًا ومنسحبًا على من كان في دار الإسلام أو في دار الكفر، ومن يوجب إقامة الحد على من ارتكب موجبه فلا تأثير لديه بين أن تكون التوبة في دار الإسلام أو في دار الحرب، والله تعالى أعلم.

ولكن ونحن نبحث في هذه المسألة ينبغي ألا نغفل عن الواقع الذي ستتنزل فيه هذه الأحكام؛ فالصورة التي يتكلم عنها العلماء وبنوا عليها الكثير من خلافاتهم فيها، هي أن يخرج جيش المسلمين من دار الإسلام متوجهًا لغزو الكفار في ديارهم، فينفصل عن دار الإسلام في ذلك الغزو ويكون في داخل بلاد الكفار وفي أثناء وجود الجيش في ديارهم قد يرتكب بعض الجند ما يوجب الحد، فمثل هذا يؤخر عنه ولا يقام عليه ما دام في دار الكفار، حتى إذا ما رجعوا إلى بلاد الإسلام وآووا إليها أقيم عليه هناك.

ص 330

فالجيش يخرج وله هيئته واستقلاله وقوته، ودار الإسلام مميزة معروفة لا خفاء فيها ولا لبس، ومآل الجند هو القفول إليها.. فأين هذه الصورة التي قرر العلماء حكمها من واقعنا اليوم؟! فأين هي دولة الإسلام التي تجيش الجيوش لغزو الكفار في عقر دارهم؟!، وأين هي تلك الجيوش التي تروح وتغدوا وتذهب وتجيء؟! فالمسلمون محاربون مطاردون يُتخطّفون من وسط ديارهم، والمجاهدون لا يكادون يقرون في مكان أو يتميزون في جهة، وأهل الكفر تحزبوا وتآزروا وأجمعوا أمرهم للتنكيل بكل من يدعو إلى الحق، فرصدوا لذلك أموالهم، وأهَّبوا جيوشهم، وسخروا طاقاتهم للتضييق على شباب الإسلام، فلا يكاد المرء يسافر من جهة إلى جهة أو يتنقل من مدينة إلى أخرى إلا بعد أن يمر على مخاطر تحف به من كل جهة قد ينجو معها وقد يقع أسيرًا في أيديهم؛ فهو متنقل في أغلب أحايينه بين أعدائه الذين يتربصون به ويرصدون تحركاته، ففي هذه الظروف التي لا تخفى على مسلم يطلع على شيء من حال أمته اليوم كيف يكون تطبيق الحدود وهل ينطبق عليها ما ذكره الفقهاء، فإذا ابتلي أحد المجاهدين بشيء من هذه القاذورات، وارتكب موجبًا لحد من الحدود كالسرقة أو الزنى أو الخمر فكيف ومتى يتم إقامة الحد عليه؟

أقول: لا شك أن المسألة في غاية الإشكال والتعقيد؛ وذلك نتيجة حقيقة ومتحتمة للواقع المتداخل الذي يعيشه المسلمون؛ فليست المسألة بهذه السهولة، ولا يمكن نقل كلام العلماء والفقهاء حرفيًا وإسقاطه على واقع يختلف اختلافًا كليًا عن مورد كلامهم وموطن فتاواهم، بل لا بُد من بذل الجهد في محاولة التسديد والمقاربة بين ما قالوه وقرروه واستدلوا له وبين ما نحن فيه من التداخلات والتعقيدات الواقعية الناتجة عن سطوة الكافرين وتسلطهم وكون الغلبة والقوة لهم مع ضعف المسلمين وتشرذمهم، إذ هم تحت حكم الكافرين وفي سلطانهم وتحت سطوتهم.

وكما قلنا؛ فإن المجاهدين بصورتهم المعاصرة كجماعات متعددة في أقطار شتى هي التي تمثل أقرب الصور إلى الجيوش الإسلامية التي تحدث الفقهاء عن حكم إقامة الحدود بين أفرادها، ولا يخفى الفارق بين الصورتين؛ فإن الجيش الإسلامي في دولة الإسلام له ملاذه وملجؤه وداره التي يخرج منها ثم يأوي إليها وهي دار الإسلام التي تعلوها أحكامه -ومنها إقامة الحدود- ويخضع الناس فيها لسلطانه، أما المجاهدون في هذا الزمان فحالهم في غاية الاختلاف من هذه الحيثية؛ لأن حركتهم كما ذكرنا هي بين أعدائهم، وفي ديار غلب عليها أهل الكفر وبسطوا أحكامهم، وأخضعوا الناس لها وألزموهم بها.

ص 331

وإن سيطر المجاهدون على قطعة أرض فهي محدودة وسيطرتهم عليها غالبًا ما تكون ناقصة؛ فهم فيها مع عدوهم بين كر وفر، وتقدم وتأخر، فليس لهم مأوى حقيقي ودار مستقلة يأوون إليها ويبسطون تمام نفوذهم عليها فحركتهم وتنقلاتهم وذهابهم وإيابهم كلها في ديار الكفر، فبهذه الاعتبارات المعاصرة التي لا يكاد ينفك عنها أحد يمكن أن يقال إن إقامة الحدود في هذه الديار أصبح له طرفان ووسط:

الطرف الأول: القول بأن الحدود تُؤخَّر عن مرتكبها ما دام في دار الحرب، كما دل على ذلك حديث بسر بن أرطاة: (لا تقطع الأيدي في الغزو)٤٦٢[تقدم في (302)].، وكما كشفت آثار الصحابة رضي الله عنهم علة ذلك وهو خشية اللحاق بدار الحرب وما شابهها من العلل، وعلى هذا وبما أن المجاهدين اليوم ليس لهم وجود إلا في عقر ديار الحرب؛ فإن الأخذ بهذا القول يفضي في حقيقة أمره إلى إسقاط الحدود عن المجاهدين كلية، بل وعن جميع المسلمين المحكومين بأنظمة الكفر، وذلك لفقدان دار الإسلام التي تقام فيها الحدود بعد الرجوع إليها، ولا يخفى ما في القول بانتظار إقامة دولة الإسلام العامة لتقام فيها الحدود على من أتى موجبها من البعد؛ لأنه يعني إقرار الناس بصورة أو بأخرى على أن يعيشوا تحت سلطان الكافرين، ويتحاكموا إلى قوانينهم، ويجعلوها السبيل لأخذ حقوقهم.

ومعلوم أن القائلين بتأخير الحد عن دار الحرب لم يقل واحد منهم إن من ارتكب شيئًا من موجبات الحدود أو أسباب التعزير فله أن يرضى بما يحكم به أهل الكفر في دارهم، أو أن يُقدم على التحاكم إلى أحكامهم، فالتأخير الذي ذكروه له غاية وأمد ينتهي عنده وهو الرجوع إلى دار الإسلام، وهذه الغاية أو التوقيت مفقود الآن أو متعذر في الغالب، فيظهر أن الصورة التي يعنيها الفقهاء بينها وبين حالنا المعاصر اختلاف وتباين بيّن.

ص 332

الطرف الثاني: القول بإقامة الحدود على المجاهدين في أي مكان، ولو على حالهم الذي هم عليه من الضعف والتخطف والتنقل في ديار الكفر وبين ظهرانيهم، وعدم مراعاة ما علل به الصحابة القول بتأخير الحدود من خشية اللحوق بدار الحرب ونحو ذلك، وقد بينا من قبل أن هذا خلاف الراجح من أقوال العلماء لمخالفته للدليل الشرعي وما بينه الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم أفهم وأعلم بمقاصد الشريعة ومراميها، لا سيما إذا التفتنا لما عللوا به القول بتأخير إقامة الحدود وأعظمها وهو درء مفسدة اللحاق بالكافرين والانضمام إلى صفوفهم، ولا أحسب أن أحدًا يتردد في أن هذه العلة اليوم أحوج ما نحتاج إلى مراعاتها واعتبارها ببالغ الأهمية وتمام العناية، فسبل الإغراء والترغيب لدى الطواغيت كبيرة جدًا، وهذا مع سهولة اللحاق بهم في كل حين لكون المجاهدين غالبًا ما يقيمون بينهم ولا يحجبهم إلا تمويههم ومخادعتهم.

مع أن المجاهدين قلما يكونون تجمعًا كبيرًا مستقلًا في منطقة متحيزة مستقرة يمثلون فيها جيشًا يشبه بجيوش المسلمين الأولى، ومشقة الجهاد بصورته المعاصرة وما يترتب عليه من مطاردات وتضييق وضغوط نفسية عصيبة مع ملازمة هذه الحالة للمجاهد في أكثر أحيانه كل هذه عوامل تضاعف التخويف الذي نص عليه الصحابة وأخروا لأجل مراعاته إقامة الحد إلى حين القفول لدار الإسلام.

وعلى كلٍ؛ فقد بينا أن هذا القول مرجوح حتى مع وجود دار الإسلام التي يرجعون إليها فأحرى أن يكون كذلك اليوم، هذا مع أن أصحاب القول بوجوب إقامة الحدود في دار الحرب قد راعوا هذه الأمور أحيانًا درءًا لمفاسد متوقعة تتأتى من إقامة الحد على صاحبه، فعند الأحناف القائلين بإقامة الحدود على الجند في دار الحرب إن كان معهم الإمام أو أحد أمراء الأمصار الذين يقيمونها جاء في الفتاوى الهندية: «وإنما يقيم هذا الأمير الحد في عسكره إذا كان يأمن على الذي يقيم عليه الحد أن لا يرتد ولا يلحق بالكفار، وأما إذا كان يخاف عليه الارتداد واللحاق فإنه لا يقيم عليه الحد حتى ينفصل عن دار الحرب ويصير في دار الإسلام»٤٦٣[الفتاوى الهندية: (2/149)]..

ص 333

وكذلك راعى هذه المصلحة بعض القائلين بوجوب إقامتها مطلقًا في دار الحرب من المالكية والشافعية؛ فمن المالكية قال الدسوقي: «والظاهر أنه إن خيف من إقامة الحد ببلدهم حصول مفسدة فإنه يؤخر ذلك للرجوع إلى بلدنا لا سيما إن خيف عظمها»٤٦٤[حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (2/486)].، ومن الشافعية قال الماوردي: «فإذا ثبت وجود الحدود فيها -أي في دار الحرب- نظر: فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها، أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم، نظر: فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود، أخر حده إلى دار الإسلام، وإن لم يكن له عذر، قدم حده في دار الحرب»٤٦٥[الحاوي الكبير: (18/242)].، وهو قول قد نقله المزني عن الشافعي رحمه الله تعالى.

وفي «أسنى المطالب» لزكريا الأنصاري: «ويقام الحد في دار الحرب إن لم يخف فتنة من نحو ردة المحدود والتحاقه بأهل الحرب»٤٦٦[أسنى المطالب: (4/131)].، وهذه الأقوال قد ذكرناها قبلًا، وإنما أعدناها هنا لبيان أنهم أعطوا هذه المصالح نوع رعاية في بعض الأحيان، سواء منها ما يتعلق بصاحب الحد نفسه أو بالجيش وحاجتهم إليه، أو لتعذر إقامته عليه لانشغال الأمير عن ذلك بالحرب وتدبيرها.

أما الطرف الوسط: وهو اعتبار كل حالة بعينها؛ بحيث لا يقال بوجوب إقامة الحدود أبدًا على كل من أتى بموجبها، كما لا يقال بتأخيرها مطلقًا أو بإسقاطها تمامًا ما دام مرتكبها في دار الحرب، بل ينظر إلى كل حالة وما يحيط بها من المفاسد التي ينبغي دفعها، أو المصالح التي لا بد من مراعاتها واعتبارها، من قبيل مدى القدرة على إقامة الحد، والحاجة إلى المحدود، وتهييج العدو على المجاهدين، والكيفية التي سيتم بها تنفيذه وغير ذلك، وبهذا الاعتبار والنظر قد يقام الحد على شخص لاعتبارات شرعية ومصالح مرعية مهتم بها وخاصة به، ومتعلقة بشخصه وحاله، وقد يؤخر عن شخصٍ آخر تأخيرًا قريبًا لمفاسد حالية آنية تترتب على إقامته تحت تأثير أي ظرف من الظروف العابرة أو المستقرة.

ص 334

فمثلًا: من ارتكب حدًا من الحدود، وجاء نادمًا ومعترفًا بذلك، وطالبًا إقامة الحد عليه برضى واستسلام، ولم يكن الحد حدًا يوجب القتل أو القطع بحيث يعيق إعانته للمجاهدين المحتاجين له حاجة ملحة في ذلك الوقت؛ ففي مثل هذه الحال لا يظهر ما يمنع من إقامة الحد، لأن التخوف الذي منع لأجله الصحابة من إقامة الحد في دار الحرب، صار منتفيًا في حق هذا الشخص بعينه، وذلك لإقدامه على الأمر بنفس راضية وقلب نادم.

وقد يؤيد هذا ما رواه عبد الرزاق عن إسرائيل بن يونس عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: «كان شُرَحْبيل بن السِّمْط على جيش، فقال لجيشه: إنكم نزلتم أرضًا كثيرة النساء والشراب -يعني الخمر- فمن أصاب منكم حدًا فليأتنا فنطهره، فأتاه ناس، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إليه: أنت -لا أمَّ لك- الذي يأمر الناس أن يهتكوا ستر الله الذي سترهم به»٤٦٧[مصنف عبد الرزاق: (9371)]، والأثر رواه أيضًا هناد عن أبي الأحوص عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: «استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرحبيل بن السمط على مسلحة دون المدائن، فقام شرحبيل فخطبهم فقال: يا أيها الناس إنكم في أرضٍ الشرابُ فيها فاش، والنساءُ فيها كثيرة، فمن أصاب منكم حدًا فليأتنا فنقيم عليه الحد طهوره، قال فبلغ ذلك عمر فكتب إليه لا أم لك أنت تأمر الناس يهتكوا ستر الله الذي سترهم» الزهد (2/646).، فهؤلاء الذين كان شرحبيل يقيم عليهم الحد يأتون إليه طوعًا، معترفين له بذنبهم، مقرين بين يديه باستحقاقهم العقوبة، مطالبين بتطهيرهم مما اقترفوه، فأمِن ما يُخشى من لحاقهم بالعدو، ولهذا فإن عمر رضي الله عنه لم ينكر عليه إقامة الحد على من أتاه طواعيةً مختارًا، وإنما شنع على شرحبيل لأنه قد حثهم على الاعتراف بما يقترفونه، وحضهم على التقدم إليه لإقامة الحد عليهم، وفي هذا فضح لأنفسهم، وكشف لما ستره الله عليهم، وهو خلاف السنة الآمرة بالستر عند إصابة شيء من هذه القاذورات كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال بعد أن رجم الأسلمي: (اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله تعالى)٤٦٨رواه الحاكم [(8158)، واللفظ له] وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي [في الكبرى: (١٧٦٠١)]، وصححه الألباني في (الصحيحة 663)..

ص 335

وفي الموطأ من مراسيل زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: (أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله)٤٦٩[موطأ مالك: (٣٠٤٨)، وقال ابن عبد البر في التمهيد: «هكذا روى هذا الحديث مرسلا جماعة الرواة لـ «الموطأ»، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه» التمهيد: (3/719)].، وروى عبد الرزاق٤٧٠[١٨٩٤١]. بسند صحيح عن الشعبي قال: أشرف ابن مسعود على داره بالكوفة فإذا هي قد غصت بالناس، فقال: «من جاء يستفتينا فليجلس نفتيه إن شاء الله، ومن جاء يخاصم فليقعد حتى نقضي بينه وبين خصمه إن شاء الله، ومن جاء يريد أن يطلعنا على عورة قد سترها الله عليه، فليستتر بستر الله، وليقبل عافية الله، وليسرر توبته إلى الذي يملك مغفرتها، فإنا لا نملك مغفرتها، ولكنا نقيم عليه حدها، ونمسك عليه بعارها».

قال الإمام الصنعاني عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألم بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة، فإن أبدى صفحته للإمام -والمراد بها هنا حقيقة أمره- وجب على الإمام إقامة الحد»٤٧١سبل السلام: (4/15).، فمطالبة شرحبيل بن السمط لمن ابتلي بشيء من هذه القاذورات -ومنها الزنى والخمر- بأن يعلن عن نفسه، ويقدم عليه لتطهيره بالحد، يعد هتكًا للستر كما قال عمر رضي الله عنه، ومخالفة لما حثت عليه السنة من الاستتار بستر الله، وعلى هذا فإن عدم إنكار عمر على شرحبيل إقامته للحد وإن كان في أرض العدو ليس مخالفًا ولا معارضًا لما اشتهر عنه من النهي، لا سيما وقد علل هناك سبب نهيه وبيَّنه، وهو الخوف من أن تأخذه الحمية فيلحق بالمشركين.

ص 336

وهذه العلة منتفية في حق من أتى مقرًا معترفًا بنفسه طالبًا تطهيره وإقامة الحد عليه، كما في حال الذين أقام عليهم شرحبيل بن السمط الحد، وهذا مما يؤيد ويقوي ما ترجح في إقامة الحدود على المجاهدين في هذا العصر، وهو اعتبار كل حالة بعينها، والنظر إلى ما يحيط بها من الملابسات والظروف التي قد تؤدي إلى إقامة أو تأخير الحد حسب ما يترتب عليه من المفاسد، والفرق بين حالتنا والحالة التي ذكرها الصحابة رضوان الله عليهم وهي تأخير إقامة الحد إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام أن هذا الانتظار لا يعلم له اليوم مدى ينتهي عنده.

فالراجح في هذه المسألة والله أعلم حسب ما يشير إليه مجموع الأدلة الشرعية وتعليلات الصحابة رضي الله عنهم المتنوعة، أن إقامة الحدود بين المجاهدين يجوز بعد النظر في كل حالة بعينها وما يحيط بها من الملابسات؛ سواءً المتعلقة بشخص من يراد إقامة الحد عليه وذلك من حيث احتياج المجاهدين لقوته وقتاله وخبرته في ظرف من الظروف، أو من حيث استغلال العدو لها في زرع الفرقة بين الصفوف، وإيجاد مدخل له ومسوغ ينمي به الحمية في قلوب ضعاف النفوس من المجاهدين، لا سيما مع قدرات العدو الإعلامية الكبرى، وضعف أو قصور ما يواجهها ويكشف حقيقتها.

وأحسب أن هذا لا يعارض ما ذكرته قبلُ من أن الراجح في إقامة الحدود في دار الحرب هو القول الثالث القائل بتأخيرها إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، ففي الظروف المستقرة والتي جرى فيها كلام العلماء وتعليلات الصحابة حيث وجود دولة الإسلام واستقلال الجيوش وشوكة الإمام فالأمر ما ذكروه إذ لا يترتب على تأخيرها تعطيل كليّ لها، وإنما تأخير مؤقت يُعلم في الغالب مداه ومنتهاه، وهو تأجيل عارض لظرف قائم تمامًا كحال الحبلى والمرضع والمريض ونحوهم.

وأما اليوم فالحال مختلف من حيث أن القول بتأخيرها إلى حين الرجوع إلى دولة الإسلام مؤداه هو تعطيل الحدود كلية وعلى كل حال، ولهذا فجمعًا بين تعليلات الصحابة والفقهاء من بعدهم من جهة واعتبارًا لخصوصية الحال الذي نعيشه من جهة أخرى ترجح لدي ما ذكرته فهو يجمع بين إقامة الحدود حسب الممكن مع مراعاة المفاسد الحقيقية التي قد تترتب على ذلك، والله تعالى أعلم.

❖ ❖ ❖

ص 337