جوابٌ في القسم بين الأزواج
[سؤال من مجاهد مهاجرٍ في «القسْم بين الأزواج» لم يُنشـر من قبل، أجاب عنه الشيخ عطية رحمه الله، وقد وصلنا من الشيخ «أبي الحسن الوائلي»، كُتب في: ذي القعدة 1430]
السؤال:
رجل مهاجرٌ متزوج باثنتين، سافرت إحداهما بإذنه وباختيارها ورغبتها إلى بلدِ أهلها، قبل بضعة سنين، ومكثت عند أهلها نحو تسعةِ أشهر، ثم رجعتْ، ولم يقضِ لها ما فاتها من القَسْم، والآن سافرت الأخرى إلى بلدٍ آخر غيرِ بلدِ أهلها، هو بعثها من أجل العلاج (التطبب) مع أولاده منها؛ فإذا رجعت فهل يقضي لها؟ وإذا قضى لها فإن الأولى تطالب بأن يقضي لها ما فاتها في سفرها المذكور إلى أهلها، فهل لها عليه القضاء؟
الجواب:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وآله وصحبه الطاهرين المهديين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعدُ:
فإنه بعد مراجعة كلام الفقهاء في المذاهب الأربعة وغيرها من أمهات كتبهم، مع جملة من فتاوى أهل العلم في مثل هذه المسائل اتضح لي الآتي:
الأصح من قولي الفقهاء وجوب القضاء على الزوج إذا فوَّت على الزوجة قَسْمها بسبب منه..
وهو مذهب الشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية والمالكية الذين لا يرون وجوب القضاء على الزوج إذا فاتَ الزوجةَ قَسْمُها.
وتفريعًا على هذا المذهب الصحيح المختار في المسألة، وبناءً على ما تقرر في الباب من مباني المسألة وضوابطها، أقول:
ما دامتِ الزوجةُ المذكورة أولًا قد سافرتْ باختيارها ورغبتها، مع إذنه لها؛ فإنها لا تستحق القضاء، يعني أنه لا يجب عليه أن يقضي لها ما فاتها من حظها من القَسْم.
قال الفقهاء في تعليل ذلك: إن المرأةَ إذ قد سافرت باختيارها ولحاجتها وحظِّ نفسِها، وفوّتتْ على الزوج حقَّه في الاستمتاع بها؛ فإنها بذلك أسقطتْ حقها، فلا يُقضى لها، وهذا ظاهرٌ.
وأما إذْنُ الزوج لها في السفر لحاجتها، فقُصاراه أنه مسقِطٌ لحقه في التمكّن منها والاستمتاع بها تلك الأيام والليالي، ولا يُوجِب في ذمّته لها حقًا يقضيه لها.
وأما الأخرى التي سافرت مع أولاده للعلاج، وقال إنه هو بعثها للعلاج مع أولاده منها؛ فإن كانت قد سافرت لحاجتها هي وحظ نفسها، بإذنه، فهي كالأولى وتقدم الكلام فيها.
وإن كانت سافرت لعلاج نفسها، بمعنى أنها هي التي تتطبب وتتعالج، وكان هذا الغرضُ هو الغالبَ والمقصودَ الأعظم من سفرها، فكذلك لا يقضي لها.
وإن كان الغرضُ من سفرها الذي أذن لها فيه وبعثها فيه هو مرافقة الأولاد (الكون معهم ورعايتهم..) لأنه لابدّ أن يبعَث أحدًا من أهله أو غيرهم مع الأولاد الصغار يقوم عليهم ويرعاهم، أو كان هذا هو المقصود الأعظم الأغلب من سفرها.. فهذه يقضي لها. والله أعلم.
وتعليل ذلك حسب ما يتخرج من كلام الفقهاء: أن المرأة في هذه الحالة إنما سافرَتْ لحاجةِ الزوجِ وخدمتِهِ لا لحاجتها هي وحظِّ نفسها، فهي لم تفوِّت عليه شيئا من حقه من عندِ نفسها وبسببٍ منها، بل فاتَه هو حقه في التمكن منها والاستمتاع بها بتفويته هو، لأنه بعثها وأشخصها في حاجته، (وحاجتُهُ في هذه الحالة هي: إرسالُ أحدٍ مع الأولاد الصغار يقوم عليهم ويرعاهم، وهذا واجبٌ عليه، والأولاد أولادُه، فآل الأمرُ إلى حاجةِ نفسِهِ، واختار هو أن يرسِلها هي (أم الأولاد) لأنها أرفقُ بهم وأرعى لهم ولغير ذلك من المرجّحات)، وبقيَ حق المرأة في الإيواءِ والإيناس تلك الليالي التي فاتتها منه، فيقضيه لها. وقولنا: «أو كان هذا هو المقصود الأعظم والأغلب من سفرها» معناه أنه في أكثر الصور والحالات تكون هناك مقاصدُ متعدّدةٌ للسفر، وإنما النَّظَرُ إلى المقصود الأساس الرئيسيّ فيُعلَّقُ الحكمُ به، ولا تؤثّرُ المقاصدُ الأخرى الثانوية.
والله أعلم أحكم، لا إله غيرُهُ ولا ربَّ سواه، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان.
وكتب: أبو عبد الرحمن عطية
10 من ذي القعدة 1430هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: جوابٌ في القسم بين الأزواج
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا