۞ حتى لا تزل أقدام بعد ثبوتها «تعقيبًا على بيان شبكة الحسبة» (1135)
إلى جميع الإخوة والأخوات في المنتديات الإسلامية..
إخواني الأحبة في إدارة منتديات الحسبة وفقكم الله وحفظكم ورعاكم..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
لقد اطلعت على بيان إدارتكم القيم، والذي كان بعنوان: «حتى لا ينطفئ مصباح الحسبة وتبقى شبكتنا خضراء نقية»؛ فوجدته جيدًا ومفيدًا وسديدًا، ولقد أجزلتم فيه النصائح الطيبة فأسأل الله أن يوفقكم ويسددكم ويبارك فيكم وفي جهودكم.
لا شك أن الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وتوجيه الناس إلى الخير والجهاد في سبيل الله؛ من الأعمال الصالحة، ولا شك أنكم - يا إخوتي الأفاضل - على ثغر مهم من ثغور نصرة الدين في زماننا.
ومما لا شك فيه أيضًا أن الناس سواء كانوا منتمين إلى مِلَّتنا أو إلى غيرها من الملل ينظرون إلى سلوكياتنا ومن ثم يقيموننا من خلالها، بل إنهم يرون ديننا ومنهجنا ودعوتنا وجهادنا عبر معاملاتنا وآدابنا وأخلاقياتنا، ولا شك أن للآداب والأخلاق تأثيرًا أعظم على أكثر الخلق منه بالدعوة باللسان والكلام.
فبما سبق أعلاه من المقدمات؛ يتبين لنا علوُّ مقام هذه القضية والتي تقتضي من جميعنا وعيًا كبيرًا وتقديرًا لهذه الأمانة، وأن يكون من ولّاهم الله إدارة هذا المشروع صارمين أقوياء؛ لكي يأخذوا على أيدي المفسدين وغير الملتزمين ليمنعوهم بالطريقة المناسبة وفق الشرع الحنيف.
هذا لأن الأمر دينٌ ودعوةٌ إلى الله وجهادٌ في سبيله ومقام هداية للخلق، ولا يجوز أن يُسمح لأحد بتدمير ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤﴾ [النحل].
قال العلماء عن هذه الآية الكريمة: إن الله نهى عباده المؤمنين من اتخاذ أيمانهم وسيلة لتحقيق غرض محرم وللإفساد، وعن اتخاذها لعبًا بنية عدم أدائها، وأخبر أن ذلك يؤدي إلى زلِّ بعض الأقدام بعد ما كانت ثابتة راسخة، ويفضي إلى انحرافها عن الطريق المستقيم بسبب ما يشاهدونه لديكم من قلة دين وأخلاق فاسدة؛ فيعرضون عن سبيل الله.
إنكم إذًا من الذين بأعمالهم وسلوكهم السـيئ وقلة أمانتهم ينفِّرون عن سبيل الله. وإنكم لسوف تتحملون تبعات ذلك من عقاب الله الشديد، نسأل الله العفو والعافية.
وزلُّ الأقدام ينقسم إلى قسمين:
قدم قد دخلت في دائرة الإسلام ولكن لم ترسخ بعد؛ فقد تخرج من هذا الدين وتدبر لما تراه من أعمالكم البشعة.
وقدم لم تدخل في الإسلام بعد وما رسخت فيه، ولكن يرجى لها ذلك وهي تميل إلى قبول الإسلام؛ فتنفر بأعمالكم عن دخول الإسلام وتتجنبه.
في كلتا الحالتين يكون المتسبب في زلِّ الأقدام - بسبب هذه الأعمال البشعة - منفرًا عن سبيل الله تبارك وتعالى؛ قد يصيبه الوعيد الشديد الذي ورد في الآية، نعوذ بالله من غضبه ومقته.
إن نبينا ﷺ أوصانا مرارًا أن نيسر في دعوتنا وجهادنا ولا نعسر، أن نبشر ولا ننفر.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥ وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦﴾ [يونس: 85-86]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥﴾ [الممتحنة].
فعلَّمنا ربنا عز وجل في هذه الآيات وأخواتها أنه ينبغي لنا أن ندعوه ألا يجعلنا فتنة للناس، وهذا يشمل كل ما يجب على العبد المسلم أن يحذره حتى لا يصبح فتنة للناس. و﴿لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ﴾ أي: لا تجعلنا سببًا لافتتان الناس، والله أعلم.
لذلك - يا إخوتي الأحبة - ينبغي أن نتبع هدي النبي ﷺ ونحرص على امتثال أخلاقه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
كان خلقه القرآن وقال له ربه عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم]؛ هذا كان خلقه سواء مع الذين وافقوه أو الذين لم يوافقوه، مع الأقوياء أو الضعفاء، مع القريب والبعيد ومع جميع الناس.
وكان من أخلاقه أنه (ما خير في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما)١٬١٣٦صحيح البخاري (3367). هذا الحديث الشريف قد رواه البخاري - رحمه الله - في صحيحه في باب المناقب تحت فصل «مواصفات النبي ﷺ».
وكان من أخلاقه أيضا أن أكثر ما فضله في معاملاته اللطف والرفق والحلم والأناة؛ فالشدة والعنف من المستثنيات ويتم استعمالها بمقدار مناسب وفي مواطنها الصحيحة، وهذه هي الحكمة.
تأملوا معي - يا إخوتي الأفاضل - هذا الحديث في الصحيحين - البخاري ومسلم - والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ، فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: (مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله)» ١٬١٣٧صحيح البخاري (5678)، صحيح مسلم (2165)..
وفي لفظ آخر: «دخل على رسول الله ﷺ يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم.. فقالت عائشة: وعليكم السام.. قالت: فقال رسول الله ﷺ: (يا عائشة! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)، قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: (أو ما سمعتِ أقول: وعليكم؟)»١٬١٣٨مسند أحمد (25924) وصححه الأرنؤوط وقال إنه على شرط الشيخين..
ومنها -أي: أخلاق النبي ﷺ-: حفظ النفس من دناءات ومهلكات الكلام والحرص على صون العرض؛ فإن من يطعن في غيره ويشتمه يعرض نفسه للطعن والشتم أيضًا، ومن ينتقص نفسه بعد ذلك ويذلّها فلا يعيبن على السفهاء.
هكذا كان رسول الله ﷺ؛ لم يكن لعانًا ولا سبابًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا ولا صاخبًا.
واعلموا - أيها الأحبة - أن من كان لديه حق وهدى يمكنه أن يبين هذا الحق ويدافع عنه ويدعو إلى الهدى الذي هداه الله إليه ويرد الباطل الذي عرف بطلانه بالبراهين والأدلة والحجج؛ دون أن يلجأ إلى الشتم أو يتقحم سبل شر الخلق.
بل إنه قد جرت العادة أن اللجوء إلى الشتائم والمسبات طريقة من عجز عن الأدلة والحجج وعلامة ضعف وإفلاس!
أيدنا الله وإياكم وهدانا جميعًا وسددنا وجعلنا من الدعاة إليه الذين يرشدون خلقه إلى صراطه المستقيم. آمين.
الحمد لله على توفيقه وسلام الله عليكم وجزاكم الله خيرًا.
نسأل الله الكريم - عز وجل - أن يحفظكم ومقام الدعوة هذا ويباركه ويدفع كيد الكافرين، إنه خير رب ونصير.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم/ عطية الله
الجمعة، 21 رمضان، 1427 هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: ۞ حتى لا تزل أقدام بعد ثبوتها «تعقيبًا على بيان شبكة الحسبة» (1135)
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا