• توضيح معنى قوله ﷺ: (ولكنكم تستعجلون):

في صحيح البخاري: عن خبَّاب بن الأرتِّ h قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصـر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيُجاءُ بالمنشار فيُوضَعُ على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسـير الراكبُ من صنعاء إلى حضـرموت، لا يخاف إلا الله، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون)٥٤٥صحيح البخاري (6943). اهـ.

وهذا الحديث النبويّ الشـريف قد كثر استدلال الدعاة والطوائف المختلفة في ساحة العمل الإسلامي به، كلٌ يستدل به على صحة طريقه واختياره من بين أفكار التغيير والإصلاح، والكلّ يذمّ الاستعجال ويحذّر منه وينهى عنه، وكثيرٌ منهم يصف مخالفيه بأنهم يستعجلون!!

ص 732

والحاصلُ أن الجميعَ متفقون على ذم الاستعجال، وإنما الخلاف في الصور الواقعة في عمل الناس هل هي من الاستعجال أو لا؟.

ونحن نرجو التوفيق من الله تعالى في توضيح معنى هذا الحديث الشـريف على الوجه الصحيح.

فاعلم يا أخي وفقنا الله وإياك إلى كل خيرٍ ورزقنا وإياك الهدى والسداد أن الاتفاق واقعٌ على ذمّ الاستعجال كما سبق بيانه بحمد الله، فهذا لا اختلاف فيه.

لكن ما معنى الاستعجال المذموم وما حدوده؟ وهل هذا التصرّفُ المعيَّن أو ذاك هو من الاستعجال المذموم؟ أو لا؟ هذا هو محلّ البحث والتحقيق، وهو الجدير بالتحرير والتدقيق، وهو المجال الذي يختلف فيه المختلفون، ويتنازع فيه الناس، والموفَّق من وفّقه الله تعالى ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨﴾ [هود]، ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال: 10].

فلنستعن بالله تعالى ولنجبْ على هذا السؤال على وجه الإجمال أولًا، ثم نعرج على بعض التفاصيل ونوضّح بعض المعاني المستفادة من هذا الحديث الشـريف، فنقول:

تقدّم توضيح معنى العجلة والاستعجال المذموم، وأنه: تطلّب الشـيء قبل أوانه، ومعناه محاولة تحصيل الشـيء قبل أن يحلّ وقته.! وهذا يتضمّنُ محاولة تحصيله قبل اكتمال أسبابه التي جعلها الله تعالى أسبابًا موصلةً له؛ لكن ما هو وقته؟ وكيف نعرفه؟ وما هي طرقُ معرفة وقتِ الشـيء الذي نريد تحصيله، حتى لا نكون مستعجلين مذمومين بتطلّبه قبل وقته وإبّـانه؟

والجواب: أن الوقتَ المناسبَ للشـيء هو ما دلّ عليه الدليل الشـرعيُّ من الكتاب والسنة وما في معناهما وما دلّا على اعتباره دليلا عند عدم النصّ أو الدلالة اللفظية منهما.

وبالجملة فذلك منحصـر في طريقين: إما طريق النص، أو طريق الاجتهاد؛ فإن وُجِدَ النصُّ فلا اجتهاد حينئذٍ، وإنما هو التسليم والإذعان والمبادرة إلى الفعل متوكلين على الله الحيّ القيوم.. فإن لم نستطعْ ووُجِـدَ العجزُ، فحينئذٍ ننظر في المطلوب في تلك الحالة نظرًا جديدًا.

وأما إذا لم يُوجدِ النصُّ فالموضِع موضع اجتهادٍ؛ فلنجتهد على أصول العلم والفقه المضبوطة المعروفة عند أهل العلم، مستعملين تقوى الله تعالى والإخلاص له ﷻ، ولنقايس الأمورَ وننظر الأشباه والنظائر، ونستعمل الأدلة المتوافرة على حسب ترتيبها ودرجاتها، ونبحث عما نظنّ أنه الأقرب إلى مراد الله تعالى ومرضاته، مما يحصِّل المصلحةَ الدينية الأخروية أولًا، ثم المصلحة الدنيوية مهما أمكن أيضا.

ولا شك أن المقام الأول (النص) يجبُ ألا يكون فيه اختلاف بين أهل الحق، والمخالفُ فيه ملومٌ مؤاخذٌ، يُنكَــرُ عليه ويعنَّفُ بحسبه وبشـرطه.

ص 733

وأما الثاني (الاجتهاد) فهو موضع اختلاف الأفهام وتفاوتِ العقول والأذهان، ومجال جولة الفرسان وتصاول الأقران.! وهو ككل موضع اجتهاد في مسائل الدين والدنيا؛ مبناه على التوفيق أولا، بعد الأخذ بأسبابه والتوكل على الله تعالى وحده، كما قال نبينا ﷺ: (احرصْ على ما ينفعُك واستعن بالله ولا تعجز)٥٤٦صحيح مسلم (2669).، وحينئذٍ إذا اختلف المختلفون: فواجبٌ عليهم أن يتأدبوا بآداب الاختلاف المعروفة، وأن يتحلّوا بفقه الخلاف المبيّنة في مواضعها من كتبِ أهل العلم.

ومن زاوية أخرى، فعندما قلنا في تعريف الاستعجال إنه: تطلّب الشـيء قبل أوانه، ومعناه محاولة تحصيل الشـيء قبل أن يحلَّ وقته، وإن ذلك يتضمّنُ محاولة تحصيله قبل اكتمال أسبابه التي جعلها الله تعالى أسبابًا موصلةً له؛ فإننا نلمِحُ إلى أن كون هذه الأسباب هي بالفعل أسبابٌ موصلة إلى ذلك الشـيء المقصود يُعرَف أيضًا إما بدلالة الشـرع -بأن يدلّ الشـرعُ على أن كذا هو سببٌ لكذا- أو بدلالة الحسّ والواقع والتجربة -بأن يدل الحسّ والتجربة بأن كذا هو سببٌ لكذا-، وفي كلا طريقي الاستدلال مزلَّات وأخطاء محتملة في النظر؛ فعلى المستدلّ التيقظُ وتكميل التحرّز والاحتياط في النظر، وتكميل آلات وأسباب النجاح وأن يستعين بالله تعالى ويقومَ مقامَ العبودية حتى يوفقه الله.. والله وليّ التوفيق.

فهذا جوابٌ إجماليٌّ ينبغي أن يكون لمريد الحق والخير قاعدةً وأصلًا لا يحيدُ عنه، وسندرُجُ بعون الله إلى أمثلةٍ من الواقع نبيّن فيها نماذج من الاستعجال المذموم، ونمحّص وننقد فيها دعاوى الاستعجال في أمثلة أخرى، وعلى الله الاتكال.

ونرجع إلى الحديث الشـريف وما فيه من المعاني:

قصةُ الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم شكوا إلى رسول الله ﷺ ما كانوا يلاقونه يومئذٍ من الأذى والشدة والتعذيب من كفار قريش، وطلبوا منه ﷺ أن يدعوَ اللهَ لهم ويطلب لهم من الله تعالى النصر.

والسؤال: هل في الحديث دلالةٌ على أن تصرُّفَ الصحابة هذا مذمومٌ يُنهَى عنه؟

والجواب -والله الموفق للصواب-: أن هذا يحتاج إلى شـيء من التحرير: فالظاهر من قوله لهم (ولكنكم تستعجلون) أنه عدَّ تصرُّفهم هذا من الاستعجال، والاستعجالُ مذمومٌ.

ص 734

لكن ما هو تصرُّفهم الذي تصرّفوه رضي الله عنهم؟ هل هو مجردُ طلب الدعاء منه؟ أو أكثر من ذلك؟ الذي يظهر والله أعلم أن تصرّفهم الذي عدّه النبي ﷺ من الاستعجال ليسَ هو مجرد أنهم طلبوا الدعاء، بل يُحتَمَلُ أنهم وقعَ منهم نوعُ تضجّرٍ من الحال التي كانوا فيها، وهي حال الشدة التي يلقونها، وأنهم استعجلوا النصـر على عدوّهم استعجالًا فطرياَ طبيعيًا.

فأما كون استعجال النصـر على العدوّ شـيئا جبليًّا طبيعيًا مركبًا في الإنسان، فواضح معروفٌ لا إشكال فيه، وهو بمعنى محبة النصـر عليهم عاجلًا والميل القويّ إلى ذلك، وعليه فهو مما لا يُلامُ العبدُ عليه، وحينئذٍ فقوله ﷺ لهم (ولكنكم تستعجلون) إنما هو لبيان الواقع، هذا بخصوص هذا الوجه.

وأما احتمال أنه قد وقع منهم (أي من بعضهم) بعضُ الضجر في بعض المرات من حال الشدة والكرب التي هم فيها رضي الله عنهم وأرضاهم؛ فغير مستنكر أيضا أن يقع ذلك من خيار الناس، فنبّههم النبيّ ﷺ إلى اجتناب ذلك وعلاجه، وعلّمهم وعلّم أمته من ورائهم علمًا نافعًا وحكمةً في هذا الموضع كما هي عادته الشـريفة ودأبه ﷺ، بأبي هو وأمي، وجزاه الله عنا وعن سائر أمته خيرَ ما جزى نبيًّا عن أمته، فكان من الحكمة الإضافية في ذلك: التشـريعُ والتعليم للأمة.

يؤيّد ما قلناه خطابهم له بلفظ (ألا) وهي هنا للتحضيض، وهو حثٌّ بنوعِ إزعاج إلى المقصود، وتكاد روايات الحديث تجمع على هذا اللفظ، فهو محفوظ إن شاء الله

ضُمَّ إليه قوله (شكونا)، وقوله في بعض الروايات: «أتينا النبي ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشـركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا، فجلس مغضبًا محمرًا وجهُهُ، فقال: (إن من كان قبلكم ليُسألُ الكلمة فما يعطيها، فيوضع عليه المنشار فيشق باثنين ما يصرفه عن دينه وإن كان أحدهم ليمشط ما دون عظامه من لحم أو عصب بأمشاط الحديد وما يصرفه ذاك عن دينه)» رواه أحمد وأبو داود وغيرهم، وهذا لفظ ابن حبان في «صحيحه»٥٤٧مسند أحمد (21069، 21073) قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، سنن أبي داود (2649) وقال الألباني: صحيح، صحيح ابن حبان (2897)..

والغالب على الظن بل المتيقَّنُ أنه ﷺ لا يغضبُ ويحمرُّ وجهه من مجرد طلبهم أن يدعوَ لهم بالنصر، وإنما لشـيء أكثر من ذلك اقتضاه.

وقولهم: «ألا تستنصـر لنا»، أي تطلبُ لنا النصرة من الله على عدوِّنا، فيه إجمالٌ من جهة اشتراك لفظ النصـر بين عدة معانٍ وصور، فيحتمل مما يحتمل أنهم تصوّروا النصرة على طريقة نصـر الله تعالى أنبياءَه السابقين على عدوّهم بإهلاكهم.

ص 735

ثم قوله لهم في الجواب (قد كان الرجل فيمن قبلكم..) الخ؛ أيضا مشعِرٌ بذلك؛ فإنه أحالهم على الأسوة والقدوة، وضـربَ لهم المثل بمن قبلهم من الصالحين أتباع الأنبياء أنهم أوذوا وعُذّبوا أكثر مما تلاقون أنتم اليوم؛ فتمسّكوا بدينهم وثبتوا وصبروا، واختاروا دينهم وآخرتهم على إعطاء ما أراده الكفّـار منهم، فاصبروا أنتم مثلهم وليكن لكم فيهم أسوة، ولا شك أن الحال كان يقتضـي مزيد الصبرِ والمصابرة والتضحية من الصحابة رضي الله عنهم كما قد بيّنه علماؤنا رحمهم الله حينما تكلموا عن الحِكم الظاهرة في الأمر بالصبر والعفو والصفح ونحو ذلك، في تلك المرحلة.

وعلى هذا الوجه، فالاستعجال هو التضجّر واستبطاء النصر، مع أنه ينبغي أن يكون معلومًا أنهم الطبقة الأولى التي يقوم عليها الدين والتي يتعيّن عليها أن تصبِر على البلاء وتصابرَ وتضحّي وتبذلَ أكثر من غيرها، لما في ذلك من الحِكم العظيمة الظاهرة، ولما هيّأهم الله تعالى له من المراتب العالية الجليلة.! والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والحاصل أن الدعاء على العدوّ، وطلب ذلك من الصالحين، ليس مذمومًا ولا يُنهى عنه، وليس في الحديث ما يقتضـي أنه مذموم، وليس قوله (تستعجلون) راجعًا إليه بمجرّده، والنبيُّ ﷺ قد دعا على الكفار في مثلِ تلك الأحوال وفي غيرها كثيرًا، وهذا معروف في موضعه، والحمد لله رب العالمين، وكذلك سؤالُ الله النصـر على العدوّ ليس مذمومًا في حالٍ من الأحوال، بل هو ممدوح محمودٌ مطلقًا، والنصـر معناه الإعانة على العدوّ والظالمِ.

وهل دعا النبيُّ لهم أو لا؟ وإذا لم يدعُ لهم فما تعليل ذلك؟

ص 736

الجواب: «قال ابن بطال: إنما لم يجب النبيُ ﷺ سؤالَ خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60] وقوله ﴿فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ [الأنعام: 43] لأنه علم أنه قد سبق القدرُ بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها، كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصبروا على الشدة في ذات الله ثم كانت لهم العاقبة بالنصـر وجزيل الأجر، قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلةٍ لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبيُ ﷺ» نقله الحافظ في «الفتح» وتعقّبه بقوله: «وليس في الحديث تصريحٌ بأنه ﷺ لم يدعُ لهم، بل يحتمل أنه دعا، وإنما قال: (قد كان من قبلكم يؤخذ) إلخ، تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضـي المدة المقدرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: (ولكنكم تستعجلون٥٤٨فتح الباري لابن حجر (12 / 316، 317). اهـ.

وقول ابن بطال: «فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلةٍ لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبيُ ﷺ» هو رحمه الله اختار أن النبيَّ ﷺ لم يدعُ لهم هنا في هذه القصة، ثم علل ذلك بما ذكره من أن النبيَّ اطلعَ.. إلخ، ثم فرَّق بأن غير النبيّ لا يطلع على ذلك، فعليه أن يدعو.

فيقال: صحيحٌ أن غيرَ النبيّ ﷺ لا يطّلع على ما يطّلع عليه النبيّ، إذا كان طريق هذا الاطلاع هو الوحي، ولكن قد يحصُلُ لغيرِ النبيّ من قادة الناس من عقلائهم وعلمائهم علمٌ مما يُعمَـل به في الشـرع (اليقين أو الظن الغالب) بطريقٍ من طرق حصول العلم الكسبيّ الاجتهادي الاستدلاليّ، فيعرِفُ أن الحكمة في موضعٍ ما تقتضـي الصبرَ أكثرَ ومزيد التضحية وعدم الردّ على العدو وترك مقاومته بمثل فعله (بالحرب والقوة)، وترك استعجال النصـر الذي هو بمعنى الغلبة والظهور على العدوّ، وترك طلب ذلك من الله تأدبًا وخضوعًا، فهذا إن شاء الله لا مانع منه.. والله أعلم.

[الحلقة الخامسة مجلة طلائع خراسان، العدد الخامس عشـر، شعبان 1430]