[الجهاد «المغيب» في الشام، وحكم ترك إقامة الدين بحجة مصلحة النفس والدعوة، وفوائد في «السياسة الشرعية»]
(1) بلاد الشام الأرض المباركة.. لماذا لا زال الجهاد مغيبا فيها؟.
(2) يوجد في منطقتنا التي نعيش بها مجاهديـن كثر، ويملكون السلاح الكثير، وباستطاعتنا إقامة إمارة إسلامية مصغرة! ولكن عذر المجاهديـن أن المصلحة السـياسـية تتطلب ذلك، والناس يعيثون في هذه المنطقة الفساد لتقصـيرنا في لجمهم؛ فما هو الحكم الشـرعي في ترك إقامة الديـن بحجة حماية الأنفس والدعوة؟
[السائل: أبو دجانه الشامي]
الجواب:
الفقرة الأولى: الحمد لله، نعم بلاد الشام أرض مباركة فاضلة، ولن تزال أرض الإيمان والتوحيد، ولن يزال لها شأن ولأهلها إلى قيامة الساعة إن شاء الله.
وأما كون الجهاد مغيبا فيها اليوم؛ بمعنى أنه لا جهاد قائمًا اليوم على أعداء الله من المرتديـن خصوصًا؛ فهذا شـيء مؤقت، ومرحلة نرجو من الله تعالى أن تمرّ ويعقبها بعون الله جولات وصولات لأبطال الإسلام في هذه الأرض المباركة، والحمد لله، نستطيع القول أن الجهاد في الشام لم يـنقطع تقريبا؛ ففلسطيـن قلب الشام، والجهاد ضد اليهود لا يزال قائما فيها ولن يزال، وسوريا حديثة عهد بجهاد أبطال حماة، ولا زالت تنجب الأبطال، ولبنان لم تزل تنتج رجالا يرفعون الراية بيـن الفيـنة والأخرى ويحيون هذا الطريق ويجددون معالمه، والخير كامنٌ في هذه الأرض وفي أهلها كمون النار في الحجر، والماء في غضن الشجر، وإنما لسحائب الفرج والنصـر إبَّانٌ؛ فإذا جاء الإبّان تجي.!
فأوصـي الإخوة ألا يستعجلوا؛ فإن الاستعجال آفة مذمومة، قد نهيـنا عنها، وحذرنا الله ورسوله منها، ولكن يتثبّتون ويـنظرون في المناسب والمقدور عليه ويكونون مستعديـن لاغتنام الفرص الآتية بإذن الله تعالى وعونه.. فالجهاد قد اقترب منهم بالفعل من جهة العراق ومن جهة سائر التحولات الدولية والإقليمية..
ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الفائزيـن المفلحيـن.. آميـن.
الفقرة الثانية: يجب على المسلميـن أن يقيموا الديـن وأحكام الله تعالى في أنفسهم ومجتمعهم وما تحت ولايتهم على قدر استطاعتهم، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء بيـن الناس بشـريعة الله تعالى، والجهاد في سبيل الله، وإقامة السلطة والإمارة التي تلتزم بديـن الله وتحكم بشـريعته وتنفِّذ تلك الأحكام وتقوم عليها وتحرسها وتسوس الدنيا بالديـن.
فإن عجزوا عن البعض تركوه إلى حيـن القدرة، وفعلوا ما يمكنهم، ومما يدخل في معنى العجز: أنك تقدر على تنفيذ شـيء من الأحكام لكنك تكون تعرفُ أنه يـنشأ عن ذلك مفسدة كبيرة وضـرر كبير ومنكر كبير على المسلميـن أكبر من منكر تركِ تنفيذ وتطبيق تلك الأحكام؛ ففي هذه الحالة فإنك في الحقيقة عاجز عن تطبيق الحكم، غير قادر.
فليس المقصود بالقدرة مجرد القدرة على الفعلِ وتطبيق الحكم في الحيـن واللحظة، وليحصل بعدها ما يحصل من المفاسد والمنكرات والأضـرار الكبيرة الراجحة على المنكر الذي كانَ..! لا..! ليس هذا هو معنى القدرة.
بل معنى القدرة أنك تطبّق الحكم وتنفّذه وتمضـيه كما أمر الله بكل معناه، فتحصّل المقصود منه، من الصلاح الديـني الأخروي ثم الدنيويّ، دون ضـرر وفساد أكبر راجح؛ ومقياس هذه المصالح والمفاسد يُرجع فيها إلى الفقه والشـريعة، ويـنظر فيها الفقهاء الموثوقون، ويتشاور معهم في تقدير المشتبِه منها الأمناءُ من أهل الحل والعقد في كل ناحية؛ فإذا أخذ الإخوة بأسباب العلم النافع وسؤال أهل العلم وأهل الرأي والشورى وحسن المدارسة، مع التقوى والصدق والإخلاص والتجرّد، فوالله لن يروا إلا الخير والفلاح، إن شاء الله.
قال الله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨﴾ [الفتح]، وقال ﷻ: ﴿إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا﴾ [الأنفال: 29]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢﴾ [الطلاق: 2]، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤﴾ [الطلاق].
والسـياسة عندنا نحن المسلميـن لا تنفصل عن الديـن، بل هي من الديـن ومنضبطة بالديـن وخاضعة لأحكامه وحدوده، وهي السـياسة الشـرعية التي مبناها على عدم مخالفة الشـريعة، بمعنى فعل الأصلح في حدود ما أذن الله تعالى، فشـرطها إذن ألا تخرج عن حدود الله فلا تخالف حكم الله تعالى؛ فإن خالفت حكم الله ﷻ المتقرر المعروف، كانت سـياسة شـيطانية فاسدة خارجة عن الديـن، وهي سـياسة الكفرة والملحديـن، لا سـياسة المسلميـن.
فالحاصل أن الإخوة عليهم أن يـنظروا في المناسب بحسب هذه الضوابط، ويتعاونوا ويتياسـروا ولا يتعاسـروا، ويتطاوعوا ولا يختلفوا، وليعلموا أن يدَ الله مع الجماعة، وأن الله تعالى أمر المسلميـن المؤمنيـن بالوحدة والائتلاف ونهاهم عن الفرقة والاختلاف، وأن الخلافَ شـر.. فلا يخالف المسلم جماعة إخوانه المسلميـن المتآلفيـن المجتمعيـن على طاعة الله ورسوله وعلى الخير، إلا إذا رأى خلافًا لأمر الله تعالى في شـيء مستيقَنٍ معلومٍ، لا أمرٍ اجتهاديّ محتمَل موكول فيه التصـرفُ إلى أهله.
وليكن الخلاف -حيـن يكون لا بد منه في الأمر المستحق والمستيقَن كما قلنا- خلافًا ملتزمًا بحدود الله تعالى وبما أمرنا ﷻ من الأدب والعدل والقيام بالقسط، لا فجور فيه ولا خيانة ولا بذاءة وسوء خلق، فمن كان وفاقه لأجل الله، وخلافه لأجل الله، وعلى بصـيرةٍ ونورٍ من الله، فهو المفلح الفائز وليسبتشـر بنصـر الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾ [محمد]؛ والله أعلم..
ونسأل الله لنا ولجميع إخواننا الهدى والسداد والتوفيق والرشاد، والحمد لله رب العالميـن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصبحه والتابعيـن.