تقديم فضيلة الشيخ المجاهد الشهيد العالِم: أبي الحسن رشيد البليدي
اَلْحَمْدُ ﷲ، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبه وَسَلَّمَ؛ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاﷲ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ؛ أَمَّا بَعْدُ:
سألني أحد الأفاضل أن أكتب كلمات يقدم بها لنشر مؤلفات الشيخ: «أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عطية الله الليبي رحمه الله»..
فقلتُ في النفس: يعِزُّ على هذا القلم أن يقف موقفَ السيف من يد الجبان، وأن يقعد من ورائه كلالُ الذهن، وجمود القريحة، وفتور الأعصاب؛ حائلات بينه وبين القيام بالواجب.
فاستجمعت همي لأكتب فقرات؛ بذلًا لجهد المقل على حياء؛ لأنني مهما كتبت لن أوفي الرجل حقه.. لكنها على كل حال تحمل بعض الروح من كبد تتلظى شجنًا..
وعسى بذل بعض الواجب أن يصرف عنا لائمة العجز عن التمام والكمال..
في الأموال كرائم، وفي الجواهر فرائد، وفي النجوم دراري، وفي المؤمنين رجال نجوم.. وفرقٌ بين نجم يهدي الحائرين.. ونجم تدوسه أقدام السائرين.. رجال كانوا يوم الرأي صدور محافل، ويوم الروع قادة جحافل، وفي التاريخ محققين لنقطة الاقتراب، بين الحرب والمحراب.. يقذفون بكلمة الحق مجلجلة على الباطل، فإذا الحق ظاهر، وإذا الباطل نافر، ويقذفون بعزائمهم في مزدحم الإيمان والكفر، فإذا الإيمان منصور، وإذا الكفر مكسور..
إن الحديث عن الرجال في زمن العقم والانبطاح يبعث في النفس الكَلِيلَةِ الشجى والشجون.. لكن عزائي أن ذكراهم تسلي الغريب..
يذكر الناس أمجادهم ومفاخرهم وفيهم نخوة أماتها الضَّيم، وفحولة قضى عليها التأَنُّثُ، وذكرى أتت عليها الغفلة والنسيان، وعزيمة أطفأتها طباع الضعف والفسولة، وشواعر خدرتها تهدئة الدخيل وزمزمة الحاوي وهينمة الواغل..
ولا تفتأ الأمُّة مستعرضة ماضيها.. ولا تزال في غمرة من المنبهات المنعشة وفية متعطشّة للعزّ والسيادة، مستشـرفة إلى الطموح، لا يقل تقديرها للرجال أمثال «عطية الله» رحمه الله.. وفي ذكراهم مبعث أمل..
يقول أعداؤنا وخصومنا عنا: أننا حين نعتزُّ بأسلافنا نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي، ونتَّكل على الموتى، استهزاء بنا؛ يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماضٍ، حتى إذا استيقظنا لم نجد ماضيًا نبني عليه حاضرنا.
وسلوهم: هل نسـي قوم ماضيهم؟.. كل الناس يعتزُّون بآبائهم وأجدادهم، ويخلدون عظماءهم في الفكر والأدب والفلسفة والحرب والفن؛ إنهم لا ينسون الجندي ذا الأثر فضلًا عن القائد الفاتح، وهذه تماثيلهم تشهد، ومتاحفهم تردّد الشهادة.
ومن حقِّنا، بل من واجبنا؛ أن نعرف ماضينا والرجال الذين عمروه في ميادين الحياة..
إن غفلتنا عن إحياء ذكريات رجالنا ووصل ما انقطع منّا بهم، بإحياء أمجادهم هي التي أزهقت في أمتنا الإسلامية روح التأسّي فأفقرتها من الرجال، وجعلت تاريخها الحديث خلوًا من المثل العليا.. فما لنا من فائت نتمنى ارتجاعه أعظم من بعث أخلاقهم وأعمالهم..
ولعمري إن تلك القوى لم تمت، وإنما هي كامنة، وإن تلك الشعل لم تنطفئ؛ فهي في كنف الإسلام آمنة، وما دامت نفحاته تلامس العقول الصافية، وتلابس النفوس الزكية، فلا بدّ من يوم يتحرّك فيه العلماء فيأتون بالأعاجيب.. وما زلنا نلمح وراء كل داجية في تاريخ الإسلام نجمًا يشرق، ونسمع بعد كل خفتة فيه صوتًا يخرق، من عالم يعيش شاهدًا، ويموت شهيدًا، ويترك بعده ما تتركه الشمس من شفق يهدي السائرين المدلجين إلى حين..
الرجال أعمال.. وأقوال الرجال مقرونة بالصدق والإنجاز.. وحين نذكر «عطية الله» رحمه الله.. إنما نذكره ونكبره لعلمه، ونكبره من نواحي هذا العلم بآثاره في العلم وبأعماله للعلم.. ولعل لاسمه معنى في أثره «عطية الله»..
الرجل بموجب قيمته وأثره لم يخلق لنفسه، وقد نشأ بين السيف والقلم.. وإنما هو للأمّة الإسلامية كلها.. وإن حقُّ لليبيا أن تفخر به، وبأبي يحيى وبأبي الليث -رحم الله الجميع- فذاك حق الأمة المسلمة جمعاء.. فمن رحم الإسلام ولد هؤلاء وغيرهم من رجالات الإسلام.. والمسلم المنصف يزن الرجال بأعمالهم الجليلة، ومواقفهم الشريفة..
والصيت الطائر في المجامع، والاسم الدائر على الألسنة، والشهرة السائرة في الآفاق، لا تغني شيئا ما لم يكن من ورائها أعمال نافعة تشهد، وآثار صالحة تُعهد، وثمرات طيّبة تُجنى.. وإذا كانت الشهرة قد تكذب، فإن الأعمال لا تكذب.. وإذا كان الرجال أعمالًا فإن رجولة أخينا «عطية» تقوَّم بهذه الأعمال.
عاش الرجل غريبًا وقتل غريبا.. قتل قتلة الشرف كما تمنى.. وما زالت الموارد للحتوف موارد.. وما زالت الأمة محتاجةً إلى هذا النوع السامي من الهمم والعزائم، وإلى هذا الطراز العالي من الرجال، وإلى هذا النوع من أنواع الموت! وإلى هذه الدماء الزكية التي تثعب حمراء نقيّة كعقيدة الحق، تجري فتكتسحُ ما في نفوس الأمم من خور وفسولة.
إن موت العظماء حياة لأممهم؛ فإن كانت في الغربة زادت جلالًا، فإن كانت نتيجة للظلم زادت جمالًا، فإن كانت في سبيل الله والإسلام كانت جلالًا وجمالًا.. تموت الأسود جوعًا وظمًا، ولا تطعم الأذى، ولا ترد القذى.
ذهب «عطية» وبقيت آثاره في الحياض، وأنهاره في الرياض.. وإن الناس ليعرفون عرفانًا ضرورًّيا من الفرق بين المصلحين والمفسدين؛ بين من يصدعون بكلمة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق.. وبين من يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.
حري بشباب اليوم الصاعد.. المتوثب لفجر تكتسح فيه شمس الإسلام ربوع الأرض.. الشباب الباذل للمهج أن ينهل مما كتب «عطية الله» رحمه الله وغيره ممن جمعوا بين القلم والسيف.. وشهدت أعمالهم ومواقفهم على سلامة منهجهم ووفائهم لهذا الطريق.. طريق تعانق فيه القلم والسيف.. وامتزج فيه صرير الأقلام بصليل السيوف.. والحبر بالدم ليصنع فجر عز لأمة الإسلام.. والله لا يضيع أجر المحسنين..
وسيأتي يوم توضع فيه الموازين القسط للعاملين وستتبين الأمة الأوفياء من الغادرين والنصحاء من الغاشين، وستجزي هداتها تكرمة وذكرًا في الآخرين..
وإني لأكتفي اليوم بهذه الكلمات القلائل تذكيرا بالرجل.. وفي العالم الإسلامي رجال.. ولن يموت هذا العالَم وهو يبعث من أعماقه بمثل هؤلاء الرجال.
بذلت جهد المقلّ.. وعسى أن يعاود النشاط القلم، وينحسر الركود عن القريحة، فيتوافى القلم والقريحة على تجلية العبر، من سيرة ليست كالسير.
وَصَلَّى اﷲ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَحَسْبُنَا اﷲ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
كتبه:
أَبُو الْحَسَنِ الْرَّشِيد
•••