[تقويم كتاب الشيخ أبي مصعب السوري عن «التجربة الجزائرية»، وتفصيل بعض أحداث الجزائر المريرة، والكلام على كتاب «الحرب القذرة»]

السؤال الأول: ما تقويمكم لكتاب أبي مصعب السوري -فك الله أسـره- والذي ذكر فيه أحداث الجزائر والمسـيرة الجهادية؛ هل تعتقدون أن الذي ذهب اليه الشـيخ موثق بالبيانات والأدلة الدامغة؟.

ص 323

الثاني: ما تقويمكم لكتاب «الحرب القذرة» الذي كتبه ضابط مخابرات جزائري اتهم فيه رموز الجهاد بالعمالة؟

[السائل: abotorab]

الجواب:

كتاب الشـيخ أبي مصعب السوري -فرج الله عنه- المسمّى بـ «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية»، كتاب جيد وقيم، وفيه فوائد وعلم نافع.. هذا في الجملة.

ولكن ليس معنى هذا -طبعًا- الموافقة على كل التفاصـيل، وكل ما كتبه الشـيخ.. بل هناك مواضع رأيتها لم يصب فيها، وهناك أشـياء هي محل نظر وبحث.

ولكن بالإجمال وفي العموم الكتاب طيب جدا ومفيد، وأنصح الإخوة المهتميـن بالفكر السـياسـي الجهادي والإخوة القيادييـن بقراءته والاستفادة منه.. للأسف أن النسخة التي قرأتها وعلقتُ عليها حواشـي ليست قريبة مني الآن، بل بعيدة جدًا، ولست أستحضـر كثيرا مما علقت عليه.

ما ذكره عن الجزائر فأصاب في بعضه وأخطأ في بعض، وهناك أشـياء لم يحسن صـياغتها والتعبير عنها بدقة، سواء في كتابه هذا، أو في مختصـر شهادته، ونقل عن بعض طلبة العلم أشـياء هو اعتمد فيها على حفظه وذاكرته؛ فأخطأ في نقلها، وأنا عارفٌ بذلك، وهو طبعًا كتب هذه الفصول المتعلقة بالجزائر وغيرها من حفظه ولم يبق له بعد الخروج من أفغانستان أي وثائق على ما أظن، بل هو صـرح بذلك، فكان ذلك سببا رئيسـيا في بعض الأخطاء، وقد أشار هو إلى ذلك بقوله: «وقد كانت تجربة شخصـية مريرة وغنية بالفائدة، وقد سجلت ذلك كما ذكرت في كتاب فقدته مخطوطا جاهزا أثناء انسحابنا العاجل من كابل إبان الهجمة الأمريكية على أفغانستان بعد أحداث سبتمبر، وأعدت كتابة ملخصه وسأنشـره قريبا إن شاء الله» ١٢٨دعوة المقاومة (ص 759، 760)، والملخص المذكور هو كتاب: «مختصر شهادتي على الجزائر» في بضع وسبعين صفحة. اهـ، كما أشار إلى ذلك في مواضع أخرى أيضا.

ص 339

ولا بد أن تلاحظ أن ما كتبه في هذا الكتاب عن التجربة الجزائرية المعاصـرة هو نبذة مختصـرة، وذلك كثيرا ما يكون عرضة للإخلال، ويقتضـي الإيجاز بالحذف كثيرا.

وفي ما يلي بعض الملاحظات على ما كتبه في هذه النبذة:

- تلاحظ أن التواريخ فيها أخطاء، كما في تأريخ استشهاد الشـيخ «مصطفى بو يعلى»، وكما في تاريخ الانتخابات الملغيّة التي فازت بها «جبهة الإنقاذ»، وهذا لأنه يكتب من حفظه كما وضحتُ.

- قوله: «انشق جزء كبير من مجلس شورى جبهة الإنقاذ، وشكل قيادة تفاوضت وتعاونت مع الحكومة العسكرية.. ورفض آخرون على رأسهم «محمد السعيد وعبد القادر شبوطي وعبد الرزاق رجام وسعيد مخلوفي» المهادنة وبدأوا المواجهة باسم جبهة الإنقاذ.. وسـرعان ما أسفر اجتماعهم عن تشكيل ما عرف باسم «جيش الإنقاذ» الذي برز على رأسه «مدني مرزاق» أحد كوادر الجبهة..»١٢٩دعوة المقاومة (ص 763)، مختصر شهادتي على الجزائر (ص 16). اهـ.. هذا غير صحيح، بل الصحيح أنه بعد اعتقال الشـيخيـن «عليّ» و«عباس»، تولى قيادة الجبهة: «عبد القادر حشاني»، ثم سجن هو أيضا؛ فلم تكن هناك قيادة كبيرة متفق عليها، وتزامن ذلك مع شقاق ونزاعات وتخلخل في صف قيادات الجبهة كما أشار إليه، فكوَّن تيار المواجهة ما عُـرف بخلية الأزمة، هذه الخلية كانت بمنزلة القيادة المؤقتة للجبهة، وتولّى رئاستها الشـيخ «محمد السعيد» رحمه الله..

ص 355

الشـيخ «محمد السعيد» كان ممن اختار خيار المواجهة، واقتنع بضـرورة الجهاد وعدم التراجع، وكان مع كونه رئيس خلية الجبهة -يعني: في حكم رئيس الجبهة ساعتها- كان أيضا رئيس جماعته الخاصة التي عرفت في الوسط الإسلامي الجزائري باسم «جماعة الجزأرة» وهي جماعة كادرية كما هو معروف -يعبّر عنها المؤلف بجماعة الطلبة-، ولها وعليها ولنا فيها تفاصـيل، وقد أتيح لي في فرصة تالية أثناء التجربة الالتقاء ببعض قياداتهم.. المهم أن مجموعة «محمد السعيد»، مع مجموعة «سعيد مخلوفي» و«عبد القادر شبوطي»، مع مجموعة «الجماعة الإسلامية المسلحة» التي تكونت في وقت سابق لإلغاء الانتخابات بجهود أطراف متعددة مثل «قاري سعيد» و«الملياني» وغيرهم من الإخوة القادميـن من أفغانستان وبقايا أصحاب الشـيخ «بويا علي» وغيرهم.. هذه المجموعات الثلاث اتحدت في «الجماعة الإسلامية المسلحة» وانتخب أميرها الشـيخ «أبو عبد الله أحمد» رحمه الله، وذلك في شهر مايو من سنة أربع وتسعيـن، في تلك الأثناء كان المفروض أن الشـيخ «محمد السعيد» يمثل الجبهة، وهو لما وقع الاتفاق -اتفاق الوحدة- وقّعه باسم الجبهة على أساس أنه هو رئيس «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» ساعتها، رئيس خلية الأزمة التي هي قيادة الجبهة في تلك اللحظة، أقول: في تلك الأثناء رفضت مجموعة ممن يـنتمون إلى الجبهة توقيع الشـيخ «محمد السعيد» باسمهم، وأنكروا أنه يمثلهم أو يمثل الجبهة، وقالوا إنه لا يمثل إلا نفسه وجماعته «الجزأرة»، هؤلاء الرافضون كانوا في أغلبهم مجموعة رجال من الشـرق من ناشطي الجبهة سابقا وممن لهم ارتباطات اجتماعية وتاريخية معيـنة ببعض قيادات الجبهة، وكان منهم «مدني بو مزراق» المذكور، ومنهم «مصطفى كبير» أخو «رابح كبير» -أحد سـياسـيي الجبهة وأحد الأعضاء المؤسسـيـن لها، خرج إلى خارج البلاد وصار يتكلم باسم الجبهة-، والمظنون والله أعلم أن «رابح كبير» ومن على شاكلته لهم دور كبير في هذا التوجيه؛ أعني في رفض الوحدة مع الجماعة الإسلامية المسلحة؛ فما كان منهم إلا أن أعلنوا عن تشكيل: «الجيش الإسلامي للإنقاذ» واعتبروا أنفسهم بمنزلة الجناح العسكري للجبهة، خلافا للجماعة الإسلامية المسلحة التي لا تربط نفسها بالجبهة، وكانت هذه فكرة سابقة عندهم ربما، لكن الإعلان الرسمي كان هنا، فهذا ما يتعلق بهذه الفقرة، والله أعلم.

- وقوله: «.. ثم خلفه [يعني «جعفرًا الأفغاني»] مع مطلع (1993) أميرها «أبو عبد الله أحمد» ١٣٠دعوة المقاومة (ص 763)، مختصر شهادتي على الجزائر (ص 17). اهـ، هذا أيضا من الخطأ في التأريخ كما أشـرتُ، والحق أن «جعفر الأفغاني» رحمه الله كان حيّــا إلى ديسمبر -آخر الشهور- من سنة ثلاث وتسعيـن، وكنت أنا ساعتها في الجزائر، ولم ألتق به، مع حرصـي على ذلك ورغم برمجة عدة مواعيد لكن كانت في كل مرة تفشل بسبب الظروف الأمنية، والتقيت بمساعدٍ له، وكانت وفاته في الشهور الأولى من سنة أربعٍ وتسعيـن.

ص 371

- قوله: «واعتقل (القاري سعيد) في إحدى الهجمات الكبرى على قيادة القوات البحرية في الجزائر العاصمة، ثم فر مع أكثر من (700) سجيـن من سجن الجزائر العاصمة بعد عدة أشهر.. ثم بذل وسعه في توحيد الفصائل المقاتلة من جميع الفرقاء.. ثم قتل في ظروف غامضة رحمه الله أواخر(1994)»١٣١دعوة المقاومة (ص 763)، مختصر شهادتي على الجزائر (ص 17). اهـ.. هذا لا يخفى ما فيه من أخطاء لمن هو من المتابعيـن، وكل ذلك بسبب اعتماد الشـيخ أبي مصعب على الذاكرة فقط، فإن اعتقال الشـيخ «قاري سعيد» كان في أواخر سنة اثنتيـن وتسعيـن، في وقت مبكر، وخروجهم من السجن (سجن لومبيز في باتنة) كان في سنة أربع وتسعيـن، متزامنا مع الوحدة تقريبا، بعدها بقليل جدا على ما أظن، والوحدة تمت وهو في السجن رحمه الله.

هذا وإن من المناسب أن أذكر بالخير هذا الرجل الفذ القائد الموهوب والشـيخ العالم «القاري سعيد البشّــاري» رحمه الله، وقد عشتُ معه في أفغانستان مدة، والحق أني لم أرَ جزائريًا مثله لا في الداخل ولا في الخارج، من حيث الكمال والفضائل، ولذا فلا عجبَ مما بلغني أن الشـيخ «أبا عبد الله أحمد» رحمه الله الأمير الأول للوحدة كان أرسل إليه بمجرد خروجه من سجن باتنة لاستحضاره إلى الوسط ليكون قريبا منه، بل بلغني من أشخاص كانوا قريبيـن من «أبي عبد الله أحمد» أنه كان يفكّر في تسليمه القيادة.! فالله أعلم، ولا أستبعد ذلك لأن الرجليـن كانا ربّانييـن، نحسبهما كذلك والله يرحمها ويعلي في الشهداء منزلتهما.. آميـن.

- قوله فيما يأخذه على البيانات والسـياسات في عهد زيتوني: «تصعيد المواجهة مع المليشـيات المدنية المرتبطة بالحكومة واتخاذها هدفا أساسـيا»١٣٢دعوة المقاومة (ص 764)، مختصر شهادتي على الجزائر (ص 18). اهـ.. هذا مما لا يعاب عليهم، بل هو تصـرف صحيح.

- قوله: «ثم أتبع عبد الرحمن أميـن ذلك بتوجيه مقاتليه إلى المجازر الجماعية في المدنييـن في القرى المجاورة لهم بدعوى أنهم انخرطوا في المليشـيات الحكومية؛ فكفرهم واستباح قتلهم وسبي نسائهم.. على أنهم مرتديـن»١٣٣دعوة المقاومة (ص 765)، مختصر شهادتي على الجزائر (ص 18). اهـ، هذا غير دقيق، ولا يُعتمد عليه، بل المجازر جاءت بالتدريج ويحتاج إيضاحها إلى شـرح وتطويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ص 387

- كلامه عن المجازر واكتفاؤه بنسبتها إلى الحكومة بهذا الشكل غير دقيق، فإن معظم المجازر قامت بها «الجيا»؛ بدأت في أواخر عهد «زيتوني»، ثم بلغت ذروتها على يدي «عنتر زوابري»، ولها تفاصـيل يشـيب لهولها الولدان وهي من مخازي تاريخ المسلميـن المعاصـر، نسأل الله العفو العافية، وهؤلاء -الجيا- كانوا يتحركون بدافع ضلال عقدي وانحراف عن الصـراط المستقيم، لا بتحريك مخابرات؛ فإن كان لا بد من افتراض دور للاستخبارات فهذا قد يُحتمل أنه في صورة اختراقات متفرقة وتوجيهات مساعدة على الفتنة والضلال، كما هو دور مخابرات الأعداء في كل حيـن وفي كل مكان، أما الأساس فهو ضلالهم هم وفسادهم وانحرافهم العقدي الديـني الشـرعي، نسأل الله العافية.!

- نسب قتل «زيتوني» إلى «جماعة الأربعاء»، وهذا خطأ، بل الذي قتله هم «كتيبة المدية» المتمركزة في «جبال تمزقيدة».

فهذه بعض الملاحظات على ما ذكره عن التجربة الجزائرية في كتابه «دعوة المقاومة» هي كالأنموذج.

وأما كتابه: «مختصـر شهادتي على الجهاد في الجزائر»؛ فقد قرأته منذ فترة أيضا، ولم يتسنّ لي الآن مراجعته، ولكن فيه كثير من الملاحظات أيضا مثل التي مرت هنا، ومما لاحظته عليه أنه خلط بيـن المراحل ولم يحرر جيدا تطوّرها واختلافها وتدرّجها، وانبناء بعضها على بعض، وأيضا هو ركز فيه على مشاكل الخارج، وواضح أن كاتبه -حتى لو لم يكن الإنسان يعرفه- ممن تابع التجربة من خارجها لا من داخلها.

وفي الجملة والعموم.. كتابات الأخ الشـيخ أبي مصعب السوري غنية بالحكمة والتأمل والفوائد لمن رزقه الله الفهم الجيد والإنصاف وحرص على الحكمة وعلى أخذ أحسن ما عند الناس..

والله المسؤول أن يعفو عنا وعنه، ويتقبل من الجميع وأن يفك أسـره وأسـر كل المأسوريـن من المسلميـن في كل مكان.. آميـن.

ص 403

كتاب «الحرب القذرة» الذي ألفه أحد الضباط في الاستخبارات الجزائرية١٣٤هو «حبيب سويدية»، هرب إلى فرنسا من الجزائر بعد أن حُبس فيها أربع سنوات، وكتب كتابه فيها (فرنسا). بعد هروبه إلى الخارج، لا أرى له كبير قيمة بالنسبة لنا من حيث معرفة الحقيقة، ولا يمكننا الوثوق به، فهذا الضابط بالنسبة لنا ليس موثوقا.. إنما نحن نرى أن هذا الكتاب وما شابهه هو من مكر الله تعالى بالطواغيت ومن تسليط بعضهم على بعض، فهو لطف بالمسلميـن من هذا الوجه، لأن الكتاب يثبّت فكرة أن النظام وجنرالاته المتنفذيـن المهيمنيـن على الحكم والسلطة هم مجموعة من المجرميـن الفاسديـن الدموييـن وهم المسؤولون عن المجازر، وهم مَن أسّس أو اخترق الجماعات الإسلامية المسلحة واستعملها لتدمير البلاد!! ولخلق هذه الأزمات الأمنية والسـياسـية!! من أجل إيجاد البيئة المناسبة لهم للاستمرار في السلطة والتحكم في مقدرات البلاد ورقاب العباد.. الخ

هذه الفكرة هي فكرة نابعة من ثقافة النظام العلماني الوطني كما هو معروف، فهم دائمو رمي بعضهم بعضا بمثل هذه التهم.. وهي فكرة خالية من الانضباط بالإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر.. وذلك لخلوّهم من الإيمان وتشبّعهم بالتصورات الجاهلية، وفقدانهم للعزة والكرامة الذاتية، وحقارتهم في أنفسهم.

وأي واحد له ظرف مناسب ودوافع مناسبة واتصالات بسـيطة يستطيع أن يقول هذا الكلام ويكتبه..! لكن كما قلت.. فالفائدة بالنسبة لنا نحن المسلميـن والمجاهديـن في هذا الكتاب وأمثاله هو أنه يبيـن ويرسّخ ويزيد من تراكمات المعرفة عند الناس بفساد النظام وأنه هو المسؤول عن كل أو معظم الفساد والجرائم، وذروتها المجازر المفظعة، التي حصلت في الجزائر..! فهذا في حد ذاته خيرٌ لنا.. أما غير ذلك فلا أرى له كبير فائدة، نحن أعرف منه بمن كان يرتكب تلك المجازر والمذابح والفظائع..! نسأل الله الستر والعافية والسلامة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

•••