[الفرق بين «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» و«الجماعة الإسلامية المسلحة»، ومسائل في الجهاد الجزائري، وبيان حكم الهدنة مع طاغوت الجزائر، وحكم من نزل من الجبل فسلم نفسه إلى طواغيت الجزائر، والقول في وحدة الجماعات المغربية الإسلامية المقاتلة، وبيان مسألة «تكفير من لم يكفر الطاغوت»، ومسألة «أعوان الطواغيت»، وبيان حكم التتار وهل يقاس عليهم حكام زماننا الطواغيت؟]

عاشـرا: بحكم تجربتك ومعرفتك بالجزائر وأوضاعها؛ هل ترى أن هناك فارقا بيـن «الجماعة الإسلامية المسلحة» الآن وبيـن «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» في المنهج والمعتقد؟ وهل الجماعة السلفية جماعة مستقيمة على المنهج الحق أم أن الزيغ والضلال الذي في الجماعة المسلحة متلبسة به هي أيضا أو ببعضه؟

وهل يصح الحكم بالردة على كل من نزل من الجبال وسلم سلاحه وقبل بالعفو مقابل إلقاء السلاح أم هناك تفصـيل؟ وهل ترى أن فتوى الشـيخ ابن عثيميـن رحمه الله للإخوة في الجزائر بتسليم السلاح والنزول من الجبال فتوى صحيحة مبنية على معرفة صحيحة بالواقع وبالشـرع أم هي فتوى أخطأ فيها الشـيخ رحمه الله وغفر الله لنا وله؟ وهل تنصح إخواننا المجاهديـن في الجزائر بمواصلة الطريق والبقاء في الجبال لمحاربة الطاغوت وشن الغارات عليه والدفاع عن انفسهم أم يدخلوا في المصالحة والعفو والوئام الذي عرضه عليهم بوتفليقة؟.

الحادي عشـر: هل ترى دخول بعض الجماعات الجهادية في هدنة مع الطاغوت الجزائري أو غيره هي جائزة أم محرمة أم كفر وردة والعياذ بالله؟

الثاني عشـر: هل ترى أن الأفضل بقاء الجماعات الإسلامية في المغرب العربي من أمثال «الجماعة الإسلامية المقاتلة» بليبيا و«الجماعة السلفية للدعوة والقتال» بالجزائر و«الجماعة الإسلامية المقاتلة» المغربية وغيرهم.. كل منها يعمل في بلده؟ أم أن الأفضل هو توحدهم جميعا في جماعة واحدة وتحت راية وقيادة موحدة تعمل لكل المغرب العربي والإسلامي؟ أم تنضم كلها تحت القاعدة كما انضمت جماعات جهادية في العراق تحت قيادة القاعدة كجماعة «التوحيد والجهاد» التي كان يقودها الشـيخ «أبو مصعب الزرقاوي» حفظه الله وغيرها من الجماعات والتجمعات.

ص 414

السابع عشـر: بعض إخواننا المجاهديـن في ليبيا أصبح يفكر في العمل تحت قيادات جديدة وجماعات جديدة وذلك في غياب نشاط واحتواء «الجماعة الإسلامية المقاتلة» لأمثال هؤلاء للقتال تحت قيادتها؛ فماذا تنصح إخواننا في ليبيا لمن أراد العمل الجهادي المسلح ضد الطاغية الزنديق القذافي.. هل يعمل في جماعات منفردة أم يصبر حتى تتاح له فرصة الانضمام لإخوانه في «الجماعة الإسلامية المقاتلة»..

وكما تعلم وكما هو معلوم ومشهور من تكفير الكثير من علماء المسلميـن للقذافي حتى صار الحكم عليه بالكفر لا يكاد يختلف عليه العلماء وطلبة العلم؛ فما حكم من لا يكفر هذا الطاغية من العلماء وطلبة العلم والعوام ممن اتضح له حال القذافي وما عليه من الكفر والزندقة ولم يكفره؟ وهل تنطبق عليه قاعدة: «من لم يكفر الكافر فهو كافر»؟ وما حكم أعوان الطاغية القذافي هل هم كفار على التعييـن؛ أم طائفة كفر وردة تقاتل وتغنم أموالها فقط دون الحكم على أعيانهم بالكفر؟ أم هم على مراتب الشـرطة والجيش وما شابهما لهم حكم، وأعوانه من اللجان الثورية وحرسه الثوري لهم حكم آخر.. أرجو التوضـيح ما أمكن؟

[السائل: مع الحق]

الجواب:

هذه الأسئلة تتضمن فقرات كثيرة، فسنحاول الجواب عليها فقرة فقرة، وبالله التوفيق:

عاشـرا: نعم هناك فرق بيـن «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» الموجودة الآن في الجزائر، وبيـن «الجماعة الإسلامية المسلحة» التي كانت في عهد «جمال زيتوني» و«عنتر زوابري»، لا شك في هذا.. فمجرد خروجهم على تلك الجماعة والتبرؤ منها ومنابذتها، هذا مبدئيا إثبات قاطع على الفرق.. ثم ثبتت عندنا الفروق الكبيرة، وهي الفرق بيـن الصالح والطالح، وبيـن الخبيث والطيب، وبيـن التقي والفاجر، وبيـن المهتدي والضال، والحمد لله رب العالميـن.

هل تريد أن نذكر فروقا ملموسة؟

- «السلفية» لا تكفر الشعب الجزائري بل ترى جمهور الناس مسلميـن والحمد لله، إلا من ثبت كفره فيكون هو الاستثناء، أما «الجيا» فكانت قد انحرفت إلى فكر «التكفير والهجرة»، فكر الخوارج بلا شك، وكفرت جميع الشعب، واستحلت دماء كل من يدب على الأرض..

- الفرق في التعامل مع الناس واحترامهم وتأليفهم ورحمتهم والشفقة عليهم.

- الفرق في التعامل مع الجماعات الإسلامية الأخرى في العالم.

- الفرق في الخطاب واضح جدًا.

ص 410

- الفرق في فهمهم وتناولهم لأحكام التكفير والتبديع والتفسـيق وغيرها.

- الفرق في الصفات الأخلاقية مثل الغرور والأمراض الكثيرة التي أصابت «الجيا» وقتلتها.. وغير ذلك كثير.

بالجملة.. فرق كبير جدًا، وهذه «الجماعة السلفية» تتبرأ من «الجيا» ومن منهجها المنحرف ومن أفعالها وإجرامها، وتراه ضلالا مبيـنا وزيغا وانحرافا ومروقا من الديـن.

وأما أن هناك بعض الرواسب لا تزال في الحركة الجهادية غير مرضـيــة.. فهذا يمكن أن يكون.. لكن لا يكون كبيرًا مؤثرا، والإنسان لا يزال يسعى لإصلاح نفسه وتكميلها إلى أن يموت.. وهم يحتاجون إلى الاحتكاك أكثر مع إخوانهم في الحركة الجهادية العالمية، وكثرة التواصل والتشاور وتبادل الرأي والحكمة، وما داموا على هذا الخط وعرفوا أخطاء الماضـي وأقروا بها ونبذوها على الجملة، واستعدوا لطلب الفضل وصمموا على الإصلاح، فهم على خير وهم على الطريق الصحيح، والكمال لله تعالى، وأي الرجال المهذب، وهم يعانون قسوة الأمر لوحدهم منفرديـن عن النصـير والمعيـن من أمتهم، ولا سـيما أهل العلم، إلا من رحم الله، فنسأل الله أن يعيـنهم ويقويهم، والله المستعان.

«وهل يصح الحكم بالردة على كل من نزل من الجبال وسلم سلاحه وقبل بالعفو مقابل إلقاء السلاح أم هناك تفصـيل؟».. نعم هناك تفصـيل في هذه المسألة: فالأصل أن الاستسلام للعدو والاستئسار لا يجوز إلا لمن غُـلِـبَ وأدرك العجز، أما من كان قادرا على الجهاد وعدم إعطاء الدنية وقادرا -في حكم العادة- أن لا يدخل تحت حكم كافر، فلا يجوز له أن يدخل مختارًا تحت حكم الكافر ويستأسـر له ويستسلم ويهيـن نفسه.!

أدلة الشـريعة الدالة على ذلك كثيرة لا تحصـى.. فإن المسلم مأمور بجهادهم وقتالهم وقتلهم وتدميرهم وتشـريدهم، قد سلّطه الله عليهم شـرعًا، وأمره بأن يتبرّأ منهم ويـنافرهم ولا يجامعهم لا يواليهم ولا يوادهم، بل يكفر بهم، وأمره بأن يكون هو الأعلى بديـنه وإيمانه وما معه من الهدى والنور، وألا يجعل للكافريـن عليه سبيلا، ولا يهيـن نفسه ولا يرضـى بالذل، بل يكون عزيزًا كريما قويّـًا أبيّـًا..! فلا يجوز له في حال الاختيار ولمجرد طلب الراحة، ولمجرد أن يصـيبه شـيء معتادٌ مثله من المشقة والتعب والآلام أن يسلّم نفسه لعدوّه يهيـنه ويُجري عليه حكمه الجاهليّ.. هذا لا يجوز قطعًا، ولا يقول بجوازه أحدٌ يعرف ديـن الله وشـرعه.!!

ص 405

ثم إن هذا المسلم بعد أن يكون قد تمسّك بذلك الأصل المشار إليه وسعى في البراءة من عدو الله ومجاهدته كما أمر الله، أقول: بعد ذلك لو عجز وأدرك أنه مغلوب وأنه لا فائدة من القتال -بمعنى أنه لا فرصة له في الغلبة على العدوّ أو النجاة منه، وأنه مأخوذ مأخوذ- فإنه في هذه الحالة قد خفف الله ﷻ برحمته ولطفه عليه ورخّص له في الاستئسار والاستسلام، فهذه حالة عجز ومغلوبيّة تشبه الإكراه إذن، داخلة تحت قوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ﴾ [آل عمران: 28] وقوله: ﴿إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ [النحل: 106] وما في معناهما من الآيات والأحاديث..

فهذا جائز له، تخفيفا من الله ورحمة ولطفًا، ولكن حتى في هذه الحالة، الأفضلُ المختارُ هو الصبرُ والثبات حتى القتل، وعدم الاستئسار والاستسلام. فهذا أفضل لمن قدر عليه وصبر.! وهو العزيمة..

ومن الدلائل الخاصة لهذه المسألة قصة «عاصم بن ثابت» وصحبه العشـرة رحمهم الله ورضـي عنهم، كما ثبتت في الصحيحيـن وغيرهما، وبوّب البخاري رحمه الله عليه بقوله: «بابٌ هل يستأسـر الرجل؟ ومَن لم يستأسـر، ومَن صلّى ركعتيـن عند القتل»١٣٥وردت القصة عنده تحت رقم (3045)، من حديث أبي هريرة h وفيه أن رهطا حاصروا سرية عاصم بن ثابت h وطلبوا منه النزول على حكمهم وعاهدوهم أن لا يقتلوهم، فقال عاصم أمير السرية: «أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك»؛ فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما وسبعة معه، ونزل إليهم ثلاثة على عهدهم، منهم خبيب بن عدي، وابن الدثنة، ورجل.. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم.. فقال هذا الرجل: «هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة» يعني عاصما وأصحابه القتلى؛ فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه، وأخذوا صاحبيه فباعوهما في أسواق مكة، حتى قتلت قريش خبيب ابن عدي أخيرا، وقال أبياته المشهورة: ولست أبالي حين أقتل مسلما.. الخ.؛ ففي هذه القصة أن بعض الصحابة أخذ بالعزيمة ولم يـنزل على حكم الكافر ولم يستأسـر، بل قاتل حتى قتل، ومنهم من أخذ بالرخصة فاستأسـر ونزل على حكم الكفار فأسـروه ثم باعوه ثم قتلوه.. والحمد لله رب العالميـن، فهذا ملخص للمسألة.

فإذا تبيـن هذا، فإنه لا يُحكم بالردّة على من نزل من الجبل وسلّم سلاحه وقبل عفو العدوّ ونزل على برنامج «الوئام الطاغوتي»؛ بل هذا منزّل على التفصـيل المتقدم، فمن لم يكن معذورا عاجزًا مغلوبًا، بل نزل لمجرد أنه تعب وشق عليه الأمر مشقة معتادة شـرعًا، ولمجرد طلب الراحة والسلامة، فهذا مرتكب حرامًا شديدًا، وأما العاجز المغلوب المقهور إن ترخّص في ذلك فهو معذور.. هذا هو الحكم المجرد..

ص 401

أما من انضاف إلى نزوله من الجبل وتسليمه لنفسه أشـياء أخرى فنحكم عليه بحسبها حيـنئذٍ، كمن نزل ثم والى الطاغوت وصار منهم وتجنّد في صفهم، فهو منهم، كافرٌ مرتد ولا كرامة.! نسأل الله السلامة.. ومن عاونهم مختارًا طائعا بالدلالة على عورات المسلميـن وأعانهم بالمعلومات وغير ذلك، فهو كذلك كافرٌ إذا فعل ذلك طواعية دون إكراه معتبر. وهكذا..

وعلى الإخوة أن يحرصوا على التثبّت جدا في مثل هذه الأحكام على الناس، ويتحلّوا بأعلى درجات الإنصاف والقسط وتحقيق الحق، ورباطة الجأش وقوة القلب، وليحذروا من حظ النفوس ومن تلبيسات الشـيطان ومن غلبة الهوى والحميّة النفسـية، وليعلموا أن الخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في العقوبة، فهذا أصلٌ صحيح متقرر لا شك فيه، والسلامة في الديـن لا يعدلها شـيء، فلا يتسـرعوا في الحكم على آحاد هؤلاء بالردّة إلا إذا تبيـن بدليل قاطع دليلٌ على ردته كما أشـرتُ إليه، وإلا فيكفيـنا أن هؤلاء سقطوا وانتهوا، ومن كان فيه خيرٌ فإن الله تعالى سـيأتي به في يوم من الأيام، ومن كان غير ذلك فقد كفانا الله شـره.. والحمد لله رب العالميـن.

«وهل ترى أن فتوى الشـيخ ابن عثيميـن رحمه الله للإخوة في الجزائر بتسليم السلاح والنزول من الجبال فتوى صحيحة مبنية على معرفة صحيحة بالواقع وبالشـرع أم هي فتوى أخطأ فيها الشـيخ رحمه الله وغفر الله لنا وله؟».. بل نراها خطًا عظيما وزلة منكرة نسأل الله أن يسامحه..! وليست مبنية على معرفة صحيحة بالواقع، بل انبنت على انخداع بوصف بعض الناس من أولياء الطاغوت وأعداء الجهاد والمجاهديـن ممن وثق فيهم الشـيخ المفتي، وأما المعرفة بالشـرع فهو عالم فقيه بلا شك، وإنما الكلام في هذا الباب هو عنده فيه أخطاء إجمالية أصلا ليس هذا محل تبييـنها، وهي معروفة عند المجاهديـن وعلمائهم ومشايخهم وقيادتهم.. لكن المقصود أن فتواه المشار إليها للمجاهديـن بالنزول وترك الجهاد وتسليم أنفسهم للطاغوت الكافر المرتد المحارب لله ولديـنه، فتوى غير صحيحة وخاطئة بلا شك، وكانت شـرا كبيرًا، ومصـيبة من المصائب، وهي من السلبيات الكبيرة للعلماء الكبار في هذا العصـر للأسف الشديد، ومما يزيد الشقة بيـنهم وبيـن طوائف من شباب الأمة.

وقد فرح المرتدون بهذه الفتوى وأمثالها أيما فرح، وطاروا بها كل مطار، ونشـروها ووزعوها في كل مكان، وكانت طائراتهم -كما بلغني- تنشـرها فوق قمم الجبال والغابات كالفراش المبثوث، على غرار ما رأيـناهم فعلوا من قبل في مناسبات سابقة يدعون المجاهديـن للاستسلام والتوبة!! خابوا وخسـروا، وعلى غرار ما كان الأمريكان يصنعون في أفغانستان بالمنشورات المضادة لطالبان والقاعدة، وهي طريقة قديمة جديدة يستعملها العدوّ دائما.

ص 396

لكن هذه المرة كانت المنشورات هي عبارة عن فتوى شـيخ كبير من علماء المسلميـن، تدعوهم إلى ترك جهاد «مسـيلمة الكذاب» والدخول تحت حكمه!! وتسمّي هذا «المسـيلمة» حاكمًا مسلمًا!! معاذ الله، وحاشَ لله أن يكون أمثال حكام الجزائر مسلميـن، وهم العلمانيون اللائكيون اللاديـنيون، الوطنيون القوميون الموالون للصليبيين النابذون لشـريعة الله المحكِّمون للقوانيـن الوضعية، المحاربون للديـن وأهله..!! وحسبنا الله ونعم الوكيل.. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وبعد ذلك يأتي العلماء ويقولون: إن الشباب لا يطيعوننا ولا يحترموننا.!!

وأما الردّ على هذه الفتوى الخاطئة الضالة؛ فلا أظنني أحتاج إليه وأنا أخاطب جمهور أهل الجهاد وأنصاره، ويكفي أن تعلم أنها مبنيّة من هذا الشـيخ غفر الله له على أصلٍ هو أن الحكومة حكومة مسلمة شـرعية، وأصلٍ آخر هو أن هؤلاء المجاهديـن هم خوارجُ خرجوا على المسلميـن بالتكفير واستحلال الدماء، هكذا بدون تفصـيل ولا تفريق بيـن «الجيا» المنحرفة المارقة وبيـن عموم وجمهور المجاهديـن الصادقيـن الصالحيـن.. وهذان أصلان باطلان عندنا قطعا، لا يُلتَفت إلى القائل بهما، وقصارانا أن نعتذر له بما له من الصدق وإرادة الخير والنصح وبما له من البلاء الحسن في الأمة من العلم النافع والعمل الصالح، والدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير، ونكفّ عنه ونحفظ له احترامه الجمليّ، ونستغفر له أيضا، أما أن هذه الفتوى خطأ عظيم بل ضلال مبيـن، فوالله إنها لكذلك.!!

«وهل تنصح إخواننا المجاهديـن في الجزائر بمواصلة الطريق والبقاء في الجبال لمحاربة الطاغوت وشن الغارات عليه والدفاع عن أنفسهم، أم يدخلوا في المصالحة والعفو والوئام الذي عرضه عليهم بوتفليقة؟» بلا شك ننصحهم بمواصلة الجهاد والثبات عليه، الآن بحمد الله تغيّر الحال وجاءت الفتوحات من الله، فعليهم بالصبر والثبات، وإن شاء الله القادم أحسن وأفضل بإذن الله، ونرجو أن الشدة قد بدأت تزول عنهم، فلم يبق إلا أقلها، فليستعيـنوا بالله وليصبروا وليثبتوا، والله ناصـرهم ومعيـنهم.

ص 392

ولا ننصحهم بالدخول في مصالحة النظام وعفوه ووئامه المزعوم.. معاذ الله.! سبحان الله..!! كيف وقد أعزهم الله بهذا الجهاد وأكرمهم به، وأنقذهم به من الذلة والهوان ومن الدخول تحت حكم الطاغوت، أبعد هذا العز وهذه الكرامة والنعمة يكفرونها ويـنسلخون منها؟! لا والله لا ننصح مسلمًا بذلك.. اللهم إلا من تحقق العجزَ وعرف أنه مغلوب مقتول أو معذب ولم يرَ له فرصة في نصـر على عدو أو نجاةٍ منه، فاستسلم؛ فهذا لا ننصحه بذلك ابتداء، بل ننصحه بالصبر والثبات ما أمكن واختيار القتل على الهوان والذلة والتسليم للكافر والدخول تحت حكمه إن صبر وأمكنه ذلك، فهذا أفضل، لكن إذا فعل واستسلم وهذا حاله ونحن نعرف أنه صادق لكنّه غُــلِـبَ وعجزَ فإننا نعذره ونرجو له المغفرة ونواليه ونؤاخيه.

والآن بحسب ما هو معروف من حال إخواننا في «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» خصوصا في مناطق وسط وشـرق وجنوب البلاد، فإن هذا يكاد يكون غيرَ واردٍ، إلا أن يكون في حالات فردية نادرة بيـن الفيـنة والأخرى.

فيجب على المجاهديـن الصبر والثبات، ولا يجوز لهم الاستسلام والدخول تحت حكم الطاغوت بالعفو والوئام المزعوم ونحوه، ومَن فعل ذلك فهي خيانة عظيمة، ويُخشـى عليه من الكفر بسبب ما يـنجرّ عنها، لأن هذا بريدٌ سـريعٌ إلى الكفر..! نسأل الله السلامة والعافية، الثبات على الحق لنا ولإخواننا جميعا.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

«الحادي عشـر: هل ترى دخول بعض الجماعات الجهادية في هدنة مع الطاغوت الجزائري أو غيره هي جائزة أم محرمة أم كفر وردة والعياذ بالله؟» أظن الجواب قد فهم مما سبق..

وملخصه: أن الهدنة مع الطاغوت الجزائري المرتد أو غيره من أنظمة الردة ودول المرتديـن ليست كفرًا قطعًا، لا يقول هذا عالمٌ..! وإنما هل هي جائزة أو محرّمة ممنوعة، فهذا محل البحث، وهي مسألة اجتهادية، والذي أميل إليه أنها جائزة إذا احتاج المسلمون المجاهدون إليها، وأن الأنظمة المرتدة اليوم هي بمنزلة الكفار الأصلييـن في هذا الباب (في هذه المسألة)، والله أعلم.

وهذا الذي قلته قد أفتى به جماعة من العلماء الموثوقيـن، والحمد لله، وبحث المسألة وذكر الأقوال والاستدلالات له محل آخر.. فهذا بالنسبة للهدنة المجردة المعروفة في بابها في «كتاب الجهاد» من كتب الفقه.. أما ما يسمّونه بالوئام والمصالحة الوطنية والعفو الشامل والنزول من الجبل وتسليم السلاح وترك الجهاد والدخول تحت حكم الطاغوت.. الخ، فهذا له تفاصـيل أخرى قد تبيـنت مما سبق من كلامنا أيضا، والله الموفق.

«الثاني عشـر: هل ترى أن الأفضل بقاء الجماعات الإسلامية في المغرب العربي من أمثال «الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا» و«الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر» و«الجماعة الإسلامية المقاتلة المغربية» وغيرهم.. كلٌّ منها يعمل في بلده، أم أن الأفضل هو توحدهم جميعا في جماعة واحدة وتحت راية وقيادة موحدة تعمل لكل المغرب العربي والإسلامي، أم تنضم كلها تحت القاعدة كما انضمت جماعات جهادية في العراق تحت قيادة «القاعدة» كـ «جماعة التوحيد والجهاد» التي كان يقودها الشـيخ: «أبو مصعب الزرقاوي» وغيرها من الجماعات والتجمعات؟»..

ص 387

الحمد لله.. الذي أراه في هذا -والله أعلم بالصواب- أن توحّدهم في جماعة واحدة تعمل في المنطقة -المغرب العربي- فهذا غير عمليّ ولا يمكن أن يكون ناجعا الآن، بسبب الظروف الجغرافية والأمنية والسـياسـية وغيرها، فرأيي أنه لا داعي له.

وخيرٌ منه: تطوير وتوثيق التواصل والترابط والتفاهم والتشاور والتعاون والتنسـيق المستمر بيـن هذه الجماعات، وهم بحمد الله إخوة متوالون متحابّون متناصـرون متآخون، وهذا القدر هو الواجب الآن، وهذا التآخي والموالاة والتناصـر يخرجهم عن الحدّ المذموم من الفُـرقة والاختلاف، لأن تفرقهم في جماعات متعددة له سبب معتبر شـرعًا، وهو عملٌ بالمصلحة التي دل عليها الشـرع والعقل، والله أعلم وهو وليّ التوفيق.

أما الانضمام إلى «القاعدة» فالذي أراه في هذا أيضا الآتي: أنه من حيث الجملة مطلب صحيح شـرعا وسـياسة وتدبيرًا، على أن يكون على تثبّتٍ وتواثقٍ وتعارُفٍ، وبعيدًا عن الاستعجال ومجرد الاندفاع الطبيعي والعاطفيّ.

وأنا أنصح الإخوة في «القاعدة» أن يكون توسّعهم في هذا الشأن على تثبّت جدا وتواثق، ولا يستعجلوا، فإنهم كلما حققوا نجاحًا أكثر كلما كانت نفوس الإخوة في كل مكان أدعى وأقرب إلى الدخول معهم وتحت اسمهم وتنظيمهم، ويكون دخول كل مَن يدخل مبنيا على البصـيرة والثقة والمعرفة من بعضهم لبعضٍ، كل ذلك مع المحبة الموجودة والحمد لله والولاء الإيماني الذي لا شك فيه، وأيضا يكون هذا لدى جمهور شعوب الأمة في كل قطر محبوبًا مرغوبًا.

المعادلة هي: كل ما تثبت أكثر وتنجح أكثر؛ تتوسع أكثر.. نعم، قد تتوسّع أحيانًا لكي تثبت وتنجح، فهذا يكون بقدره أيضا، وكذلك بقية التنظيمات المحلية، ليكن هذا -الانضمام إلى القاعدة- هو هدفًا مستقبليا قريبا يسعون إليه، المهم أن يكون كل شـيء مدروسًا ومبنيًّا على النظر للإسلام والمسلميـن.. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه، سبحانه.

«السابع عشـر: بعض إخواننا المجاهديـن في ليبيا أصبح يفكر في العمل تحت قيادات جديدة وجماعات جديدة، وذلك في غياب نشاط واحتواء الجماعة الإسلامية المقاتلة لأمثال هؤلاء للقتال تحت قيادتها؛ فماذا تنصح إخواننا في ليبيا لمن أراد العمل الجهادي المسلح ضد الطاغية الزنديق القذافي هل يعمل في جماعات منفردة؟ أم يصبر حتى تتاح له فرصة الانضمام لإخوانه في الجماعة الإسلامية المقاتلة؟»

ص 382

«الجماعة الإسلامية المقاتلة» من خيرة الجماعات وأوثقها وأحسنها وأكملها، نسأل الله أن يبارك في أبنائها ويفرج كرب المكروبيـن منهم.

لكن الجماعة الآن في حالة تشبه الشلل على ما يبدو، بسبب فقد الكثير من قياداتها وأعضائها قتلا وأسـرا، وعلى رأسهم الشـيخان: «أبو عبد الله الصادق» والشـيخ «أبو المنذر الساعدي»، المأسوران عند العدو، وغيرهم كثير، فرّج الله عنهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومع ذلك فقد أبقى الله ﷻ منها رجالا قادريـن بإذن الله على البذل والعطاء وعمل الكثير، مثل الشـيخ أبي الليث والشـيخ أبي يحيى وغيرهم، وهم الآن مشغولون مع إخوانهم في أفغانستان، لكن لا بد أنهم ذخيرة لأمة الإسلام في ليبيا إن شاء الله تعالى، نسأل الله تعالى أن يحفظهم ويبارك فيهم.. والحاصل، لا أدري ما هي فرصة الجماعة الحقيقية لاستيعاب الشباب واحتواء المجموعات النافرة للجهاد والمستعدة الآن.

تبدو لي ضعيفة جدا في الوقت الحالي..! وعليه فلو وُجِـدت قدرات وطاقات ومواهب مناسبة لإنشاء جماعات تقاتل هذا الطاغية الزنديق وتقوم بواجب الجهاد، فما يمنعهم من العمل؟ بشـرط السعي الجيد للأخذ بالأسباب واستكمال الاستعداد ما أمكن، وعلى أن يكونوا بحيث لو أمكنهم التوحد في جماعة واحدةٍ أو أن يـنضموا إلى الجماعة المقاتلة في وقت لاحق، فعلوا.. بل أن يضعوا نصبَ أعيـنهم أن يـنضموا إلى الحركة الجهادية العالمية بقيادة القاعدة في الوقت المناسب.

فإن لم تكن الظروف والقدرات والطاقات مواتية فقد يكون من المناسب للإخوة المجاهديـن من شباب ليبيا الآن أن يشتغلوا مع إخوانهم في المنطقة، وعلى الأخص الإخوة في الجزائر والصحراء، طبعا مع استمرار الإعداد بكل معانيه، والدعوة إلى الله تعالى، وحربِ الطاغوت المرتد بكل الوسائل الممكنة إعلاميا وغيره.

وبالجملة عليهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد.. فإن الفرص آتية بإذن الله تعالى. ولكل شـيء إبان.. والحمد لله رب العالميـن.

ص 378

«وكما تعلم وكما هو معلوم ومشهور من تكفير الكثير من علماء المسلميـن للقذافي، حتى صار الحكم عليه بالكفر لا يكاد يختلف عليه العلماء وطلبة العلم.. فما حكم من لا يكفر هذا الطاغية من العلماء وطلبة العلم والعوام ممن اتضح له حال القذافي وما عليه من الكفر والزندقة ولم يكفره وهل تنطبق عليه قاعدة «من لم يكفر الكافر فهو كافر»؟ وما حكم أعوان الطاغية القذافي؛ هل هم كفار على التعييـن أم طائفة كفر وردة تقاتل وتغنم أموالها فقط دون الحكم على أعيانهم بالكفر؟ أم هم على مراتب.. الشـرطة والجيش وما شابههما لهم حكم، وأعوانه من اللجان الثورية وحرسه الثوري لهم حكم آخر؟ أرجو التوضـيح ما أمكن..»

الفقرة الأولى المتعلقة بتكفير القذافي وحكم من لم يكفره، لعلنا نترك الجواب عنها إلى محور آخر إن شاء الله.. وبالله التوفيق.

وأما حكم أعوان هذا الطاغية الزنديق وما شابهه، فأقول وبالله أستعيـن:

هؤلاء الذيـن نسمّيهم أعوان الطواغيت أو أنصار الطواغيت، نحتاج إلى النظر في حالهم، ولا بد أن يُعلَـم أن تفاصـيل فروع هذه المسألة هي اجتهادية نظرية.!

وهذه التسمية «أنصار الطواغيت» أو «أعوان الطواغيت» لا يـنبغي لطالب العلم المتفقه أن يغترّ بها عندما يكون بصدد تحرير مسائل الأحكام الشـرعية والفتوى والقضاء؛ بل عليه أن يـنظر إلى المعاني التي علّقت الشـريعة بها الأحكام، ويعطي كل معنى ما يستحقه بحسب أدلة الشـرع، ولا يـنخدع بمجرد العناويـن.

فإن التسمية قد تكون مبنية على التسامح والتوسّع، وتكون أطلقت على هذا المسمّى باعتبارٍ ما من الاعتبارات الكثيرة التي تطلق بها الأسماء على المسمّيات من المعاني والذوات.

وليُعلم أن هذه المسألة مبحوثة كثيرا في الفقه الجهادي المعاصـر من قبل الجماعات الجهادية المتعددة، ومع ذلك فإنها لم تُقتَـل بحثا، وتحتاج إلى المزيد، ويبقى بعض صورها وفروعها دائما محل بحث ومحل اجتهاد.

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أننا نطلق القول بأن أنصار الطاغوت المرتد وأعوانه كفار مرتدون مثله، وهذا الإطلاق لا إشكال فيه لما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة المتكاثرة من أن من ناصـر الكفار -ولا سـيما المرتدون، فهم أخصّ وهذا المعنى فيهم آكد- وأعانهم وتولاهم وكان في صفّهم على المسلميـن مختارًا فهو منهم، وهو كافر خارج من ملة الإسلام.

لكن عند الكلام على الأعيان فإننا لا نكفّر إلا من رأيـنا ثبوت الشـروط في حقه وانتفاء الموانع، كما هي القاعدة في هذا الباب.

الجيش وسائر قطاعات قوات الأمن لدولة الردة وللنظام المرتد هي منه وهي جيشه وقواته.

ص 373

ففي أحكام القتل والقتال لا شك عندنا في أن حكمهم حكمه بمعنى أنهم: جيشُ المرتديـن، وذلك لأنهم جيشه فعلا بلا شك، ولأننا نقاتل هذا المرتد -دولة ونظام الردة- وقد أمرنا الله بذلك وأوجبه عليـنا، وليس معنى ذلك إلا قتال جيشه وجنوده وضـرب قوته التي سوف تضـربنا إن لم نضـربها لا محالة، فنحن عليـنا بالظاهر؛ فمن وجد في صف العدوّ الكافر فإننا نقاتله ونقتله ولا نسأل عن حاله، ولأنهم ممتنعون بشوكة وقوة عن كثير من أحكام الشـرع الواجبة (يُجملها قولنا: الامتناع عن الالتزام بالشـرع والحكم به) فهم طائفة ممتنعة، وقد تقرر أن الطائفة الممتنعة تُقاتَـل ولو كانوا مسلميـن اتفاقًا.

وإنما النزاع بيـن العلماء في نوع قتالهم من أي نوعٍ هو؟ كقتال المرتديـن أو كقتال الخوارج أو غير ذلك، والأدلة على ذلك ظاهرة معروفة إن شاء الله..

والصوابُ في مسألتنا هذه اليوم أننا نقاتلهم قتال المرتديـن، لكن في مسألة التكفير فإننا نحتاط ونتردد!، وذلك لغلبة ظلمات الجهل على الناس وفساد العلوم والفهوم وانطماس أنوار علم هذه المسائل، وكثرة تلبيس الملبسـيـن من علماء الدنيا وعلماء السلطان علماء الضلالة ممن يحسن الناس فيهم الظن، ولاختلاط الأمور وكثرة التأويلات عند الناس؛ فإن هؤلاء المرتديـن ليسوا معلنيـن بالكفر بمعنى إعلان الكفر بالإسلام وتركه أو ما في قوته من الإيمان بديـن آخر علنًا وإنكار القطعيات المعلومات من الديـن بالضـرورة علنًا وصـراحةً، وإنما غالب كفرهم اليوم هو من جهة الحكم بغير ما أنزل الله وعدم التزام الشـرع، ومن جهة الأفكار العلمانية والقومية وما شابهها من المذاهب الكفرية، ومن جهة الموالاة للكفار، ونحو ذلك.. وهم في كل ذلك يدّعون أنهم يديـنون بالإسلام وأنهم يريدون الإصلاح والتوفيق، ويلبّسون على الناس بواسطة منظومات متطوّرة جدًا!! من مشـيخة السوء أخزاهم الله.

ولأنه لا بد من تحقق كون الواحد من هؤلاء -الجيش- مناصـرًا فعلا للطاغوت المرتد، مرتكبًا للموالاة الكفرية، أو أن المناصـرة للمرتد وقعت منه على وجه العَرَض واللزوم لفعله.. ولذلك نقول إن هذا يختلف وضوحه بحسب الأحوال، فمثلا: حال العافية والسلامة وهدوء الأوضاع واختلاط الناس والأمور، غير حال نشوب الحرب والقتال والتحام صفوف المسلميـن بجيوش المرتديـن.!!

ففي حال العافية قد تـُسمَع دعوى مَن يدّعي أنه غير موالٍ للكافر وغير مناصـر له، وأنه إنما دخل الجندية في دولة الردّة لسبب آخر، وقد يدّعي مع ذلك أنه مع المجاهديـن حيـن يـنادي المنادي ويصـيح النذير.!! هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يحصل من الأحوال والأقوال والأفعال ما يتضح به حال المرتديـن في حال الحرب، دون أحوال العافية.

وأما في حال الحرب وتمايز الصفوف ووضوح الرايات فإن تلك الدعاوى غير مسموعة، ولا يلتفت إليها، بل نحكم بكفر من كان مع المرتديـن في صفهم.

ص 369

تنبـــيه: ونحن نطلق عبارات مثل قولنا: إن هؤلاء الجيش هم يدُ الطاغية المرتد ودولة الردة التي يبطش بها، وذراعه التي يضـرب بها، وأنهم أنصاره وأعوانه، وأنهم جنده ورجاله، وما شابه ذلك.. وهذا حق من وجهٍ؛ على معنى أنهم هم في الواقع كذلك شعروا أو لم يشعروا، وقع منهم ذلك قصدًا أو عَرَضًا ولزومًا، وعلى إرادة التحذير من هذا الموقف والتنفير من هذا الفعل الشنيع القبيح المُوبِق والزجر البالغ عنه.

وأما الحكم بالتكفير فشأن آخر؛ فليـنتبه لهذا، فـلا بد والحال هكذا من التفصـيل، وذلك بحسب الأحوال:

- بحسب قوة وضوح كفر النظام وردته وظهور ذلك للناس، أو خفائه والتباسه عليهم، وهذه مسألة يرجع تقديرها إلى الفقيه المفتي؛ فإن رأى أن كفر هذا الحاكم وهذه الدولة بلغ من الظهور والوضوح مبلغا لا يكاد يخفى على مسلم، ساغ له الحكم بكفر مَن والاه وكان في جيشه، وهكذا، ما لم يمنع مانعٌ آخر كعلمه بدخول بعض الناس في جيش المرتديـن للنكاية فيه ومجاهدته، مثلا.. بل ساغ له الحكم بكفر مَن لم يكفّر هذا الطاغوت المرتد وشكك في كفره، أو حكم بإسلامه، وهكذا بالعكس في حال خفاء حاله والتباسه.

- بحسب حال العافية أو نشوب الحرب فعلا وتمايز الصفوف وافتراق الناس بيـن صف الطاغوت وجيشه وجنده وبيـن صف المؤمنيـن المجاهديـن.. ففي حال العافية فإن الناس يترخّصون في التجنّد في جيش الدولة المرتدة بتأويل أن الواحد منهم جندي لبلاده (بلاد الإسلام) لا للنظام، ودعواهم أنهم ملتزمون في أنفسهم بالشـرع، وملتزمون بأنه لا طاعة لمخلوق في معصـية الخالق، ونحو ذلك من التأويلات الموجودة فعلا في الناس، وهذا معروف، بالإضافة إلى تعللهم بالإكراه (وإن لم نسلّم بأنه إكراه ملجئ حقا في أكثر الحالات) وأنهم مجبورون بحيث إن لم يتجندوا في الجيش (كالتجنيد الإجباري مثلا) وقع عليهم أذى وتضـييق وضـرر من سجن وحرمان ونحوه.!! وأما في حال الحرب وتمايز الصفوف فإن أكثر أو كل هذا التأويلات لا يبقى لها مساغ، ويصبح المجادل بها في حكم المكابر المعاند، والفقيه المفتي في هذه المسألة لا بد أن يفرّق بيـن الحاليـن.. والله ﷻ أعلم وأحكم.

وهذا الذي يظهر لي، واستفدناه من مذاكرة مشايخنا، ورأيـنا الأدلة تدل عليه وتجتمع فيه.

وعندي وبحسب تجربتي في ساحة العمل الإسلامي والجهادي أن أهم شـيء يـنبغي التنبيه عليه وتوضـيحه هو: أن الناس يمكن أن يختلفوا في هذه الأحكام..

ص 364

لكن أن يزعم أحدٌ أن قوله (لا سـيما قول من يكفّر الجميع بلا استثناء) أنه هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وأنه أمرٌ مقطوع به معلوم من الديـن بالضـرورة، وأنه موجب التوحيد الذي هو ضد الشـرك والكفر، وأن مخالفه لم يحقق التوحيد ولم يفهمه، ونحو ذلك.!!

أقول: إن هذا هو الجهل والضلال حقًا، وهو الشـيء غير المقبول ممن صدر منه؛ فإن هذه المسائل هي بلا شك مسائل اجتهادية مبناها على النظر والاستدلال، فهي من العلم المكتسب بالنظر والاستدلال، وليست كل صورها وفروعها مما هو معلوم من الديـن بالضـرورة الحكمُ فيها.

ولذلك نبّهنا من قبل -وسنزيده توضـيحا في محله من هذه الأجوبة إن شاء الله- على الخطأ الكبير الذي وقع فيه صاحب «الجامع في طلب العلم الشـريف» وهو الشـيخ «عبد القادر بن عبد العزيز» -فرج الله عنه- حيـن جعل تكفير مَن أسماهم بــ «أنصار الطواغيت المرتديـن» اليوم حكما مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، يكفُــرُ مخالفه، كحكم أتباع مسـيلمة الكذاب الذيـن أجمع الصحابة على تكفيرهم١٣٦ينظر: الجامع في طلب العلم الشريف (ص 597)...! فإن هذا خطأ فاحش وزلة كبيرة لا بد من استمرار التنبيه عليها والتحذير منها. فإنه لم يتفطّن للفرق بيـن المسألتيـن. والله الموفق.

وأرجع إلى مسألة الزنديق القذافي: فوالله يا أخي الكريم؛ تكفيرُ الجميع من الجيش والشـرطة وغيرهم محتمل، ومَن حُكِم عليه بالكفر منهم فلا يلومنَّ إلا نفسه.

ولكن مع ذلك فالأقوى عندي والذي يظهر وبحسب معرفتنا بواقع الحال؛ فإني أرى كفر أفراد «اللجان الثورية»، فكل مَن انضم إليها وانخرط فيها فهو كافر مرتدٌ، وكذلك قوات «الأمن الخاصة» و«الاستخبارات»؛ فهؤلاء شـرائح عقائدية خاصة مصطفاة للنظام مقرّبة منه، محتوية على الكفر احتواء واضحا جليًا، ولا نتصور فيها أي خفاء ولا تأويل ولا أي عذر لمن كان منهم..!

وأما أفراد الجيش العادييـن فلحدّ الآن لا أحكم على كل من انضم إلى الجيش بالكفر، حتى نعرف حاله، ومعنى هذا أنه باقٍ على أصل الإسلام ما لم يتبيـن لنا -بعد أن نعرف حاله- وقوع الكفر عليه؛ وكذا أفراد الشـرطة..

هذا الكلام عليهم من هذا الوجه، أي من جهة كونهم أعوانا للطاغوت وجندًا لدولة الردة، منخرطيـن في جيشها وشـرطتها.. أما إذا وجِــد موجِــب آخر للحكم بالكفر فبحسبه.

وكلهم كما قلنا جيش المرتديـن وقواته، حكمهم حكمه في القتل والقتال وجميع أحكام القتال، من غنم أموالهم والتذفيف على جريحهم واتباع مدبرهم وقتل المقدور عليه منهم (ما لم يُعلم أنه مكره أو نحوه ببيـنةٍ لا بمجرد دعواه) بلا تردد.. والله أعلم وأحكم.

ص 359

ونحن نعلم من واقع حال هذه الجيوش وقوات الشـرطة ونحوها في دول الردة العربية والأعجمية أنها خليط من الفاسديـن والفجرة والماجنيـن الزعار عبدة الدنيا، وكل منحطٍ منسلخ عن الديـن والأخلاق، والزنادقة الكفرة الكافريـن بالله تعالى وديـنه واليوم الآخر، والملحديـن المتحلليـن من الديـن والشـرائع، والسابّيـن لله والرسول والديـن، مع كثير أيضا من العوامّ الذيـن فيهم محافظة على الديـن والصلاة، وممن فيهم نوعُ تديـن وخير، مع بعض الملتزميـن بالديـن ممن دخلوا لأوجه مختلفة، إما لجهلهم وإما لتلبيس علماء السوء عليهم وإما لغير ذلك.

وهذا الخليط تختلف نِـسب طوائفه من بلد إلى بلد.. والواجب إعطاء كل أحدٍ ما يستحقه من الحكم على عمله وحاله.

تكمــــــــــيل: وهذا الذي قلته في الكلام على أفراد جيوش هذه الدول المرتدة، هو تمامًا نظير قول شـيخ الإسلام ابن تيمية في التتار وجنودهم، كما يُـتحصل من مجموع كلامه.

فإن كلامه كان صـريحا في تكفير الحاكم وهو جنكيز خان، بل صـرح بكفره في مواضع كقوله: «بَلْ غَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِيـن مِنْهُمْ مَنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِمْ وَوُزَرَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ كَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمُشـركِيـن مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا قَالَ أَكْبَرُ مُقَدّمِيهِمْ الَّذِيـن قَدِمُوا إلَى الشَّامِ وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسُلَ الْمُسْلِمِيـن وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، فَقَالَ: هَذَانِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ وجنكسخان. فَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ أَكْبَرُ مُقَدّمِيهِمْ إلَى الْمُسْلِمِيـن أَنْ يُسَوِّيَ بَيـن رَسُولِ اللَّهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَسـيدِ وَلَدِ آدَمَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِيـن وَبَيـن مَلِكٍ كَافِرٍ مُشـركٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمُشـركِيـن كُفْرًا وَفَسَادًا وَعُدْوَانًا مِنْ جِنْسِ بُخْتِ نَصـر وَأَمْثَالِهِ» ١٣٧مجموع الفتاوى (28 / 521). اهـ

وكلامه كالصـريح الـواضح فيما نعبّر عنه نحن اليوم بــ تكفير النظام، ومعناه اعتبار الدولة دولة كفر وردة لا دولة إسلام، لاحتوائها -باعتبارها نظام حكم ودولة- على الكفر الصـريح كعدم التزام الشـرع، وتحكيم القوانيـن الطاغوتية الوضعية، وإقرارها للكفر والزندقة في ولايتها وفي رعاياها، في العلم والتصنيف والإعلام والدعوة وغير ذلك، وإعلائها لشأنهما (أعني الكفر والزندقة) وتقديمها لأهلهما، وولائها للكفار وغير ذلك، وقد ذكر الشـيخ في هذا الصدد مجموعة من أسباب كفر هذه الدولة -دولة التتار-، وهي النواقض التي تلبّست بها، وكلامه في هذا طويل، فأكتفي بالإشارة إليه وليراجع في محله.

ص 355

حتى إنه قال في موضعٍ: «وبالجملة فمذهبهم وديـن الإسلام لا يجتمعان»١٣٨مجموع الفتاوى (28 / 506) قال: «فإن هذا السلم الذي هم عليه، ودين الإسلام.. لا يجتمعان». اهـ، وأظنه صـرح في موضع بأن دولة التتار دولة كافرة١٣٩مجموع الفتاوى (28 / 506، 519، 522 - 546).، فليحرر..!

بيان ذلك أن نقول: لو قدّر أنه رحمه الله سئل: هل هذه الدولة المغولية التترية التي ملوكها جنكيزخان ونسله إلى هولاكو، هل هي دولة إسلام أو دولة كافرة؟ فإنني أرجح من خلال ما يعطيه كلامه أن جوابه سـيكون أنها دولة كافرة، والله أعلم. لكنه لم يركز على ذلك أو لم يشتغل به، ربما لاشتباه الأمر واحتماله ولإمكان ألا يستوعبه الناسُ أو لغير ذلك من الأسباب، أو لأنه مع ذلك لا كبير فائدة فيه ولا يـنبني عليه كبير عمل، وركز على المهم والبيـن الذي لا يكاد يخالفُ فيه عالم أميـن من علماء المسلميـن، وهو كونهم ممتنعيـن عن الشـرائع مستحقيـن للقتال حتى يكون الديـن كله لله، وأن قتالهم واجبٌ على المسلميـن، وأن قتالهم من نوع قتال المرتديـن عن شـرائع الإسلام.

ومع ذلك فإنه لم يصـرح في أي موضع من كلامه المطول على التتار بتكفير جميع أعيانهم جملةً، أو تكفير كل من انتسب إليهم ودخل في دولتهم، وقوله: «وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم»١٤٠مجموع الفتاوى (28 / 530). اهـ، وهي أصـرح عبارة يجدها الباحث في كلامه، فـمعناها: في أحكام القتل والقتال، أما في الحكم عليهم بالكفر فلم يصـرح بذلك بل ذكر عبارة تفيد التفصـيل فقال: «وفيهم من الردة عن شـرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شـرائع الإسلام» ١٤١مجموع الفتاوى (28 / 530). اهـ، ثم فصّل في المواضع الأخرى.

ص 350

وقد صـرح بأن عسكرهم (جيشهم) خليط من الكفرة والزنادقة والملاحدة والمارقيـن من أهل البدع الكفرية الغالية والفسّاق الفجار، وقلّ أو انعدم أن يوجد فيهم صالح؛ فقال مثلا: «وَقَدْ شَاهَدْنَا عَسْكَرَ الْقَوْمِ فَرَأَيـنا جُمْهُورَهُمْ لَا يُصَلُّونَ، وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا وَلَا إمَامًا، وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِيـن وَذَرَارِيِّهِمْ وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ شـر الْخَلْقِ؛ إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لَا يَعْتَقِدُ دِيـن الْإسلام فِي الْبَاطِنِ، وَإِمَّا مَنْ هُوَ مِنْ شـر أَهْلِ الْبِدَعِ كَالرَّافِضَةِ والجهمية والاتحادية وَنَحْوِهِمْ، وَإمَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَفْسَقِهِمْ»١٤٢مجموع الفتاوى (28 / 520). اهـ.

وقال: «فَهُمْ يَدَّعُونَ دِيـن الْإسلام، وَيُعَظِّمُونَ دِيـن أُولَئِكَ الْكُفَّارِ عَلَى دِيـن الْمُسْلِمِيـن، وَيُطِيعُونَهُمْ وَيُوَالُونَهُمْ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِيـن، وَالْحُكْمُ فِيمَا شَجَرَ بَيـن أَكَابِرِهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَكَابِرُ مِنْ وُزَرَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ يَجْعَلُونَ دِيـن الْإسلام كَدِيـن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وأنَّ هَذِهِ كُلَّهَا طُرُقٌ إلَى اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبِعَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِيـن، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ دِيـن الْيَهُودِ أَوْ دِيـن النَّصَارَى وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ دِيـن الْمُسْلِمِيـن، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاشٍ غَالِبٌ فِيهِمْ حَتَّى فِي فُقَهَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ؛ لَا سـيمَا الجهمية مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ؛ فَإِنَّهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الْفَلْسَفَةُ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ النَّصَارَى أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ أَيْضًا، بَلْ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ غَالِبَ خَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ وَالْعُبَّادِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لـَمَـا أَبْعَدَ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ وَسَمِعْتُ مَا لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِيـن الْمُسْلِمِيـنَ وَبِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِيـن أَنَّ مَنْ سَوَّغَ اتِّبَاعَ غَيْرِ دِيـن الْإِسْلَامِ أَوْ اتِّبَاعَ شـريعَةٍ غَيْرِ شـريعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ» ١٤٣مجموع الفتاوى (28 / 523، 524). اهـ.

ص 346

ولما سئل عن حكم المكره فيهم، أجاب بالجواب المشهور١٤٤ينظر: مجموع الفتاوى (28 / 534، 544).، ومقتضاه التسليم بوجود المكرهيـن فيهم، وأما التأويل فإنه نص على أن هؤلاء التتار (يعني الدولة والحكام) لا تأويل لهم لا سائغًا ولا غير سائغ، وقال: إن بعض المرتديـن الممتنعيـن عن أداء الزكاة الذيـن قاتلهم الصديق h والصحابة كان لهم شبهة ساقطة وتأويل غير سائغ وهي الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ﴾ [التوبة: 103] قالوا: وهذا خطاب للنبي ﷺ؛ فإذا مات لم نعطها لأحدٍ غيره، قال: فلم يعتبر الصحابة جميعا هذا التأويل، وقاتلوا الجميع قتال المرتديـن، قال: وهؤلاء التتار ليس عندهم حتى ما يقارب هذه الشبهة الساقطة، هذا معنى كلامه رحمه الله١٤٥ينظر: مجموع الفتاوى (28 / 542)... فهذا كلامه في التأويل بالنسبة للتتار الذيـن هم جنكيزخان ودولته وقد يُفهَـم منه إمكان وجود التأويل (المانع من التكفير) في حق مَن يدخل في جيشهم ويـنتسب إلى عسكرهم ودولتهم من عوام المسلميـن الجهلة. هذا محتملٌ..! ونذكره للاستئناس والاعتبار، وإلا فالدليل هو الكتاب والسنة وما في معناهما.. وكذلك فإن الشـيخ رحمه الله ذكر في مواضع مِن بيـن ما ذكر من أصناف عسكرهم: الفقهاء والعبادة والفقراء (المتصوّفة) وغيرهم وغيرهم.

وتلاحظ في كل كلامه عدم تكفير هذه الأصناف لمجرد انتسابهم لعسكر التتار، ولكن يجعل ذلك على التفصـيل الذي ذكره في محله، والله أعلم، ومع ذلك فإنه يذكرهم بلفظ «المسلميـن»؛ كقوله: «وَكَذَلِكَ وَزِيرُهُمْ السَّفِيهُ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشـيدِ؛ يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ [يعني الأصناف الأربعة التي ذكر أنهم يقسمون الناس عليها] وَيُقَدِّمُ شـرارَ الْمُسْلِمِيـن؛ كَالرَّافِضَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِيـن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِيـن مِنْ الْيَهُودِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالرَّافِضَةِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شـريعَةِ الْإسلام بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِيـن»١٤٦مجموع الفتاوى (28 / 525، 526). اهـ.

وكقوله: «فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِيـن، وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الْإسلام، وَلَا يَضَعُونَ الْجِزْيَةَ وَالصَّغَارَ، بَلْ غَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِيـن مِنْهُمْ مَنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِمْ وَوُزَرَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ كَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمُشـركِيـن مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» ١٤٧مجموع الفتاوى (28 / 520، 521). اهـ.

فهذا تجده في كلام الشـيخ رحمه الله كثيرا، ولا بد أن يفهم مراده بلفظ «مسلم» و«مسلميـن» في كل موضع على حسب ما يعطيه السـياق، لأنه يحتمل أحيانا أنه عبّر به باعتبار ما كانَ، أو باعتبار دعواهم، كما يحتمل أحيانا أنه جارٍ على الظاهر من اعتبارهم مسلميـن حتى يتبيـن كفرُ الواحد منهم.. والله أعلم.

وقال في موضع آخر: «فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشـركيـن، وعلى قوم منتسبيـن إلى الإسلام -وهم جمهور العسكر- يـنطقون بالشهادتيـن إذا طلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يصلي إلا قليل جدًا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره، وللصالحيـن من المسلميـن عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه..»١٤٨مجموع الفتاوى (28 / 504، 505). اهـ.

ص 341

وقال في موضع آخر: «وأيضًا لا يقاتل معهم غيرَ مكره إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق، كالملاحدة القرامطة الباطنية، وكالرافضة السبابة، وكالجهمية المعطلة من النفاة الحلولية..»١٤٩مجموع الفتاوى (28 / 552). اهــ

وقد ذكر عنه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية أنه كان يطوف على عسكر المسلميـن ويشجّعهم ويزيل عنهم الشبهة في قتال هؤلاء بقوله: «لو رأيتموني في صفهم وعلى رأسـي المصحف فاقتلوني»١٥٠البداية والنهاية (18 / 24) بمعناه. اهـ.

وهذا كالصـريح في عدم التكفير بمجرد الكون في صفهم، وحرصه رحمه الله على الابتعاد عن الحكم بالكفر إلا حيـن يتبيـن جدًا ويسطع برهانُه باهرًا، والاحتياط في ذلك، والتركيز على الحكم البيـن الواضح وهو: مشـروعية بل وجوب قتال هؤلاء وقتلهم.

ومع كل ذلك فإن المتحصل من كلامه أنه يجعل قتالهم من باب قتال الممتنعيـن عن شـرائع الإسلام (قتال الطائفة الممتنعة) وهو أشبه بقتال المرتديـن الذيـن قاتلهم الصديق والصحابة رضوان الله عليهم.

وأما اعتبار بعض الفقهاء قتال هؤلاء من جنس قتال البغاة؛ فإن الشـيخ قد سفه هذا القولَ جدًا بأصـرح وأقسـى عبارة.. فهذا ذكرته هنا للاستئناس والفائدة، والحمد لله على توفيقه.

تنبــيه: يكثر من شبابنا ويقع من بعض الشـيوخ أيضا الاستدلال على كفر كل منتمٍ إلى جيوش هذه الدولة المرتدة، بأنهم لم يكفروا بالطاغوت، والكفرُ بالطاغوت شـرط الإسلام وركنه، ومَن لم يكفر بالطاغوت فلا شك في كفره، وهذا الاستدلال غير صحيح..! وعليـنا أو نبيـن ذلك ونوضحه.. ولا يـنبغي لعالم فقيه أن يكفّر الناس بمثل أجناس هذه الأدلة العامة.

ص 337

وبيانه كالآتي: كون الكفر بالطاغوت شـرط الإسلام وركنه وأن من لم يكفر الطاغوت فهو كافر، هذا حق بلا شك، كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦﴾ [البقرة] وقال: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36]، وقال: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ﴾ [النساء: 60] وغيرها من الآيات، وقال النبي ﷺ: (من قال لا إله إلا الله [وفي لفظ: من وحَّد الله] وكفر بما يُعبَـد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله)١٥١كلاهما في: صحيح مسلم (23) كل بإسناد مختلف. وغيره من الأحاديث في معناه كثير.

ولا شك أن الكفر بالطاغوت هو معنى النفي في قولنا: «لا إله إلا الله»، فهذه الكلمة الطيبة، كلمة التوحيد والإخلاص، مكونة من شقّيـن: نفي وإثبات، نفي الألوهية عن كل ما سوى الله، وإثباتها لله تعالى وحده، بأبلغ عبارة وأوجزها وأدلّها.. فالكفر بالطاغوت شـرط التوحيد، والإيمان بالطاغوت مناقض للتوحيد، ولكن الكفر بالطاغوت، كما الإيمان بالله تعالى، إجماليّ وتفصـيليّ.

ثم الكفر بالطاغوت جنسٌ يدخل تحته درجاتٌ، هي الكفر والمعاصـي بدرجاتها. كما أن الإيمان بالله جنسٌ يدخل تحته درجاتٌ: أصله الذي لا يصح إلا به وذلك أركانه وشـروطه، والواجب منه الذي يأثم تاركه ويستحق العقوبة، وكماله المستحب.

فالحدّ الواجب ابتداء لاعتبار الشخص مسلمًا هو: أن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله تعالى على الإجمال، وهو المدلول عليه بالشهادتيـن.

ثم التفصـيل إنما هو بحسب العلم، وبحسب ما تدل الأدلة الشـرعية التفصـيلية عليه من كون هذا الشـيء مما يدخل في معنى الطاغوت المشترط الكفرُ به لصحة الإيمان، ولا يكون المؤمن مؤمنا إلا بالكفر به، أو غير ذلك، وهكذا.

فمن علم أن الحاكم الفلاني والدولة الفلانية مرتدون، وجب عليه الكفر بهم والبراءة منهم ومن نظامهم الكفريّ ومن الكون معهم، فإن لم يفعل كــفَـر.

ومن جهل أنهم مرتدون وظنهم مسلميـن والتبس الأمرُ عليه، واستمرّ متمسّكا بأصل إسلامهم، فكيف نكـفره بدعوى أنه لم يكفر بالطاغوت؟ لأنه يقول لنا: أثبتوا لي أن هذا طاغوتٌ حتى أكفر به.! وسبب ذلك أن تكفيرنا لهؤلاء الحكام المرتديـن هو مسألة من العلم النظري الاستدلالي، هذا هو الأغلب في تكفير حكام أهل عصـرنا.

وليست هي مسألة معلومة من الديـن بالضـرورة مما وقع عليها إجماع المسلميـن (كمن أعلن وصـرح بخروجه من الإسلام والكفر به مثلا، أو ما في قوته كصورة مسـيلمة الكذاب) حتى لا تقبل دعوى مخالفٍ جاهلٍ فيها..

فكون الرجل المسلم منخرطًا في جيش الدولة المرتدة على النحو الموجود في عصـرنا في بلداننا، هل هذا مما يدخل -مطلقا- في الإيمان بالطاغوت الذي هو مناقض للتوحيد، فنحكم بكفره بدون قيد؟

ص 332

الذي يظهر هو التفصـيل الذي ذكرناه سابقًا، وذلك لأن هؤلاء الطواغيت رِدَّتهم مسألة فتوى، وهي غير ظاهرة لكثير من الناس من عوامّ المسلميـن، لغلبة الجهل، والتلبيس، وغير ذلك من الأسباب التي تجعلنا لا نكفّرهم ابتداء حتى نعرف حالهم من أي صنف هم وعلى أي حال انخرطوا في جيش الطاغوت ومدى معرفتهم بردته.

فإذا وُجِـد حالةٌ يرى المفتي فيها أن ردة النظام المعيـن والحاكم المعيـن مما يبلغ درجة المقطوع به والمعلوم بالضـرورة كفرُ مثله ولا يمكن قبول خلافٍ فيه ألبته، كان له أن يحكم بكفر كل من كان في صفه، ومَن لم يكفّره ويتبرّأ منه، والله أعلم.. وبالله التوفيق.

•••