التجربة الجزائرية
[كلمة صوتية: مدتها مئة وثمانية وأربعون دقيقة، نشرها: بعض المجاهدين -بصورة غير رسمية-، وقام بتفريغها: «مؤسسة التحايا للإعلام»١٬٢٣٥سياسة العمل في تفريغ المادة: 1-التصرف؛ من حذف (كحذف المكرر وأغلب المداخلات مع تفريغ جواب الشيخ على المداخلين)، وإضافة (كإضافة بعض المفردات حتى يتضح مقصود الشيخ في السياق). 2-تحويل جُلِّ الكلام من عامية إلى فصحى، وإعادة صياغته مع عدم الإخلال بأصل المعنى. 3- تغيير كثير من الجمل غير الواضحة بسبب اختلاف أسلوب الإلقاء عن أسلوب الكتابة، وفيه ما فيه من عدم إكمال الجُمَل أحيانًا، والانتقال إلى كلام آخر وهذا يجعل الكلام المقروء مُبهَمًا، وجعلنا محور الكلام في سياق واحد بتقديم أو تأخر في النص، فحاولنا جعل الكلام بأسلوب الكتابة قدر الإمكان. [الناشر: مؤسسة التحايا للإعلام]، نُشـرت في: ربيع الأول 1435]
الحمد لله والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه:
طبعًا أنتم تعرفون أنَّ الحركة الجهادية في الجزائر جاءت بعد أحداث سياسية كان لها طابعها الخاص، وكان لها تأثيرها الإيجابي على الحركة الجهادية، ودخول «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بقيادة «علي بلحاج» للانتخابات، ومشاركتهم في العملية واللعبة السياسية ونجحوا في الانتخابات، وكان من المفترض أن يحكموا البلد.
«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» كانت تنظيمًا إسلاميًّا سلفيًّا إلى حد ما -أي تحمل طابعًا سلفيًّا-، ليس لها انتماءٌ واضحٌ جدًّا لمدرسة معينة أو لمجموعة معينة، ولكن يغلب عليها الطابع السلفي، مع نوعٍ من الحركية والاستفادة من تجارب جماعات أخرى كجماعة الإخوان والجماعات الجزائرية المحلية.
«الجبهة الإسلامية» تكونت بشخصيات شكلوا أنفسهم وجمعوا أنفسهم كحزب سياسي للدخول في العمل السياسي.. كانوا متناثرين، وكان علي بلحاج هو الخطيب المفوه، وأُوتي القدرة على الخطابة على طريقة الشيخ كشك في مصر، ولكن كانت له جماهيرية أشد وأكبر جدًّا، كانت آلاف مؤلفة من الناس يتعلقون به؛ كان يطوف في البلدان والمناطق والمساجد الكبيرة، وعنده أسلوب مميز؛ يتكلم بلغة أقرب إلى العامية، ويمزج بين العربية والعامية، ويستعمل العامية بكثرة في كلامه، ويميل أحيانًا إلى أسلوب فكاهي وتهكمي، وقد فتح الله عليه في الخطابة، وأظنه -إن شاء الله- رجلًا صالحًا؛ فيه بركة، وفيه صدق وإخلاص، وفيه حمية للدين، سمته صالح، وهو أيضًا من مشايخ العلم، درس العلم ومن العلماء -إن شاء الله-.
كان «عباس مدني» ومجموعة من القيادات الأخرى هم الأقرب إلى القيادات السياسية؛ لكن كانوا قيادات تاريخية لهم دور من زمان.
«علي بن عباس» رجل شيباني كبير في السن عمره سبعون سنة ويزيد تقريبًا، حضر الثورة الجزائرية، وشارك في الجهاد الجزائري، وعنده خبرة في ذلك، بالإضافة إلى أنه مثقف؛ فعلى المستوى الوطني يعتبرونه مثقفًا على مستوى عالٍ جدًا، فهو يحمل درجة بروفسور، وله أربع شهادات دكتوراه، ويجيد اللغة الإنجليزية والفرنسية وأشياء مماثلة، ولكنه كان إنسانًا عاديًّا وطنيًّا مجاهدًا من المجاهدين القدامى، وكان لديه توجه إسلامي وتاريخ إسلامي، وكان محبًا للحركة الإسلامية.
في أوائل الثمانينات وأواسط الثمانينات كان هؤلاء يجمعون أنفسهم، رغم اختلاف التوجهات إلا أن العمل الإسلامي جمعهم، وإرادة إقامة النظام الإسلامي، والدولة الإسلامية.. فكان فيهم سلفيون، وكان فيهم بعض الناس العاديين، ومثقفين إسلاميين، ومشايخ، ولم يكن عندهم انتماء معين، ولكن اجتمعوا على فكرة تكوين حزب.
وفي عام «1988م» عندما كان الشاذلي بن جديد هو الرئيس الجزائري، حدثت مظاهرات ضده، خرج فيها شباب أسموها «ثورة الخبز»، خرج الشعب الجزائري بالملايين في مظاهرات عارمة بالعاصمة حتى ظُنَّ أنهم سيزحفون ويحتلون القصر الجمهوري؛ فخرج الشاذلي على التلفاز يبكي ويناشد الناس بأن ترجع، ووعدهم أنه من تلك اللحظة شرَّع التعددية الحزبية، وأعلن عن إصلاحات وغيرها؛ فرجع الناس، وأرجعتهم قياداتهم استنادًا إلى أن الرئيس وعد بأنه سَيُفعِّل تعدد الأحزاب وسيقوم بالإصلاحات وغير ذلك، بعد ذلك وفَّى «الشاذلي بن جديد» بوعده، وشرَّعوا في البرلمان: التعددية الحزبية؛ لأن الشاذلي كان حاكمًا لحزب واحد في السابق وهو حزب جبهة تحرير الوطن (FLN)، وهو الحزب الذي توحدت فيه الأحزاب أيام الثورة، واستلم السلطة في الاستقلال بعد خروج فرنسا، فكان الحزب الحاكم ومنه كل رؤساء الجزائر، فكان هذا الحزب هو الحزب الوحيد، وقد ضجرت الناس من تصرفات هذا الحزب ودكتاتوريته، وحصل تمرد شعبي وثورة كادت تطيح بالدولة والحكومة؛ فتدخلوا في النهاية بالبكاء وبالاستجداء والمناشدات، وهكذا هدأ الشعب.. هدأتهم القيادات الشعبية وغيرهم، ثم دخلوا مرحلة التعددية؛ فلما دخلوا مرحلة التعددية كان هؤلاء (علي بلحاج، وعباس مدني) وجماعة كبيرة من الدعاة ومن المشايخ وغيرهم، كان فيهم الصالح وفيهم الطالح، ثم أتتهم المحكات وتدينوا، المهم أنهم كونوا حزبًا «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» وأسموه اسمًا دالًّا على أنه اسم ثوري، وكان عندهم ثورية بالفعل، كان منهجهم فيه كثير من الخير وكثير من الصواب والوضوح؛ فكانت مسألة الحاكمية مسألة واضحة جدًّا عندهم، وهذه الدولة كافرة مرتدة، فـ«عباس المدني» في جميع خطبه وفي كل تنظيراته يبث هذا، ويركز على تكفير الدولة، ولم يكن لديهم تردد في ذلك ولكن كانوا يرون أنه يجوز استغلال الفرصة السياسية، فيقولون: ندخل كحزب سياسي فنزاحم على السلطة، وكانوا يتشجعون بحجة أن الشعب سيؤيد دعوتهم، وكان هناك -طبعًا- صحوة ونهضة شعبية إسلامية كبيرة جدًّا؛ فكانوا يتوقعون أن الشعب سيختارهم 100%؛ سيختار الإسلام، وسيختار الحزب الإسلامي، وقيام الدولة الإسلامية.. فكان هذا تأويلهم واجتهادهم، وبالفعل دخلوا العمل السياسي، ودخلوا الانتخابات، وفي أول انتخابات بلدية فازوا بها في العاصمة في البلديات الكبرى وسيطروا على العاصمة على مستوى البلديات.. فتجد أبا اللحية مدير البلدية، ومدير الدائرة، ومدير الجوازات، أو مدير الشرطة والحماية المدنية، وهكذا فكانوا مسيطرين، وبعد الانتخابات التشريعية البرلمانية والتي يشكل الفائز فيها الحكومة، فقامت الجبهة الإسلامية بدخولها ففازوا فيها بنسبة 88% أي نسبة ساحقة، فمن المفروض أن يستلم حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ السلطة، ولكن مباشرة بعد إعلان النتائج وإعلان فوز الجبهة الإسلامية دخل الجيش.
كان الجيش متوقعًا فوز «الجبهة الإسلامية»؛ فتهيأ لذلك جيدا، وكان قد حسم أمره بالمشاورات، وكونهم تشاوروا وأعدوا لا يحتاج إلى وثائق؛ فلا بد أن يكون هذا موجودا لمن تتبع الأحداث، فكان الجيش حاسمًا أمره أنه في حال وصول «الجبهة الإسلامية» للحكم ليس عندنا غير الحل الأخير وهو النزول للشارع بالدبابات، أي الانقلاب على نتيجة الانتخابات، وبالفعل نزل الجيش وسيطر على العاصمة وعلى المدن الكبرى، ونزلوا بالدبابات إلى الشوارع، وألغوا نتائج الانتخابات، وأعلن الجيش إلغاء الانتخابات.
حينها استقال «الشاذلي بن جديد» مباشرة، واستقال «الغزالي«» الذي كان رئيسًا للوزراء، ووضعوا رئيس وزراء آخر، وحدثت تغيرات دستورية سريعة، وصدر قرار المجلس القيادي العسكري بإلغاء منصب رئيس الدولة، ووضعوا بدلا منه منصب المجلس الأعلى للدولة أو شيئًا من هذا القبيل، أي أحدثوا منصبًا جديدًا، والمعنى في الحقيقة هو الرئيس ويتولاه الجيش، فجاء «علي كافي» وهو أحد جنرالات الجيش الكبار ومعه «خالد نزار» ومجموعة من الجنرالات الذين كانوا عملاءً لفرنسا وتربية فرنسا وأبناء وربائب فرنسا، كانوا هم المسيطرين، وهم من أنزل الجيش، وإنزال الجيش معناه الاصطدام بالشعب، والشعب صوَّت للجبهة بالأغلبية الساحقة، وهذا قليل حصوله بهذا المستوى في جميع الدول الديمقراطية؛ فدخول الجيش ونزوله معناه صدام بالشعب، وهذا ما حصل بالفعل.
خرج الشعب للمظاهرات والاعتصامات وسُميت: «مرحلة الاعتصامات»، كان الشعب يخرج للساحات الكبيرة في العاصمة، كان هناك ساحة كبيرة مشهورة تاريخيًّا من أيام الثورة أو من قبلها من أيام فرنسا اسمها «ساحة الشهداء» وهي معروفة إلى الآن بساحة الشهداء، وفي «ساحة أول نوفمبر» وفي الساحات الكبيرة في العاصمة وهكذا في المدن الأخرى.
الشعب كان يخرج بمئات الآلاف، والناس يعتصمون في الخيام، شُلَّت الحركة، وحدث عصيان مدني؛ فلا حركة إلا للجيش بالدبابات والمدرعات، الجيش بدأ بضرب وإطلاق الرصاص وبدأ الاصطدام بالشعب، فقُتل كثير من الناس، قَتل الجيش المئات بل الآلاف من الناس، ثم بدأت بعدها حملات الاعتقال في كل مكان، وحصلت اعتقالات للمشايخ فاعتقل «علي بلحاج» و«عباس المدني» و«عبد القادر حشاني» وغيرهم، وكلهم قيادات، ومن تفطن منهم وكان لديه إرادة وعزيمة وذكاء حزم أمره وهرب مثل: «محمد السعيد» وبعض القيادات الذين كانوا أعضاء في الحركة الجهادية.
في الأيام التي كانت «الجبهة» تمارس فيها العمل السياسي، وأثناء دخولها للمشاركة السياسية، كان هناك إخوة من إخواننا منهم من كانوا هنا في أفغانستان ومنهم من لم يأتِ إلى أفغانستان، ولكن كانوا يقتنعون ويحملون الفكر الجهادي، ولم يكونوا في الأصل على قناعة بتيار الجبهة، أو لم يكونوا مقتنعين بدخول الجبهة للبرلمان، وبدخول الجبهة للعمل السياسي والانتخابات، كانوا يرون عدم شرعية هذه الأعمال وعدم جوازها، وكان لهم خط جهادي معين، فبدؤوا بتشكيل وتكوين أنفسهم، وبلوروا أنفسهم شيئًا فشيئًا، فنزل من هنا مجموعة من بينهم الشيخ «خالد سعيد»، ولكن كان نزول الشيخ «خالد سعيد» بعد إلغاء الانتخابات، وكانت هناك مجموعات من قبله، مجموعة من إخواننا كما قلنا لم يأتوا للجهاد في أفغانستان، وكانوا يمارسون بعض العمليات وكانت إمكاناتهم محدودة وقليلة والأسلحة عندهم قليلة، ولكن جمعوا بعض الأسلحة من الناس، ومن البيوت، وأسلحة الصيد، وبعض الرشاشات التي تحصلوا عليها، فكانوا يمارسون بعض العمليات، فيهجمون على مركز شرطة، وكان هذا قبل الفترة الانتخابية، وكذلك أثناء الحملة الانتخابية، ونفذوا مجموعة من العمليات واشتهر منها عملية «قمارة»، وعمليات صار لها اسم في التاريخ، وفي تلك المرحلة هجموا على ثكنات، ومراكز الشرطة، وكانوا يأخذون الأسلحة، وبهذا بدأت شوكة المجاهدين تقوى وجمعوا أنفسهم؛ فهؤلاء تقريبًا كانوا هم السابقين، وكان جزء منهم امتدادٌ لحركة جهادية كانت تجاهد في أيام «الهواري بومدين» الرئيس الجزائري السابق قبل الشاذلي، كانت توجد أيضًا حركة جهادية رئيسها رجل صالح -نحسبه مجاهدًا- اسمه «مصطفى بو يعلى» فهذا كان رجلًا مجاهدًا، ومعه شخص آخر داعية شيخ كبير وقديم في الجهاد، وهو ممن شارك في الثورة وحضرها اسمه «عبد القادر شبوطي»، وكان هؤلاء عندهم حركة جهادية أيام «البو يعلى»، وثم تم القبض على «البو يعلى» وقُتل بعد ذلك، و«عبد القادر شبوطي» قد هرب وكان يعيش في الجبال لفترة طويلة هاربًا من الدولة، كان من هذه الحركة بعض الناس من الهاربين والدولة تبحث عنهم، ثم هدأت الحكاية والدولة تركتهم، ولكنهم هم اختاروا العيش بعيدًا ولم يدخلوا المدن، وعاشوا في القرى والجبال وهكذا، وعندما بدأ الإخوة يجمعون بعض بقايا الحركة تواصلوا مع هؤلاء، وبدأ يحصل نوع من الإعداد لانطلاقة الجهاد.
كان هذا أيام «الجبهة» وهي لا زالت في عزِّ نشاطها وتمارس العمل السياسي والدعوي، ولم يكن في برنامجها الجهاد أو الإعداد أو أي شيء من هذا، وعندما نزل الجيش وألغى نتائج الانتخابات، وحدث الانقلاب الذي أسموه انقلاب ديسمبر 91م، حصل هذا الانقلاب على الشرعية كما يقولون، بعد اختيار الشعب لهذه النتيجة، وبدأت الاعتقالات وكثير من أنصار الجبهة وخاصة من الشباب في كل أنحاء الجزائر وخاصة في المدن الكبرى وتحديدًا في العاصمة التي هي قلب البلاد ولبّها، كثير من الشباب أنصار الجبهة رأوا أنه لا خيار إلا الانضمام إلى المجاهدين والقتال معهم، لا خيار إلا خيار الجهاد.
«الجبهة» لم يكن في برنامجها الجهاد، ولكن في نفس الوقت لم تكن بعيدة كثيرًا عن الجهاد، ولم تكن تسب المجاهدين ونحوها من هذه الأمور، كان بها البعض مع الصالحين، و«علي بلحاج» أحسنهم كوجه صالح وواجهة صالحة، وتقريبًا معظم ما في الجبهة من خير وصلاح يدور في هذا الرجل علي بلحاج، وربما لولا وجوده وتأثيره وعمله في «الجبهة» لكان لا فائدة منها، فكانت لديهم مبادئ وأفكار جيدة، منها تكفير الحكومة ومعروف لديهم أن الحكومة كافرة مرتدة ويجب جهادها، فكانت هذه الأفكار موجودة وقد هيأت الكثير من الشباب، وكثير من الشعب للانضمام للحركة الجهادية واختاروا الجهاد، بُدئ الجهاد عندما أُلغيت هذه الانتخابات، والشباب الذين كانوا يمارسون العمل الجهادي بنظام قبل ذلك، قد بدؤوا بتجنيد الشباب وانتشر الجهاد في البلاد كلها، فبدأ العمل الجهادي ينتشر بشكل مجموعات في كل المدن وكل القرى وفي كل الأرياف.
طبعًا بطبيعة الحال الجزائر تعرفون طبيعة تضاريسها وظروفها الطبيعية، فهي بلد من الجبال والجبال فيها أكثر من أفغانستان، العاصمة جزء منها وراء البحر وخلفها كله جبال، وكذلك بقية المدن، مدن في الجبال، وقرى في الجبال، جبال وسلاسل جبلية وراء سلاسل جبلية تشق البلاد من غربها إلى شرقها، جبال عالية، وفيها أيضًا ميزة أخرى فكثير من جبالها كسلاسل الأطلس التي تمتد من حدود المغرب إلى تونس وتصل قممها في باتما في وسط الجزائر، وكلها جبال وقمم وهضاب، وهناك ميزة أخرى هي أن معظم جبالها خضراء وغابات، وليست جرداء كجبال باكستان، فهناك بيئة مناسبة وممتازة جدًّا لممارسة حرب عصابات طويلة الأمد، فهذه قواعد خلفية طبيعية تسهل لك الهروب، وتاريخيًّا منذ أن عرفت الجزائر في التاريخ قبل الإسلام وبعد الإسلام وأثناء الدول الإسلامية وأثناء الدولة العثمانية ثم أثناء الغزو الاستعمار الفرنسي وغيرها كان كل من يعارض الحكومة، أو يعارض الاستعمار، يأوي مباشرة إلى الجبال، فكانت الجبال تقل الناس كلهم، وملجأ للناس كلها، ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا﴾ [النحل: ٨١].
بالنسبة لي أنا عشت في أفغانستان ورأيت جبالها، ثم بعد فترة غبنا عن الجهاد حوالي ثلاث سنوات كنا في الخارج للدراسة ونحوها، وعندما رأيت جبال الجزائر والسلاسل الجبلية ومشيت في الجبال ورأيت الغابات كان منظرًا مؤثرًا جدًّا، وقد قلتُ قصيدة في ذلك الوقت عن الجبال، وكانت قد نشرت في مجلة، طبعًا نسيتها كلها ولكن مطلعها:
أيا جبلا خلقت لكي تُـكنَّ المسلم الحرَّا |
وتجعل من شعابك للذي بالدين قد فرَّا |
ملاذًا آمنا به ينجو من فتن كبرَى |
أذكر أن هذا كان مطلعها، وهي من البحر المتقارب، وزنها إيقاعي موسيقي خفيف.
فهذا منظر كان مؤثرًا جدًّا بالنسبة لي، المهم بعدها لما حصل انقلاب على الانتخابات، بدأت الناس تؤمن بأن الخيار للجهاد ولا خيار غيره، وبدأت المجموعات الجهادية بتجنيد آلاف الناس، والناس تبحث: أين المجاهدون، فبدأت تتكون مجموعات و«كليكات» كما يسمونها بلهجتهم العامية، ونحن نقول بالليبي: «كبانية، أي مجموعة أو شلة أو عصبة»، فتكونت مجموعات ومجموعات للجهاد، وكان السلاح كثيرًا والحمد لله، وأيضًا كان في الجيش أناس هربت وتمردت، وفي الشرطة أيضًا أناس تمردت، كان هناك ملتزمون كثير في الجيش وفي الشرطة وفي كل مكان، كان في الالتزام كثير في الجزائر، كانت هناك صحوة شعبية قوية جدًّا جدًّا، وكان العامل والمحرك الأول الكبير فيها هو علي بلحاج، وهذا الرجل موهوب جدًّا، بدأ الجهاد وانتشر الجهاد، فكان هنا عملية وهناك عملية، الشرطة مضروبة، مجموعات معظمها غير منظمة في كل مكان، ولكن كانت هناك أناس منظمون هم النواة لهذا العمل، وهم الجماعة الإسلامية المسلحة، كان منهم «عبد القادر لعيادة» الذي أُطلق قبل أربع أو خمس سنوات، كان في السجن في الفترة الماضية وقد حكم عليه باثنتي عشرة سنة تقريبًا، وقد سُجن في بداية الجهاد وخرج من السجن مؤخرًا، وكان منصور الملياني، وجاء القاري سعيد، القاري سعيد شيخ جزائري وخريج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، من قدامى المجاهدين العرب الذين جاءوا لأفغانستان، من القدامى المعدودين على الأصابع، وهو من مشايخنا، نحن لما أتينا هنا أنا شخصيًّا قرأتُ عليه، رجل صالح، رجل طيب، من أهل العلم، وكان مع الشيخ أسامة أيضًا، فهو أيضًا انضم ضمن مجموعة، لكن لم يطل عمله هناك حتى قُبِض عليه وسُجن هو ومجموعته ضمن عملية أسموها «عملية الميناء» في العاصمة، حيث كانوا يريدون الاستيلاء على الميناء، وقدر الله أن فشلت العملية وسُجن قائدها في العام 1992م، وخرج من السجن أوائل العام 1994م، مكث سنتين في السجن، وكان خروجه ضمن هروب مثل هروب قندهار الذي حدث هذه السنة، حصل هروب هكذا في الجزائر سنة 1994م من سجن في مدينة باتما إحدى المدن الريفية الكبرى على هضاب الأطلسي، وهي مدينة داخلية لا تطل على البحر -أي الأطلسي عاصمة الأطلس-، هذا السجن في باتما اسمه «لومبيز» - لفظ فرنسي-، هرب منه حوالي ألف أخ، فكانت عملية هروب كبيرة ومشهورة، وكانت بتنسيق بين الداخل والخارج، كان قائدها القاري سعيد فهو قائد الترتيبات في داخل السجن، وبعد خروجه بعدة أشهر لعلها كانت حوالي أربعة أشهر قُتل رحمه الله في عملية، كان رجلًا صالحًا جيدًا موثوقًا عند كثير من وجهاء الناس، وكان من الممكن أن تجتمع عليه الحركة الجهادية، وكان الأمير وحينها أبو عبد الله أحمد أمير الجماعة الإسلامية حسب ما شهد وقاله الإخوة الذين سمعوا منه وعرفوه، حيث قال أنه كان يريد أن يسلم للشيخ سعيد الإمارة ولكنه قُتل، وفي فترة مقتله أنا دخلتُ للجزائر، دخلت الجزائر مرتين، الأولى عام 1993م، وخرجت أوائل 1994م، ثم رجعت في أواخر 1994م، وبقيت حتى 1998م، فكانت هي الفترة طويلة، ولم يقدر لي ربي أن ألتقي بالقائد سعيد طبعًا، فحينما دخلت كان هو في الشرق وأنا كنت في العاصمة، ثم أتى خبر مقتله، فالمهم أن الجهاد قد بدأ بمجموعات تنتشر في كل مكان، والشرطة تُضرب في كل مكان، والجيش يُضرب في كل مكان، ويغنم سلاح من كل مكان، وتتحرك سيارات النيسان أو البترولات التي تتبع للشرطة والدرك، ولديهم الشرطة والدرك هما القوتان التابعتان لوزارة الداخلية، ولديهم طبعًا الاستخبارات، ولديهم الجيش، ثم بدؤوا يستحدثون مؤسسات عسكرية أمنية جديدة، وفي فترة الجهاد أحدث عدد من المؤسسات.
بدأت الشرطة تضرب في كل مكان، والدرك يضرب في كل مكان، والجيش يضرب في كل مكان، والثكنات يُهجم عليها، والمعسكرات ومراكز الجيش، هذا في البداية وبطبيعة الحال مثل أي حرب عصابات، مثل كل حروب العصابات التي قرأناها في الكتب، من حرب الصين ماو تسي تونغ، إلى جيفارا وكاسترو، وكل هؤلاء الذين قرأنا عنهم وجدناها هناك، وفي البداية كان الجيش يصعد إلى الجبال بسيارتين أو ثلاث سيارات تصعد بحثًا عن الإرهابيين في الجبال، وكانت الحكومة في البداية مستأسدة، والمجاهدون لم ينضجوا بعد وما زالت أسلحتهم قليلة، فتصعد السيارات هذه إلى الجبال، ولا تدخل للجبل ولا تتعمق في الغابة، تمشي في شعاث الجبال والغابات، ويحمون أنفسهم ولا يستطيعون تتبع المجاهدين، ولكن يأتون للجبال وغالبًا الجبال لا يكون فيها طرق وتنتهي الطرق فيها لمستوى معين، وبعض السلاسل الجبلية إلى الخلف لا يوجد أصلًا طرق إلا بالأرجل -ليس فيها إلا أنت وركابك-، فكانت الدوريات في البداية بسيارتين أو بالثلاثة، وتعرفون أن الأرياف والجبال توجد بها قرى، كما ترون القرى هنا في أفغانستان على ضفاف الجبال، وذلك غير الجبال الخلفية الممتدة لغابات لا يوجد فيها سكان غالبًا، فتأتي السيارتان أو الثلاث لهذه الجبال، ثم بدأوا يضربون، تدخل السيارتان فيضربها المجاهدون، ثلاث سيارات يضربونها، فبدأ يحصل توازن - تُسمى «مرحلة التوازن» في حروب العصابات-، فصارت الدولة لا تستطيع إرسال سيارتين أو ثلاث، إذا أرادوا إرسال قوات إلى الجبل فلا بد أن يبعثوا قوات كبيرة مكونة من قافلة ضخمة وطيران هيلكوبتر يحميه، فبدؤوا يُضربون، والمجاهدون في بداية هذه الضربات الخفيفة غنموا فيها السلاح، ففي كل ضربة يأخذون سلاحًا يقوون به أنفسهم، وازداد أنصارهم.
توفر في التجربة الجهادية الجزائرية عوامل نجاحٍ -بحسب ما قرأت في التجارب، وحسب ما رأيت وتابعت- لم تتوفر في غيرها، فكان هناك نسبة تأييد من الشعب لا أتوقع أنه وُجِد في مكان آخر على المستوى الإسلامي، فمثلًا قرأنا في التجربة السورية التي كتبها أخونا الشيخ أبو مصعب السوري وتابعناها أيضا من خلال مصادر أخرى، كان هناك تأييد شعبي ولكن لم يكن لهذه الدرجة، أما الذي وُجِدَ في الجزائر تأييد أُجزم بدون شك أن 70% من الشعب كان مع الحركة الجهادية، ويمكن أن تصل النسبة إلى 80 أو 85% أو أكثر، وحيثما يتحرك المجاهدون يحصل المجاهد على الإيواء ويحصل على الطعام والشراب، والناس تحرسه أينما مشى، أي كان هناك تأييد شعبي في المدن، أما القرى والأرياف والجبال فالتأييد للمجاهدين كان 100%، فنسبة 70% على الأقل أتكلم عن أنها كانت في المدن الكبرى، والمدن الصغرى، والبلديات.
كانت نسبة التأييد الشعبي كبيرة، والذي جعل التأييد الشعبي يوجد عدة أسباب:
أولها: ما سبق الحركة الجهادية من الدعوة وحركة الدعوة والصحوة الإسلامية.
ثانيها: وهو عامل رئيسي وكبير جدًّا لا يقل عن العامل الأول في الأهمية، وهو الحجة المنطقية والأدبية والعقلية التي اقتنع بها الناس، فكان الناس يرون أن هؤلاء أناس مساكين جاءوا بطريقة سلمية، وهؤلاء أناس مؤدبون، ضربتهم الدولة على رؤوسهم وألغت الانتخابات، ما الذي تريده الدولة أكثر من هذا؟ لا يوجد غير خيار الحرب، فالناس اقتنعت بهذا وأكثر الشعب بسطاء لا يفهمون القول بأن هذا الحاكم مرتد وغير مرتد وكافر وغير كافر، وأنه يجب تغييره والخروج عليه والجهاد ومنابذتهم بسيفك وهكذا، فالناس لا تفهم ذلك إلا من يعرف الأمور الشرعية، ولكن الناس استووا جميعًا في القناعة بهذه الحجة المنطقية والأدبية بأن الجبهة حاولت بطريقة سلمية ومُنعت، فكان لذلك تأثير على طبقة المثقفين وعوام الناس والمقموعين، فلم يعد هناك من يُعارض المجاهدين؛ لأن من يُعارضهم يعارض هذه الحجة الظاهرة، وهذا ما رأيته بعيني وعشته أن المجاهدين أصبحوا عند الناس هم القوة الظاهرة والغالبة والبرهان الساطع، فلا أحد يستطيع التحدث أمامهم، فأنت عندما تتمكن من ناصية الحجة والبرهان تبدأ هذه القوة السياسية الضخمة، فأينما تمضي تجد الناس تقتنع بك لأن الحق معك، حتى من ليس معك من الناس تجده مقتنعًا بك ويقول: معه حق، هذا بالإضافة إلى التأييد الشرعي، وأيضًا كره الناس للحكومة ووصل هذا الكره إلى مستوى قبل المظاهرات مثل أيام الشاذلي، والعصيان المدني الذي حصل ثم ردَّة فعل الحكومة بالقتل ضد الاعتصامات الشعبية في الساحات حين قتلوا مئات الآلاف، ثم الاعتقالات وغيرها، فكان في كل بيت ثأر، وكل بيت لديه ثأر مع الحكومة، فهذه التراكمات أوصلت الكره للحزب الحاكم والحكومة إلى مستوى عالٍ، أضف إلى ما سبق من عوامل أن الحكومة كانت مفككة وكحكومة باكستان الآن، فكانت الحكومة مفككة وناخر فيها دودة الفساد، فكان الحديث لدى الجميع عن الفساد، فعندما تقرأ في الصحافة وتطالع كل الجرائد الجزائرية تجدها تتحدث عن الفساد، وكان الإعلام والصحافة مستقلًا وديمقراطيًا، فكان الحديث عن الفساد ويقصدون به الفساد الاقتصادي من سرقات أموال ورشوات، وأيضًا كان هناك فساد في الإدارة والبيروقراطية فساد كبير جدًّا، ومن أمثلة الفساد أن قيادات من الجيش استأثروا بالشركات الكبرى في البلاد، فترى جنرالًا أو اثنين مثلًا هما المتحكمان في القهوة وفي استيرادها، الناس في الجزائر تشرب القهوة بديلًا عن الشاي، أغلبهم يشربونه سواء في الصحراء في الشرق والغرب، ومعظم أهل الوسطى يشربون القهوة كما يُقال: «القهوة حاكمة فيهم» فيشربون القهوة السوداء ويسمونها «الكحلى»، الجزائر لا تُزرع فيها القهوة، وإنما تأتي من كوبا والبرازيل واليمن وكينيا وساحل العاج، فيتحكم في الاستيراد جنرال أو اثنان، فيشدون على الشعب برفع السعر، ويعملون المقالب في الشعب وهكذا، وهذا نموذج واحد فقط، فكانت الطبقة السياسية والطبقة العسكرية تتحكم في الدولة وفي التجارة وفي الاستيراد والتصدير والشركات الكبرى كلها بأيديهم، فكان هناك نوع من الإقطاع والنظام الطبقي، وصلت البلاد إلى مستوى رهيب جدًّا من الفساد، فالدولة كانت مخلخلة، دولة سهلة الانهيار، فكانت هذه العوامل: القوة المنطقية والحجة والبرهان الأدبي الذي تمتع به المجاهدون، وكذلك إلغاء الانتخابات، وما سبقها من مرحلة الدعوة والصحوة الإسلامية القوية جدًّا، وقضية كره الحكومة والدولة، والثارات التي تكونت مع الدولة، وضعف الدولة نفسها وفسادها، والأهم التأييد الشعبي، أضف إلى ذلك الظروف الطبيعية التي تكلمنا عنها كالجبال والغابات أيضًا، فالغابات فيها أجزاء مثمرة بها ثمار وأعشاب يمكن أن تأكلها، وتشرب منها، الشاي نجده فيها والنعناع أيضًا، وفيها كذلك نبات الفقاع -هذا وقت الفقاع-، والبلوط، يوجد غابات بلوط، والتوت، وأشياء كثيرة جدًّا، طبعًا هذا ليس الأساس ولكنه مساعد، وكان هناك غابات يعيش فيها الإنسان، والأمر الآخر توفر الماء في كل مكان، أين ما تذهب تجد عينًا، العيون والشعاب والوديان تسيل في الصيف والشتاء، وكثير من المناطق ثلجية، الكثير من المناطق ثلجية مثل المنطقة الوسطى القريبة من البحر، تكسوها الثلوج في الشتاء دائمًا، وأمطار شتوية غالبًا، فالعيون كثيرة تسيل ويأتي المجاهدون والناس وتملأ منها بدون أي مشكلة، ويستعملون في نقلها البغال والحمير، وتُحمل في أوعية زرقاء «الجركات الزرقاء».
كانت طريقة العسكر في الجبال هي التخندق والحفر في الأرض غالبًا، وأحيانا باستعمال الخيام تحت أشجار الغابات، فيحفرون «نصفية» حفرة متر مثلًا وفوقها الخيمة، وكان لديهم طرق فنية جيدة في استخدام الأشجار فيبنون فيها الغرف وهكذا، ولا يستخدمونها في الخيام، يربطون بها المشمع ويستخدمونه، ولكن الغالب هو استخدام البلاستيك الذي ينسجون منه خيامًا ويعملونه بشكل عريش وبأغصان الأشجار، حيث يثبتونها ويربطونها بالحبال أو بالتل «أسلاك حديدية» ثم يغطونها بالبلاستيك، أو مادة تشبه البلاستيك قوية سوداء اللون، ويستعمل هذا النوع في الغابات على نطاق واسع، وقليل ما يستعملون اللون الأبيض، ويستعمل المزارعون البلاستيك الأسود في تغطية التبن، في المزارع والسهول الجبلية والبيوت الزجاجية، ويستخدم أيضًا في التخييم في العرائش أو الخنادق في الأرض يسمونها «كازمة»، وهي غرفة تكون كبيرة كلها في الأرض، تدخل من الدرج لغرفة تحت الأرض ليس لها جدار، غرفة كلها في الأرض، وجدرانها من الجبل نفسه، ولكن السقف يبدو فيها سقفًا عاليًا مكونًا من أغصان الشجر الكبيرة وبعض الأغصان الصغيرة ويضعون عليها البلاستيك، ويضعون عليها التراب.
«الكازمة أظنه لفظ عربي، وكأن أصلها الكاظمة من الكظم، كظم الغيظ، أو المنع أو التضييق، ولعل اسمها الكاظمة أو ربما له أصل أعجمي أو أوربي، وكان هذا الاسم مشهورًا لدى الجزائريين من قبل أيام الثورة، والمجاهدون يستعملون نفس الاسم».
كان هناك بعض المغارات -جمع غار في الجبال، بعضها قديم منذ أيام الثورة ضد فرنسا، ومنها ما هو جديد الذي حفره الإخوة في الجبال التي تكون بيئتها مناسبة للحفر، أي تربتها جيدة أو بحجارة صخرية جيدة، فيحفرون فيها، وكلامي هذا فيه لمحة عن طريقة تمركزهم في الجبال، وكانت طبيعة هذه الغابات تختلف من منطقة لأخرى، فهناك غابات جيدة وهناك غابات ليست جيدة كالغابات الصنوبرية، فالصنوبر هذا يشتعل كعود الكبريت وخطير جدًا، لهذا كانت الحكومة أين ما وجدت الصنوبر تشعله بقنبلة أو أيِّ مادة تحرق هذه الغابة، طبعًا كان الطاغوت يحرق الغابات، وهذا ما يستعملونه في حروب العصابات حتى الكفار، وكذلك الطيران يحرق الغابات في الصيف، أما في الشتاء فلم يكن بإمكانهم إشعال الحرائق في الغابات؛ لأنها تكون خضراء وبسبب المياه والأمطار، ولذا كان تخوف المجاهدين من الحرائق يبدأ في موسم الصيف حيث كان الطاغوت يحرق الغابات بواسطة الطيران، وكان يفرح إذا وجد غابات الصنوبر، حيث يرميها بالقنابل الحارقة التي تشتعل في الأشجار، هل تعرفون ما هو الصنوبر؟ هو ما تستخدمونه في إشعال النار -حطب التوليع-، هذا الشجر عندما يشمُّ رائحة النار تجري فيه وتشعله، وقد حدثت لي قصة مع الحريق عندما مشت عليَّ النار، أحرقوا الغابة والذي بها، فقلت ستأكلني النار حتمًا -وأنا أحكي لكم عن النار عندما تأتي إليك، فقد قلت لا تقترب من النار، ولا تمش في الغابة بزعم أنك تعرفها وتقول أنا أعرفها، ولا تمش في الصحراء تقول أعرفها، فتضيع في الصحراء وكذلك الأمر في الغابة- فالنار أمرها عجيب ففي مرة أحرق الطاغوت الغابة كنت أنا و«عبد الرحمن الفقيه» -هذا الأخ من الإخوة المسجونين الآن في بريطانيا، وهو كان معي هناك في الجزائر مع مجموعة من الإخوة في الجماعة الإسلامية المقاتلة ممن التقينا بهم هناك، وكنت أنا هناك نيابة عن القاعدة، وهم مع القاعدة وهو من الجماعة المقاتلة، فالتقينا هناك دون أي تنسيق بيننا وكنت قد سبقتهم بقليل وهم جاؤوا بعد مدة مقاربة، فالتقينا هناك وبقينا لمدة أربع سنوات وكنا معًا أينما ذهبنا، وكان صاحبي وجاري في البلد، ومعنا في الجهاد والعمل الجهادي، وخرجنا معًا إلى الجهاد في العام 1989م، ثم افترقنا وجمعتنا الجزائر مرة أخرى- فكان معي في الغابة، وكانت غابة كبيرة وقد حكيت لكم عن شجرة الصنوبر فهو يتميز بأن شجرته تكبر هكذا وفي فصل الصيف تتساقط أوراق الصنوبر تحت الشجرة وهي أوراق طويلة كالإبر، فالذي يجف منه يسقط ويكون طبقة من القش على الأرض، فبمجرد رمي عود ثقاب تشتعل النار وتمشي في الأشجار نفسها، تمشي النار أمام عينيك بشكل عجيب جدًّا ومخيف، فعندما أحرق العدو الغابات في تلك المرة، كان بيننا وبين الضفة الأخرى شعبة كبيرة وطويلة، وهذه الشعبة أحيانًا يكون بها ماء، وأعتقد أنها كانت في تلك الفترة جافة، ونحن كنا في هذه الشعبة والحريق كان قد وصل للشعبة الأخرى، فكنا قد جمعنا أغراضنا والمركب والشنط وكان لدينا محمل فوضعنا فيه أغراضنا، وكان من المفترض أن ننسحب لكن قلنا ننتظر قليلًا وتشاورنا حيث كان معنا اثنان أو ثلاثة من الإخوة الجزائريين، وقلنا ننتظر نحن قد جمعنا عدتنا وأغراضنا ويمكن أن تغلب الشعبة النار، كانت النار تلتهم الحشائش والقش وتأتي مشتعلة وكان لها صوت مخيف وهي تحرق المنطقة، قلنا هذه النار لن تتجاوز الشعبة لأن الشعبة كان بها حجارة وبعض المناطق التي لا قش بها -كان الوقت حينها بعد الظهر أو العصر تقريبًا-، فتخيل معي أن الشعبة بدأت بالتفحم ونحن للتو نمر عليها، فكان الحل هو الفرار حيث كان منظر النار عجيبًا، كان صهد النار وحرارتها تنتقل من مكان إلى آخر، ونحن نهرب منها وهي تجري خلفنا، في نهاية هربنا واجهنا جبلًا والجبل كهضبة يصعب الصعود عليها لأعلى، فكان معنا أخ جزائري مسكين وكأن لديه خبرة من قبل، لجأ إلى خندق صغير به قطعة فرش «موكيت» كان الإخوة يصلون عليها كالمصلى، فنام في الخندق والنار تمشي وتجيء على المكان لمدة دقيقتين أو ثلاث، فمشت النار فوقه وهي تجري خلفنا، وهو قاعد تحت النار وطبعًا أكلت النار قليل من يديه وأصابعه وقليل من رجليه وعالجناه لاحقًا، وهي تجري خلفنا، المهم أن النار كانت تلحق بنا نحن الأربعة، وأحرقتنا قليلًا، فلجأنا إلى منطقة فيها حجارة والحمد لله ابتعدنا قليلًا عن الحشائش ونجانا الله تعالى.
الحكمة من هذا الموقف أن لا يستهان بالنار فهي تأكل بشكل سريع، ولا تقل أبدًا النار بعيدة، النار خداعة وتجري بسرعة، لا تقل سنطفئها، ولا تقل أن شيئًا سيوقف النار، فهي صعبة جدًا إذا اشتعلت، الأمر الآخر هي تأكل وتمشي فإن كان الشخص لديه حفرة يختبئ بها قد تضره ولكن لا يموت منها، هذه قصة النار وكان هذا استطرادًا المقصد منه أن العدو كان يحرق الغابات وخاصة غابات الصنوبر. وهناك أنواع من الأشجار في الغابات كان الجزائريون يسمونها أشجار «الضرو» كأنه اسم عربي-، وكان هناك شجرة اسمها «الدفلة» التي تعمل النوار الأحمر البنفسجي، هذه الأشجار أوراقها غليظة وشديدة الخضرة فلا تحرقها النار ولا تأكلها، الضرو لا تأكله النار أبدًا مهما حاولت الاشتعال فيه لا تشتعل إلا بصعوبة بالغة، حتى كانوا يحرقونها ويرمون القنابل الحارقة بلا فائدة، فأفضل الغابات هي التي بها الضرو، ومن أشدها وأصعبها التي بها الصنوبر، وكانت أكثر المناطق بها الصنوبر، ولكن كانت هناك أشجار أخرى منها الكاليتوس الذي يسمى السرو أو المعروف بشجرة الكافور ذو الرائحة، هذا الكافور يحترق ويعود الموسم القادم لتجد شجرته ضاربة بعد أن يكون قد تفحم، ولكن سبحان الله قلبها يكون صحيحًا فترجع وعند نزول المطر تعود للنمو وبعد موسمين تقريبًا تجدها شجرة عادية، بعكس الصنوبر بمجرد اشتعاله يتحول إلى فحم وينتهي.
المهم بدأت الحركة الجهادية، وبدأت تتجمع المجموعات الجهادية، وتكونت الجماعة الجهادية المسلحة، وكان شبوط الذي حكيتُ عنه صاحب أبو يعلى ومعهم آخر اسمه: سعيد مخلوفي، كان ضابطًا في الجيش وهو من ألف كتابًا أيام الاعتصامات وأسماه «العصيان المدني»، وكانت فكرة العصيان محاولة للاستفادة من فكرة الخميني في الثورة الخمينية في إيران، أي الثورة الشعبية لإسقاط الدولة.
«سعيد مخلوفي» أسس هو و«عبد القادر شبوطي» ما سمي بـ «حركة الدولة الإسلامية»، كانت جماعة منصور بلعيان ولعيادة والقاري سعيد، والجماعة الإسلامية المسلحة، وتكونت مجموعة أخرى، هذه المجموعات الكبيرة التي هي تابعة للجبهة الإسلامية للإنقاذ المُقالة بشكل رسمي، والرسميون التابعون للجبهة التي كان يقودها «محمد السعيد»، والشيخ محمد كان داعية مشهورًا، وكان يقود خلية الأزمة بعد اعتقال قيادات الجبهة الإسلامية منهم العباسي وعلي وعبد القادر حشاني، هؤلاء الثلاثة هم كبار القادة وبعد اعتقالهم فرت القيادات الأخرى الوسطى والصغيرة ومنهم «سعيد مخلوفي» وتجمعوا بعد هربهم وشكلوا ما يُسمى بخلية الأزمة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان لهؤلاء سرِيَّة في العاصمة اسمها «سريَّة الفداء»، ثم تحولت إلى «كتيبة الفداء»، وكانت هذه الكتيبة نخبوية، أي جميع شخصياتها أساتذة جامعات وأطباء ودكاترة وبعضهم طلبة في الجامعات ومهندسين، أي كانوا مثقفين جدًّا، وهذه هي مجموعة «محمد سعيد»، وكانوا قد دخلوا مع الجبهة قبل الانتخابات وحضروا معها وفازوا معها، أي دخلوا مع الجبهة واندمجوا اندماجًا كاملًا، ولما تم إلغاؤها جمعوا أنفسهم وبدؤوا يمارسون العمل الجهادي، وكانت الطوائف الأخرى السلفية تسميهم «جماعة الجزأرة» -وهذا الأمر يحتاج لشرح وتوضيح وتعليق-، كان السلفيون يعتبرونهم أشبه بالإخوان المسلمين وهم ليسوا إخوانًا، هم أناس مستقلون لديهم أخطاء ولديهم صواب، عرفنا أناس منهم عن قرب، وهم فيهم أناس صالحون وعقول مفكرة ومثقفة، و«محمد سعيد» أعتقد أنه رجل صالح ورجل طيب جدًّا ومتعلم وشيخ وداعية من أهل العلم وكان أستاذًا في الجامعة.
كانت هناك أيضًا مجموعة الجيش الإسلامي للإنقاذ، وكان تمركزهم في شرق الجزائر وهم مجموعة من الشباب الذين كانوا مع الجبهة وسلحوا أنفسهم، وبدؤوا بممارسة العمل الجهادي، وكانوا مستقلين وكان اسمهم امتدادًا للجبهة الإسلامية، أو كالجناح المسلح للجبهة.
إذًا كانت هذه هي المجموعات الرئيسية للإنقاذ وكان هناك مجموعات صغيرة أخرى متفرقة ومتناثرة، كمجموعة عبد القادر الصوان في جبل اللوح، وحسن حطاب ومجموعات قريبة من العاصمة في بومرداس، وجميع هؤلاء دخلوا في الوحدة عندما قامت في مايو 1994م، وسبق هذه الوحدة جهود واتصالات واجتماعات ونقاشات وغيرها.
«الجماعة الإسلامية المسلحة»، و«الحركة الإسلامية» أو «حركة الدولة الإسلامية» -وهذا اسمها بعد التغير، ولا أدري أي الاسمين كان أولًا- نسيت اسمها بقيادة عبد القادر الشبوطي وسعيد مخلوفي، وكانت لديهم خلية الأزمة التي عندها كتيبة الفداء لسعيد العاصي ومحمد سعيد، والجيش الإسلامي للإنقاذ الذين اعتبروا أنفسهم امتدادًا أو بمثابة الجماعة المسلحة لجبهة الإنقاذ، وكان معظم تمركزها في الشرق، وليس لهم أي نشاط في الوسط والعاصمة، فلم يستطيعوا عمل أي شيء، وكان معهم جماعات أخرى، ولم يكن هناك ولاء فيما بينهم وكان بينهم تنافر وتفرق، فكثرت جماعات ومجموعات غير مرتبطة ببعضها، إلى أن جاءت الوحدة في مايو 1994م كان أمير الجماعة المسلحة رجلًا فاضلًا وصالحًا وطالب علم وشيخًا وداعية اسمه «أبو عبد الله أحمد» وكان من العاصمة وداعية مع الجبهة وإمام مسجد، وهو من تولى بعد أن تم أسر عبد القادر العيايدة، وقُتل الشيخ سعيد، والشيخ خالد سعيد، ومنصور الملياني، وقُتل بعدها شخص اسمه جعفر الأفغاني، كان قد تولى القيادة جاء بعده «أبو عبد الله أحمد» ولم ألتق به شخصيًّا ولكن حسب أثره وشهادة الناس أنه تم تزكيته واتفق عليه المخالف والموافق، واتفقوا على جلالة قدره وصلاحه، كان جيد الفهم، والفتن وقعت بعده، عندما جاء «جمال زيتوني» وكانت بدايات الانحراف.
«أبو عبد الله أحمد» فترته لم تطل كثيرًا، واعتقد أنه مكث نصف سنة أي ستة أشهر تقريبًا، ثم قُتِل اغتيالًا أثناء مشيه بسيارة في طريق سريع بين العاصمة ومنطقة بليدا على الطريق السريع فحاذته سيارة ثم رشقوه بالرصاص حتى قُتِل، وكان مقتله غامضًا فقد كانت هناك تساؤلات ونظريات وتفسير للقتل، وحين حدث التفكك بين الجماعات بدأت المعلومات والشكوك تظهر، وظهرت سيناريوهات الله أعلم بصحتها ولا أجزم بشيء، ولكن كانت النظريات التحليلية تتمركز حول وشاية من الداخل واختراق وأناس معينة كُتبت أسماؤها واتهمت بأنها تخلصت منه اغتيالًا، والله أعلم ليس لدينا يقين بشيء.
المهم أن الوحدة قامت على يد «أبو عبد الله أحمد» بعد جهود ومشاورات واتصالات استمرت لمدة سنة أو أكثر وبضغوط كبيرة حيث أن كل الناس كانوا يريدون الوحدة، حتى الشعب والناس في الخارج كانوا يريدون الوحدة، فقامت برئاسة أبي عبد الله أحمد، واعتمدوا اسم «الجماعة الإسلامية المسلحة» فدخلت فيها الحركة الإسلامية أو حركة الدولة الإسلامية التابعة للشبوطي، ودخل محمد سعيد ومجموعته، وأبو الفداء، ودخلت مجموعات كثيرة أخرى، أما الجيش الإسلامي فبقي في الشرق ولم يدخل في الوحدة.
أعلنت الوحدة وفرح بها الناس وهللوا، وكانت وحدة على سبيل الجهاد وعلى المنهج السلفي وو..، وكانت بنودها العامة جيدة، وازداد عدد المجاهدين في هذه الفترة -بين مايو 1994 إلى أواسط 1995 تقريبًا-؛ فكانت هذه الفترة هي الفترة الذهبية للجهاد، وأنا أنا حضرت هذه الفترة في أواخر أيام «أبي عبد الله أحمد»؛ أي بدايات أيام «الزيتوني»، وبقيت سنة ونصف أي إلى أواخر 1995م تقريبًا.
كانت فترة ذهبية حيث كان المجاهدون يسيطرون على معظم البلاد بنسبة 100% من أرياف وجبال ليلًا نهارًا، يتحركون فيها بحريّة ولا تستطيع الحكومة أن تخرج، ولا تدخل الحكومة إلا في حالات التمشيط، أي تأتي لمنطقة معينة بجيش يتكون من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف عسكري ودبابات ومدرعات وهيلوكبتر للغطاء الجوي، المجاهدون ماذا يفعلون؟ يقومون بجمع أغراضهم وإخفائها، وعند بحثهم لا يجدون شيئًا فيتركون المكان ويذهبون، ويعلنون في إعلامهم أنهم قد أحرقوا مركزًا وقتلوا عددًا من الإرهابيين، وهذا كله كذب والله، فنحن في المنطقة وقد رأينا شيئًا عجيبًا، فيقولون قتلنا خمسين إرهابيًّا ويستحيل أن يُقتل خمسون واحدًا منهم مثلًا في تمشيط، والكلام الذي كتبه أرباب ومؤلفو حرب العصابات تراه كما هو حتى يُهيأ لك أن كل شيء يطبق كما هو مكتوب في حروب العصابات، فتجد العدو يطبق ما كتب، وكذلك رجال العصابات يطبقونه، فيأتي العدو ويقوم بحشد كبير جدًّا ويهاجم المجاهدين، فينسحبون ويلتفون عليه وينصبون له كمينين أو ثلاثة ويضربونه، فيأسرون عشرة أو اثني عشر جندي، فيهرب الباقي وهكذا في كل مرة، ويأتي الطيران يضرب ويحرق الغابات، ويحرق آثار المراكز، مثلًا تجد المركز يجمع أغراضه ويرحل ويُبقي القليل من الفراش فالعدو يفرح بأن عثر على آثار مركز، فيقولون حرقنا مركزًا وهكذا، ويأتون بصور في أطراف الغابة لمراكز قريبة، ونحن كنا قد قرأنا في حروب العصابات وحرب المستضعفين ومذكرات ماو سي تونغ وكاسترو، فكنت أتعجب وأقول: سبحان الله حذو القذة بالقذة، فكما هو مسجل في حروب العصابات العدو يطبقه في المرحلة، وفعل المجاهدين كرجال العصابات وطبعًا الجزائريون لا يعرفون حروب عصابات ولا شيء، فقط هم تدربوا هكذا بالفطرة، وهكذا العمل يوجب عليك أن يكون هكذا، فكان العدو يأتي بحشد كبير ويخرج فاشلًا في كل مرة؛ لأنه وصل إلى مرحلة توازن مع العصابات، فكان لا يستطيع أن يأتي بسيارتين أو ثلاث سيارات إلى الغابة، فصار لا يستطيع أن يأتي إلى منطقة المجاهدين إلا بحشد كبير ويقوم بالتمشيط الذي يقوم به بين الحين والآخر حتى يحافظ على هيبة الدولة، هو يحقق مكاسب بقتل بعض الناس أو بأسر البعض أو يحرق المراكز ويقطع الطرق، وأيضًا الأمر الأخطر والمحزن جدًا وما كان يحزننا هو العوام فقد وصل العوام إلى مرحلة الهروب مع المجاهدين، فكم من مرة هرب مع المجاهدين عوام من الناس؛ لأنه ليس لديهم سلاح، وكان بعضهم يعرف الغابات والطرق فيساعد المجاهدين في الدلالة، فالعدو عندما يأتي ويهجم ويحشد الآلاف ويغلق الطرق، وكان الدرك والشرطة في خدمة الجيش ومعهم دائمًا، ووظيفتهم تفتيش الشعب فهذه مهمتهم، وهم يمثلون وزارة الداخلية وتفتيش الناس ليس من مهمة الجيش، فكان الجيش يستخدم الدرك لإخراج الناس ومحاصرة الرجال والنساء فتحصل انتهاكات لأعراض الناس مثل اليهود وهم كاليهود بالضبط، وهذا الأمر يزيد الناس حنقًا وغضبًا على الطاغوت، وكلما زادت ممارساته يزداد حنق الناس عليه، فيدور في حلقة مفرغة ولا يحقق أي نتائج، فيتعب من هذا.
أكبر عملية تمشيط حضرتها هناك كانت مدتها أربعة أيام أغلقوا فيها المنطقة، وقيل أن التقديرات لعدد العساكر في هذه العملية ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف عسكري، أغلقوا المنطقة وكانت منطقة جبلية كبيرة واسعة في بومرداس وكانت في مناطق خميس..، وتمتد إلى البيرا ومناطق واسعة جدًا، أغلقوا المنطقة وكانوا يدخلون إلى الوادي وإلى الغابة، ولا يدخلون إلى أعماق الجبال العالية، ولكن يرمون بالطيران للإغلاق والحصار، وكان عملهم الأغلب هو تفتيش الناس، وطبعًا هؤلاء الناس من العوام، وكنا نعيش على مجهودات هؤلاء العوام، فكان المجاهدون على اتصال بهؤلاء الناس فينزل الناس إلى المدينة ويحضرون الحاجيات ويخدمون المجاهدين ويخبزون لهم ويقومون بجميع هذه الأمور، كانوا أنصارًا كالأنصار هنا، ولكن الفرق أنهم هناك أنصار عرب، وهذا أمر أفضل.. فالضرر الحقيقي كان على الناس، ولهذا كثير من الشباب في مراحل لاحقة كانوا يهربون مع المجاهدين، فلا يبقى إلا الرجال من الكبار والشيب والعجائز والنساء، أما الشباب فكانوا يهربون عندما يسأل الجيش عنهم، وعندما يسألون عنه أهله يقولون لهم هذا في العاصمة وليس موجودًا، طبعًا كانوا يؤذون الناس، وأقل الإيذاء هو إهانتهم وضربهم وتفتيش بيوتهم، والدخول للبيوت إهانة!
استمرت هذه الحرب بعدما تكونت هذه الوحدة برئاسة أبو عبد الله أحمد، واستمرت لمدة ستة أشهر، فكانت فترة ذهبية، وبعد مقتله الغامض والذي تدور حوله الشكوك حدثت فوضى كبيرة جدًّا، فكانت بداية الفتن وبداية المشاكل، وكان هناك قانون داخلي للجماعة المسلحة أسموه القانون الأساسي، وكان ينص على أن المجموعة المسلحة في حال غياب أمير الجماعة أو مقتله أو عجزه يتولى نائبه، وكان النائب يسمونه بالمستخلف الأول، وهو يتولى القيادة بعده بشكل تلقائي، ثم يجتمع مجلس الشورى في فترة تقدر بأسبوعين ويدرس هل يُقِر المستخلف هذا أم يُعين غيره، وهكذا نص القانون تقريبًا.
الذي حدث أنه عند مقتل أبي عبد الله أحمد تولى المستخلف القيادة، وكان المستخلف حينها اسمه محفوظ أبو خليل؛ من منطقة براقي من ضواحي العاصمة، هذا الرجل كان من جماعة محمد سعيد الذين يسمون بالجزأرة، التيار السلفي لم يكن يحب تيار الجزأرة ولديه ملاحظات وغلٌّ من أيام المرحلة السلمية الدعوية وكان بينهم شحناء، وكان هناك تيار في الجماعة المسلحة منهم عنتر زوابري والزيتوني وآخر اسمه أبو كابوس وعدنان وأبو بصير ماكادور وآخر اسمه أبو ريحانة، مجموعة أسماء لأشخاص كانوا متنفذين وأكثرهم أناس جُهال، فهذا تعنت شخص جاهل، ولا أعتقد أنه مخابرات أو أن فيهم مخابرات، ولا أعتقد أن المخابرات تقبله، والجهل بلغ لديهم مبالغ، لا حول ولا قوة إلا بالله، وكل هؤلاء من الجماعة الإسلامية المسلحة. فهذه المجموعة كانت لديهم تركيبة معينة، وأغلبهم جُهال ومعظمهم حديث عهد.
عنتر كان حديث عهد وجاء للجهاد واستلم سلاحًا ولم يكن ملتزمًا، ولكن كان له أخ قبله ملتزم اسمه إبراهيم زوابري قُتِل، وقيل أنه رجل طيب صالح وملتزم ومعروف، وعنتر هذا ذهب للجهاد بعد مقتل أخيه ما بين عامي 1992 و1993م تقريبًا، وكان عنده جرأة وشجاعة وقتال، وقد تحصل على نوع من التقدم بالفتوة والقوة، فكان رجل مهمات وقريبًا من أبي عبد الله أحمد لأن الأخير كان يعرف أخاه، فكان يستعمله في بعض المهام ويبعثه وهكذا، ولم يكن لديه منصب وكذلك لما جاء زيتوني قربه فصار متنفذًا أكثر، أما ماكادور فكان مسئولًا للعلاقات الخارجية، وأبو ريحانة كان مسئولًا شرعيًّا عندهم، وكان لديهم شخص آخر اسمه أبو الوليد قرادية كان هذا مسئولًا شرعيًّا، كل هؤلاء عرفتهم عن قرب، لم يكن بينهم أهل علم، أبو ريحانة كان قد درس قليلًا ولكن لم تكن دراسته تأصيلية، كان يقرأ قليلًا ويعتمد على الكتب، ولم يكن بينهم طالب علم متخصص أو أي شيء من هذا، وكان فيهم واحد فقط طالب علم جيّد اسمه أبو بكر، لم ألتق به وقد عملوا له مقلبًا وقتلوه.
المستخلف محفوظ أبو خليل كان المستخلف المفترض أن يتولى القيادة ريثما يجتمع مجلس الشورى خلال أسبوعين وإما أن يقره أو أن يعلن غيره، وفعلًا تولى القيادة بعد مقتل أبو عبد الله أحمد، وكان الأفراد الذين قلنا أنهم مجموعة جهال وملكوا السلاح غير راضين عن تولي محفوظ القيادة، كانت هذه الجماعة عصابة مسلحة، وأفرادها رجال عصابات ولديهم قيادة وجنود وعندهم نزعة التعصب للسلفية، وعندهم في الدين مفاهيم خاطئة جدًّا، تركيبة من المفاهيم الخاطئة العجيبة، كان الدين لديهم مقسمًا إلى قسمين: سنة وبدعة، لا يعرفون حلالًا ولا حرامًا، ولا يعرفون الأحكام التكليفية الخمسة، لم يعرفوها ولم يسمعوا بها، الدين لديهم سنة وبدعة، فتجد أحدهم يسأل أنت لماذا تضع يديك هكذا؟ سنة؟ أنت تفعل بدعة..! وكل شيء يناقشون فيه سنة أو بدعة، لدرجة أنهم وصلوا إلى نماذج نخاف ونخشى أن نحكيها لأنكم لن تصدقوا! والله عندما كنت أنا وعبد الرحمن الفقيه كنا نقول إذا ذهبنا للإخوة في الخارج وحكينا لهم هل سيصدقوننا يا ترى؟!!، فكان عندهم تنطع شديد في موضوع السنة والبدعة، وفي يوم كنا في مركز قريب من القيادة، كان جمال زيتوني قد طلبنا بعد توليه، انطلقنا ووصلنا ووضعونا بمركز ريثما يلتقي بنا، وكان المركز في الغابة، وهذا المركز مركز حراسة القيادة حيث التمركز في الأسفل والقيادة في الأعلى، بقينا في المركز وبتنا ليلة فيه، في النهار رأينا الناس تتصارع! حوالي سبعة أو ثمانية أشخاص من حراسة القيادة، فكانوا يتصارعون في النهار ثم في العشية وقبل المغرب وقبل النوم، يتصارعون! ما الأمر؟!.
جاء اليوم الثاني وأحد الشباب لا أتذكر اسمه ليس له لحية ولكن كان طويلًا ما شاء الله وفتوة، فقال: ما بكم اليوم؟ خالفتم اليوم ولم تطبقوا السنة، قريبًا تسقطون في البدعة..! ففهمنا نحن الأمر حينها، ولم نتكلم معه لأننا كنا ضيوفًا وهم حراسات، وسنذهب للقيادة والأحاديث بيننا كانت ودية، المهم علمنا أن المصارعة لديهم سنة ولا بد من تطبيقها كل يوم، وإن لم يطبقوها يومًا يسقطون في البدعة ويصبحون مبتدعة!، ولديهم أي شخص يفعل البدعة ولو صغيرة يصير مبتدعًا ويُحذر منه ويُبرأ منه، ليس لديهم بدعة صغيرة وبدعة كبيرة، ولا بدعة كلية ولا بدعة جزئية، ليس عندهم أي فقه، شيء عجيب! تجد لديهم مجموعة من المفاهيم والتصورات الغريبة، ولكن نحن الحمد لله مارسنا الدعوة وكنا في البداية نعطي بعض الدروس، وأنا شخصيًّا في أول نزولي لمنطقة ولاية بومرداس وما حولها التي تسمى بالمنطقة الثانية، وكان أميرها العام حسن حطاب، وقبل ذلك كان أمير أجناد فيها حيث كان التقسيم الإداري لديهم أن المنطقة تتكون من الأجناد، ثم الكتائب، ثم السرايا، ثم الزمر، فكانت هذه هي المنطقة الثانية وكان رئيسها أمير أخ طيب وصالح، كان هنا في الجهاد الأفغاني أي معرفتي به قديمة وبسيطة لانشغالي، وكان هو في الأصل من الإخوان المسلمين قديمًا حتى عندما وصل إلى الجهاد كان عن طريق الإخوان المسلمين، ولكن عندما جاء للجهاد تغير اسمه وترك الإخوان، فهذا رجل فيه عقل ورزانة وكبير في السن اسمه أبو طلحة الأغواطي، من منطقة الأغواط، وهذه منطقة جنوبية في بداية الصحراء، منطقة نخيل، وهذا الرجل كان رجلًا عسكريًّا جيدًا وفيه شجاعة وتدبير عسكري جيد، قام بعمليات كبيرة وممتازة، متفوق عسكريًّا، وباعتبار أني كنتُ في أفغانستان كان يقدرني ويحترمني، وكذلك طالب علم، وقد حثني وأعطاني مجالًا للدروس وكنتُ أعطي دروسًا على مستوى الشباب، وحتى بعد أن جاء الإخوة الليبيون الذين ذكرتهم بعد شهرين والتقيت بهم، فأنا سبقتهم بفترة، فكانوا معي وكنت في المنطقة الثانية، فكان الوضع بالنسبة لنا مريحًا إلى أن أتت فترة بدأت تسوء الأمور مع قيادة الجماعة، ولكن هذا الرجل ظلَّ يحترمنا إلى آخر الأمر، وقُتِل بعدها رحمه الله في بداية الفتن.
كان أكثر الفساد في الأمراء وبعض الناس المتنطعين والمتحكمين والمتنفذين والمجموعات، ولكن جمهور الشباب الهادئين كانوا عاديين وبسطاء يحبون الدروس وشرح الدروس وقراءة القرآن ومداخل كثيرة جدًّا يمكن أن تجمعهم فيها، والأمية فيهم كانت بنسبة عالية جدًّا، فكثير من الشباب تجده لا يقرأ ولا يكتب، فالقيادات هي التي كان الفساد فيها كبيرًا، فهذا كله بعد أبي عبد الله أحمد، وأول عهد جمال الزيتوني أبو عبد الرحمن، وقد تقدمت في الأحداث سابقًا حتى أعطي لمحة عن أفكارهم، وكيف كان تقسيم الدين لديهم إلى سنة وبدعة، وكيف أن عندهم تنطع وتبديع وتفسيق وتكفير، وأمورهم مختلطة جدًّا، المهم كان أكثر الفساد في القيادات والضباط الشرعيين، للأسف كان هناك خلط وفساد كبير جدًّا لدى بعض الشباب، ولكن معظم الشباب بسطاء وفيهم الصالحون وفيهم الاستشهاديون وفيهم أناس طيبون جدًّا، ولكن غلب الفساد من خلال النماذج الفاسدة في القيادات.
نعود لقضية مقتل أبو عبد الله أحمد وكيف حدث تولي الزيتوني، باختصار أحاول شرح هذا، وهو أن جمال زيتوني عمل انقلابًا أبيضًا مثل ما يُسمى في الانقلابات السلمية لحدٍ ما، لا يوجد سلاح ولكن هناك تهديد بالسلاح بدون استخدامه، فالحدث شبيه بالانقلابات التي تحدث في هذه الدول، كيف حدث ذلك؟ نأتي للتفاصيل وهو أنه عندما تولى القيادة محفوظ أبو خليل بمقتضى الدستور عندهم كما ذكرنا وكان مستخلفًا، كان من المفترض أنه بعد أسبوعين يجتمع مجلس الشورى ويقرر، بعد مقتل أبي عبد الله أحمد بعد عدة أيام اجتمعت مجموعة من هؤلاء المتنفذين وقالوا: لن نسمح أبدًا بأن يتولى محفوظ أبو خليل هذا «الجزأرة»، وهذا سيحرف الجماعة الإسلامية إلى غير ذلك من أقوالهم، فكانوا يتهمون محفوظ وجماعته بأنهم فكريون عقلانيون وأنهم إخوان وأنهم قطبيون ونحوها، وهكذا اتهموهم بتهم كثيرة، وهم فيهم من هو كذلك وفيهم من هو مسكين.. ما رأينا أن كثيرًا منهم هم نماذج صالحة، ولكن أيام الحركة الدعوية السلمية كان هناك خلاف بينهم وبين التيار السلفي، فهم كان لديهم توجه بأن يحلقوا اللحية على سبيل المثال ويلبسوا البنطلونات، ولا يلتزموا بالزي المعتاد -الدشداش- ويرون أن هذه المرحلة تستوجب ذلك، يسمون جماعة الحذر، فكان مثلًا قول لديهم بأن لا تظهر اللحية وهذه فتوى سائدة لديهم، فكان التيار السلفي يعتبرهم أشبه بالإخوان المسلمين، ويعتبرهم مبتدعة، ولم يكن الأمر بالضرورة كذلك فهم فيهم شباب جيدون وكثير من قياداتهم حقيقة صالحون وملتزمون، ولديهم وعي وفهم إسلامي جيد، ولديهم رجولة، وقد أثبتوا جدارتهم في الجهاد حتى أن كتيبة الفداء التابعة لهم في العاصمة كانت متخصصة في اختطاف واغتيال الشخصيات الكبيرة والعمليات الخاصة، فهم من قتل عبد الحق بن حمودة رئيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، الرجل الذي تعتبره الجزائر الرجل الثاني بعد رئيس الجمهورية، كان عبد الحق بن حمودة زنديقًا أحمر من أكبر الزنادقة في الجزائر، عبد الحق بن حمودة هذا عندما كان يخرج ليلقي كلمة تقف الجزائر كلها، «الاتحاد العام للجزائريين» هذه المنظمة التي يندرج تحتها كل العمال في الجزائر عندما تقول: اليوم إضراب؛ تتوقف كل الدولة، إضراب لمدة أسبوع تجد الدنيا كلها متوقفة لا أحد يأكل ولا يشرب، فكان بمثابة الرجل الثاني في الجزائر، فهؤلاء -جماعة الفداء التابعين لمحمد سعيد- هم الذين قتلوه، وقتلوا الكثير من الجنرالات في الجيش، وكان لديهم عمليات كثيرة جدًّا، كانوا يعملون البارجات وهي النقاط الوهمية، هذا طبعًا لأنهم متنفذون، وكان عندهم من يشتغل في الشركات وفي الدولة، فكانوا يحضرون الألبسة والأسلحة الجيدة، فيعملون نقاطًا في العاصمة بعد دراستها، طبعًا يعملون فيها نقاطًا وهمية ويمسكون من يشاءون، ويختارون الشخصيات والقيادات الكبيرة لخطفهم وقتلهم، وقتلوا كثيرًا جدًا، والدولة كانت تعاني منهم، وكان عملهم منظمًا وسريًّا، وكانوا يعيشون في العاصمة ويمارسون حرب العصابات في العاصمة، ولم يذهبوا إلى الجبال، خاضوا تجربة مميزة من المفترض -والله- أن يُكتب عنها وتُسجل، ولكن للأسف ليس لديَّ الكثير من تفاصيلها، التقيت بقيادات منهم ومن قياداتهم الذين لم ألتق بهم ولكن التقيت بنوابه هو عبد الوهاب العمارة، وهو الذي قتلته الجماعة المسلحة وأصدروا شريطًا وقد عذبوه ثم قتلوه، والتقيت من نوابه بشخص اسمه أبو صالح كان هو رئيسهم بعد مقتل عبد الوهاب العمارة الذي قتلوه بحجة أنه مبتدع، تولى رئاسة الكتيبة أي أصبح أميرًا للكتيبة بعده.
كان الزيتوني وجماعته لم يرضوا بمحفوظ أبو خليل كمستخلف بعد أبي عبد الله أحمد، فاجتمع الزيتوني وماكادور وبوكابوس وعدنان وعنتر الزوابري -كان عنتر شخصية عجيبة- ومعهم مجموعة، وكان معهم شخص اسمه أبو مريم كان مسئولًا إعلاميًّا حينها، فاجتمعوا وقرروا وقالوا نصدر بيانًا الآن، قال لهم المسئول الإعلامي: ولكن كيف نصدر بيانًا ومجلس الشورى لم يجتمع؟ فأرغموه على طبع البيان بالقوة، وكان لديه مركز وأدوات وكمبيوترات وطابعات وغيرها، فتم صياغة بيان وطباعته وكان مفاده أنه في يوم كذا وكذا قد اجتمع مجلس الشورى وقرر تنحية الأخ محفوظ أبو خليل وتعيين الأخ جمال زيتوني -أبو عبد الرحمن أمين- أميرًا للجماعة الإسلامية المسلحة.. طبعًا لم يجتمع مجلس شورى ولا غير ذلك، وبعضهم لم يكن في مجلس الشورى أصلًا كعنتر والزيتوني، أما أبو ريحانة وماكادور وربما شخص ثالث معهم كانوا من مجلس الشورى حقيقة.. وطُبِع من البيان مئات النسخ وتم توزيعه ووصل إلى الكتائب البعيدة المسكينة التي قالت عندما وصلتهم الورقة: هذا البيان من الجماعة، وعليه فقد سمعنا وأطعنا، فلم يكن لديهم إشكال، والقريبون كذلك.
بعد نشر البيان جاء محفوظ أبو خليل ومعه أبو بكر -الذي ذكرنا أنه طالب علم وقتلوه فيما بعد-، وكان معهم مجموعة -وأنا لم أحضر القصة ولكن حكاها لي بعض الذين حضروها-، جاءوا واجتمعوا في منطقة اسمها الأربعاء، وكان التساؤل هو: من أصدر هذا البيان وكيف؟ ولِمَ ونحن أعضاء مجلس الشورى؛ فكيف وبأي نصاب اجتمع؟ المهم أنهم عرفوا أن عنتر والجماعة التي معه هم من فعلوا ذلك، وحدثت مقاولة بينهم وكلام كادت تنتهي إلى حرب وقتال، فتدخل الإخوة ومنهم الشيخ مصطفى كرطالي -وهو من كان يحكي لي- فقد كان حاضرًا حيث كان أمير الأربعاء، وأيضًا مساعده يحيى القرموح، والشيخ يوسف الطيبي، ومجموعة من الإخوة الفضلاء الصالحين الذين عشنا معهم مدة طويلة، فكاد الأمر يصل إلى قتال ولكن تدخل هؤلاء الإخوة واجتمعوا وصار اجتماع كبير جدًّا وهدؤوا بينهم ولم يحدث قتل، وفي النهاية عندما رأى محفوظ أبو خليل أن فتنة ستقع سلم لهم وتنازل وترك الأمر واعتزل، ثم نزل منطقته براقي في ضاحية العاصمة وعاش بسرية، وبقي تلك الشهور حتى مات وترك لهم القيادة وترك كل شيء، فتولى جمال زيتوني ومشى هذا البيان وأصدروا بيانات أخرى وأصبح أميرًا للجماعة الإسلامية المسلحة، وهذا هو الانقلاب الذي حصل، وجمال زيتوني الذي صار أميرا للجماعة المسلحة كان في البداية أمير سرية فقط في العاصمة في منطقة اسمها (بئر خادم)، وكان صديقًا لأبي عبد الله أحمد في أيام الدعوة، وكان يشتغل معه في مكتب الجبهة، وكان من رواد مسجده ومن شباب مسجده، فاستغلوا الاضطرابات هذه وكانوا يقولون هذا مع فلان، ومثل هذا يحدث في الجماعات كثيرًا وهذا ما حدث أن تولى جمال القيادة ومرت فترة عادية، حيث أن المجاهدين كانوا يجاهدون، والكتائب والسرايا تجاهد في كل مكان شرقًا وغربًا وجنوبًا والطاغوت يَضرب ويُضرب، وكذلك الناس لم يشعروا بشيء، وكل الأحداث كانت في أوساط القيادة، وبقي جمال زيتوني يصدر البيانات، ومع توالي صدور البيانات بدأت تظهر وتبين صبغة الفساد -أي نوع من الغلو في الأحكام- وبدأت البيانات المتدرجة تصدر كبيان قتل جماعة الحماية المدنية التابع لإطفاء الحرائق، وقتل موظفي الضرائب والذين كان قتل بعضهم شرعيًّا، ولكن من الناحية السياسية لم يكن مناسبًا، ثم أتت فتوى قتل نساء الطواغيت وأطفالهم؛ والتي اعتمدوا فيها على كلام أبي قتادة، ثم قتل ليزارمي -ويسمى لزارمي- وهم الشباب الذين يذهبون إلى الخدمة العسكرية الإجبارية بعد الدراسة الجامعية، فكانوا يقولون أن أي شخص يذهب للخدمة العسكرية يُقتل، حتى وإن أنهى خدمته ورجع لبيته فيجب قتله فهو محتمل شرعًا، بدؤوا يتخذون القرارات السريعة وغير المدروسة من ناحية الحكمة ومن ناحية النظرة السياسية.
كنا قد لاحظنا هذا وأعطينا ملاحظات مهمة ولكن لم يسمعوا لنا، وكان تأثيرنا محصورًا على مستوى الشباب وكان هناك محبة لنا، ولكن على مستوى القيادة كان بيننا تنافر منذ الجلسات الأولى، وقد صنفونا أنا والفقيه بأننا من القطبية وحاولوا ترويجها بين الشباب، ولكنها لم ترج خاصة بين من عشنا معهم وعرفونا، وكل محاولتهم لتشويه سمعتنا من الجلسات الأولى اصطبرنا عليها.
الذي حصل أن البيانات بدأت تصدر بشكل ركيك وبها نوع من التدبير السياسي غير الجيد، أي احتوت على أخطاء شرعية، ولكن الأشد من هذا أنهم بدؤوا يتبنون مجموعة من المفاهيم ويبثونها ويكرسونها، مفاهيم كلها أخطاء وغلو منها أنهم كانوا يقولون نحن الجماعة الوحيدة، والجماعة المبصرة الوحيدة، جماعة الراية المبصرة الوحيدة، كانت هذه هي التسميات التي يضعونها على البيانات حتى جاء في بعض بياناتهم قولهم: أن الجماعة الإسلامية تضرب أينما تشاء وكيف تشاء ومتى تشاء..! كان يقرؤه الأخ قلت له: ذاك الله، اقتداءً بالحديث الذي قال فيه الأعرابي: «إن مدحي زين وذمي شين»، فقال رسول الله ﷺ: (ذاك الله)١٬٢٣٦في السنن عن البراء بن عازب، قال: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ذَاكَ اللَّهُ ﷻ). ينظر: سنن الترمذي (3267) وصححه الألباني، مسند أحمد (15991).؛ فكنا نعلق من مرة لمرة وكانت تعليقاتنا تبلغهم، وكان لديه قائمة واجهونا ببعض الأمور.. واجَهْنا نوعًا من المحاصرة، ومارسوا علينا الإرهاب، في كل هذه المدة كنا نحاول الخروج من البلد والسفر، فقد كنا هناك والسيف علينا، وكان وضعنا بصفة عامة وضع الضيف ووضع الرسل، والمفترض أن نسافر، وقد قمنا بمحاولة سفر وفشلنا فيها ورجعنا من الحدود، وقبض علينا في الحدود ليوم كامل، وحين حاولنا السفر أنا وعبد الرحمن قطعنا الطريق من بين جيش ودرك، فأمسكونا الجمارك، وكانت أوراقنا غير مضبوطة، فبقينا يومًا كاملًا ونحن نحاول الخروج، ولكن الجمارك رفضوا إخراجنا ووجدنا بينهم شخصًا فيه بعض الخير فقال لنا: سأخرجكم ولكن ترجعون من دبداب، فقد كنا ختمنا الأوراق بختم دبداب وهذه دبداب من جهة غدامس، وحينما أتينا للخروج خرجنا من بوكريمر من جهة تونس، والأمر الذي كان سيكشفنا أنه في اليوم الذي عملنا فيه الأختام من دبداب كان مغلقًا ولم نكن نعلم بذلك، فهم فطنوا لذلك وقالوا كيف أتيتم والمنطقة مغلقة؟ ألهمنا ربنا أن نقول: نحن دخلنا بطريقة خاصة مع وفد ليبي دبلوماسيين وتجار وكذا، ونحن دخلنا معهم، وكان محتملًا كشفنا ولكن ربنا ستر، ومع المراودة فخشينا أن يذهبوا بنا إلى العاصمة ويتعرفوا علينا، فأنا كنت هاربًا من السجن وهاربًا أصلًا من العاصمة قبلها، فأنا هربت من الجزائر وأول دخول لي جئت هاربًا وذهبت للجبل مباشرة، فلا أستطيع السفر ولا أستطيع ركوب الطائرة، فذهبت للجبل وكانت جميع الأجوبة التي يجيبها المجاهد، ورسائل القاعدة من الشيخ وحتى الرسائل التي كتبتها كانت مع أخ جزائري آخر فرتبها وسفرتها معه للإخوة في السودان، وبلغ الإخوة الإجابات، واستأذنت في البقاء بالجزائر فقالوا لي: ابقَ لا مشكلة، لكن عندما بدأت المشاكل بيننا وبين قيادة الجبهة الإسلامية التقيت بالإخوة الليبيين كعبد الرحمن الفقيه وعاصم وصخر الذي قتلوه فيما بعد، وعبيد الله، وفاروق، وسلمان، ومجموعة..
[السائل: وعروة؟] لا، عروة لم يذهب حينها للمجاهدين، وهو ذهب للزواج وكان بعد هذه المرحلة وبقي في العاصمة وتزوج جزائرية، كان هناك لديه علاقات واتصالات وتزوج هنا ثم أتى ولكنه لم يأتِ هذه المرحلة، المهم نحن كنا بصورة ضيوف ورسل فكنا نحاول السفر ولم يساعدونا، ولا يريدون أن نخرج والسبب أننا سنخرج ونخبر عنهم، فلذلك لم يساعدونا في الخروج، ولكننا بإلحاحنا وضغوطنا سمحوا لنا بالسفر، فحاولنا بجهودنا الشخصية وبجوازات ليبية قديمة دخلنا بها، لم أستخدم جوازي بل جواز أحد الإخوة أخذته وغيرت الصورة في الجبل، وعندما طلعنا عملنا الختم في دبداب، فالحمد لله كانت في الجمارك أي مسئولوا الحدود كانوا يسمون شرطة الحدود والجمارك، هؤلاء أمسكونا نهارًا كاملًا أي اثنا عشرة ساعة من النهار حتى حلَّ الليل، وقالوا لنا: اذهبوا ودبروا أنفسكم من المكان الذي أتيتم منه، فعند رجوعنا رجعنا إلى الزيتوني وجماعته، لم يكن لدينا حلٌّ آخر، فجوازاتنا مضروبة والحمد لله الذي أنجانا، رجعنا إليهم وبقينا لديهم ثلاث سنوات، وخلالها ولمدة سنتين وثمانية أشهر لم أرَ أهلي وأبنائي، كانوا قريبين في العاصمة وأنا في الجبل، المسافة بيننا أقل من خمس وثلاثين كيلو مترًا، كانت العاصمة تحتي والبحر أمامي، وكانت فترة حرب ومرحلة صعبة جدًّا، وبسبب صعوبة المرحلة وبداية الانهيار، المهم أننا لما رجعنا وبقينا مع الجماعة وكانت السنة الأولى جيدة إلى حد ما خاصة أنني كنتُ مع الأخ أبو طلحة الأغواطي الذي حدثتكم عنه سابقًا، وشاركتُ في بعض العمليات معهم، وعملت بعض الدروس فكانت مرحلة جيدة ولكن ما بعدها وخاصة بعد محاولتنا السفر ثم رجوعنا بقينا لعدة أشهر ثم جاء أمر من جمال زيتوني أمر فيه بأن فلانًا وفلانًا وفلانًا عليهم الذهاب للمركز الفلاني ويبقون فيه، فوضعونا في شبه إقامة جبرية، أي وضعونا في مركز في الغابة، هذا المركز يسمى «مركز العبور» وهذا كان كإدارة ويأتي إليه أناس من كتائب مختلفة ليرتبوا أمورهم، وضعونا هناك في وسط الغابة وقالوا: لا تتحركوا، فجلسنا فيه أربعة أشهر لم نغادره، وكنا نبعث بالرسائل والخطابات ونرقق الكلام ولكن دون جدوى، حتى مرَّ علينا جمال، وقبلها أخبرنا حسن حطاب -بعد تغير أبو طلحة الذي حولوه إلى منطقة أخرى ومجيء حسن حطاب أمير المنطقة الثانية إلينا- فأخبرنا بأنه يجب أن لا نتحرك حتى يأتينا الزيتوني، فجاء أثناء مروره مع الكتيبة الخضراء وهذه كتيبة خاصة مسلحة بأجود ما لديهم من أسلحة، وكان فيها عنتر الذي كان مرافقا دائمًا له، وكان من ضمن هذه الكتيبة عدد من الأشخاص منهم «عبد الرزاق البارا» الذي تم القبض عليه في تشاد قبل عامين أو ثلاثة أعوام مع جماعة من السواح الألمان، هذا الرجل عقله كعقل عصفور، كان طويلًا وكبيرًا جدًا لكنه مسكين لا يعرف شيئًا، حتى العلم الشرعي والثقافي لا يعرف منه شيئًا، كان رجلًا في الجيش في فئة المظليين أي عسكريًّا في المظلات، عقله في كرشه! رجل أكلٍ، أكل أمامي في بعض المرات عشرين برتقالة، وهذا من غرائب الأكل، طبعًا أنا لم أعدها ولكنه هو أكل مجموعة ثم قال: هذه الرقم عشرين، والإخوة بجانبه شهدوا بأنه يأكل هذه الكمية بكل راحة، ويمكن أن يأكل ثلاث دجاجات أو أربع دفعة واحدة!، كان مسئولًا عسكريًّا في مرحلة من المراحل، وفي مرحلة كان مسئول كتيبة، وفي غالب المراحل لم يكن مسئولًا، وكان رجل مهمات ورجل أعمال خاصة أي كمين كان هو يقوده ويعمل أي شيء يوكل إليه، حقيقة كان رجلًا لا يعرف الموت، شجاعًا لدرجة التهور، يخرج أمام العساكر ويضربهم حتى يكمل مخزونه ويعبئ وهو واقف ويكمل الضرب، كان رجلًا بلا عقل لا يفهم قضية الإخلاص في العمل ونحوها، فكان يعمل العملية ثم يبدأ يحكيها للإخوة ويمثلها بسذاجة عجيبة، شيء عجيب والله! رجل قائد عسكري وعقله في بطنه، هذا الرجل مسكين بسيط تورط بعد فترة الانحرافات ومشى في طريق عنتر فترة، وتورط في مقتل إخوة، قاتل معهم وارتكب الفظائع معهم ثم تركهم لأسباب، ثم بعد أن استمرت الانشقاقات وكان آخرها هذا الذي عملوه في الصحراء والذي فيه الأجانب السياح الذين أخذهم هو وكان قد عمل مجموعة خاصة به لا تنتمي لأي جماعة أبدًا، وقُبض عليه في تشاد وكان موجودًا في السجن في الجزائر ثم سلموه بوساطة ليبية، مسكين جويهل لدرجة كبيرة، ولكن سبحان الله نموذج في الشجاعة، وكأن الموت ليس موجودًا في قاموسه، نحن ندخل للمعركة ونحسب حساب الموت، ولكن هو لم يكن موجودًا عنده.
المهم أن جمال زيتوني جاء وطبعًا كان لا بد أن نراه ويرانا ونريه الرسائل، عندما أتى أتذكر أننا وقفنا معه تحت الشجرة، وسألناه: نحن جالسون هنا فترة -نعوذ بالله من موقف الذلة-، كان فيه تكبر والله أعلم ولديه أبهة، فقال: أنا بلغني أن بعض الناس تكلموا عنا في الخارج -في السودان تحديدًا؛ لأن كل الإخوة كان تمركزهم في السودان آنذاك-، وأنا سأتأكد بطرقي الخاصة ثم نرى، كنتُ أعلم أن كلامه هذا تهديد أو تخويف، فطفقنا نحن نبرر: ليس لدينا أي اتصالات ولا علم لنا بهذا الشيء، وليس لنا أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد، وأنت تعلم أنه ليس لنا اتصالات ونحن هنا منذ أربعة أشهر، وفعلًا لمدة سنة ونصف لم نتصل بأي هاتف، وقبلها كنا نتصل بإخوة هناك في بريطانيا منهم الشيخ أبو المنذر، وإخوة من الجماعة الليبية المقاتلة هناك كانوا هم وسيلة التواصل بيننا وبين الإخوة في السودان، كنتُ أتصل بهم وأقول لهم: بلغوا الإخوة هناك، فكانوا يبلغون أنس السبيعي حيث كان هو المختص بأمنيات الشيخ في تلك الفترة، وهو أخ ليبي من قبيلة السبيعي ويسمون بالسبيعات، وهي قبيلة كبيرة ينسبون أنفسهم إلى بني عامر[أخ من الحضور يقول: قبيلة العتيبي ينسبون لبني عامر، والسبيعي لبني صعصعة]، المهم كنا تقريبًا لمدة سنة وأكثر لم يكن لدينا اتصال، كنا نفهم موقف الزيتوني مسبقًا وبعد اللقاء تأكد لنا الموضوع، فهم خائفون من تحدثنا ونقلنا للمعلومات عنهم، فقد بدأ الإخوة يتكلمون عنهم في بريطانيا والسودان، وبدأت الأمور تنكشف وتتضح وكان ذلك في منتصف عام 1996م.
بقينا في المركز فترة، وبعدها جاءت مجموعة وكنت قبلها قد كونت صداقة ومحبة مع شخص اسمه زكريا وهو قبائلي من قبائل البربر، كان رجلًا عسكريًّا ومسئولًا عسكريًّا، وكان أمير أجناد في المنطقة هناك، وكان تابعًا لأبي طلحة، جاء فترة بعد أسبوعين لإجازة فرأيته رجلًا طيبًا ودودًا مثقفًا -ما شاء الله- أحببته وأحبني والتقيت به لعدة مرات، فجاء زيارة ثم بعد فترة طويلة انقطع عنا، ولكن بعد أن جاء الزيتوني توافق أن جاء زكريا لمنطقة أخرى وعند مروره عمل جولة وبما أنه رجل عسكري فهو يأتي للقيادة ويأتي لمشاورات وأمور كهذه، فمرَّ علينا في المركز الذي كنا نقيم فيه إقامة جبرية وأخبرني بسرٍ فقال: فلان أخبرني -فلان هذا هو أبو الوليد الذي أخبرتكم عنه من الأغواط من منطقة غرداية، وهم قبائل من بني مزاط، يسمونهم (الجبيلية) كالجبيلية الذين لدينا في ليبيا، أباضية أصولهم أمازيغية، وهم إباضيون كإباضية عُمان وينتمون إليهم ويعترفون بالخليلي ويعتبرونه مفتيهم، يوجدون في ليبيا والجزائر، هذا الرجل منهم ولكنه أصبح سنيًّا، وكان عضوًا في مجلس الشورى، لم يكن لديهم أمور محددة 100% في النظام، ولكن كان هناك أعضاء معروفون بأعضاء مجلس الشورى وكان منهم-، فقال لي: جاءتني أخبار وتكلموا في مجلس الشوري عنكم، ويفكرون بالتخلص منكم أو تكلموا في قتلكم فانتبهوا لأنفسكم، وهذا الرجل أعرف صدقه وإخلاصه لي وأعرف أنه ناصح، ولديه علاقة بذلك ولا يعلم بأن علاقته بي حميمة، فكان الأمر أنهم يفكرون بتصفيتنا أنا وعبد الرحمن صاحبي، حينها ذهبت مباشرة لعبد الرحمن وعاصم وصخر كنا أربعة إخوة، وبقية الإخوة الستة كانوا قد ذهبوا إلى الشرق للإخوة المقاتلة، وجميع الإخوة كانوا من الجماعة المقاتلة إلا أنا، المهم أن الأخ أبلغني على وجه النصح وذكرني أنا وعبد الرحمن بالتحديد دون بقية الإخوة؛ لأنهم لم يكن لديهم أي إشكال مع القيادة، فصخر كان رجلًا عسكريًّا بعثه الإخوة المقاتلة من باب معاونة ومساندة الإخوة في الجزائر في أمور التدريب حيث كان مدرب تكتيك وتنفيذ، وعاصم كان مختصًّا بالوثائق فني ولديه مهارات متعددة، وهو الرجل الأول في تزوير الوثائق بالجماعة الإسلامية المقاتلة، وهو من ختم لي جوازي تحت الشجرة، وكان ماهرًا أيضًا في الخراطة، كان يصنع التور، وقد فتح في الجزائر ورشة وبقي يصنع الأسلحة ويصلحها، وكان خبير متفجرات، متعدد المواهب -ما شاء الله-، والآن هو مسجون في ليبيا في العاصمة، فهؤلاء من الكوادر الليبية التي أرسلها الإخوة في السودان لإعانة الإخوة في الجزائر، ولكنهم في الجزائر لم يستفيدوا منهم في العمل وقالوا: لا نريد، كان لديهم نوع من التنطع وأمورٌ بعضها تجاوزات لم أَحْكِها، المهم كنا أنا وعبد الرحمن المقصودين بالقتل لأن البقية لم يكن لديهم علاقة بالعمل القيادي أو الفكري، هم إخوة فنيون فلم يذكروا بشيء لأنهم لم يحتكوا بهم واقتصر عملهم على الكتائب، فعاصم اشتغل في الورشة ونشط فيها وكانوا يحبونه جدًّا، وكذلك صخر، وأما نحن الاثنان فقد تكلمنا وناقشنا وجادلناهم، وقد قالوا أننا مبتدعة، ورددنا عليهم في مرحلة من المراحل في بداية الأمور.
بعد أن أخبرت الإخوة قررتُ أنا وعبد الرحمن الهرب بأي وسيلة، فهم يريدون قتلنا وفي أي لحظة يمكن أن يأتوا لتصفيتنا، فلا بد من المغامرة والهروب، كلمنا عاصم وقال: أنا معكم، وكان عقلانيًّا متفتحًا يعرف الأمور، ويعرف الناس ويعرف الفساد، وكلمنا صخر وكان طيبًا من النوع الذي يصعب إقناعه، حاولنا إقناعه بضرورة الهروب وأخبرناه بنية هؤلاء، فقال: هذا مستحيل ولا يوجد ما يُبنى عليه..، سهرت معه ليلة لإقناعه، وجاء عبد الرحمن وكلمه فلم يقتنع ولم يقبل بالهروب معنا، فعندما يئسنا منه قلنا له: سنهرب نحن وهذا قرارك وأنت المسئول عن نفسك، ولكن أنت لم ترنا ولا تعرف عنا شيئًا، وقل لهم أنك كنت على خلافٍ معنا، وفعلًا عندما هربنا استدعاه جمال زيتوني فقال له عاصم هذا الكلام، وكان الزيتوني يعتبره محترمًا بشوشًا، فقد استدعاه لديه لأكثر من مرة، وصخر لم يكن على دراية بشرهم؛ لأنه كان ضعيفًا من الناحية الشرعية، وكان عسكريًّا فقط، وقد قتله عنترة لاحقًا.
هربنا في الساعة الثانية عشر ليلًا، كان الشتاء قد انتهى وبدأ فصل الربيع، في تلك الليلة كنا نحن من نحرس المركز، ومعنا شخص ثالث جعلناه ينام، قلنا له نم ونحن سنستلم عنك، رغم أن إقامتنا في المركز إقامة جبرية إلا أننا كنا نعمل في الحراسة ولم نكن مقيدين بالسلاسل أو متهمين، وإقامتنا كانت عادية، ولقد هربنا بعد أن نام الشخص الثالث، حيث كنا ثلاثة في الحراسة وكان معي سلاح صنعه أبو عاصم في الورشة صناعة تقليدية، خرطوش صيد وماسورة ماء بولشي! كان هناك فقر في الأسلحة بشكل لا تتصوره لدرجة أن هناك إخوة في المعسكرات يبقون في المعسكرات للسنة والسنتين دون أسلحة، فيتم عمل هذا السلاح في الورشة، وكذلك القنابل يدوية إما من القنابل العادية المنتشرة أو أخرى يصنعونها محليًّا من القصدير ويلحمونها باللحام البارد ويجعلونها كالقوالب، وتشتعل بالفتيل البطيء، ومن الطريف أن الفتيل أحيانًا لا يشتعل، ولا بد من أن تُقص بشكل جديد، المهم كان حينها عوز وحاجة شديدة وفقر في السلاح، فتجد المئة شخص مثلًا يكون لديهم عشرون رشاشًا كلاشنكوف، وشيء من بنادق الصيد، فتجد خمسة أو ستة ليس لديهم إلا قنبلة، وهناك من لا يملك شيئًا من السلاح يقعد ولكن يبقى مع إخوانه ويمشي معهم وإذا انسحبوا ينسحب معهم، فيكون تأمينهم بالجملة!
كان حينها عبد الرحمن عنده مسدس إيطالي أو سلاح مصنوع محليًّا، خرجنا هكذا على بركة الله، مشينا حينها إلى منطقة قريبة اسمها منطقة الأربعاء، وكنتُ قد ذهبت إلى هذه المنطقة سابقًا مرة أو مرتين، وأعرف الطريق العام، ولكن لا أعرف تقاطيع الطريق في الغابة، وخشينا أن ندخل إلى الغابة ونجد أنفسنا بمركز لهم؛ لأن الغابة مشكلة معقدة والاتجاهات فيها يصعب معرفتها كالصحراء وربما أصعب، ففي الصحراء يمكن أن تهتدي بالنجوم ولكن الغابة يمكن أن ترى نجومًا ويمكن أن لا تراها بسبب الأشجار، لم يكن لدينا حل إلا أن نمشي في الطريق الذي يبلغ طوله 25 كيلو متر، ولو أننا قطعنا طريق الغابة لكانت المسافة أقل من 10 كيلو متر، فكان لا بد أن نجول منطقة الأربعاء ومشينا مسافة 25 كيلو متر بجانب الطريق، بدأنا المشي من الساعة الثانية عشر ليلًا إلى الساعة الحادية عشر صباحًا، وفي منطقة الأربعاء كانت هناك كتيبة خارجة عن الجماعة التحقنا بها وهربنا إليها، كانت هذه المرحلة التي هربنا فيها مرحلة سميت بمرحلة الخروج، حيث بدأت الكتائب هنا وهناك تخرج عن الجماعة وتعلن الخروج عنهم لضلالها ويصدرون البيانات بذلك، وكذلك كتيبة الأربعاء أعلنت عن خروجها عن الجماعة والتي سمتها بالجماعة الضالة، الذي جعل هذه الكتائب تخرج عن الجماعة هو مقتل محمد سعيد وصاحبه عبد الرزاق رجام المسئول الإعلامي، فقد بدأ جمال زيتوني قبلها بعدة تصفيات وأصدروا بيانًا اسمه: «الصواعق الحارقة على الجزأرة المارقة»، وبدأ لديهم مشروع أسموه «مشروع تطهير الصف من المبتدع»، فبدؤوا في تصفية الناس الذين أسموهم المبتدعة من الإخوان والجزأرة والقطبية، وكان تنطعًا شديدًا جدًا حتى وصلوا إلى مرحلة يقتلون فيها الناس تحت تهمة «جامعي» أي ملتحق بالجامعة، فكل جامعي هو من الإخوان والجزأرة، وكانت مرحلة فتن وليس بالسهولة على المجاميع أن تغير في هذه المرحلة، ويجب التريث والتأسيس لمعرفة طريقة التحرك.
بعد بداية مشروعهم استدعوا محمد سعيد وصاحبه لمنطقة وقتلوهما فيها، ثم قالوا أنهما قُتلا بكمين للطاغوت، وكان هذا أمرًا مشهورًا حيث تنصب الكمائن من الحكومة فيُقتل فيها خمسة أو ستة أشخاص، فحاولوا ترقيع الأمر بهذا القول، ولكن الناس لم يقتنعوا بذلك، فكانوا يتساءلون: أين هذا الكمين؟، لأنه عندما يحصل كمين في أي مكان كانت القرى والمدن القريبة ومن فيها من الناس وفي الجبال يسمعون الرصاص ليلًا ويعلمون أن الطاغوت كان هنا ونصب كمينًا، أيضًا لو قُتل محمد سعيد في كمين فإن الحكومة ستأخذ جثته، وعادةً عند مقتل أحد القادة يتم أخذ الجثة وعرضها على التلفاز ويعلنون مقتله ويحللون جثته وهكذا لإثبات مقتله، وإن لم يكن شخصًا معروفًا للدولة فإنهم سيقتلونه ويتركون جثته، وإن لم تأخذه الدولة فأين جثته؟ وأين تم دفنه هو وصاحبه عبد الرزاق؟
بدأت الأسئلة وكثرت وبدأ إلحاح الناس والشعب لمعرفة الحقيقة، وبدأت الاتصالات من بريطانيا حيث كان هناك الكثير من الإخوة كأبي قتادة، وأبي مصعب السوري، وأبي الوليد، والجماعة المقاتلة، كانت لندن في تلك الفترة بحبوحة للإخوة، والاتصالات ترد منها لمعرفة ما حدث.
زادت الضغوطات حتى وصلت جماعة زيتوني إلى مرحلة لم يستطيعوا فيها تحمل هذه الضغوطات فأصدروا بيان «الصواعق المارقة على الجزأة المارقة» واعترفوا فيه بأنهم قتلوا محمد سعيد وعبد الرزاق رجام، وأنهم سيستمرون في قتل كل المبتدعة، ثم بعد ذلك بفترة أمسكوا عبد الوهاب العمارة حيث استدعوه لديهم فذهب إليهم بنية طيبة فأمسكوه وعذبوه، وأصدروا تسجيلًا مرئيًّا له يعترف بطريقة تشبه طريقة الطواغيت تمامًا في التعذيب واستخراج الاعترافات، واعترف بالفعل بأنهم كونوا تنظيمًا وأنهم كانوا يخططون للانقلاب على الجماعة، ثم قتلوه وقالوا هذه اعترافات الفاسق المبتدع، ولم يكفروه حينها، بل قتلوه لأنه لديهم مبتدع، وكان طبيبًا وقائدًا لكتيبة الفداء، ويُحكى عنه أنه رجل صالح.
[ مداخلة أحد الحضور: وعبد الحق؟] عبد الحق لم أره، سمعت من الإخوة في الخارج خبر مقتله، ولكن عندما كنت في الداخل لم يكن لدي أي معلومات عنه، سمعت من الإخوة في الخارج أنه دخل إلى الجزائر في أوائل 1996م تقريبًا، وقُتل في الجزائر، وكان جزائريًّا ودخل للجهاد وقُتل غالبًا، ولكن ليس لديَّ يقين بقصة وتفاصيل مقتله أو من الذي قتله، ولكن الناس وأهله كذلك تحدثوا عن مقتله.
بعد مقتل محمد سعيد بدأت الجماعة تعلن وتتبجح بأن لديهم مشروعًا لتطهير الصف من المبتدعة والجزأرة، وكنا لا نزال لديهم، فعندما جاء هذا البيان هربنا، وخرجت في نفس الفترة مجموعة من الكتائب من ضمنها كتيبة الأربعاء، وكتيبة المدية، والمدية هذه منطقة مهمة جدًا وإستراتيجية، وكذلك الأربعاء منطقة إستراتيجية قريبة من العاصمة، وكانت معقلًا من معاقل المجاهدين، حتى في أيام الثورة ضد فرنسا، وتضاريس المنطقة مساعدة في منطقة في سفح جبل وخلفها الجبال والأودية.
كتيبة الفداء هي من أول الكتائب التي أعلنت خروجها على الجماعة عند صدور البيان، فبعد يومين أو ثلاثة أعلنت الفداء والمدية بيانًا بالخروج، وبعدها بأيام أعلنت منطقة الأربعاء كذلك خروجها، فهؤلاء عندما سمعنا بخروجهم فتحت لنا آفاقًا، خصوصًا أني قد زرت منطقة الأربعاء في أيام الرخاء وأعرف فيها إخوة مسئولون، فعند هروبنا كانت خطتنا أن نتوجه إلى الأربعاء وكان أقرب مكان لنا وكان هناك كتائب أخرى خرجت ولكنها بعيدة قليلًا..
هربنا من الحراسة عند الساعة الثانية عشر ليلًا، ورتبنا أمورنا كما ذكرت وكنا نمشي جريًا خاصة النصف الساعة الأولى، كان يجب فيها أن نجري جريًا قويًّا حتى نبتعد عنهم، وحاولنا تخطي الطريق والانحراف قليلًا عن الطريق المعتاد، حتى اقتربنا من طريق الأربعاء ولم يكن خلفنا أحد، ولكن قيل لنا فيما بعد أننا تجاوزنا كمينًا قد أعدته جماعة حسن حطاب، لا أعلم مدى صحة هذا ولكننا لم نشعر بشيء والحمد لله، وسبحان الله الذي أعاننا فقد كان الجو باردًا وكانت هناك زخات مطر بسيطة، فلو أن الجو كان حارًا لتعبنا كثيرًا، كنا نمشي لمسافات ثم نستريح، وهكذا حتى وصلنا قبل الأربعاء بقليل وصلينا وارتحنا ثم واصلنا المشي إلى أن وصلنا عند الضحى وكانت الساعة الحادية عشر صباحًا تقريبًا.
في منطقة الأربعاء وقبل أن نصل إليها كان الإخوة فيها قد خرجوا على جماعة زيتوني وبدأت الحرب بينهم، وكانت أي كتيبة تعلن الخروج عنهم تبدأ القتال معها مباشرة، فحين وصولنا كانت الحرب قد بدأت، وكانت الطرق ملغمة من قبل جماعة الأربعاء، وكان التلغيم بأنابيب الغاز وأسطوانات الأكسجين المخصصة للحام، وكانت حرب الألغام في الجزائر قديمة، كانت في تلك الفترة على أشدها وتستعمل على نطاق واسع جدًّا، فقد كانوا يستخدمون اليوريا وخلائط المستودعات والأسمدة ويخلطونها مع السكر أو النجارة بعد إذابتها ثم الطحن ثم الرحى وهكذا، وكان لديهم خليط ثان مكون من اليوريا -نترات الأمونيا- مع الكافور والفحم والزيت المحروق، وكنت أحفظ هذه الأمور وعملت معهم بها في الورشة لفترة، وكان لديهم مواد متفجرة أصلية عسكرية ولكنها كانت قليلة جدًّا وغالبًا يصنعونها بأنفسهم، المهم كانوا في ذلك اليوم قد لغموا الطريق وكانوا مرابطين على الألغام، لم يكن لديهم ريموت للألغام، الحركة الجهادية الآن تطورت، كانت الألغام في ذلك الوقت تعمل بالأسلاك يقولون: فلان وفلان مرابطان على اللغم، فكان اللغم يوضع على الطريق ويدفن السلك ويحفر له مئة متر في الأرض ويختبئ المرابطون تحت شجرة أو عوسج ويترصدون للسيارات القادمة، ويمكن أن يبتعدوا عن الشجرة ويجلسوا في بيت أو منطقة، وإذا جاءت قافلة من بعيد يرجعون إلى تحت الشجرة وينتظرون مرور القافلة لتفجير اللغم، وعندما مررنا باللغم كان هناك اثنان من الإخوة مرابطان فقال أحدهما للآخر: فجر، قال الآخر انتظر قليلًا، ولم يعرفونا آنذاك ولكنهم قالوا أن أشكالنا كانت غريبة، وأتينا ونحن نضع الأسلحة على أكتافنا ويظهر علينا التعب والإرهاق فلم يكن يظهر علينا أن مقدمنا لشر، فالأخ تثبت قبل التفجير رغم أن صاحبه يحرض على تفجير اللغم بنا، وعندما تجاوزنا اللغم جرى إلى المركز وكلم الإخوة فيه فانتشروا بسرعة، فعرفنا بعضهم عند مقدمنا فاستقبلونا والحمد لله، وعشنا لديهم حوالى عامين تقريبًا وكنا نتنقل في فترات لأماكن أخرى خارج الجماعة، ورتبت لمقدم الأهل وكانت الأمور جيدة..
استمر الزيتوني أميرًا للجماعة الإسلامية حتى قتلته كتيبة المدية، حيث عملوا له كمينًا وقتل هو ومن معه من أصحابه، وكان معه حينها عبد الرزاق البار ذلك الشجاع -أبو كرشة- ولكنه لم يُقتل.
بدأت مرحلة عنتر بعد مقتل زيتوني فكانت أشد انحرافًا، رغم أن الانحراف بدأ يُمارس في نهاية عهد زيتوني حيث كانت المجازر وبعض الأعمال المنحرفة، وبدؤوا يرتقون ويكفرون الناس فصار التكفير فكرًا لديهم، وكان هناك أمور يصعب أن أسردها أو أن أذكرها، فهم لم يصلوا لهذه الدرجة من الانحراف مرة واحدة وإنما بالتدرج، ووصلوا إلى مرحلة القناعة بتكفير الناس، فالناس حينها بدأت تتعاطف مع الكتائب التي خرجت من الجماعة، بدأ هؤلاء يحقدون على الناس ويمارسون إذلالهم، وعندما جاءت مرحلة الانتخابات صوت الناس وشاركوا فيها بقوة، فكفرتهم الجماعة واعتبروا كل من شارك في الانتخابات كافرًا مع الطاغوت، ثم بدؤوا بتصنيف الولايات فهذه ولاية محاربة وتلك ولاية مرتدة وهكذا، وأول ولاية بدؤوا بها كانت ولاية اسمها (تيبازة) في غرب الجزائر، كان رقم لوحات السيارات فيها هو 42، وفي الجزائر كل منطقة وكل ولاية لديها رقم لوحة تبدأ به السيارة، فكان المتعارف عليه أن تنظر للوحة السيارة لتعرف المنطقة، فكانوا عندما يجدون سيارة برقم 42 يُقتل صاحبها مباشرة؛ لأنه من ولاية محاربة كما زعموا وذلك لأسباب معينة لا أتذكرها ولا أفهم كيف ذلك، فكانت هذه بدايتهم بالحكم على المناطق بأنها محاربة، ثم بدؤوا بعمل حواجز، فكان أي باص يأتي من المنطقة الفلانية يُقتل من فيه، فانتشرت عمليات قتل شنيعة جدًا في كل مكان، وانتشرت المذابح في كل مكان.
ثم حدثت مذبحة كبيرة في منطقة صغيرة اسمها «تالاغ» فوق الجبل على طريق جبلي وأنت في طريقك للعاصمة، دخلوا إليها في شهر رمضان في أوائل عام 1997 أو في أواسطها، فدخلوا إلى مسجد وكان ذلك بعد الانتخابات، دخلت السرية وحاصرت المسجد وشرعوا في مناداة الموجودين في المسجد، أنت تعال إلى هنا: هل انتخبت؟ فيجيب الرجل: انتخبت، أنا لا أعرف، أنا أنتخب لأجل البطاقة و.. يقولون له: اذهب إلى هناك ثم يذبحونه، ويقولون للآخر تعال إلى هنا: هل انتخبت؟ لا لم أنتخب، اذهب إلى هناك، وفي النهاية تم ذبح الجميع، ذبحوا أربعين شخصًا تقريبًا وكانت مجزرة كبيرة، الناس عندما سمعوا بالدماء وأصوات المذبوحين صاروا يتقافزون من نوافذ المسجد، فأطلقوا عليهم الرصاص وقتلوا منهم مجموعة أيضًا -وهذه رواية بعض من حضر الحادثة- وكانت في شهر رمضان في صلاة التراويح، وكانت هذه من أكبر المجازر التي بدؤوا بها، وكانت ترتكب مجازر متفرقة بعضها صغير وبعضها كبير، ولكن أكبرها مجزرة بن طلحة في ضاحية العاصمة السفلى، ومجزرة سيدي حماد، ومجزرة لاعصاص، ومجزرة التفاح، ومجازر عديدة جميعها ارتكبتها الجماعة.
هناك من يجلس على الإنترنت ويتكلم ويقول بأن الضباط من فعل ذلك وفرنسا وغير ذلك من الأمور، ونحن نستر على أهل الإسلام، هذه المجازر جميعها ارتكبت في آخر أيام الزيتوني وفي أيام عنتر، وكلها مجازر الجماعة الإسلامية المسلحة، ومعظم الكتائب خرجت منها وحتى جماعة حسن حطاب خرجت منهم لما رأت هذا الانحراف، ولم تبق إلا جماعة عنتر في المنطقة الوسطى بمحاذاة للغرب وكانت لديهم مجموعة كتائب في مناطق أخرى، وخرجت هذه الكتائب بعد سماعها للمجازر.
كانوا يرصدون القرى فينزل خمسة عشر شخصًا مثلًا ويقتلون مئتي شخصٍ، يأتون ليلًا ويدخلون البيوت ويقتلون من فيها من النساء والأطفال، يسرقون الذهب والأموال، وأتت مرحلة كانوا يأخذون فيها الفتيات!.. ارتكبوا فظائع كبيرة جدًّا وأمور لا تكاد تُصدق، بلغوا من الانحراف والجهل والضلال مبلغًا عظيمًا لا يمكن تصوره.
الحكومة ارتكبت بعض المجازر البسيطة وشاركت فيها، وتحدث بذلك بعض الناس في الخارج وكان كلامهم صحيحًا؛ فعندما بدأت الانحرافات وبعد تولي عنتر كانت الحكومة تأتي بأناس في سيارات يتظاهرون بأنهم من المجاهدين ويقتلون العوام ويهربون، وكل ذلك لتشويه صورة المجاهدين وتنفير الناس منهم، هذا ما فعلته الحكومة، أما المجازر الكبيرة المعلنة فهذه كلها من تنفيذ هؤلاء -الغلاة- وليست الحكومة.
مجزرة سيدي حماد هذه من أكبر المجازر، حين حدثت أنا كنت بجانبها في الجبل وهم قريبون منا، أصبحنا صباح ذلك اليوم والدنيا مليئة بالقتلى، لم نشعر بهم في الليل لأنهم لم يكونوا يطلقون النار، معظم قتلهم بالسكاكين والفأس، كانوا يستخدمون سكاكين فرنسية أصلية اسمها (أوبنال) أتمنى أن أجد مثلها الآن، لم أر مثلها في حياتي، لديها نصل لوحي وعند إغلاقها لها مخبأ وتُطبّق، حديدها قوي جدًّا وحادة جدًّا، لديها درجات «8 - 10 - 12 - 20» و20 هو أكبرها، كان لديَّ 8 وهذا متوسط، لم يكونوا يستخدموا النار إلا قليلًا، وكان استخدامهم الغالب للسكاكين، وقد يكون هذا سبب عدم سماعنا لهم.
كان كل الناس لديهم كفار بدخولهم في الانتخابات أو عدمه، حكموا على الناس بالكفر، وبعد خروج الكتائب عليهم ونبذهم الناس تم فقدان ثقتهم فبدؤوا يتضاءلون، واستمروا لمدة سنة تقريبًا والناس في بلاء منهم، وكانت الناس تؤمن نفسها منهم، وكانت فترة العام 1997م فترةً مريرة وصعبة للغاية، مرحلة جعلت الحليم حيرانًا، والله رأيت من الناس العقلاء والعباد والطيبين لم يعودوا يصبرون على ما حل؛ فذهبوا لتسليم أنفسهم للحكومة، ولم نكن نستطيع أن نظهر وجوهنا للناس، عندما يرانا الناس يقولون: «أبو لحية هو أبو لحية»، انتشرت هذه المقولة بين الناس، حينها لا يمكنك أن تقنع الناس بأنك رجل طيب، وأنك لست من المنحرفين، لا مجال لذلك، يجب عليك الهروب فقط.
في حادثة أقسم بالله أني كدت أبكي منها، كنا نمشي في منطقة الأربعاء في منطقة اسمها زبربر قريبة من جبال زبربر، وهي مشهورة جدًّا ومن معالم الجزائر، وكان فيها الثوار أيام الثورة، جبال كبيرة وعالية، كنا نمشي في منطقة من الأربعاء إلى كتيبة هناك -اسمها الغرباء-، مشينا ليومين وشعرنا بالعطش ولم يكن لدينا ماء وخلال مشينا مررنا ببيوت في الجبال وفيها أشجار لوز، منطقة اشتهرت باللوز، وجدنا في طريقنا فتى صغير عمره أحد عشر عامًا تقريبًا، ناديناه فلم يجب علينا وهرب؛ لأن المنطقة يمر بها هؤلاء الخوارج المجرمون، قلنا له: تعال لنكلمك، فخرجت لنا والدته العجوز وظلت تصرخ بصوت عال جدًّا وأخذت ابنها وهربت، فكانت مفارقة؛ كيف كان الناس يستقبلوننا ويحبوننا، فكان المنظر صعبًا للغاية، الناس لم تعد تتحمل هذا الإجرام، ولا يمكن أن تقنع الناس بأنك مجاهد، فكانت مرحلة صعبة جدًّا بشكل لا يتصور، مجازر في القرى يروح ضحيتها القرويون، تُوقف السيارات فيُقتل منها خمسة أو ستة بشكل يومي فهذا أصبح أمرًا معتادًا في كل يوم، وهذا غير ما ينقل في الإذاعات من المجازر الكبرى التي يكون ضحيتها أربعون أو خمسون أو مئة شخص، هناك قتل بشكل يومي، مرحلة طويلة من القتل والقتل والقتل؛ فبدأت القرى تحرس نفسها، وضاقت الناس ذرعًا بتلك الجرائم، فأصبحوا يشتكون للحكومة وبدأت الحكومة بتسليح الناس، والناس يحرسون، توفرت الأضواء الكاشفة «الكشافات» أين ما تذهب تجدها، فكان الناس يحرسون في كل مكان، وأهل القرى يحرسون ليلًا، أصبحنا لا نستطيع المشي ليلًا وسابقًا كنا نمشي ليلًا بكل أريحية، ولو احتجنا أي شيء في السابق كنا نطرق أبواب البيوت فنسأل الناس، وكانوا يدلوننا على الطرقات، أما بعد هذه المرحلة لم نعد نقدر على التحرك، حالة صعبة حتى الأشخاص الطيبون من المجاهدين الأخيار الذين ينكرون هذا وهم على منهج صحيح وباقون في صلاحهم وعملهم لم يعد لديهم مجال للعمل، الناس فقدت الثقة بنا، فكانوا يقولون: «أبو لحية هو أبو لحية».
كل هذه الأحداث والمجازر حدثت في المنطقة الوسطى، أما الشرق لم يحدث به أي مجازر، حتى في الوقت الحاضر الجماعة الجهادية عندما رجعوا إلى الجزائر رجعوا من الشرق، وبداية العودة من الشرق لأنها كانت بخير، الفساد كله كان في المنطقة الوسطى، جهة العاصمة وبليدا ومدية وبومرداس، تقريبًا أربع ولايات هي ما حصل فيها كل هذا، ولكنها تمثل حوالي 60 إلى 70 % من الدولة.
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: التجربة الجزائرية
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا