السؤال الأول: هل أجمع العلماء على أن معنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله؟

ص 1044

الجواب وبالله المستعان: نعم؛ قد أجمع لا العلماءُ فقط بل كلُّ عقلاء المكلفين ممن بلغتهم هذه الكلمة على ذلك، ولا شك ولا ريب أن هذا هو معنى هذه الكلمة الطيبة كلمة التوحيد وكلمة الإخلاص، هذا مقطوع به، معلومٌ علمًا يقينيا وضروريًا من الدين ومن بعثة محمدٍ ﷺ ورسالته؛ فإن جميع العقلاء ممن استجابوا لدعوة محمدٍ ﷺ وهم المسلمون المؤمنون، وممن صدوا عنها وكفروا بها ولم يستجيبوا له وهم الكافرون، يعلمون أن معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق تنبغي له العبادةُ وحده لا شريك له إلا الله ﷻ، وهو الله رب السموات والأرض ورب كل شيء وخالق الخلق ورازقهم ومحييهم ومميتهم، وجميعُهم يعلمون أن محمدًا ﷺ بُعث بذلك ودعا إليه الخلق وأمرهم به ونهاهم عن ضده؛ فكل الدين والشـريعة، والكتاب والسنة وما في معناهما ولغة العرب التي جاء بها هذا الدين وهذا الرسول الخاتم ﷺ دالة على ذلك، لا يفهم منها عاقل سوى ذلك ولا يمكن أن يُفهَم منها إلا هذا.. فهذا أمرٌ من أوضح الواضحات في الوجود، فلا يُحتاج فيه إلى نقل إجماع لفظيّ نـصّي، بل إذا تطلب أحدٌ نقل إجماع للعلماء على هذا على طريقة حكاية الإجماعات في كتب الفروع فإن هذا يُعَدّ من القصور في لغة أهل العلم، إذ فيه تهوين وتقليل لهذه المسألة اليقينية الكبرى وقصورٌ عن إيفائها حقَّها، فهذا لا يقال فيه: هل نقل فيه إجماعٌ أو لم ينقل.

وإن كان المراد: أن هذا اللفظ المفسـر لهذه الكلمة العظيمة -كلمة التوحيد- وهو المحكي في السؤال؛ هل هو مجمَعٌ عليه، فهذا كذلك لا يُحتاج إليه لأن لفظ الإله واضحٌ معناه في اللغة وضوحَ البديهيات المنقولة بالتواتر من لغة العرب، وأقرب لفظٍ مرادفٍ له يفسّره هو «المعبود».

فالإله معناه المألوه، وهو المعبود، والتألّه هو التعبد والعبادة.

فمعنى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»: لا مألوه أي معبود، أي بحقّ -وهو الحقيق والجديرُ بأن يَعبُدَه الخلقُ-، إلا الله تعالى.

وقولنا: «أي بحق» احتيج إلى هذا التفسير للاحتراز من الآلهة الباطلة المدعاة.

فإن أبا جهلٍ وأبا لهبٍ وأمية بن خلف وأشباههم يقولون: «اللات» إلهٌ، وهم يعبدونه، وكذلك «العزى» و«مناة» و«هُبَل» وغيرها.

والهندوس يقولون: هذه البقرة إلهٌ.

وعبدة الشمس والقمر والأشجار والأحجار والأنهار والفروج وغيرها يقول كل واحدٍ في معبوده: إنه إلهٌ.

فكل هذه في الحقيقة وفي نفس الأمر ليست آلهةً، بل هي مخلوقات من مخلوقات الله تعالى، ضعيفة عاجزة فقيرة حقيرة، واللهُ تعالى هو الذي خلقها وأوجدها ومتى ما شاء أماتها وأهلكها؛ فهم كاذبون في زعمهم أنها آلهة وتسميتهم لها آلهةً، خاطئون ضالون، ولهذا جاء في كلام الله تعالى مجادلةً لهم: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ﴾ [النجم: ٢٣].

فقولنا «لا إله إلا الله» واضحٌ معناه، وأنه نفي لكل تلك الآلهة المزعومة المدعاة المكذوبة، فهم يقولون: هُبل إله، ونحن نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، فكلامنا نص في تكذيبهم ورد قولهم والبراءة من دعواهم ونفي أن يكون شيءٌ إلهًا إلا المستثنى وهو الله، فقط لا غير، عز وجل وتقدّس.

ص 1045

أبو جهل يقول: هبل إله. نقول له: لا إله إلا الله وحده.

والهندوسي يقول: البقرة إله. نقول له: لا إله إلا الله وحده.

وهكذا..

ولهذا فهذه الكلمة الطيبة هي نفي وإثباتٌ، كما هو واضح.

فإن «لا» هذه هي التي يسميها علماء النحو لا النافية للجنس، وهي نص في نفي جنس مدخولها إذا بُني معها، وهي عند «سيبويه» ومن وافقه مع مدخولها المفرد المبنيّ -في مثل كلمة التوحيد- في موضع الرفع على الابتداء، وخبرُها محذوفٌ وهو إما كونٌ عامّ، والتقدير: لا إلهَ كائنٌ أو موجودٌ، أي بحقّ، أو كونٌ خاصٌّ والتقدير نحو: لا إلهَ حقٌّ أو بحقٍّ، ثم استثنى لأن المراد هو الإثبات على سبيل الحصـر، فقال: إلا الله، فالمستثنى مرفوع على البدل من المستثنى منه لأن الكلام تامٌ منفي.. والله أعلم.

وعلى كل حال؛ عند الشـرح لها نحتاج إلى هذا التفسير لمزيد التوضيح، لأنه يقال لنا: قد قيل إن هناك أشياء كثيرة هي آلهة عبدها أقوام كثيرون، فنقول: تلك آلهةٌ باطلة كاذبة مدعاة زورًا، وهي في الحقيقة ليست آلهة.. إلخ.

فنقول: لا إله إلا الله معناها: لا معبودَ -أي بحقٍّ- إلا الله تعالى.

أي: لا إله في الحقيقة وفي نفس الأمر إلا الله تعالى، وكل ما سُمّي إلهًا -سماه قومٌ من الأقوام الضالة- غيرَ الله فهو كذبٌ وزورٌ وضلالٌ.

هذا معناها، وهذا كما قلتُ لك قطعيّ القطعيات ويقينيّ اليقينيات، وليس في الوجود أوضح ولا أبين منه.

وإنما نبّه الفطنون أهلُ الهداية من العلماء على خطإ من فسّـر من المنتسبين إلى العلم كلمة التوحيد بقوله: لا ربَّ إلا الله.

ص 1046

وبيّنوا أن تفسير الإله بالرب غيرُ صحيحٍ؛ لأنه ليس المقصودُ بكلمة التوحيد نفي الربوبية عن غير الله وإثباتها لله وحده، فإن هذا معنىً صحيحٌ بلا شك، لكنه ليس هو المقصود إذ لم يخالفْ فيه أحدٌ ممن بُعِثَ النبي ﷺ إليهم، لا أبو جهل ولا غيرُه، فإنهم كلهم مقرون أن الله تعالى هو ربهم بمعنى أنه هو الخالق البارئ الرازق المحي والمميت الذي يدبر الأمر ولا يعجزه شيء وهو أكبر وأقوى من كل شيء.. إلخ وهكذا أكثرُ الأمم يقرّون بذلك، إنما خالفوه في عبادة هذا الربِّ وحده لا شريك له، فإنهم إما لم يعبدوه رأسًا وعبدوا غيرَه، أو عبده غيره معه، وهذا الثاني كان الأكثر في مشـركي العرب، ولهذا كثر في لسان الشرع تسميتهم بالمشركين.

ثم إن اللفظ لا يعطي المعنى الذي ذكره المخطئون المشار إليهم، كما بيناه أعلاه، فإن معنى الإله هو المألوه أي المعبود، وليس معناه الرب، وفرقٌ بين معنى الرب ومعنى الإله في اللغة.

ولهذا يحتج الله ﷻ على المشـركين بالربوبية لإثبات الإلهية (الألوهية) في آيات كثيرة من الكتاب العزيز مثل الآيات التي فيها: ولئن سألتهم من خلق كذا ليقولن الله، فإنه يقررهم بربوبيته تعالى ليتوصل بها إلى إثباته تفرده باستحقاق العبادة سبحانه.

كقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨﴾ [الزمر].

وغيرها من آيات المحاجة كقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢﴾ [الأنعام].

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣﴾ [يونس].

وقوله على لسان عيسى عليه السلام: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١﴾ [آل عمران]

والحاصل أن مَن فسَّـر «لا إله إلا الله» بقوله: لا رب إلا الله فهو مخطئ، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أنهم قسمان:

قسمٌ مخطئون في التفسير للجملة الشريفة، وسبب خطئهم ظنهم أن الرب مرادفٌ للإله، فأرادوا توضيح كلمة الإله بكلمة مرادفة تبيّنها فاختاروا كلمة «رب» فنتج هذا الخطأ، ولو تنبّهوا للفرق لفطنوا وانتبهوا وصححوا اللفظ.

ص 1047

وقسمٌ من الزنادقة المنتسبين للقبلة من غلاة المتصوفة ونحوهم أو من أهل الكلام والفلسفة والإلحاد؛ فهؤلاء مرادُهم أن هذه الكلمة الطيبة معناها اعتقاد أنه لا رب للوجود إلا الله تعالى، وجعلوا ذلك غاية التوحيد، فمن أقرّ به فهو موحّدٌ في زعمهم، بقطع النظر عن قضية: هل عبدَه وحدَه لا شريك له والتزم بذلك أو لا، وهؤلاء -الذين يقولون ذلك ويعتقدونه- كفارٌ ولا كرامة معاندون لما جاء به الرسول ﷺ خارجون عن دينه الذي بعثه به الله ﷻ، نعوذ بالله من سوء حالهم ومقالهم وعاقبتهم.. والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

❖ ❖ ❖