* الجهاد والدعوة

ص 1683

نريد أن نركز على بعض النقاط ونذكر بها ونتناولها بالفحص والتأمل؛ فالكلام في الجهاد والدعوة يطول وهو ذو شجون وله حلاوة أيضًا، لكن أهم شيء أن نعرف العلاقة بين الدعوة والجهاد؛ لأننا لاحظنا في مسيرتنا في العمل الدعوي والجهادي أن بعض المجاهدين قد يتخيل أن الجهاد هو مرحلة بعد الدعوة؛ فإذا تمت الدعوة وانتهت يبدأ الجهاد.. هذا المفهوم يتكون عند بعض الأفراد أو الجماعات أننا في حالة جهاد ولسنا في وقت دعوة، وأننا تجاوزنا الدعوة، وهذا لاحظناه في بعض الأوساط، لاحظتها أنا في الساحة الجزائرية -على سبيل المثال، والأمثلة كثيرة-.

أحد الإخوة كان معنا وهو رجل في الإعلام -المفروض أنه مثقف-، وكان أخوه ضابطًا في الشرطة، ويستطيع أن يراسل أخاه ويكلمه ويدعوه، والواسطة هي الأهل؛ فيقول: أرسلوا هذا لفلان؛ فأهله كانوا في المدينة وهو معنا في الجبل، فقلت له: أخوك هذا ضابط، أما دعوته ولا كلّمته؟

فقال لي: نحن الآن في مرحلة جهاد، وانتهت مرحلة الدعوة.!

فهذا مثال وهو المفهوم المنتشر؛ فأحببنا دائمًا أن نراجع هذا ونقول: المفروض أن الجهاد والدعوة بينهما من العلاقة قدر معين؛ فلا بد أن يُفهم ويوضع في موضعه الصحيح.

وحسب ما يظهر لي من توصيف العلاقة بين الجهاد والدعوة أن بينهما خصوصًا وعمومًا من وجهين؛ فكل دعوة هي جهاد بمعنى الجهاد الأعم والأشمل، وكل جهاد هو دعوة أيضًا بمعنى أنه دعوة إلى الله؛ فجهادنا هذا هو دعوة إلى الله؛ لأننا ننصر دين الله عز وجل، ونفتح الآفاق، ونكسب قلوب الناس، ونحببهم في دين الله، ونضرب الكفار؛ فتنكف عاديتهم عن المسلمين ودين الإسلام، فنحن ننصر وندعو ونبين دين الله، نرفع قدر الإسلام وعزة الإسلام والمسلمين؛ فنهيج القلوب على الالتزام بالدين والعودة إلى الدين؛ فالجهاد هو دعوة إلى الله، والدعوة إلى الله بالمعنى الاصطلاحي هي نوع من الجهاد؛ فأنت عندما تدعو إلى الله المقصود بها الدعوة اللسانية والكتابية فهذه هي الدعوة، فنقول: هذا يدعو إلى الله، ويعمل الدروس والبرامج الدعوية ويطوف في القرى والمدن، هذه الدعوة هي أيضًا جهاد بالمعنى الأعم للجهاد، لا بمعنى القتال، بل المعنى الأعم الذي هو جهاد النفس وباللسان وبالنفقة وبالسنان، وجهاد المنافقين بالكلمة؛ فالدعوة من هذا الأمر.

والذي ينبغي أن يكون عندنا هو أن ننظر إلى جهادنا هذا أنه دعوةٌ في سبيل الله، دعوة إلى الله وإلى دينه، ورفعةٌ لدين الله، وحمل للناس عليه، وتهييجهم على أن يلتزموا بهذا الدين وبأحكام الله، وأن يحبوا شريعة الله وأن يسعوا في تحكيمه وتطبيقه؛ فهذا المفهوم هو المفروض يجب أن يكون عندنا؛ أن ننظر إلى جهادنا أنه دعوة إلى الله ﷻ.

[أحد الحضور: هل يجب على أحد إن كان أخوه في الجيش مناصحته؟]

ص 1684

الشيخ: لا، هذا مستحب، ولا يجب، هم من قومنا وأصلهم مسلمون، والمرتد لا تجب دعوته أصلًا، لكن أنا أتكلم عن الاستحباب، والمستحضَر أننا نحن دعاة، ولنفرض أن أخاك كافر وهو مع الأعداء، وأتيحت لك الفرصة أن تكلمه؛ لماذا لا تكلمه وتدعوه إلى الله؟ ولو أن كل واحدًا منا مارس الدعوة فيمن حوله من الناس أقاربه وأشقاؤه وأهله وأهل الحي ومعارفه؛ دعوة شفهية بالمشافهة، وهي من أحسن وأقوى وسائل الدعوة قبل الكتابة.

[أحد الحضور: هل الدعوة بالنسبة للمجاهدين واجبة على كل أحد؟ أم مقتصرة على طلبة العلم فقط؟]

الشيخ: الدعوة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها تفصيل؛ فمنها واجب ومنها مستحب؛ فإذا رأيت أناسًا جهالًا لا يعرفون أداء الصلاة ولا يقيمونها صحيحة ولا يوجد أحد يعلمهم إلا أنت المتعلم فيتعين عليك تعليمهم، ولو كنتَ لا تعرف؛ فيتعين عليك أن تأتي بمن يعلمهم، وكذلك في أسرتك وتحت رعايتك زوجة وأولاد؛ فأنت مسؤول عليهم في أخطائهم ويجب عليك تعليمهم، لا أقول لك: اقرأ عليهم كتب الفقه واجعلهم فقهاء! أو اقرأ عليهم أبواب النكاح والطلاق والعدد والظهار والنفقات!! هم لا يحتاجون هذا؛ كما نتكلم في العلم فمنه العيني الواجب على الإنسان أن يطلبه، ومنه المستحب.

وكذلك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب؛ لا بد من التفصيل فيه، لكن بصفة عامة علينا أن نستحضر أننا دعاة إلى الله ﷻ؛ فجهادنا هذا هو نفسه دعوة حتى لو لم نتكلم ولا كلمة، أنا هذا مقصودي، لو فرض أننا لا نتكلم أبدًا لا عندنا منابر إعلاميه ولا عندنا مشايخ يخرجوا فيتحدثوا؛ فقط نجاهد ونضرب الكفار؛ جهادنا هذا دعوة إلى الله، ولكن نحن مع هذا لا نرضى بذلك فقط بل ندعو إلى الله باللسان مع الرصاصة ونتكلم ونكتب ونرد على الشبهات وندعو إلى الله عز وجل؛ لنبين توحيد الله ﷻ، ونبين لماذا نجاهد وندعو الناس أن يكونوا معنا وأن يعودوا إلى الإسلام وأن يلتزموا بدين الله، ونوضح لهم التوحيد والإيمان ونحثهم على العمل الصالح وننهاهم عن ضده ونبين لهم محاسن الإسلام ونرغبهم فيه ونبين لهم زيف الثقافة الغربية والغزو الثقافي ونرد عاديته ونرد عليه بالحجج المنطقية والعقلية وغيرها؛ هذه كلها دعوة إلى الله عز وجل لسانية نحن نمارسها مع الجهاد.

ص 1685

وكذلك القتال هو نفسه دعوة إلى الله، ثم معه الدعوة اللسانية والكتابية، ثم معه أنواع أخرى من الدعوة مثل الإنفاق في سبيل الله والأعمال الخيرية والاجتماعية ونصرة الناس وخدمتهم لتأليفهم على الإسلام؛ هذه كلها من وسائل الدعوة التي نمارسها في عملنا الجهادي، والمهم أن نكون دائمًا مستشعرين أننا دعاة إلى الله.

ربعي بن عامر h لما دخل على رستم قال له: ما أنتم؟ ولم يقل من أنتم! لم يسأل عن تعيين أسمائهم، يسأل عن ماهيتهم: ما هي حقيقتكم، ما هو كُنهكم؟!

قال: «نحن قوم الله ابتعثنا..»، وهنا يظهر استشعار الصحابة أنهم مبعوثون من قِبَل الله عز وجل، ونحن أيضًا الله ابتعثنا وهذا الابتعاث هو بعث (يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها)١٬٢٢٨سنن أبي داود (4291) وصححه الألباني.؛ فالله ﷻ ينشئ خلقًا ويغرس غرسًا من الناس يصلحون للناس دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويجددون لهم دينهم، وقد كان الصحابة يستشعرون أن الله باعثهم، هذا معنًى من معاني البعث.

قال: «الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد -أولًا التوحيد-، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» ١٬٢٢٩تاريخ ابن كثير (9 / 621، 622) وقال: «رواها سيف عن شيوخه» وسيف هو ابن عمر التميمي صاحب كتاب «الردة والفتوح» وهو متروك الحديث؛ اتهمه جماعة بالوضع، لكن قد يُستأنس بمثل هذا الحديث خاصةً مع وجود شواهد على حوادث مثله، مع الأخذ بالاعتبار أن العلماء يتسامحون في نقل الروايات التاريخية والاستفادة منها، وهو الراجح؛ في تفصيل ليس هذا محله..

فقد كانوا مستحضرين أنهم دعاة إلى الله؛ ولهذا كان حرصهم وتشوفهم وميلهم الكبير دائمًا أنهم يُدخلوا الناس في دين الله ولهذا قالوا في تفسير قوله عز وجل: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال أبو هريرة: «خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ» والحديث في صحيح البخاري١٬٢٣٠صحيح البخاري (4557)..

ص 1686

وهكذا كان الصحابة وقيادات الإسلام وأئمتهم ومن سار على نهجهم؛ كان عندهم دائمًا استحضار أنهم دعاة إلى الله، مقصودهم الأول هو هداية الخلق؛ ولهذا فمن غايات الجهاد ومقاصده هداية الخلق؛ فالله ابتعثنا وأمرنا أن نسعى في هداية الخلق ونشرح لهم الإسلام وندعوهم إلى توحيد الله ونعبّدهم لله عز وجل، ونخرجهم من عبادة الأرباب والآلهة الباطلة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا كله موجود في كلام الصحابة رضي الله عنهم.

فالوظيفة الأساسية للداعية والمجاهد في سبيل الله هي هداية الناس، وأن يكون عامل هداية لهم ويستجلبهم لدين الله ويعبّدهم لربهم ومولاهم عز وجل.

وقد يحصل عند بعض الناس أحيانًا أن يغلب عليه إرادة قتل الناس والتخلص منهم، وهذا حينئذ يصير انحرافًا، وجزء من هذا حصل في الجزائر وكان هذا مع بداية الانحراف؛ حتى وصلوا إلى الانحراف الكبير وصاروا تكفيريين وخوارج يقتلون الناس ويكفرون المسلمين عمومًا، لكن في البدايات قبل هذا الانحراف وقبل أن يتضح كان هناك مجموعة من المفاهيم السيئة التي لاحظناها من بينها ظنهم أنها غلبة القسوة والشدة.. لدرجة أنهم يكفّرون الشخص ليقتلوه! ولدرجة التشوف أحيانًا لقتل بعض الناس قبل أن يهتدوا! فبدل أن يمنحهم فرصة أن يهتدوا أو يخاطبهم أو يكلمهم، يقولون: نقتلهم قبل أن يفهموا؛ فهذه مفاهيم لاحظناها وهي انحرافات ثم بعده تؤدي إلى الانحرافات الكبيرة وتغلب لو لم تعالج.

ص 1687

أما نحن فنقول: إن مقصدنا وغايتنا من الجهاد هي هداية الناس وهي أحب إلينا من أن يكونوا كفارًا وأن نقاتلهم ونقتلهم، وأن يسلم الكافر أحب إلينا من أن نقتله؛ فليس المقصود الأول أن نقتله! المقصود أن يهتدي، ولكن لأن كثيرًا من الناس لا يهتدون لا سيما من الطواغيت وأنصارهم وجنودهم وجيوشهم؛ فهنا لا بد من القتال: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣﴾ [البقرة] لا بد أن يقتتلوا؛ لأنهم اختلفوا على التوحيد، اختلفوا على عبادة الله عز وجل، ويحصل الجدل وتحصل الدعوة، لكن لا يمكن أن يستجيب للدعوة كل الناس؛ فشرَع الله القتال، وهذا هو عنوان واقعية هذا الدين، صفة واقعية في هذا الدين تكلم عليها سيد قطب١٬٢٣١انظر: خصائص التصور الإسلامي، فصل: الواقعية (ص 174)، هذا الدين لسيد قطب (ص 59 وما قبلها). والمفكرون الإسلاميون: «الواقعية في هذا الدين»؛ فهذا الدين دين واقعيٌّ بمعنى أنه يمكن تطبيقه ويراعي الواقع ويعرف كيف يتعامل معه ويغيره وليس مجرد مثاليات وخيال؛ فهذا من ضمن الوسائل التي نريد أن نوضحها.

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: * الجهاد والدعوة

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا