الفصل الأول: ذكر أصلٍ ضابط لمسائل البدعة وتحرير الإشكال فيها

فقد تقرر في الشريعة الإسلامية المطهرة بما لا ريبَ فيه ولا جدال: النهيُ عن الابتداع في الدين، والتحذيرُ من البدعة، وذمها وذمُّ أهلها، وهذا محلُّ اتفاقٍ وموضعُ قطعٍ في ديننا الحنيف.

أصلُهُ أن الله تعالى أتم علينا نعمته بأن أكمل لنا الدين، ولم يُتوفَّ رسولُ الله ﷺ خاتمُ النبيين إلا وقد أكمل لنا بيان الدين والشريعة، وذلك منقسمٌ إلا ما هو مبيّن بالنص عليه بعينه، وما هو مشمول بعمومات ألفاظ الشارع أو داخلٌ تحت سائر الدلالات الصحيحة المعتبرَة عند أهل العلم، وخلاصتُها ما هو مبحوث في علم أصول الفقه، والحمد لله رب العالمين.

قال الله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [النحل: ٨٩]، قال ابن الجوزي في زاد المسير: «قال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شيء من أمور الدين، إِما بالنص عليه، أو بالإِحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله ﷺ أو إِجماع المسلمين» اهـ٧٧٥زاد المسير في علم التفسير (2/ 578)..

وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩﴾ [النساء]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقال تعالى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣﴾ [النور].

ص 1053

والمخالفة عن أمر الله تعالى تكون بالنقصان منه أو بالزيادة فيه ما لم يشرعْهُ.

ومن الحديث النبوي الصحيح: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي ﷺ وفيه: (فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم٧٧٦صحيح مسلم (867)..

وروى الترمذي وأبو داود واللفظ له وغيرهما من حديث العرباض بن سارية h عن النبي ﷺ، وفيه: (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)٧٧٧سنن أبي داود (4607)، سنن النسائي (1578)، وصححه الألباني..

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبيّ ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا مـا ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم٧٧٨صحيح البخاري (2697)، صحيح مسلم (1718).، وفي رواية أخرى عند مسلمٍ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)٧٧٩أوردها البخاري معلقة (قبل ح 7350)، صحيح مسلم (1718)..

ومعنى الحديث: من أحدث في ديننا ما ليس منه فما أحدثه فهو مردود عليه.

ثم كلام السلف من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم في التحذير من البدع وذمها كثير جدًا.

ص 1054

وكسائر شأن الدين؛ والشريعة فإن الأمرَ عند جِدّته وطراوته وقوة حلاوته وحسن تلقيه وأخذه بقوة وعزيمة كاملة وتوافر الديانة والطهارة والبُعدِ عن التكلف عند الجيل الأول الجيل الفريد صحابةِ رسول الله ﷺ -رضي الله عنهم أجمعين- كان واضحًا على الجملة وضوحًا من القوة بحيث يُستغنى بها عن الخوض في كثير من التعمّق في التفريع، وكان أمر الحياة والمعيشة بسيطًا غير معقّدٍ جدًا، فلم يحصل في جيلهم في أواخره إلا أشياء يسيرة مما وقع البحث فيها عندهم: هل هي مما يشملُهُ وصفُ البدعة والابتداع وذمُّ الشرع لها أو لا، وكالعادة كان ذلك على درجات متفاوتة، كما وقع لهم في مسألة المناخل وهي الغرابيل والدقيق -طحين الحنطة ونحوها- المنخول فوقع البحث والكلام من بعضهم هل هو مما يُذَمُّ ويدخل تحت البدع أو لا، فكرهه بعضهم، وله محملان إما أنهم رأوه بدعة فعلًا، أو كرهوه احتياطًا أي لأنهم خشوا أن يكون مشمولًا بمعنى البدعة ووصفها أي رغم أنهم مترددون فيه غيرُ جازمين، فيكون من الورع. وكما وقع لأبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في الإنكار على أصحاب قصة الذكر الجماعي المخطط المبرمج في مسجد رسول الله ﷺ إذا صحت القصةُ٧٨٠هذه القصة ذكرها ابن وضاح والشاطبي في الاعتصام، وقد رواها الطبراني وعبد الرزاق وأبو نعيم والإمام أحم د في الزهد، ولم نر من ضعفها من أهل العلم، وقد احتج بها الشاطبي وابن دقيق العيد وابن الجوزي، وليس في القصة أنها وردت بالمسجد النبوي، أخرج الدارمي (222) أن أبا موسى الأشعري جاء إلى أبي موسى؛ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته-ولم أر والحمد لله إلا خير- قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: ما رأيت؟ قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مئة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك، وانتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟!، ثم مضى، ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. قال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج... وهكذا في أمثلة معدودةٍ.

ولعل من رحمة الله تعالى أن ذلك من الصحابة رضي الله عنهم يكون كالمثال الذي ينبني عليه شيءٌ من فقه مَن بعدَهم من الأمة، وهذا لعله جزءٌ من معنى أن اختلافَهم رحمةٌ، وهو بمعنى التوسعة وبمعنى أن مَن بعدَهم يستفيد من طريقتهم في حل المسائل ومعرفة حكمها، كما استفيد مما وقع من اقتتالهم مثلًا في الفتنة؛ رضي الله عنهم أجمعين.

ثم إن الحال بعد جيل الصحابة كما هي سنة الله في خلقه صارَ إلى نقصٍ، وهكذا إلى آخر عمُر الدنيا.. ومن هنا كان الفقهاء والأئمة في العلم والدين من أمتنا محتاجين إلى بيان تفصيليّ لكثير من المسائل والأنواع من التصرفات وأفعال المكلفين، هل هو مما يدخل في البدعة أو لا.

وحاصل الأمر:

أولا: أنهم احتاجوا إلى تعريف البدعة وضبطها ضبطا أصوليًا وبيان معناها وما يدخل فيها وما لا يدخُلُ.

وثانيا: تلخّص من النظر في هذا المجهود أن الأمرَ في نهايته على طرفين ووسطٍ:

ص 1055

* طرفٌ لا إشكال في كونه بدعةً، بحيث يكادُ يُجمِع الجميعُ أو يتوافق أكثر أهل العلم من أهل السنة والجماعة على أنه بدعة، لقوة وضوحِ بدعيته (دخوله في معنى ووصف البدعة).

* وطرفٌ لا إشكال في سلامته من البدعة (أنه لا يدخل في البدعة)، على عكس الأول.

* وطرف وسطٌ هو محل التجاذب والتردد والإشكال.

فلا تخلو المسائل كلها في هذا الباب أن تكون من أحد هذه الأقسام الثلاثة، ولا رابع لها بدليل الحصر.. فسبيل القسمين الأول الثاني واضحٌ، وهو أن ما كان بدعةً فيجب اجتنابُهُ والنهي عنه، وما علمنا أنه ليس ببدعةٍ اعتقدنا مشروعيته والحمد لله.

وسبيل القِسْم الثالثِ هو ما يحتاجُ إلى شيءٍ من التوضيح:

فالمشروع فيه الاحتياطُ في الدين، واستعمالُ الورعِ، والتباعُدُ عما يَضيرُ، فهو من اتقاء الشبهاتِ، ومن طلب السلامة للدين، ومن خشية انخرام الاستقامة، ومن ترك ما يَريبُ، ومن علوّ الهمّة.

لكن هذا المقام يحتاج إلى توضيح أمورٍ:

ما معنى الاحتياط في الدين؟ وما حكم هذا الاحتياط ومتى يكون مطلوبًا؟ ومتى يرجَحُ عليه غيرُهُ أي تركُ الاحتياط؟ وهل يلزم الجميعَ (كلَّ الناس أو جمهورَهم) الأخذُ بالاحتياط؟

[البحر: الرجز، السريع]

[البحر: الرجز، السريع]

وَذُو احْتِيَاطٍ فِي أُمُورِ الدِّينِ 

مَنْ فَرَّ مِنْ شَكٍّ إِلَى يَقِينِ٧٨١ذكره الشنقيطي في: أضواء البيان (1/ 349) ولم يعزه، بل قال: قال الناظم.

فهو أخذ جانب الاطمئنان إلى الحكم الشرعي، ومن صور ذلك مسألة الخروج من الخلاف.

فهو مندوبٌ إليه (مستحبٌّ)، غيرُ فرضٍ، إذ الواجبُ هو ما دل الدليلُ الشرعي الواضحُ على تحتّمِ فعله أو تركه، والاحتياطُ ليس من ذلك؛ بل هو من اتقاء الشبهاتِ المندوب إليه.

لكن هل استحباب الاحتياط مطلقٌ؟ أو يكون تركُ الاحتياط أرجح أو واجبًا في مواطن؟

الجواب: أن الاحتياط ليس مطلوبًا مطلقًا، بل بقيودٍ، منها كما يتحصّل من كلام أهل العلم:

- ألا يعارض دليلًا شرعيًا أقوى.

ص 1056

- وألا يؤدي إلى مشقة خارجةٍ عن المعتادِ، ولا سيما إذا تعلّق بالجمهور (عموم الناس وكثرتهم) وصرّحوا أن احتياط الإنسان لنفسه مستحبٌّ، لكن ليس لأحدٍ من سلطانٍ أو مفتٍ أن يحرّج على الناس بحملهم على الاحتياط.

ولذلك نقول رجوعًا إلى مسألتنا: إذا اتضح للناظر الـمعين (المجتهد، أو من كان في حكمه) بشكل راجح وهو غلبة الظن أو اليقين، أن هذا الأمر هو من أحدِ الطرفين بدعة، أو غير بدعة بل مشروعٌ، فإنه يعمل بما تبين له.

فإن حصل التردد في الأمرِ هل هو بدعةُ أو لا، ولم يستطع الترجيح لا بنفسه (مجتهد أو متبع) ولا بواسطة غيره (وهي حالة العاميّ المقلد للعلماء الموثوقين عنده) فإنه يحتاطُ، ويترك ذلك الأمر خوف كونه بدعة.

هذا هو الأصل.. إلا إذا كان يقع في حرجٍ بترك ذلك الأمر، وذلك بظهور الحاجة إلى فعله، فحينها لا بأس بالإقدام على الفعل، لأن الحاجة ترفع الكراهة، بمعنى أنها تبيح الإقدام على المكروه، ولا كراهة فيه حينئذٍ للفاعِلِ المحتاج.. والله أعلم.

معنى البدعة: ثم اعلم أن من أحسن من حرر معنى البدعة وبسط الكلام فيها من المتأخرين هو الإمام الشاطبي رحمه الله (توفي سنة790 هـ) في كتابه «الاعتصام»؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وغالبُ من كتبَ بعدَه في الموضوع مستفيدٌ منه، مع تحريرات وتقييدات مفيدة لكثير من العلماء، قبله وبعده، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، وأسأل الله أن يجعل هذه الأسطر مفيدةً نافعةً مبارَكةً مقبولةً عنده تعالى.

قال الشاطبي رحمه الله في الاعتصام في تعريف البدعة -بواسطة اختصار الشيخ السقاف- وما بين [المعكوفين] مني: «وأصل مادة «بَدَعَ» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ [البقرة: ١١٧] أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أي ما كنت أوَّل من جاءَ بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنَّه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه.

ص 1057

ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة [قلتُ: ثم الظاهر أنه الغالبُ على الاستعمال]؛ فمن هذا المعنى سُمِّيَ العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة فالبدعة إذن عبارة عن: «طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنَّما يخصها بالعبادات، وأمَّا على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: «البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية»، ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد.. فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنَّما قُيِّدت بالدين لأنَّها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها، وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.

ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خُصَّ منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنَّما خاصَّتها أنَّها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأْي أنَّه مخترع مما هو متعلق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأُصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنَّها وإن لم توجد في الزمان الأوَّل فأُصولها موجودة في الشرع. [قلتُ: يضافُ إليه أنها ليست بنفسها عبادةً ودينًا محضًا، بل فيها الشائبتان].

فإن قيل: فإنَّ تصنيفها على ذلك الوجه مخترع. فالجواب: أنَّ له أصلًا في الشرع، ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سُلِّم أنَّه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، وسيأْتي بسطها بحول الله.

فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًا لا إشكال في أنَّ كلَّ علم خادم للشريعة داخلٌ تحت أدلته التي ليست بمأْخوذة من جزئي واحد؛ فليست ببدعة ألبتَّة.

وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة، لأنَّ كلَّ بدعة ضلالة من غير إشكال، كما يأتي بيانه إن شاء الله.

ص 1058

ويلزم من ذلك أن يكون كَـتْبُ المصحف وجَمْعُ القرآن قبيحًا، وهو باطل بالإجماع فليس إذًا ببدعة.

ويلزم أن يكون [ثمتَ] دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة.. وإذا ثبت جزئيٌ في المصالح المرسلة، ثبت مطلق المصالح المرسلة.

فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة، بدعة أصلًا.

وقوله في الحد «تضاهي الشرعية» يعني: أنَّها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة:

منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.

ومنها: التزام الكيفيات والهَيْئَات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدًا، وما أشبه ذلك.

ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.

وثَمَّ أوجهٌ تضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعة، فلو كانت لا تضاهي الأمورَ المشروعة لم تكن بدعة، لأنَّها تصير من باب الأفعال العادية.

وقوله: «يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى» هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.. وذلك أنَّ أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات]؛ فكأنَّ المبتدع رأى أنَّ المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أنَّ ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ.

ص 1059

وقد تبين بهذا القيد أنَّ البدع لا تدخل في العادات.. فكل ما اختُرِع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية. [وهذا السطر الأخير مشكِلٌ، فندعُهُ الآن، ولا يبعُدُ أن كلمة «في الدين» خطأ، والتحقيق أن القيدين في التعريف: «في الدين» و«يقصد بالسلوك عليها المبالغة.. إلخ» راجعان إلى معنى واحدٍ وهما متلازمان.]» ٧٨٢مختصر الاعتصام (ص 7 - 10). اهـ.

معقد الإشكال في مسألة البدعة:

إن معظم الإشكال -والله أعلم- في باب البدعة يأتي من جهة التداخل في أفعال المكلف بين ما هو تعبّديّ (أي أنه عبادةٌ وقربةٌ ودينٌ بشكل واضح) وما هو عاديّ (أي ليس بعبادةٍ ولا قربة ولا من الدين بمعناه القريب المباشر).

فما كان من الدين والعبادة والقربات فتدخُلُه البدعة، بلا إشكال.

وأما ما كان من الأمور العادية وهي تصرفات الناس الحياتية الدنيوية التي ليست موضوعة بالأساس موضع العبادة والقربة، فليست من «الدين» بمعناه القريب الواضح؛ فهذه قد دلّت أدلة الشريعة على أن الله تعالى وسّع على المكلفين فيها وقال النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)٧٨٣صحيح مسلم (2363).، وإنما سيّجهم بسياجات الحرام البين لا يتعدّونه، وأباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وأمرهم بفعل الخير والأسباب والوسائل المعينة عليه، ونهاهم عن الشر والظلم والبغي والعدوان والأسباب والوسائل المؤدية إليه.

لكن المشكلة أن كثيرًا من تصرفات الخلق (أفعال المكلفين) يكون فيها تداخلٌ بين الوصفين، فهي من جهة «تدينٌ» وعبادة، ومن جهة هي أمرٌ عاديّ مما يتصرّف به الناس في حياتهم «ارتفاقًا» أي انتفاعًا وتيسيرًا، ففيها الشائبتان؛ «شائبة العبادة» و«شائبة العادة»، وقد تغلب هذه الشائبة وتكون الأكثر ظهورًا، وقد تغلب تلك.

ومن هنا بحث الشاطبي: هل للبدعة مدخل في العاديات (وهي الأمور العادية الحياتية غير التعبدية، وضابطها أنها التي لا يقصد بها التعبد لذاتها):

قال الشاطبي رحمه الله في الاعتصام -بواسطة اختصاره للشيخ علوي السقاف-: «أفعالُ المكلفين -بحسب النظر الشرعي فيها- على ضربين:

ص 1060

أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات.

والثاني: أن تكون من قبيل العادات.

فأمَّا الأوَّل: فلا نظر فيه ها هنا.

وأمَّا الثاني -وهو العادي-: فظاهر النقل عن السلف الأوَّلين أنَّ المسألة مختلف فيها؛ فمنهم من يُرشد كلامُه إلى أنَّ العاديات كالعباديَّات، فكما أنَّا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها، فكذلك العاديات والجنايات كلها عادي، لأنَّ أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مُقَيَّدة بأُمور شرعية لا خيرة للمكلَّف فيها، وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد؛ فإن جاء الابتداع في الأُمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديَّات كالعباديات، وإلا فلا.

وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب، ويتبين ذلك [بمثال] وضع المكوس في معاملات الناس، فلا يخلو هذا الوضع المُحرَّم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما، أو في حالة ما، لنيل حطام الدنيا، على هيئة غَصْبِ الغاصب، وسرقة السارق، وقطع القاطع للطريق، وما أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدِّين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا، أو في أوقات محدودة، على كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يُحمل عليه العامة، ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك.

فأمَّا الثاني: فظاهر أنَّه بدعة، إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلِّفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة، بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة، واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك؛ فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك، لأنَّه شرعٌ مُستدرك، وسَنٌّ في التكليف مَهْيَع فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم، ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نَهْيٌ عن المعصية، ونَهْيٌ عن البدعة.

فالحاصل أنَّ أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي ﷺ من أنَّها تقع وتظهر وتنتشر أُمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، والمعصية التي هي ليست ببدعة.

ص 1061

وإنَّ العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يُتَعبَّد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة، وحصل بذلك اتفاق القولين، وصار المذهبان مذهبًا واحدًا، وباللهِ التوفيق» ٧٨٤مختصر الاعتصام (ص 95 - 97). اهـ.

فهذا السطر الأخير هو الخلاصة: «العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يُتَعبَّد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة».

ويتضح ذلك بمعرفة معنى كلمة (أمرنا) في قول النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا) وقوله (من عمل عملا ليس عليه أمرنا) وقوله: (محدثات الأمور)، وقوله: (وشر الأمور محدثاتها)٧٨٥تقدم تخريج هذه الأحاديث قبل قليل..

فهذا الأمر أفردَه أحيانا وجمعه أحيانًا، وأضافة تارة إلى ضمير الجمع على معنى أمر المسلمين المنسوب إليهم، وقطعه عن الإضافة تارةً معرفًا تعريفَ العهد الذهني والله أعلم، وهو في كل ذلك معناه: أمر الدين والشريعة التي جاء بها ﷺ من عند ربه ﷻ.

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرح حديث (من عمل عملًا..): «فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره غيرُ مردود، والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد)؛ فالمعنى إذا أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع فهو مردود وقوله: (ليس عليه أمرنا) إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود»٧٨٦جامع العلوم والحكم (ص 177). اهـ.

والحاصلُ؛ أن ههنا ثلاث مراتب:

الأولى: ما كان من «الدين» ومن أمر الشارع، بلا إشكال.

الثانية: ما ليس من الدين ولا من «أمر الشارع».

ص 1062

الثالثة: ما وُجِد فيه الشائبتان وحصل فيه التداخل؛ فهو من الدين من جهة ومن زاوية وباعتبارٍ، وهو من جهةٍ وزاوية أخرى وباعتبارٍ آخر: من أمور العادات ومن التصرفات الحياتية العادية المباحة للناس أو مما لهم فيه حاجة ومصلحة.

فهذا القسم الثالث: الأمرُ راجع فيه إلى النظر والترجيح، ولذا أمكن أن يختلف فيه المفتون وتتعدد فيه أنظار أهل الفقه.

فما غلب عليه الاعتبار الدينيّ (أي: غلبَ وجهُ كونه من الدين ومن أمر الشريعة) فتدخله البدعة، ولاسيما إن انضاف إلى ذلك: علمُنا بوجود المقتضي في العهد النبوي الشريف مع عدم فعل النبيّ ﷺ وأصحابِهِ له، أو: عدم وجود مصلحة راجحة فيه ولا حاجة ذات بال تدعو إليه.

وما غلبَ عليه الاعتبار العاديّ، فلا مدخلَ للبدعة فيه، لا سيما إذا انضاف إليه: حاجةُ الناس إلى الفعلِ لمصلحةٍ راجحة.. والله أعلم.

وهو ما أشار إليه الشاطبي رحمه الله في تعريفه حين أضاف الطريقة إلى الدين، ثم قيّدها بأن تكون مقصودًا بها المبالغة والغلو في التدين والتعبد.

«وفائدة هذا الضابط في تحرير مفهوم البدعة التمييز بينها وبين ما أحدث بعد عهد النبي ﷺ مما لا يراد به التعبد بذاته، قال الإمام الشاطبي: «وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات» ٧٨٧مختصر الاعتصام (ص 10)..

ص 1063

قلتُ: ومثال هذا وسائل الركوب والاتصال وكل ما دخل على حياة الناس من وسائل الراحة التي سخرها الله تعالى لنا، بل إن هذا القيد يُخرج من البدعة أيضًا أمورًا حدثت بعد رسول الله ﷺ لا يقصد التعبد لله بذاتها، وإنما هي من الوسائل التي يوجد في أصول الشرع ما يدل على مشروعية اتخاذها لتحقيق مقصود الشرع، وذلك من باب أن الوسائل لها حكم المقاصد وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا دل الشرع على مقصد مشروع -كتسوية الصف في الصلاة- فلا مانع من اتخاذ وسيلة مباحة لتحقيق ذلك، طالما لم يرد التعبد بهذه الوسيلة وإن لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ، ومثال ذلك الخطوط التي ترسم في أرض المسجد؛ فإن هذه لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ، ومع ذلك فإنها لا تعتبر بدعة لأننا لا نتعبد لله بها، وإنما نتعبد لله بتسوية الصف ونتخذ هذه الخطوط وسيلة لضبط ذلك، وكذلك ركوب السيارة إلى المسجد لا يراد منه التعبد بركوب السيارة، وإنما يتعبد لله بالسعي إلى المسجد وتتخذ السيارة وسيلة لتحقيق هذا المقصد المشروع، ومن ذلك أيضًا علوم النحو والإعراب ونقط المصحف وإعجام الحروف، فهي وسائل لحفظ القرآن الكريم ولكننا لا نتعبد لله تعالى بذاتها وإنما نتعبد لله بالمقصد الذي تبلغنا إياه.

إن تحرير هذا الضابط مفيد جدًا في التمييز ما بين البدع المذمومة والمستحدثات غير المذمومة، ويقطع دابر التشويش الذي يحدثه البعض حين يلبسون على الناس، فيوهمونهم أن دعاة الحق ممن يحاربون البدعة يريدون أن يعودوا بالناس إلى عصر الدواب والحمير والبغال، وهذا التشويش إرجافٌ وتضليلٌ بلا ريب، فدعاة الحق في كل زمان ومكان - نسأل الله أن يجعلنا منهم - ليس لهم همٌ سوى حمل الناس على متابعة هدي النبوة، ثم ليستمتعوا بما أباحه وسخره الله تعالى لهم في الكون ما شاؤوا، وهل كان ضلال أهل الكتاب إلا عندما فرطوا في هذه المتابعة فأحدثوا في دينهم وحرفوا كتاب ربهم حتى انتهى بهم الحال إلى عبادة العباد ومخالفة صراط رب العباد» اهـ٧٨٨من كلام الدكتور وسيم فتح الله، من رسالته بعنوان: «البدع وأثرها السـيئ في الأمة» [المؤلف]..

فائدة مكملة لكلام الشاطبي المتقدم في ضابط البدعة:

وهي عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قال: «كل عبادة يُتعبد اللهُ بِها يجب أن تتحقق فيها المتابعة للرسول ﷺ، ولا يتحقق فيها ذلك إلا بموافقتها للشريعة في ستة أوصاف؛ فتغيير صفةٍ من هذه الصفات بدعة، وهذه الصفات الست هي:

1- أن تكون العبادة موافقة للشريعة في سببها، فأيُّ عبادة ليس لها سببٌ ثابتٌ بالشرع مردودة، مثل الاحتفال بمولد النبيِّ ﷺ.

2- أن تكون موافقة للشريعة في جنسها، فلو ضحى أحدٌ بفرس كان بذلك مخالفًا للشريعة.

3- أن تكون العبادة موافقة للشريعة في قدرها، فمَن زاد في الصلاة الظهر مثلًا ركعتين لم يكن موافقًا للشريعة بالعبادة في قدرها.

ص 1064

4- أن تكون العبادة موافقة للشريعة في كيفيتها، فمن ابتدأ في وضوئه بغسل الرجلين ثم مسح الرأس لم يكن موافقًا للشريعة في كيفيتها.

5- أن تكون العبادة موافقة للشريعة في زمانِها، فلا تصح صلاة الظهر قبل الزوال.

6- أن تكون العبادة موافقة للشريعة في مكانِها، فلا يصح في اليوم التاسع من ذي الحجة الوقوفُ بغير عرفة» ٧٨٩ذكرها الشيخ في عدد من المواضع بألفاظ متقاربة مع شرحها أحيانًا، ولعلَّ أجمعها في: «فتاوى نور على الدرب - قسم البدعة»..

نماذج من تصرفات العلماء في نحو هذه المسائل:

* في «فيض الباري شرح صحيح البخاري للعلامة أنور الكشميري: باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة»: «يريد أن مثل هذه التعيينات لا تعد بدعة، والبدعة عندي ما لا تكون مستندة إلى الشرع، وتكون ملتبسة بالدين، ولذا يقال إن الرسوم التي جرت في المصائب بدعة دون التي في مواضع السرور، كالأنكحة وغيرها، فإن الأولى تُعَدّ كأنها من الدين فتلتبس به بخلاف الثانية. والسر فيه أن رسوم المسرات أكثرها تكون من باب اللهو واللعب فلا تلتبس بالدين عند سليم الفطرة، بخلاف رسوم نحو الموت فإن غالبها يكون من جنس العبادات فيتحقق فيها الالتباس»٧٩٠فيض الباري على صحيح البخاري (1/ 252). اهـ، وهو نفيسٌ.

ص 1065

* ومن كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الدرر السنية: «وإنما ننهى عن البدع، المتخذة دينًا وقربة؛ وأما مالا يتخذ دينًا وقربة، كالقهوة، وإنشاء قصائد الغزل، ومدح الملوك، فلا ننهى عنه، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد، ويعتقد أنه قربة؛ لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب h، وقال: قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر٧٩١صحيح البخاري (3212)، صحيح مسلم (2485) وقد تقدم.، ويحل كل لعب مباح، لأن النبي ﷺ أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد في مسجده ﷺ٧٩٢صحيح البخاري (454، 2901)، صحيح مسلم (892). ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث الحماسة فيه، كطبل الحرب، دون آلات الملاهي، فإنها محرمة، والفرق ظاهر، ولا بأس بدف العرس، وقد قال ﷺ: (بعثت بالحنيفية السمحة)٧٩٣مسند أحمد (22291)، المعجم الكبير (7868)، وصححه الألباني في: الصحيحة (2924). وقال: (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة)٧٩٤مسند أحمد (24855، 25962) وقال الأرنؤوط: حديث قوي وهذا إسناد حسن، وقال مرة: إسناده حسن.»٧٩٥الدرر السنية (1/ 239). اهـ.

* الشيخ ابن عثيمين في خطوط تسوية الصفوف في المساجد:

قال رحمه الله في شرح نظم الورقات للعمريطي: «وهنا يرد السؤال وهو: هل الوسائل تعتبر كالمقاصد والغايات بحيث لا نأتي بوسيلة إلا إذا ثبتت بعينها عن الشارع أو نقول: إن الوسائل أوسع من الغايات فكل ما كان وسيلة لشيء فله حكم ذلك الشيء؟

الجواب: الأخير دون الأول، لكن يستثني من ذلك أن تكون الوسيلة محرمة بعينها، فهذه لا يجوز أن تستخدم، كما لو قال قائل: أنا أدعو هؤلاء الكفار بالضرب على الربابة والعود وبإسماعهم من الأغاني الخليعة، قيل له: لم يا أخي؟ قال حتى يدخلوا في الإسلام، فهذا لا يجوز. إذن فانتبهوا لهذه النقطة، لأن بعض الناس الآن يشتبه عليهم الأمر، ويظنون أن الوسائل غايات، ويقولون لابد أن تثبت الوسيلة بعينها، عن النبي ﷺ، وإلا فلا نقبلها، ونقول: أنت مبتدعٌ، ولهذا يبدعون الفقهاء في تقسيمهم العبادات إلى واجبات وأركان وشروط.

وعليه فنحن نقول: الشرع مقاصد ووسائل، المقاصد غايات لا يمكن أن نغير فيها، ولا أن نستبدلها بغيرها، والوسائل لها أحكام الغايات، مالم تكن محرمة بعينها، فإن كانت محرمة بعينها كانت حراما، وعليه فإن جعل الخط في المسجد لا يمكن أن يقال إنه بدعة وذلك لأنه ليس عبادة، وإنما هو وسيلة إلى عبادة، وهي استواء الصفوف، فإنه كما ترون لا يتم استواء الصفوف إلا بهذه الخطوط، وليست هذه الوسيلة محرمة بعينها.

فإن قال قائل: هذا السبب الذي جعلته مناط الحكم موجود في عهد النبي ﷺ، فلماذا لم يفعل، فترك النبي ﷺ الشيءَ مع وجود سببه سنة، كما أن فعله سنة.

ص 1066

فالجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه القاعدة إنما هي في حق العبادات، فالمراد أن العبادات إذا وجد سببها في عهد النبي ﷺ فلم يحدث لها أمرًا، فإن مَن أحدث لها أمرًا فإحداثه مردود عليه» ٧٩٦شرح نظم الورقات لابن عثيمين (ص 73) طبعة الأنصار المصرية. اهـ.

* جواب للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك -حفظه الله-، من فتاوى واستشارات «موقع الإسلام اليوم»:

السؤال: هل يجوز نشر الاقتراح التالي بين الناس إذا قامت الحرب؛ نحث المسلمين بالالتزام بالصيام طوال أيام الحرب، وذلك تعبيرا عمليا على رفض الشعوب للحرب وللاستفادة من الصيام في الدعاء عند الإفطار على المعتدين الأمريكيين واليهود، وهل هذا الاقتراح يدخل في البدع؟

ص 1067

الجواب: الحمد لله، لقد جاءت شريعة الإسلام التي بعث الله بها محمدًا ﷺ بكل ما فيه الخير والسعادة لمن قبلها وتمسك بها، فقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أنهم أصحاب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فشرع الله لعباده أنواع العبادات التي يتقربون بها إلى الله، ويستجلبون بها فضله عز وجل، ومغفرته، ورحمته في الدنيا والآخرة، ويستجلبون بها النصر على الأعداء، وجماع ذلك تقوى الله في السر والعلانية، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، والاستكثار من الأعمال الصالحة التي ندب الله إليها عباده في كتابه، وندب إليها رسوله ﷺ في سنته، ومن أعظم الأسباب التي شرعها الله لجلب المنافع، ودفع المضار الدعاء، قال تعالى: ﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: ٦٠]، وأخبر عن رسله عليهم السلام بذلك، وأنهم عليهم السلام يدعون الله بكشف ضروراتهم ونصرهم على أعدائهم، وهكذا كان الرسول ﷺ وأصحابه إذا اشتد بهم أمر لجأوا إلى الدعاء، لأن الأمر كله لله، والملك كله له، فبيده الملك، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، فعلى المسلمين أن يقتدوا بنبيهم عليهم السلام وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، ويهتدوا ويقتدوا بهدي الأنبياء، كما أمر الله بذلك نبيه ﷺ في قوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ولم يأت في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ الأمر بوجوب أو استحباب الاتفاق على الصيام في أيام الشدائد، من أجل تحري الدعاء عند الإفطار، فالدعوة إلى ذلك دعوة إلى ما لم يشرعه الله ولا رسوله ، فهو بدعة، ولكن يغني عن ذلك حثَّ الناس على التوبة إلى الله، والاستكثار من الأعمال الصالحة، والإحسان إلى الخلق، والإكثار من الدعاء، والتضرع إلى الله عز وجل، الذي لا يكشف الضر غيره، كما قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢﴾ [النمل]، ومن الدعاء المشروع القنوت في النوازل، ولكن إذا كان يترتب على القنوت اختلافات وشقاق فيحسن تركه دفعًا للمفاسد الناشئة عن ذلك، وغاية الأمر أنه ترك لأمر جائز أو مستحب، ومن لم يتأتى أو لم يتيسر له القنوت فأوقات وأحوال الدعاء كثيرة ليست محصورة على هذا الوجه المعروف الذي هو الدعاء في صلاة الفجر، أو غيرها من الصلوات بعد الركوع، كما قنت الرسول ﷺ، انظر: البخاري (804) ومسلم (675)، فهذا نوع من أنواع الدعاء، فالله عز وجل يسر لعباده طرق العبادة وطرق دعائه؛ فليدع المسلمون جميعًا رجالًا ونساءً برفع الشدة عن المسلمين، ونصرهم على أعداء الدين، وأن يرد كيد الكافرين والمنافقين، إنه تعالى على كل شيء قدير، ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩﴾ [الأنفال]، ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا ٤٤﴾ [فاطر]، ﴿ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ [محمد: ٤]، والله أعلم» ٧٩٧فتاوى واستشارات «موقع الإسلام اليوم» (4/ 47) بترقيم المكتبة الشاملة آليًّا. اهـ.

❖ ❖ ❖