۞ أخلاقه وصفاته وعلميَّته:
كان الشّـيخُ رحمه الله صاحبَ عبادةٍ وقيامِ ليلٍ وتهجُّدٍ للّهِ ﷻ، وكانَ قد ازدادَ تعلّقهُ بربّهِ عز وجل بعدَ تسلّمهِ لإمارةِ «جماعةِ قاعدةِ الجهادِ» أعزَّها اللهُ؛ حيثُ يتّضحُ هذا بشدّةٍ منْ خلالِ رسائلهِ العديدةِ الّتي ينصحُ فيها بالصّبرِ واللّجوءِ إلى اللّهِ ﷻ في أوقاتِ الشّدّةِ وحسنِ الظّنِّ به عز وجل والثّقة بنصـره؛ برغمِ الظّروفِ الصّعبةِ الّتي كانَ يمرُّ بها المًجاهدونَ.
وكانَ كذلكَ منْ أحرصِ النّاسِ على بيتِ مالِ المسلمينَ؛ فلا يصرفُ منهُ إلّا بقدرهِ وبالمعروفِ؛ فقدْ تكون عنده منَ الأموال أحيانًا ما يكفيهِ لسدادِ حاجاتهِ، ولكنّها أموالُ بيتِ المالِ؛ فلا يشتري لنفسه ما يأكلهُ، وإنْ فعلَ فإنّهُ يشتريْ ما قلَّ ثمنهُ ورخصَ؛ حرصًا منهُ رحمه الله على هذهِ الأمانةِ العظيمةِ.
وكانَ رحمه الله يحرصُ أشدَّ الحرصِ على تعليمِ أولادهِ وتدريسهمْ وتربيتهمْ بنفسهِ على الرّغمِ منْ كثرةِ الـمسؤوليّاتِ الملقاةِ على عاتقهِ.. كلُّ هذا مع طيبةِ قلبه؛ وخفّةِ ظلّهِ؛ فقدْ كانَ يمازحُ إخوانه ويواسيهمْ؛ معَ ما عرفَ عنهُ منْ حزمٍ وقوّةٍ في الرّأيِ والتّدبيرِ.
وأمّا حسنُ إدارته وقوّةُ بصيرتهِ فهيَ السّمةُ المميّزةُ لهُ رحمه الله، فقدْ شهدَ لهُ القاصـي والدّانيْ بذلكَ؛ حيثُ أكسبهُ العملُ في السّاحاتِ الجهاديّةِ المختلفةِ خبرةً عظيمةً قلَّ أنْ تجتمعَ في رجلِ واحدٍ.
وكانتْ شخصيّتهُ قويّةٌ رحمه الله حيثُ عرفَ عنهُ الجدّيّةُ والحزمُ، وأحيانًا «العصبيَّة»؛ فقدْ كانَ حازمًا في العملِ، دقيقًا في مواعيدهِ، ضابطًا لعملهِ.
ولعلّ من أعظمِ صفاته رحمه الله: التّواضعُ لإخوانه المجاهدينَ خاصَّةً والمسلمينَ عامّةً، وهذا منْ بركةِ العلمِ الّذي حباهُ اللهُ إيّاهُ؛ فلا يأنفُ عنْ محاورةِ الصّغيرِ ولا الكبيرِ، ولا مؤاكلتهمْ أوْ مخالطتهمْ.
وقدْ كانَ شديدَ الغيرةِ على دماءِ الـمسلمينَ وأعراضهمْ مشدّدًا فيها، ومعلنًا أعظمَ النّكيرِ على سفكها بغير حقٍّ، وهذا كلّهُ ملاحظٌ منْ كلماتهِ ومواقفهِ القويّةِ الّتي سجّلَ بعضها في هذا «المجموعِ».
وأمّا خطابه؛ فقدْ كانَ يتّسمُ بالاهتمامِ البالغِ بالتّربيةِ وترسيخِ الأخلاقِ الفاضلةِ معَ الموافقِ والمخالفِ، وتركِ حظِّ النَّفسِ وإيثارِ ما عندَ اللهِ عز وجل، وكانَ يرى أنَّ هذهِ الأمورَ منْ أولى الواجباتِ على المجاهدينَ -وهيَ كذلكَ بلا شكٍّ-، بلْ كانَ كثيرًا ما يحيلُ المشاكلَ إلى قلّةِ التّربيةِ في السّاحةِ الجهاديَّةِ.
وكذا كانَ يقف رحمه الله سدًّا منيعًا في وجهِ الغلاةِ والمتسرّعينَ في التّكفيرِ، والمتساهلينَ في الدّماءِ، وكانَ يكرّر حينَ الخلافِ: «لعلَّ للمخالفِ عذرًا.. لعلّهُ كذا وكذا» حتّى تذهبَ عجلةُ المتسرّعينَ.
وكانَ رحمه الله يراسلُ أهلَ العلمِ في المشكلاتِ والنّوازلِ الجهاديّةِ والشّرعيّةِ؛ فيصدرُ عنهمْ ويستفيدُ منْ شوراهمْ، وممّا يذكرُ هنا أنَّ أحدَ الـمشايخِ العاملينَ بعثَ لهُ برسالةٍ فيها: أنَّ سرَّ «الفاتحةِ» في ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة] فعلّقَ عليها رحمه الله: سرّها في كلمةِ ﴿ٱهۡدِنَا﴾ [الفاتحة: 6] كما تجدهُ في «سلسلةِ الثّقافةِ والوعيِ»، ولا يمنعهُ عنِ التّواصلِ معهمْ؛ كونهم يخالفونهُ في بعضِ الـمسائلِ والنّوازلِ؛ فقدْ كانَ فقهُهُ أوسعَ منَ التَّنظيماتِ والجماعاتِ، بلْ كانَ ينظرُ أنَّ العالِمَ يستفادُ منهُ ولوْ خالفنا في اجتهادهِ.
والـمـتـتــبّعُ لكلامِ الشّيخِ رحمه الله يلحظُ ما حباهُ اللهُ منْ فقهٍ في الدّينِ، وفهمٍ عنِ اللهِ رّبِّ العالمينَ، وما كانَ عندهُ منْ قوّةٍ في الحافظةِ، وسيلانٍ في العلمِ؛ فقدْ تتبّعتُ كثيرًا منْ كلامه؛ فعلمتُ أنّهُ -وبلا شكٍّ- كثيرًا ما يحدّثُ منْ حفظهِ، ويستدلُّ على مسائلَ كثيرةٍ من ذاكرتهِ، معَ تواضعٍ شديدٍ، وفهمٍ كبيرٍ، وكانَ يقولُ: «التّأليفُ لعلّهُ ما زالَ مبكّرًا على مثلي، وأنا أخشاهُ وأتقاصـرُ عنهُ» معَ ما عندهُ منْ علمٍ وفضلٍ.
وقد سُئل الشيخ أبو حفص الموريتاني عن مؤلفات الشيخ عطية المضمَّنة في هذا الكتاب «الأعمال الكاملة»، فقال: «راجعتُ واطلعت على هذا الكتاب وهذا السفر العظيم للشيخ عطيَّة الله الليبي، وهو حقيقةً كتاب يستحقُّ القراءة، والشيخ من الشخصيات النادرة في الساحة الجهادية، والتي أثَّر غيابها عن الساحة سلبًا عليها، وأتاح الفرصة لآراء وأفكار أخرى كان بوجودها أثر سلبي في الساحة.. وللشيخ عطيَّةُ الله رسائل وفتاوى ولقاءات تبيِّن آراءه في بعض ما كانت تقوم به الجماعات الجهادية من أمور غير منضبطة من الناحية الشرعية، ومن أفكار فيها غلوٌّ وفيها عدم انضباط من الناحية الشرعية، وهذا ما يؤكِّد ما ذكرت من اتِّزانه واعتداله وانضباطه في أغلب وأكثر ما يقول».