• ظاهر القوم وباطنهم:
إذا تقرر أن للقوم ظاهرًا وباطنًا، فما هو ظاهرهم وما هو باطنهم:
أما ظاهرهم فهو المتحصل من دعاويهم وظواهر تعاملهم مع باقي المسلمين وأكثريتهم في الأمة وهم أهل السنة، ويمكن إجمال ذلك في خطوط عريضة:
(1) الادعاء بأننا جميعا مسلمون (سنة وشـيعة) ولا فرق بيننا إلا كما توجد الفروق بين مذاهب المسلمين ومدارسهم الفقهية، ولذلك فإنهم يركزون على جعل أنفسهم عند عوامِّ المسلمين من أهل السنة مذهبا خامسًا، وهو المذهب «الجعفري» زعموا، والمقصود بذلك خداع عوامّ المسلمين في أنحاء العالم ممن لا يعرف حقيقتهم بأنهم مذهبٌ كسائر المذاهب المعتبرة، وهو نوعٌ من الغش والكذب والتمويه جارٍ على أصولهم وأخلاقهم ودينهم الباطل المبني على الكذب.!
ولهذا تجدهم مثلًا عندما يعبّرون عن «البلوش» في إيران، يركزون على وصفهم بأنهم على المذهب الحنفي، وهكذا مع الأكراد في شمال غرب إيران إذا تحدثوا عنهم يحرصون على وصفهم أو وصف العالم من علمائهم مثلًا بأنه شافعيّ، وانظر إلى هذا المثال البسـيط:
«سقز المنفى الأخير: في ظروف جوية صعبة وبرد شتوي قارص لتلك المنطقة، أمضـى آية الله العظمى «المنتظري» أيام نفيه الأخير، وعلى الرغم من أن أهالي هذه المدينة كانوا علي غير مذهب سماحته (الشافعي) إلا أن محل إقامته أصبح مركزا للقائه بمختلف أبناء هذه المدينة، ومن جهة أخرى وإثر اعتقال العشـرات من أصدقاء وتلامذة سماحته جراء مشاركتهم في مراسم تخليد ذكرى انتفاضة الخامس عشـر من خرداد في المدرسة الفيضية، كشف السافاك الصلات التي تربط هؤلاء بسماحة الشـيخ المنتظري، ولذلك قرر اعتقال سماحته ونقله إلى طهران» اهـ٣٤٩من ترجمة آية الله منتظري، على موقعه على الانترنت باللغة العربية. [المؤلف].
فانظر إلى قولهم: إن مذهب أهالي المدينة المذكورة هو المذهب الشافعي، في مقابل مذهب المنتظري، وما هو مذهب المنتظري؟ إن مذهب «المنتظري» الذي يجب أن يُذكر في مقابل مذهب أهل تلك المدينة هو المذهب «الشـيعي الاثنا عشـري الإماميّ»، وعليه فيجب أن يذكر أن أهل المدينة مذهبهم (أهل سنة – شافعية) فتكون كلمة شافعي فرعًا عن كونهم أهل السنة، وهذا واضح لا يخفى، لكن هي طريقة القوم، وما هذا إلا مجرد مثال وحيد فقط مما وقع بين يدي الآن وأنا أكتب هذا المقال، وإلا فهذه سـياستهم لا يحيدون عنها مكرا وكيدا وتلبيسًا وخداعًا.!
ومن أجل خدمة هذا الغرض الاستراتيجي في سـياستهم (الادعاء بأنه لا فرق بين سني وشـيعي، وأننا جميعا مسلمون): أسسوا العديد من البرامج الدعوية والدعائية من مواسم ومناسبات ومؤتمرات وغيرها، واصطنعوا العديد من الشعارات وسخّروا لذلك العديد من القوى والوسائل الإعلامية والثقافية؛ فقد أسسوا في عهد «الخميني» وبعد نجاح ثورته بقليل، وباقتراح من «آية الله المنتظري» -على ما يقول أصحابه في ترجمته- إعلان الأسبوع الواقع في شهر ربيع الأول بين تاريخي ولادة النبي ﷺ على حسب تقويمي أهل السنة والشـيعة أسبوعًا للوحدة الإسلامية، هكذا أسموه: «أسبوع الوحدة الإسلامية»، ويحتفلون بإحيائه بالمؤتمرات الدعائية والثقافية كل عام في مناطق السنة على وجه الخصوص، وفي عموم إيران أيضا، ويركزون فيه على دعوة التقريب بين المذاهب ويستدعون فيه علماء ومفكرين وكتابا ودعاة من أنحاء العالم الإسلامي يحيون أيامه.
جاء في موقع آية الله «منتظري» على الانترنت في سـياق ذكر أعمال ومبادرات وإنجازات «المنتظري»: «الإعلان عن أسبوع الوحدة من أجل رص صفوف المسلمين واتحاد كلمتهم بعيدًا عن كل ما يشتت جمعهم ويفرقهم، ويقع هذا الأسبوع من اليوم الثاني عشـر من ربيع الأول حيث يري مورخو أهل السنة بأنه يصادف ميلاد النبي الأعظم (ص) واليوم السابع عشـر من هذا الشهر حيث يعتبر علماء ومؤرخو الشـيعة أن هذا اليوم هو يوم ميلاده (ص). وقد لقيت هذه المبادرة ترحيبًا واسعا من قبل كبار العلماء والشخصـيات العلمية منهم مراجع التقليد والإمام «الخميني» ومؤسسات الثورة الإسلامية ورجال الدولة» اهـ.
وأسسوا أيضا «مؤتمر التقريب بين المذاهب»، بالتعاون مع جهات سنية معروفة في العالم الإسلامي، وغير ذلك من المساعي الكبيرة لخدمة هذا الغرض من أغراضهم الذي هو عمودٌ من أعمدة سـياستهم.. أعني التظاهر بأنه لا فرق بين سني وشـيعي وأن الجميع مسلمون وإخوة، وأن الخلاف هو مجرد خلاف بين المذاهب والمدارس الإسلامية؛ كالفرق مثلًا بين الحنفيّ والمالكي والشافعي والحنبلي.!
(2) احتضان وتبنّي قضايا المسلمين الكبرى والتي لها التأثير البالغ في أمة الإسلام جمعاء، والتي تكون محلّ اتفاق بين جميع الأمة، وهذه مثالها الواضح ويكاد يكون الوحيد هو: «القضية الفلسطينية»، وسـيأتي مزيد كلام عليها إن شاء الله، لأنها في الأصل موضوع كلامنا، ومعلومٌ أن قضية فلسطين واحتلال المسجد الأقصى، ووجوب تحريرها وتخليصها من اليهود الغاصبين لعنهم الله، هذه مسألة لا خلاف عليها بين جميع طوائف الملة الإسلامية وأهل القبلة المنتسبين إلى الإسلام، حتى العلمانيين والزنادقة، وجميعُ النحل مشتركون مع عموم المسلمين في ذلك، فهي قضية إذن ليست محكًا من حيث هي، وإنما النظر في معتقد الإنسان ومنطلقاته وصحة منهجه.. إلخ.
(3) التظاهر عمومًا بحمل راية الإسلام، ومحاولة ملء الفراغ الحاصل في أمة الإسلام حيث لا دولة للإسلام على الحقيقة، والسعي لقيادة العالم الإسلامي بدعوى أنهم دولة إسلامية محضة (جمهورية إسلامية) و(ثورة إسلامية)، وهذا الغرض يستدعي تحقيقه استعمال لفظ «الإسلام» فقط والتظاهر الذكيّ بما مرّ في الفقرة رقم واحد، وعدم ذكر لفظ «شـيعة» ومشتقاته.
ومن أجل خدمة هذا الغرض من أغراض سـياستهم أيضا عملوا على تبنّي العديد من قضايا المسلمين، ودعم الكثير من شعوبهم الضعيفة وملء الفراغ الثقافي والإنساني في كثير من جهات العالم الإسلامي الممتحنة في أفريقيا وآسـيا وغيرها، فأنشأوا العديد من المؤسسات الثقافية الدعوية التي تنشـر الكتب والرسائل الدعوية وتبذل بسخاء، وتوزِّع ما لعله ملايين النسخ من الكتب والرسائل بالبريد وغيره في أنحاء العالم، ويتبعون في رسائلهم الدعوية (كتب صغيرة الحجم يسهل اقتناؤها وقراءتها) سـياسة في غاية الذكاء والمكر تعتمد على ما ذكرته في الفقرتين رقم واحد واثنين أعلاه، وتركز على التاريخ بروايتهم هم المشوّهة طبعا، وعلى نقد الفكر والعقل الإسلامي، وشـيء من الفلسفة الإنسانية والمنطقية، وإثارة التساؤلات والتنبيهات التي يريدون بها التوصل بالقارئ العادي العامّيّ إلى الميل إلى طريقهم ودينهم الباطل، ويجتنبون التصـريح بشـيء منفّر كسب الصحابة ونحوها من مسائل، غير أنهم يطعّمونها بشـيء مما يقتضيه التدرّج في الاستقطاب من خلال الطعن في معاوية h، ويزيد ابنه، وبني أمية عمومًا ثم بني العباس، وذكرهم بالظلم وإبراز «مظلومية آل البيت» على أيديهم، كما يزعمون وينمّقون، ويُظهرون كتاباتهم في صورة الفكر الإسلامي المتحرر المستنير الناقد للذات، وفي ثناياه التوجيه إلى «روايات آل البيت» و«المفاخر والمبادئ العاشورائية والحُسـينية» زعموا، وهكذا..!
وكانت فكرة «تصدير الثورة» وخاصة بُعيد نجاح ثورتهم الخمينية في إيران التي هي إحدى الفتن والمحن الكبرى لأهل الإسلام في العصـر الحديث، وكانوا حينها واقعين تحت طائلة نشوة الانتصار.. كانت هي العنوان البارز لمعظم تلك المحاولات والمساعي، فحاولوا على المستوى السـياسـي تبني الكثير من القضايا، لكن أكثر ذلك فشل واصطدم بصخرة اكتشاف حقيقتهم من قِـبَل الناس، ووقعوا ضحية طبيعية لحتميّة محدودية دينهم الوضعيّ المليّ الطائفيّ.! فإن الدين الذي عندهم والذي يحاولون الانطلاق منه دينٌ وضعيّ مبدل عن دين الله عز وجل (الإسلام) ذو طبيعة مليّة (أي قومية) وهي الفارسـية بالأساس (بالنسبة للإيرانيين) مخلوطة بدعاوى الانتساب لآل بيت النبي ﷺ، وطبيعة دين كهذا لا يناسبها العالمية مهما حاولوا، وهذا ما قصدته بالحتمية هنا.
وأما باطنهم الذي هو حقيقتهم بناء على ما تقدم ذكره من طرائق معرفة البواطن والحقائق حين يختلف الظاهر والباطن فيمكن أيضا إجماله في النقاط المختصـرة الآتية:
(1) أنهم فرقة منتسبة إلى الإسلام، وهم ينسبون أنفسهم إلى الإسلام حقيقةً، بمعنى أنهم لا ينتسبون إلى الإسلام تمويهًا على الخلق وهم في الباطن كفرة عند أنفسهم يدينون في الباطن بدين آخر كالمجوسـية أو اليهودية أو النصـرانية أو البوذية مثلًا، بل انتسابهم إلى الإسلام عند أنفسهم هو انتساب صادق من هذه الجهة وبهذا المعنى، إلا أنهم يريدون الإسلام كما يريدونه هم، أي على وَفق ما تهواه أنفسهم، لا كما أنزله الله عز وجل على محمّد ﷺ.! وهذه نقطة هامة تحتاج إلى مزيد شـرح.. ويُستثنى من ذلك كبارُ زنادقتهم من «مطوّري المذهب» الذين يعلمون علم اليقين أن ما هم عليه ليس هو دين الإسلام كما جاء به محمدٌ ﷺ، ولكنهم ارتضوا السـير في طريق الضلالة لأسبابٍ هي في أغلبها كأسباب كفرِ الرؤساء وأشـراف الأقوام ونحوهم ممن حصلت لهم امتيازات دنيوية ومادية وشـرفٌ وجاه اختاروه على الهدى، والعياذ بالله، وهؤلاء الزنادقة كثيرون فيهم، في طبقة علمائهم ومثقفيهم ومفكريهم وأهل الرياسة فيهم، قد نعرف بعضهم عينًا بالأدلة القوية الظاهرة.!
(2) وبالتالي فهم فرقة منتسبة إلى ملة الإسلام بحسب الدعوى وبحسب التظاهر، وبحسب الانتساب للاسم والعنوان (اسم الإسلام) لا بحسب الحقيقة ونفس الأمر، بل هم في الحقيقة مارقون من الإسلام مروقًا عظيمًا، متلبّسون بأنواع يشق حصـرها من المبادئ المخالفة لدين الإسلام من أساسه، من أنواع الشـرك والكفر المبين، وغيرها من الضلالات الاعتقادية والعملية والبدع والأهواء والفساد العريض..!
(3) فهم إذن على «دينٍ مبدّل» عن دين الإسلام، دينٍ وضعيّ، بمعنى أنهم وضعوه وصاغوه وأسسوه لأنفسهم وصار -مع الزمن والتطوير!!- نحلة لهم متوارثًا مخدومًا بأنواع الخدمة الإنسانية: مذاهب ومدارس علمية وتراث عملي وثقافة وأدب وفنون وكتب وكتّاب وتآليف.. إلخ، وصار له تاريخ ونشأت عليه دولٌ، ومرت عليه أجيال وأجيال وأجيال، فصار عند أهله ووارثيه شـيئًا لا يمكن التنصّل عنه إلا لمن تداركته رحمة الله عز وجل..!
(4) وهم (كلامنا هنا عن الإيرانيين بالأساس كمثال واضح) ينطلقون -في الجملة- من هذا الدين المذكور ومبادئه، فهو من أهم المبادئ والأسس التي ينطلقون منها، مضافًا إليها أساساتٌ ومبادئ ومنطلقات أخرى مثل الدوافع القومية المليّة الفارسـية والحضارية والتاريخية، والسـياسـية التوسّعية، وغيرها.
(5) وبالتالي فإنهم في الحقيقة لا يعتبرون أنفسهم جزءًا من أمة الإسلام بمعناها عندنا نحن أهل السنة، بل هم -عند أنفسهم- المسلمون الحقيقيون فقط، وهم بديل لأمة الإسلام، وشـيء آخر غيرها، لأنهم يرون أن «الأمة الإسلامية» هي أمة سنّيّة (أمة أهل السنة) يسـيطر عليها على مستوى القيادة وعلى مستوى القاعدة أهلُ السنة، وهم (الشـيعة) يناضلون من أجل أن يصلوا إلى قيادة الأمة، فتكون لهم القيادة والريادة.!
ومعلومٌ أنهم يعتقدون كفرَ أهل السنة على العموم، وعندهم تفاصـيل يُظهرونها والله أعلم ببواطنها تتعلق بعوامّ أهل السنة وجهلتهم، أما علماءُ أهل السنة وأهل التوحيد والتمسك بالسنة وما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهؤلاء عندهم كفارٌ قولا واحدًا..!
وهم يحبّون أن يطلقوا عليهم اليوم في عصـرنا هذا أسماء مموّهة كعادتهم مثل: «الوهابيين» و«التكفيريين» ونحوها، فضلا عن الاسم القديم المستعمل منذ القدم وهو «النواصب»، ومرادهم من ذلك واضح لجميع أهل العلم والفهم من أهل السنة لا يخفى..!
وهم يعتقدون أنهم لم يزالوا أقليَّة مضطهدة في أمة الإسلام من قِـبَـل جمهور المسلمين الذين هم أهل السنة، وقيادات المسلمين عبر التاريخ التي هي دولُ أهل السنة، من لدن دولة «الخلفاء الراشدين» إلى دولة «بني أمية» إلى دولة «بني العباس» وما بعدها أو في أثنائها من دويلات إلى دولة «العثمانيين» وإلى اليوم أيضا، باعتبار الدعوى والانتساب على الأقل بالنسبة لأكثر الدول المعاصـرة، وإنما قامت لهم هم دويلات صغيرة محدودة في بقاع قليلة من رقعة بلاد الإسلام، وآخرها دولتهم اليوم في إيران.
(6) وبالتالي فمن أجل تحقيق أغراضهم وغرضهم الأساسـي والأصـيل وهو الغلبة على أهل السنة والإمساك بقيادة الأمة الإسلامية فإنهم أنشأوا العديد من الوسائل لذلك من أهمها: إنشاء أحزاب ومنظمات شـيعية من أهل نحلتهم في كثير من بلاد المسلمين، ولا سـيما من البلدان التي لأهل نحلتهم فيها وجود كبلدان الجزيرة العربية والخليج ومعظم بلاد العجم الشـرقية وغيرها، والغالب أنهم يسمّونها «حزب الله»، فما الحزب المسمى حزب الله في لبنان إلا أحدها، ولكنه أكبرها وأهمّها بسبب الظروف والفرص «الجيوسـياسـية» وغيرها.
وبالتالي أيضا فإن أي سـياسات وأعمال جليلة يتظاهرون بها من مثل دعم وتبني القضية الفلسطينية وغيرها، فإنها منزّلة على هذا الأساس وعلى ما تقرر في النقاط السابقة، وما يتباهون به من ذكر قضية فلسطين والتركيز عليها في فكر وأعمال ومقالات إمامهم «الخميني»، كله لا يخرج عن كونه مثالا لسـياستهم التي تحدثنا عنها، والخميني هو من أهم واضعي ومقرري هذه السـياسة ومن أكبر أئمتها في العصـر الحديث.!